بوعلام صنصال.. كاتب يزعج نظام العسكر الجزائري بمواقفه الداعمة لمغربية الصحراء

أثار اعتقال الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال جدلاً واسعاً تجاوز الحدود الجزائرية ليصبح قضية رأي عام دولية، مسلطاً الضوء على تعقيدات العلاقة بين الفكر والسلطة، ومضيفاً طبقة جديدة من التوتر في العلاقات الجزائرية-الفرنسية.

وصل صنصال إلى الجزائر في 16 نوفمبر 2024 قادماً من فرنسا، ليجد نفسه قيد الاعتقال بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري، التي تُستخدم عادة في ملاحقة الجرائم المهددة لأمن الدولة. ووُضع الكاتب رهن الاحتجاز في وحدة طبية بالعاصمة الجزائرية، حيث تخضع حالته الصحية للمراقبة، فيما أكد فريق دفاعه عدم تعرضه لسوء معاملة.

ورغم ذلك، أثار توقيفه تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء القرار، خاصةً أن صنصال يُعرف بآرائه الناقدة للنظام الجزائري. فريق دفاعه، بقيادة المحامي الفرنسي فرنسوا زيمراي، اعتبر التهم الموجهة له تفتقر للأدلة، وقدم طعناً قانونياً على قرار الاحتجاز.

وطوال مسيرته الأدبية، شكل بوعلام صنصال صوتاً ناقداً للنظام الجزائري، في رواياته ومقالاته وخرجاته الإعلامية، إذ عمد مرارا إلى تسليط الضوء على ما يراه “فساداً واستبداداً في الحكم”، ووجه انتقادات لاذعة للطبقة السياسية في بلده، ومن أبرز مواقفه المثيرة للجدل دفاعه عن قضية الصحراء وهو يؤيد مغربيتها ويوجه اتهامات للقيادة الجزائرية باستخدام القضية كأداة لتحقيق مصالحها الجيوسياسية.

وهذا الموقف جعله في مواجهة مباشرة مع النظام الجزائري، الذي يعتبر أي تعاطف مع الموقف المغربي في ملف الصحراء خيانة للتوجه الرسمي، فيما موقفه هذا أكسبه دعماً بين المثقفين المغاربة، لكنه زاد من عداء السلطات الجزائرية له، سيما وأن بوعلام صنصال ليس كاتباً تقليدياً، بل يوظف الأدب ليحارب ما يراه اختلالات في النظام السياسي والاجتماعي.

وروايات بوعلام، مثل “قسم البرابرة” و”2084: نهاية العالم”، تحمل أبعاداً سياسية ورمزية قوية، فانتقاداته تجاوزت الجزائر لتطال مفاهيم أوسع مثل الاستبداد الديني والسياسي في العالم العربي، لكن تركيزه على الجزائر، ووصفه للنظام بـ”السلطوي الذي يعيش على إرث الماضي”، جعله هدفاً دائماً للسلطات، فيما هو في إثارة الجدل من خلال دعواته للتغيير ورفضه للصمت.

ولقي اعتقال صنصال صدى واسعاً في فرنسا، حيث اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن التوقيف “غير مبرر وغير مقبول”، وهذه التصريحات الرسمية الفرنسية، إلى جانب متابعة السفارة الفرنسية في الجزائر للقضية، تعكس حساسية المسألة في سياق العلاقات الثنائية بين البلدين بعدما تصاعد التوترات حول قضايا متعددة، أبرزها ملف الذاكرة الاستعمارية والتقارب المغربي الفرنسي واعتراف باريس بمغربية الصحراء، لتأتي بعد ذلك قضية صنصال لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، حيث ينظر إليها كاختبار جديد للدبلوماسية الفرنسية في التعامل مع الجزائر.

وقال بارو في تصريحات لقناة “فرانس إنفو تي في” الإخبارية “لا شيء في أنشطة بوعلام صنصال يعطي صدقية للاتهامات التي أدت إلى سجنه” في الجزائر إثر توقيفه في مطار العاصمة أواسط الشهر الحالي، مضيفا “اعتقال كاتب فرنسي بشكل غير مبرر” أمر “غير مقبول، وخدمات الدولة في الجزائر العاصمة وباريس على السواء في حالة استنفار كامل لمراقبة وضعه والسماح له بنيل الحماية القنصلية”.

من جهة ثانية، فإن الجدل حول اعتقال صنصال ليس مجرد قضية حقوقية، بل يحمل دلالات سياسية وثقافية عميقة، فالمدافعون عن صنصال يرون في توقيفه محاولة جديدة لتكميم الأفواه المعارضة، خاصة تلك التي تتحدى الرواية الرسمية حول قضايا إقليمية حساسة مثل الصحراء المغربية، وعلى الجانب الآخر، يتحدث أنصار النظام عن ضرورة الحفاظ على أمن الدولة، مبررين الإجراءات القانونية المتخذة ضده، بيد أن استمرار الاحتجاز قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على الجزائر، لا سيما من منظمات حقوقية ومؤسسات إعلامية.

وكان المدعي العام لمكافحة الإرهاب في الجزائر العاصمة، قد استجوب الكاتب الفرنسي الجزائري وأصدر في حقه مذكرة توقيف، حسب محاميه فرنسوا زيمراي، الذي أكد أن موكله صنصال ” توجه بثقة إلى الجزائر العاصمة، هو اليوم رهن الاحتجاز بموجب المادة 87 مكرر من قانون العقوبات الجزائري التي تعاقب مجمل الاعتداءات على أمن الدولة، حيث وجهت إليه العديد من التهم بعضها يتعلق بجناية التخابر مع جهات أجنبية، منها أنه كان “ينقل أخبارا ومعلومات للسفير الفرنسي بالجزائر في وقت سابق”.

وكان الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال قد قدم أمام نيابة المحكمة في أعقاب توقيفه قبل أسبوع بمطار هواري بومدين الدولي لدى وصوله للجزائر، حيث تم التحقيق معه بخصوص تصريحاته المشكّكة في تاريخ الجزائر ويربط فيها بين الأزمات المتوالية الحاصلة بين المغرب والجزائر، وبين قيام الاستعمار الفرنسي باقتطاع أجزاء من أراضي شرق المملكة وضمها إلى الأراضي الجزائرية قبل تأسيس الدولة هناك إثر الاستقلال سنة 1962.

وأوضح صنصال أن مناطق مثل تلمسان ووهران وبسكرة كانت في الأصل جزءًا من المغرب، قبل أن تضمها فرنسا إلى الجزائر خلال حقبتها الاستعمارية، مشيرا إلى أن الغرب الجزائري كان تاريخيا تابعا للإمبراطورية المغربية.

وحسب صنصال، فإن الجزائر طلبت دعم المغرب في نضالها من أجل الاستقلال عام 1954، مقابل وعد بإعادة الأراضي المقتطعة، مبرزا أن الجزائر نكثت بوعدها بعد الاستقلال، ما أدى إلى اندلاع حرب الرمال بين البلدين عام 1963. وكانت وكالة الأنباء الجزائرية قد نشرت برقية وصفت صنصال بمحترف التزييف الذي وقع في شر أعماله.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق