
الباحث في العلوم السياسية عبد اللطيف اگنوش ///
سواء تعلق الأمر بالجمهوريين المغاربة على قلتهم، او تعلق الأمر باللوبيات الإعلامية الفرنسية المسندة لهم، نلاحظ ان خطابهم العام يقوم ويتأسس على أساطير مؤسسة. أساطير مؤسسة بمجرد ما نخضعها للتحليل السياسي العلمي، تنهار كقصر شيّده الأطفال برمال البحر…
وقد ارتأيت ان أقف عند أسطورتين تبني عليها هذه المعارضة للملك وللملكية خطابها الذي تريده ان يكون معارضاً وواقعياً ومبنياً على الوقائع لا على على العواطف…
الأسطورتان هي:
– الحكم المطلق الذي يمارسه الملك المغربي على الشعب وعلى النخب بتوزيعه للمراتب حسب هواه ضارباً بعرض الحائط المؤسسات الدستورية وحتى القوانين.
– صراع اجنحة النخب الأمنية والنخب الاقتصادية مما يشكل خطراً يهدد الملكية بالسقوط او على الأقل بتغيير جذري على رأسها بتغيير صاحب التاج الحالي.
سأبين فيما يلي حماقة الأسطورة الأولى ثم انتقل لشرح سفاهة وقلة حياء وعدم صحة الأسطورة الثانية.
– اكبر اكذوبة اسمعها في حياتي هي ان الملك يحكم البلاد والعباد حسب هواه، وأنه الآمر الناهي في مسائل الحكم والتسيير. فكل دارس لتاريخ المغرب، وكل من دأب على دراسة الوقائع السياسية في المغرب على مدار تاريخه الطويل الذي يملأ ما يفوق الألف ومائتي سنة على الأقل من الملكية وممارسة الملكية، وكل من خبِر ممارسة شؤون الحكم والإدارة ودواليب الدولة، يعلم ان السلطان المغربي فيما مضى، والملك المغربي منذ الاستقلال، يحكم/ولا يحكم في الآن نفسه.
لا يحكم النخب والعامة منفردا كما كان الفراعنة يحكمون المصريين فيما مضى. ولا يحكم النخب والشعب كما كان قيصر الروم يحكم الإمبراطورية الرومانية، ولا يحكم النخب والشعب المغربي كما كان لويس الرابع عشر يحكم فرنسا…الملك المغربي، سواء كان اسمه ادريس الأول او الثاني، او كان اسمه مولاي احمد الذهبي، او كان اسمه مولاي إسماعيل او محمد الخامس او الحسن الثاني او محمد السادس، لا يحكم النخب والشعب “على هواه ولوحده”، بل الملك المغربي “يدير ويدبر الاختلاف وموازين القوة بين عناصر النخبة وبين الطبقات الاجتماعية المغربية” ويحافظ على التوازن بين مجموع المكونات الجسم الاجتماعي والسياسي للمغرب والمغاربة. إذ من اجل اتخاذ قرار ما وبأهمية ما، يأبى الملك إلا ان يتخذ قرارا يوازن بين الجميع، بمنهجية “لا غالب ولا مغلوب”، ويستشير من يجب ان يستشير بدأً بديوانه ومرورا بأفراد عائلته، ومكونات اجهزته الأمنية والعسكرية، ومن الممكن جدا ان يستشير حتى فقهائه وشيوخ زواياه…كل هذا لاقول ما يلي: الملك في المغرب لا يحكم بمعنى اتخاذ قرارات فردية يفرضها على المعنيين، بل يقوم بتدبير موازين القوة بين العناصر المجتمعية وبعد استشارات مدروسة سلفاً ومتفق عليها من طرف جميع المغاربة عبر قرون وقرون من التجربة السياسية والتاريخية. يعني ان الملك المغربي يتخذ مسافة من المجتمع ومن الجميع حفاظاً عل مصالح الجميع دون تغليب مصلحة فريق على مصلحة فريق آخر …بطبيعة الحال كل هذا من دون التفريط في الضوابط الدستورية والقانونية للبلاد…
– الأسطورة الثانية تتعلق بما يسميه الجمهوريون المعارضون بصراع أجنحة النخب الأمنية والاقتصادية المقربة من دائرة الملك ودور ذلك المزعوم في تهديد الملكية…
نعم…متى كان المغرب ومتى كان مركز الملك في المغرب خاليا من صراعات الأجنحة الأمنية وغير الأمنية؟! أي دارس جدي للتاريخ السياسي المغربي وأي ممارس للإدارة ولشؤون الدولة يعلم انه بحكم خصوصيات كل مؤسسة أمنية او عسكرية او غيرها تدخل في صراع خافت وبالضرورة القصوى مع قريناتها من اجل الحصول على الموارد الكافية لممارسة مهامها واقتناء تجهيزاتها ولتبوّء مركز الصدارة والقرب من الملك. وهذا امر طبيعي جدا كتنفس الإنسان العادي للهواء وحاجته للطعام… مَن مِن الذين يعرفون الشأن السياسي في المغرب لا يعرف ان تنافس رؤساء المصالح الأمنية من الإدارة الترابية إلى الأمن الداخلي إلى الأمن الخارجي أمر عادي بل وامر مرغوب فيه…امر مرغوب فيه لأنه يترك للملك مساحة لاتخاذ القرارات المناسبة لحفظ حياة المغاربة وممتلكاتهم ولضمان السيادة الوطنية على مجموع ترابه…
بكثير من الإيجاز، يمكنني ان اجزم ان معارضي الملك والملكية المغاربة يرون الشاذ فيما هو طبيعي وعادي في تاريخ المغرب وتاريخ الملكية في المغرب…وتفسير ذلك لا يخرج عن فرضيتين: فإما سوء النية المبيتة، وإما الجهل المطبق على رؤوسهم وعدم تحمل عناء البحث والتنقيب والفهم.