أخر المستجدات

الأكثر قراءة

الرئيسيةدوليمن “صدمة الحراك” إلى “مزرعة المرادية”.. كيف عسكر نظام الجزائر الفضاء الرقمي...

من “صدمة الحراك” إلى “مزرعة المرادية”.. كيف عسكر نظام الجزائر الفضاء الرقمي لابتلاع المعارضة؟

عبد المالك أهلال

لم يكن شهر فبراير من عام 2019 مجرد محطة عابرة في التاريخ السياسي المعاصر للجزائر، بل شكل لحظة فارقة كسرت عقودا من الجمود. فما بدأ كرفض شعبي لترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، سرعان ما تحول إلى “حراك شعبي” جارف، رفع سقف المطالب نحو التغيير الجذري، واجتثاث الفساد، وإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، برز الفضاء الرقمي كقوة ضاربة أربكت حسابات السلطة، محولا منصات التواصل الاجتماعي من مجرد مساحات للدردشة إلى ساحات للتعبئة، وكسر التعتيم، وصناعة الوعي.

لكن، ومع انحسار موجة الحراك تحت وطأة جائحة كورونا والاعتقالات الممنهجة، تبدلت موازين القوى. المؤسسة العسكرية الحاكمة، التي استوعبت قسوة “الصدمة الرقمية”، لم تقف مكتوفة الأيدي، بل أطلقت استراتيجية مضادة حولت بموجبها منصات التواصل الاجتماعي من أداة للتحرر الديمقراطي، إلى ساحة مفتوحة لـ”التسلط الرقمي”، عبر جيوش من “الذباب الإلكتروني” وترسانة قانونية زجرية، في محاولة يائسة لاستعادة الهيمنة على سردية الشارع.

البديل الذي أسقط جدار الصمت

لفهم حجم الذعر الذي أصاب السلطة الجزائرية، لابد من العودة إلى الدور المحوري الذي لعبته منصات التواصل إبان الحراك. وهو ما تؤكده دراسة ميدانية كان معهد الجزيرة للإعلام قد نشرها سنة 2020، والتي كشفت كيف تحول موقع “فيسبوك” إلى فضاء عمومي معارض استطاع من خلاله الشباب تجاوز مقص الرقيب وتهميش الإعلام الرسمي.

وتشير معطيات الدراسة إلى تحول مجتمعي لافت، تمثل في تصدر الطالبات الجامعيات للمشهد الرقمي كفاعلات أساسيات في النقاش السياسي. فقد سجلت الإناث تفوقا في الاعتماد على “فيسبوك” كمصدر أولي لأخبار الحراك بنسبة بلغت 71.66% مقابل 58.82% للذكور، ما يعكس نجاحا نسويا في كسر الصور النمطية وإيجاد مساحة حرة للتعبير. ورغم أن 84% من الطلبة المستجوبين استخدموا هوياتهم الحقيقية بوعي وشجاعة سياسية، إلا أن فئة من الإناث اضطرت لاستخدام أسماء مستعارة لتفادي الصدامات المجتمعية والسياسية.

هذا الارتباط الوثيق بين الشارع والفضاء الافتراضي، تجلى بوضوح في ذروة التفاعل الرقمي التي تزامنت مع أيام الاحتجاجات الميدانية (الجمعة بنسبة 33%، يليه الثلاثاء المخصص لمسيرات الطلبة). ورغم عزوف 72% عن استخدام “البث المباشر” بسبب التعطيل المتعمد لشبكة الإنترنت من قبل السلطات، أقر 84% من الطلبة بأن المنصة أسست لثقافة سياسية جديدة وعوضت غياب الإعلام المهني، رغم حذرهم المتزايد من الأخبار المزيفة.

استراتيجية “التلوث المعلوماتي”

هذا التحول العميق في وعي الشارع، دفع النظام الجزائري إلى تغيير قواعد اللعبة. وفي قراءته لهذا التحول، كشف عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” والكاتب العام لتحالف المنظمات الصحراوية غير الحكومية، في تصريح خاص لجريدة “العمق”، أن “المنظومة السياسية الجزائرية تشهد تحولا بنيويا عميقا في استراتيجيات التعاطي مع الفضاء الرقمي، حيث انتقلت السلطات من مرحلة التقييد الدفاعي المتمثل في حجب المواقع وقطع تدفق الإنترنت، إلى نموذج هجومي متطور يعرف بالتسلط الرقمي”.

ويوضح الخبير الحقوقي أن هذا الانتقال يمثل “إعادة صياغة جذرية لآليات الضبط الاجتماعي، حيث تم استبدال الرقابة الفظة باستراتيجية التلوث المعلوماتي والاستثمار المكثف في أدوات التحكم الخطابي، سعيا وراء استعادة الهيمنة على السردية العامة وتحييد القدرات التعبوية لمنصات التواصل الاجتماعي”.

ويؤكد الكاين أن السلطات، وبعد إدراكها لعدم استدامة العزلة الرقمية، “انتقلت الدولة إلى مأسسة ما يوصف بالميليشيات الإلكترونية أو الذباب الإلكتروني كحجر زاوية في استراتيجيتها الهجومية”، مشيرا إلى أن مهامها تتجاوز الدعاية إلى “المضايقة الرقمية للمعارضين والتبليغ الجماعي لتعطيل حساباتهم”.

وتترافق هذه الممارسات مع “استراتيجية التضليل بالتحويل” التي تسعى، وفق المتحدث، “لصرف انتباه الرأي العام عن المظالم السياسية الداخلية نحو قضايا قومية أو تهديدات خارجية مفتعلة، كما يحدث من محاولات يائسة الى جعل قضية الصحراء المغربية قضية وطنية جزائرية، وخلق عدو خارجي خطره داهم في إشارة صريحة الى المملكة المغربية لصرف نظر أمواج من الغاضبين عن قضيتهم الأساسية”.

وقال الكاين إن الأمر لم يقف عند التلاعب الخوارزمي و”التجييش الاصطناعي” لخنق أصوات المعارضة، بل امتد ليشمل “الهندسة القانونية للقمع”، حيث يبرز “القانون 20-06” الذي شكل “غطاء قانونيا للاحتجاز التعسفي والملاحقة القضائية لمستخدمي الفضاء الرقمي لمجرد التفاعل مع محتوى نقدي”، وهو ما يعد خرقا صريحا للمواثيق الدولية، ويضع الفكر النقدي تحت طائلة تهمة “العمالة للأيادي الأجنبية”.

هوس تبون وهندسة التضليل

خلف هذه الاستراتيجية الشاملة، تقف بنية تشغيلية سرية تدار من أعلى هرم السلطة. وفي هذا السياق، كشف المعارض والناشط الإعلامي الجزائري وليد كبير، في تصريح لـ”العمق”، عن إقدام الرئيس عبد المجيد تبون على إنشاء مزرعة لـ”الذباب الإلكتروني” داخل قصر المرادية الرئاسي، مؤكدا أن السلطات الجزائرية تعيش حالة من “الهوس” والرعب من الفضاء الرقمي الذي تسعى للسيطرة عليه بمختلف الطرق.

وأوضح المتحدث ذاته، أن هذه “المزرعة الإلكترونية” تتواجد بالطابق الثالث في مبنى مديرية الإعلام والاتصال التابعة للرئاسة، مشيرا إلى أنها تضم فريقا مكونا من 15 شخصا يشتغلون خارج الإطار الدستوري وبدون مراسيم تعيين رسمية في الجريدة الرسمية، حيث تم استقدامهم من طرف المخابرات الداخلية بهدف التأثير على الرأي العام، ومهاجمة الدول والشخصيات، فضلا عن ضرب مصداقية المعارضين لسياسة النظام الحاكم.

وأضاف كبير في حديثه لجريدة “العمق”، أن النظام الجزائري يخشى كثيرا مما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي، مبرزا أن موقع “فيسبوك” لعب دورا محوريا واستراتيجيا أثناء حراك سنة 2019 في كسر التعتيم الإعلامي ورفع الوعي السياسي لدى جميع فئات المجتمع، وهو ما دفع السلطات إلى تشديد الخناق والتضييق الرقمي خوفا من اندلاع ثورة حقيقية تفضي إلى سقوط النظام.

وأكد الناشط الجزائري أن الاستثمار المكثف للسلطات في “الذباب الإلكتروني” يرافقه تقييد واسع للفضاء الرقمي، مبرزا أن الأجهزة الأمنية تعتقل المواطنين لمجرد الضغط على زر الإعجاب في بعض المنشورات، كما تلجأ بشكل يومي إلى محاولات اختراق وقرصنة حسابات المعارضين، وذلك لوعيها التام بقوة هذه المنصات وضعف وسائل الإعلام التقليدية والبديلة التابعة لها في توجيه الشارع.

وأشار المصدر ذاته إلى استراتيجية صناعة الرأي العام الموجه التي نهجتها السلطات الاستخباراتية خلال السنتين الأخيرتين لمواجهة الإعلام البديل، مستدلا بحادثة وقعت بمدينة البليدة تزامنا مع زيارة سابقة لبابا الفاتيكان، حيث حاول النظام التغطية على “عملية انتحارية” بنشر الأكاذيب ونفي الواقعة، رغم توثيقها من طرف الحاضرين في عين المكان، ليلجأ ذباب النظام العسكري إلى ترويج ادعاءات تعتبر أن ما وقع مجرد انفجار “قارورة” أو مقاطع مصممة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما كذبته تحذيرات الحكومات الغربية لرعاياها من زيارة تلك المناطق.

وخلص المعارض وليد كبير في تصريحه، إلى أن النظام الجزائري يعاني من “عقدة” حقيقية تجاه وسائل التواصل الاجتماعي بسبب أزمة الشرعية التي يمر منها، كاشفا أن الرئيس عبد المجيد تبون يقضي شخصيا وقتا طويلا في تصفح هذه المنصات ويوليها اهتماما مبالغا فيه، مما يفسر لجوء السلطات إلى الاستثمار الاستباقي في المنصات الرقمية واستعمال أساليب مختلفة لمحاولة إحكام السيطرة التامة على الفضاء الرقمي بالبلاد وتزييف الحقائق، وفق تعبيره.

معركة مؤجلة

يكشف المشهد الجزائري اليوم عن مرحلة جديدة في علاقة السلطة بالفضاء الرقمي، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي من أدوات ساهمت في تأجيج الحراك الشعبي سنة 2019 إلى ساحات تخوض فيها الدولة معارك التأثير وصناعة السرديات وتوجيه الرأي العام. وبينما نجحت المقاربة الأمنية والرقمية، إلى حد بعيد، في تطويق موجة الاحتجاجات وإعادة ضبط المجال الافتراضي، فإن الأسئلة التي فجّرها الحراك حول الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ما تزال حاضرة في وعي شريحة واسعة من الجزائريين، ما يجعل هدوء المشهد الحالي أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منه إلى طي نهائي لصفحة الاحتجاج والتغيير.

إقرأ الخبر من مصدره

مقالات ذات صلة