
بنسماعيل عدنان – كود ///
أثارت وفاة الفنان أحمد جواد بطريقة مأساوية مشاعر أسف وتضامن واندهاش، كما أثارت ردود أفعال تدين وزارة الثقافة وتحملها مسؤولية الفاجعة، وأخرى تطالب بفتح تحقيق في أسباب ما وقع.
لم يكن القتيل معروفا خارج دائرة ضيقة من المثقفين، حسب ما يظهر، ولم تكن أيضا أسباب احتجاجه على وزارة الثقافة معروفة للعموم. لكن حسب ما نشر يبدو أنه كان يحتج أولا على تقاعده في درجة إدارية متدنية مطالبا بترقيته، وثانيا على عدم شراء وزارة الثقافة مسرحياته.
الله أعلم بالأمور الإدارية التي تخص الراحل والإدارة التي تقاعد منها، قد يكون محقا وقد لا يكون.
الله والوزارة أيضا أعلمان بما قيل عن شراء عروض لمسرحياته. قد تكون الأخيرة محقة وقد لا تكون.
البكا مور الميت خسارة
لكن المثير للانتباه في هذه المأساة هو فكرة الحق في بيع عمل مسرحي للدولة وتطبيع الرأي العام المثقف والنخب عموما مع هذا المنطق. لا يقتصر الأمر هنا على المسرح أو الثقافة بل تقريبا جميع القطاعات ابتداء من قطاع “البطالة” الذي كان إلى عهد قريب قطاعا اقتصاديا بحيث يمكن للعاطل عن العمل أن يحصل على دخل إذا دخل في حركة “المعطلين” (من عطلهم؟) وصولا إلى قطاع الأبناك حيث يجب الحصول على رخصة “كريمة” لإنشاء بنك وليس مجرد تصاريح إدارية بناء على معايير تقنية…
الجميع تقريبا مرتاح لهذا المنطق ويجده حقا مشروعا، بمن فيهم الدولة، رغم أن عقيدتها الرسمية في الدستور هي الليبرالية. والليبرالية هي حرية المبادرة الي هي بصيغة مغربية: وريني حنة يديك أو كون سبع وكولني… بطبيعة الحال حرية المبادرة تكون محمية بقوانين تضمن المنافسة المتكافئة والقضاء المستقل وحساب بنكي ورقم تعريف عند إدارة الضرائب وآخر عند إدارة الضمان الاجتماعي.
كل شيء تقريبا يكون واضحا في النظام الليبرالي وكل الحقوق تقريبا تكون فيه مضمونة خصوصا إذا كان ليبراليا اجتماعيا. لا يحتاج الفنان، أي فنان في أي مجال كان، سوى لحرية المبادرة أي أن يبدع مسرحية ويتقدم لعرضها في قاعة ويصرح بمدخولها لإدارة الضريبة في آخر العام مثلا (إذا كان دخله قابلا للاقتطاع وفي مستوى معين…) ويؤدي اشتراكا لإدارة الضمان الاجتماعي فإذا تقاعد أو مرض يستفيد من التغطية كأي إنسان منتج.
بين قوسين فقط، من يذكر منكم حديث وزير الميزانية، والعهدة عليه، قبل بضعة أشهر عن أن حوالي 5 آلاف فقط من حوالي 16 ألف محامي يؤدون الضرائب. لو كنا في أي بلد طبيعي لأقام هذا التصريح الأرض دون أن يقعدها…
إذا كان لفنان الحق في بيع مسرحية للدولة فلماذا لا يكون لفلاح مثلا الحق في بيع ماطيشة لوزارة التجارة لتعيد بيعها للمستهلكين ما دام ثمنها غاليا ولا يربح من زراعة شئيا؟
طبعا قد يقول قائل إن البضاعة الثقافية (ومنها الصحافة والإعلام) لديها خصوصية تقديم خدمة عمومية للمواطنين… كلام معقول علاش لا، قد يكون الدعم مقبولا في مرحلة معينة إلى أن تنشأ صناعة ثقافية مستقلة بنفسها لا أن يصبح هو القاعدة.
وإلا فيجب التفكير في إلحاق وزارة الثقافة بقطاع المالية وتصبح مثلا قسم أو صندوق خاص بصرف الدعم للمثقفين ونبينا عليه السلام. وهي أصلا وزارة عجيبة فعلا لا يفهم معناها ولا جدواها.
إذا كانت الفكرة منها هي تثقيف المواطنين فهذا دور التعليم، وإذا كانت الغاية تنظيم مهرجانات أو تدبير قاعات عمومية فهذا يمكن أن تقوم به الجماعات المحلية، وإذا كان ولا بد من الدعم فلنختصر المسافة ونقصد الدار الكبيرة بيت المال كما كان يسمى زمان…
في قطاع الصحافة الوضع أدهى إذ انتقلنا من دعم مقاولات صحافية إلى أداء أجور صحافيين تماما من طرف الدولة، بأي حق تؤدي الدولة أجرة شهرية للعاملين في هذا القطاع بينما يمكن أن تفعل نفس الشيء بالنسبة للنجارين مثلا أو الحدادين أو أي الحلاقين… على الأقل هؤلاء فائدتهم مضمونة.
بينما يكفي أن تحرر الدولة قطاع الإشهار والي اجتهد وبين حنة يديه يربح فلوس الإشهار والآخرين يطورو أنفسهم وتخلاق منافسة وكلشي رابح… بطبيعة الحال الجميع (النخب) مرتاح لهذا الوضع ولا أحد تقريبا في مصلحته تحرير الإشهار إذا اقتصرنا على قطاع الصحافة لأن نتيجته الحتميه هي تحرير الكلام، والدولة اليوم يبدو أنها مستعدة لتحرير أي شيء إلا الكلام…