
حاوره: علي بنهرار
قال خالد لحسيكة، الأستاذ الباحث في علم اجتماع الأسرة والنوع الاجتماعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن “النقاش الدائر حول مدونة الأسرة يحاول أن يعيد للمدونة “القداسة” نفسها التي كانت عليها قبل سنة 2004″، مؤكدا أن “تحرير الدولة والمجتمع من مآزق تسييس حقل الأسرة، يحتاج إلى تنوع الأطر المنظمة للزواج والإرث والبنوة والحضانة وغيرها، أي وضع نمط الاختيار داخل المدونة”.
وأضاف الباحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي التابع للجامعة المذكورة أن “الإسلاميين في المغرب ما زالوا يتخذون من الأسرة والأخلاق رأسمالهم السياسي الوحيد أمام احتراق باقي أوراقهم السياسية”، مشيرا إلى “تقديم أنفسهم كحراس للهوية الجامعة ولنموذج أسري متخيل؛ لكنهم لا يفعلون شيئا للحفاظ وحماية هذه الأسرة التي يعتبرون أنفسهم حماة لها”.
ولفت المتحدث عينه إلى أن “هؤلاء المحافظين لا يتحرجون في صياغة سياسات تدمر قدرة الأسر والآباء على تلبية متطلبات العيش الكريم؛ فلا أحد من هؤلاء يتحدث عن خطورة المس بوسائل وظروف تأمين عيش الأسر وأفرادها”، مبرزا “ارتباط الأمر بقانون وضعي، وليس بمسألة دينية؛ وهو ما يؤكد أن خوف الإسلاميين وكل المحافظين على الشرع يصبح هوياتيا وحاسما فقط حين يتعلق الأمر بالأسرة وحقوق الأفراد”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
نص الحوار:
الملاحظ أن “تضخم التجاذبات السياسية” حول مدونة الأسرة جعل صوت الباحث فيه “مُبعدا” أو “محدودا”، رغم “الحسم السوسيولوجي” بأن المجتمع المغربي يعرف تحولات بنيوية.. هل من توضيحات تقدمها باعتبار نطاق تخصصك السوسيولوجي وحقل أبحاثك هو الأسرة؟
دعني أقدم تفصيلا صغيرا، وهو أن علم الاجتماع الأسري يعد من العلوم التي تحتاج باستمرار إلى إعادة تفحص وتعريف موضوع اشتغالها؛ فلفظ “أسرة” يحتمل تعددا مستمرا في المعاني والاستعمالات polysémique، ما يجعله مصدر التباس دائم. فمن زاوية نظر اجتماعية، تشير كلمة أسرة إلى وسط معيشي بعاداته ورموزه، وتشير كذلك إلى مؤسسة ذات تأثير محوري على مجموع البنيات الاجتماعية، ومجال أولي لتعلم العلاقات الاجتماعية، ومساحة تقاطب وسجال عمومي حول شرعية نماذج القيم والإكراهات الجمعية ذات المرجعية الأخلاقية المشتركة، وهي أيضا موضوع لتدخلات الدولة وللسياسات العمومية.
قد تستعمل كلمة أسرة للتعبير عن موضوعات مستجدة وغير مسبوقة؛ فدراسة العالم الأسري، بأبعاده المتشابكة وتعقيداته، توحي باستمرار بوجود شيء ما مستقر وممتد في الزمن الاجتماعي، وتوحي أيضا بخضوع هذا العالم للتغير الدائم. لهذا، تتراوح دراسات سوسيولوجيا العائلة بين البحث عن ثوابت مؤسسة invariants fondateurs، وملاحظة علامات التغير المسجلة في التاريخ. نحن، إذن، أمام واقعة تاريخية واجتماعية. تاريخية، لأن نظم العيش الأسري تخضع باستمرار، كما قلتَ، لتحولات وانتقالات في حجمها وبنيتها ووظائفها، طرق توزيعها للمواقع والمكانات والأدوار الاجتماعية بين أفرادها، وإعادة صياغة مستمرة لروابطها القرابية، وتحالفاتها وتبادلاتها العاطفية والاجتماعية. وهي واقعة اجتماعية لأنها شديدة التأثر بالتغيرات الحاصلة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي والقيمي، ومؤثرة كذلك في هذا المحيط؛ غير أن ما يميز التحولات البنيوية والعلائقية في المجال الأسري للمجتمع المغربي هو أنها تحولات جارفة ومتسارعة لم تستغرق سوى عقود لترسو في مشهدها السوسيو-ديمغرافي الحالي، في حين أن هذه التغيرات استغرقت قرونا في المجتمعات الصناعية، الأمر الذي يسَر فهم طبيعة هذه التحولات وآثارها على الأفراد والمجتمع من طرف الباحثين ومختلف الفاعلين .
(مقاطعا) لكن، لماذا ظل صوت الباحث خافتا في النقاشات الأخيرة؟
بالفعل، قد يبدو أن علماء اجتماع الأسرة أقل حضورا في النقاش العمومي الدائر حول مشكلات إصلاح القوانين المؤطرة للحياة الأسرية مقارنة مع المساهمات القوية لهؤلاء في تشخيص المشهد الأسري أثناء نقاشات تعديل المدونة في بداية القرن الحالي. ربما، لأن انتباه الباحثين والباحثات في مجال سوسيولوجية الحياة الأسرية والحميمية أصبح أكثر تركيزا على موضوعات فئوية ومساحات تخصصية فرعية، وقد يكون هذا الانكفاء ناتج عن حالة من الحذر العلمي المنهجي أمام حدة السجالات الإيديولوجية والسياسية المحيطة بحقل الأسرة والحياة الحميمية، رغم أن علم الاجتماع بطبيعته النقدية والتشخيصية يظل العلم الأكثر حساسية تجاه ظواهر الفقر والتمييز واللامساواة الاجتماعية بكل أبعادها وتجلياتها.
لكن، المشكلة الحقيقية أمام الاشتغال الطبيعي لعلماء اجتماع الأسرة يتمركز في ضعف المعطيات السوسيوديمغرافية التي يرتهن لها الباحث السوسيولوجي لصياغة فرضياته وأسئلته البحثية وبناء عينات ملاحظاته الميدانية. لدينا مشكل حقيقي في هذه المعطيات بالنسبة للمجتمع المغربي؛ آخر بحث وطني حول الأسرة أنجز سنة 1994، والمعطيات التفصيلية للإحصاءات الوطنية تنشر بعد سنوات من الإحصاء الوطني، ومركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية لم يعد يشتغل بنفس حيوية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ورغم نجاح هذا البحث الوطني في رسم اتجاهات وميولات التغير في المشهد السوسيو-ديموغرافي للأسرة في المجتمع المغربي، فإننا نفتقد للمعطيات الوطنية المحينة حول أبعاد وضعية التساكن واحتلال المجال المنزلي بين مكونات الأسر، وحول دينامية التضامنات والعلاقات القرابية والتبادلات الاجتماعية والخدماتية، ونفتقد كذلك للمعطيات الوطنية الدقيقة الواصفة لتعددية المشهد الأسري الذي أضحى تنوعه منكشفا عبر اتساع مساحات التعبير العمومي وانبثاق مجموعات وحركات اجتماعية تسعى إلى تجاوز حالة الحجب واختراق مساحات الاعتراف والاعتيادية المعيارية والاجتماعية، ونفتقد أيضا لمعطيات وطنية موضوعية ودقيقة حول خارطة الزواج والطلاق وأشكالهما المتنوعة. حالة اللبس الإحصائي والديمغرافي هذه أدت إلى ما نلاحظ من استعمالات إيديولوجية وسياسية لأرقام ومعطيات إحصائية انتقائية.
أريد أن نتوسع أكثر في مسألة التحولات التي تشهدها الأسرة. ما أثرته مهم، لكن هل يعني أننا وصلنا إلى التنبؤات التي تقدم بها السوسيولوجيون منذ القرن الماضي؟
بالفعل، فمسارات التحول الماكرو-سوسيولوجية في نظم العيش الأسري أضحت واضحة منذ البحث الوطني حول الأسرة لسنة 94/ 95؛ وهو ما أسميه باكتمال زمن التحول البنيوي وانبثاق زمن التحول العلائقي. فقانون تقلص البنيات والمساحات الاجتماعية للوحدات الأسرية المغربية أصبح شموليا وثابتا. تراجع نسب تساكن الوحدات الأسرية الحديثة مع الأسر الأصلية وانخفاض الخصوبة وهيمنة الخيارات الإنجابية والزواجية المخطط لها كلها تؤكد أننا، وفي مساحة زمنية قصيرة مقارنة مع المجتمعات الصناعية، أصبحنا أمام مجتمع ليست الأسرة من يصنع الزواج فيه، بل الزواج هو من يصنع الأسرة…
يمكن تلخيص العوامل المؤدية إلى هذا التحول في التصنيع والإجارة والتحضر، إضافة لتنامي الحركات الهجرية الداخلية والخارجية، وانعكاسات التزايد الديمغرافي على توازن حاجة الإنسان مع الموارد، وهيمنة الاقتصاد الاستهلاكي على كل مناحي حياة الأفراد والمجموعات، وتزايد النشاط الإنتاجي للنساء واندماجهن في النسيج السوسيواقتصادي، فضلا عن الاتساع التدريجي لدائرة استعمال موانع الحمل، والتقدم الحاصل في ديناميات ولوج النساء والرجال للتربية والتكوين. بالإضافة لهذا، عرفت مجموعات العصبية القرابية تفككا متعاظما، مقابل انبثاق ظواهر الفردانية داخل العالم الأسري واتجاهات إعادة صياغة العلاقات الأسرية الداخلية والخارجية.
(مقاطعا) هذه تحولات كونية إن شئت أن تقول…
بل يصعب عدم التسليم بأنه مسار تحول كوني في مجمله، حتى لو اتخذ أشكالا ثقافية ذات منحى خصوصي أو أبعادا رمزية مختلفة. فهي مرتبطة بطبيعة المجتمعات التي نعيشها. وأنماط الحياة الأسرية ارتبطت عبر التاريخ بأنماط العيش الاقتصادي والاجتماعي المحددة بدورها بنمط الإنتاج السائد وأشكال التدبير المجتمعي الأخرى. الفردانية مثلا ليست خيارا سيكولوجيا يتبناه الأفراد، بل هي نموذج مجتمعي وروح عصر على حد قول مونتيسكيو، تحدده القوانين والمؤسسات عبر المسؤولية الشخصية والمواطنة السياسية.
أعتقد أن تطور الأسرة المغربية يتجه أكثر نحو تعدد وتنوع غير مسبوق لبنياتها وأشكالها، ويفرز من خلال هذا الحراك أصنافا من الوحدات المنزلية الهشة. الوحدة المؤسساتية التي ظلت تميزها فيما قبل على مستوى التنظيم الاجتماعي عبر تراتبية عمرية تركز السلطة والرأي لدى الأكبر سنا، واقتصاديا من خلال توزيع العمل الأسري بشكل مبني على التقسيم الجنسي؛ وعلى مستوى الزواج، فسيادة علاقات التحالف بين الأسر هي بصدد التقلص والانكفاء نحو الحيز الرمزي، وبصدد التحول إلى رأسمال اجتماعي وثقافي يدبر به الأفراد اندماجهم في البنيات الحديثة.
كما أن تحولات القيم الموازية لتمركز حقل الأسرة والعيش الحميمي ضمن مساحات السجال العمومي، وتنوع رهانات العلاقات الاجتماعية وتفكك البنيات الأسرية والقرابية التقليدية، يفرض أكثر فأكثر مقاربة الحياة الأسرية كظاهرة تعددية، وكمسلسل علائقي ممتد في الزمن الاجتماعي لحياة الأفراد. انبثاق دينامية الفردانية وشخصنة العلاقات الأسرية الحميمية أفرزت وضعا عاطفيا واجتماعيا فريدا حيث الوحدات الأسرية المقلصة غيورة على استقلاليتها وعلى تبادلاتها العاطفية الداخلية، ومركزة بشكل جوهري على استقرار شخصية وسعادة أفرادها ونجاحهم الاجتماعي، فنحن أمام أشكال جديدة من الأبوة وعلاقات السلطة وتوزيع المكانات والأدوار الأسرية. كل هذه التغيرات العلائقية والثقافية تمنع من إعادة إنتاج للاندماجية مع قرابات الدم والزواج البعيدة.
استكشاف حالة التنوع في أنماط العيش الأسري والحميمي، بشكل قادر على دمج الأبعاد البنيوية والعلائقية في نفس البراديغم التحليلي، يحتاج خصوصا جهدا منهجيا لإحداث قطيعة معرفية مع الخطاب الاجتماعي والمناخ المعياري، الذي يصادر عملية المرور من حالة النموذج الأحادي، المُتخيل، نحو استكشاف التعدد في البنيات والعلاقات الأسرية، كالأسرة النووية، الأحادية الأب، الممتدة، المهاجرة، الأسرة المسيرة من طرف امرأة، الأسرة الناتجة عن زواجات مختلطة، الأسر المعاد تشكيلها، الأسر المكونة من شبكات أخوة، الأسر ذات الفرد الواحد، إله… وهذه التعددية هي ما سيحتاج أن يلتقطه القانون وأن يضمن للناس حق الاختيار.
الإسلاميون في المغرب وتيارات كثيرة تعارض هذا الخيار، وتتمسك باحترام الثوابت و”شكل الأسرة المغربي”، كما أن الأمر وصل حد “التجديف”.. هل من إضاءة سوسيولوجية؟
لاحظنا أن السجالات والتموقعات بلغت ذروة انبثاقها موازاة مع مشاريع الدمقرطة التي اعتمدتها الدولة مع بدايات القرن الحالي، واتخذ تبنينُها حول إشكالية العلاقة بين الحق والقانون بالمجتمع شكل استدراك تاريخي لضرورة المصاحبة القانونية والمعيارية والسياسية للتحولات العميقة التي تدفع المجتمع بقوة العوامل الاقتصادية والمجالية والثقافية المعولمة نحو أشكال ما من التحديث. بكل ما يعنيه منطق التحول هذا من تعديل للبناءات الهوياتية للدولة والمجتمع.
تنتفي بذلك مرحلة كاملة من قداسة وتعالي آليات الضبط القانوني والمعياري لحقل الأسرة والمرأة والجنس، وتدشن مرحلة جديدة قائمة على التفاوض والنقاش العمومي، يعمد الفاعلون انطلاقا من مختلف مواقعهم ومصالحهم على مصالحة التغير مع التاريخ المفترض والواقعي، ومعالجة المعاش الفردي والجماعي في الحياة الجنسية والأسرية ضمن آليات حديثة تحتسب القوة الاجتماعية والتزامات الدولة وتوازناتها الداخلية وراء المطلب الاجتماعي، وقدرته على تفادي حواجز المرجعية بأنواعها، الخاضعة بدورها لإعادة صياغة دائمة بضغط من السجالات الإيديولوجية والمعيارية المستمرة. خطاب إصلاح القوانين المنظمة لحقل الأسرة، بتكسيره لحاجز القداسة، انتهى إلى تثوير غير مسبوق لبنية النقاش والتعبير العمومي.
ولقد اتسمت السنوات الأخيرة ببروز خارطة للمطالب الاجتماعية والثقافية مغايرة لما كان عليه الحال في السنوات السابقة. وكأن انهيار جدار قداسة الأسرة وانتقال وضعية الفاعل الديني من وضعية المهيمن على حقل المرأة والأسرة والجنس إلى وضعية الطرف المعني بالتفاوض والسجال جعلت من الممكن انبثاق عارم للمطالب الاجتماعية الرافضة لكل أشكال التمييز المبني على هويات النوع الاجتماعي المختلفة، وانبثاق مطالب تكثف خصوصية الجسد والحرية الشخصية.
كان لحالة التقاطب السياسي والإيديولوجي بين المحافظين بمختلف أصنافهم والحركات الاجتماعية المطالبة بإصلاح القوانين المنظمة لحقل الأسرة والحميمي دور أساسي في إخراج موضوعات الحياة الخصوصية من دائرة الحجب التي سادت طوال عقود، وحرمت الأسرة المغربية من أي نوع من السياسة الاجتماعية العمومية تقوي قدرتها على القيام بوظائفها في تأمين استقرار شخصية الراشدين وضمان تنشئة اجتماعية متكافئة لكل الأطفال، وتقوي قدرتها على مواجهة مخاطر الهشاشة البنيوية والعلائقية التي تميز الأسرة النووية الحديثة؛ لكن هذا التسييس المفرط للموضوعات الأسرية وانحسار السجال في المستويات الإيديولوجية حوله إلى سجال عقيم يكرس حالة من الاحتباس السياسي تتحول فيها قضايا الشأن الأسري، التي تتطلب معالجة اجتماعية وقانونية ومؤسساتية عاجلة مجرد موضوعات لرهانات السلطة والتسلط. مرة باسم المدخل القيمي، ومرات باسم المرجعية والصفاء الهوياتي.
(مقاطعا) الحركة الحقوقية، وخصوصا النسائية، تعتبر أن لها دورا أساسيا في تكسير هذه القداسة…
نعم، وأنا أتصور أنه إذا كانت المشكلة لدى الحركة النسائية تتمثل أساسا في ضعف قدرتها على تحويل مشروعها إلى مشروع مجتمعي منفتح على نموذج أسري مساواتي يراعي تطلعات واحتياجات كل مكونات العالم الأسري عبر تكريس ثقافة التشاور والتفاوض والانتصار لميول التفاهم على ميول النزاع، فإن مشكلة المحافظين بكل أصنافهم يتجلى أساسا في ضعف انخراطهم العملي والفكري في دينامية تملك موضوعات العيش الأسري تملكا حقيقيا عبر اقتراح سياسات اجتماعية لإخراج فئات أسرية من حالة الهشاشة.
اعتماد المدخل القيمي مدخلا وحيدا لفهم وإنتاج خطابات سياسية حول الأسرة يبرز الرأي المحافظ والتيارات الإسلامية منها على الخصوص كمن يرفض التغيير ليس لأن له آراء وحلولا مغايرة؛ بل لأن مجموع هذه القضايا المتصلة بالعيش الأسري والحميمي تشكل رأسماله السياسي والاجتماعي الذي بدونه يفقد هذا التيار كل الحمولة الأخلاقية التي يغطي بها برامجه النيوليبرالية. اللجوء إلى التجديف يكشف عن حالة توتر مزمنة لدى هذا الرأي عند كل نقاش عمومي حول موضوعات الأسرة.
لكن واقع الحال هو افتقاد هذا الأسلوب في التعاطي مع موضوعات الأسرة لجزء كبير من شرعيته، حيث يبدو من الصعب تفهم التبريرات الأخلاقية والهوياتية الصادرة من طرف تيار لم يدخر جهدا في تدمير جزء مهم من المكتسبات الأسرية في مجال السياسات العمومية، ولم يتردد في تنفيذ سياسات نيوليبرالية ساهمت في تعميق مظاهر الفقر والهشاشة لدى فئات أسرية عريضة، بل ولم ينتج برنامجا وحيدا يمكنه احتسابه على موقف حماية الأسرة وتأمين استقرارها. النموذج الأسري المتخيل والأخلاق هما الرأسمال المتبقي أمام ورقة سياسية احترقت بعد الدخول إلى دواليب صناعة القرار، ولكن دون تقديم مقترحات واقعية تستجيب لما نعيشه من تحولات عميقة.
أعتقد أن تضخم الخطاب السياسي والإيديولوجي حول الأسرة يحجب على الفاعلين العموميين قدرة الانتباه ومعالجة مظاهر التعدد في نظم العيش الأسري واكتشاف التعدد في المشكلات والاحتياجات الخاصة بها. ضعف أو غياب سياسات اجتماعية عمومية في المجال الأسري في جزء مهم منه نتاج لحالة المصادرة والتوظيف السياسي التي تعيشها مختلف قضايا العيش الأسري. فبعد أكثر من سبعة عقود من الاستقلال، لا يزال الفاعل العمومي المغربي عاجزا على تبني برامج اجتماعية تتدخل بفعالية لمساعدة الأسر في تأدية وظائفها وتمكينها من المناخ المعياري والقانوني الذي يجعل الفاعلين الأسريين قادرين على تملك التغيرات الجارية في حياتهم ومحيطهم الاجتماعي، وقادرين على استبدال ثقافة التفوق الجنسي والنزاع بثقافة الحوار والتشاور والتفاوض المعترف بخصوصية الآخر الشريك أو الابن والبنت أو القريب وحقه في الاستقلالية والمصلحة الشخصية.
والتدبير العمومي يصطدم أحيانا بواقع في قمة التعقيد…
نعم، لكن المشكلات المرتبطة بالأسرة والزواج لم تعد خاضعة لميكانيزمات الستر والإخفاء؛ فاتساع مساحات التعبير الاجتماعي فكك كل أدوات الضبط والرقابة الاجتماعية التي كان المجتمع يستند عليها لحجب ما لا يتماشى مع النظم المعيارية السائدة. فموضوعات مثل تردي وهشاشة أوضاع المسنين والأسر التي تحتضن أشخاصا في وضعية إعاقة أو أشخاص في وضعية تبعية قصوى، وأوضاع الأطفال المنجبين خارج مؤسسة الزواج وما يعانونه من فقدان للهوية، والأمهات العازبات وأطفالهن وما يعانينه من تمييز وعنف وإقصاء، والأسر الفقيرة بكل أصنافها، ومشكلات ولوج الأسر القروية وأطفالها إلى الخدمات الاجتماعية الضرورية للعيش الكريم، إضافة إلى التعددية الواقعية في طرق الزواج والمعاشرة من زواجات عرفية وزواجات بالكونطرا ومعاشرات خارج النظم المؤسساتية والقانونية، ومشكلات تدبير الطلاق وتداعياته… كلها مساحات اجتماعية تستدعي تدبيرا عموميا بلا خطابات إيديولوجية وأخلاقية تكرس الإقصاء والتمييز وثقافة التفوق الجنسي والتعالي الطبقي وتحاول استعادة القداسة للمدونة.
تقصد أن الإسلاميين في المغرب يحاولون “إعادة القداسة” إلى المدونة بهذه الخرجات المشحونة؟
للأسف، يكتفي هؤلاء في المغرب بتقديم نفسهم كحراس للهوية الجامعة ولنموذج أسري متخيل؛ لكنهم لا يفعلون شيئا للحفاظ على هذه الأسرة التي يعتبرون أنفسهم حماة لها. منذ ما قبل 2004، ما زالت تحضر في تعابيرهم مفاهيم من قبيل “الشرع”. والحال أنه لا علاقة للشرع بالموضوع، ما دمنا أمام مدونة للأسرة. نحن نناقش قانونا وليس مسألة دينية. خوف الإسلاميين وكل المحافظين على الشرع يصبح هوياتيا وحاسما فقط حين يتعلق الأمر بالأسرة وحقوق الأفراد. أما حين يتعلق الأمر بسياسات تدمر قدرة الأسر والآباء على تلبية متطلبات العيش الكريم فلا أحد من هؤلاء يتحدث عن خطورة المس بوسائل وظروف تأمين عيش الأسر وأفرادها. قانون الأسرة هو قانون نزاعات لا يلجأ إليه بعد الزواج إلا نسبة ضئيلة من الأشخاص. إنه، إذن، رهان سلطة سياسي ورمزي لا يهتم كثيرا للأوضاع الواقعية للأسر؛ بل ينشغل فيه الفاعلون برصيدهم الإيديولوجي وبمصالحهم ومواقعهم الاجتماعية المرتبطة بهذا الرصيد.
وما العمل، إذن، بعبارة لينين الشهيرة؟
علينا أن نتفق أولا على أن المدخل القيمي لا يساعد في تشخيص أوضاع واحتياجات الأسر والأفراد لنظم تشريعية ومعيارية متصالحة مع التغيرات والأحوال الواقعية التي تحيط بهم. الأسرة ليست مجالا لصناعة القيم، بل هي بالأحرى مجال لتداول النماذج القيمية والثقافية من خلال استراتيجيات تنميق يلجأ عبرها الأفراد إلى سجلات قيمية مختلفة لتدبير مصالحهم واحتياجاتهم، ولتدبير وجود اجتماعي معقد في مناخ يعج بالسجال والتقاطب الإيديولوجي والسياسي لا مجال فيه لصياغة تعاقدات كفيلة بمصالحة المجتمع مع واقع تغيره، ومفتقر لميكانيزمات تفاوض مؤسساتي قادرة على تدبير هذه التنازعات.
أتصور أن صياغة المدونة كقانون وكنظام معياري وتشريعي يجب أن يكرس الاعتراف بهذا التعدد الحاصل في البنيات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للأسرة في المجتمع المغربي، وعليه أيضا أن ينبني على احترام تطلعات الأفراد إلى عيش كريم يسوده الاعتراف بالخصوصية والاستقلالية والتنوع في اختيارات هؤلاء الأفراد لطرق عيشهم، وحمايتهم من كل أشكال التمييز والوصم والإبعاد عن مساحات الاعتيادية والتثمين المعياري…
نحتاج نظاما قانونيا يحترم ذكاء الناس وحقهم في الاختيار، مثل ما هو معمول به في مجمل دول العالم الديمقراطية. تعددية أشكال العيش الأسري وتعددية النماذج الثقافية والقيمية المؤطرة للنقاش والحياة العمومية تتطلب اعترافا تشريعيا بتنوع رهانات الأفراد والأسر؛ فالمشكل ليس مشكل مرجعيات، فكل المرجعيات تحمل في داخلها ما يتيح اعترافا بحقوق الأفراد في اختيار طريقة عيشهم. إن تنوع الأطر المنظمة للزواج والإرث والبنوة والحضانة وغيرها يبدو لي سبيلا لتحرير الدولة والمجتمع من مأزق تسييس حقل الأسرة والحميمي وقانون الأسرة وإضفاء الطابع الإيديولوجي عليها.
تجاوز حالة المصادرة هذه قد يجعلنا أمام مشهد عمومي يكون فيه المحافظ معنيا بالمشكلات الاجتماعية للأسر وحاملا لحلول حمائية وسياسات مقوية لهذا النسيج الأسري المعرض باستمرار للهشاشة والتفكك، وتكون فيه الحركات الاجتماعية وعموم الديمقراطيين معنيين بالأبعاد المجتمعية الكلية للمشكلات الفئوية.