في ظل المثلث الذهبي للإدارة الحديثة“ النجاعة، الحكامة، والمساءلة” يظهر التسيير الغبدي كنقيض صارخ لهذه المبادئ، حيث يشكل اختراقاً خطيراً لمنظومة القيم الإدارية. فبينما تفترض النجاعة تحقيق الأهداف بأقل التكاليف، نجد هذا النمط يسير في الاتجاه المعاكس عبر هدر الموارد وغياب التخطيط الاستراتيجي. وفي الوقت الذي تقوم فيه الحكامة الرشيدة على الشفافية والمشاركة، يكرس التسيير الغبدي نمطاً فردياً مغلقاً يعتمد على المحسوبية. أما المساءلة كضمانة أساسية، فتتحول إلى مجرد شعار في ظل ثقافة إلقاء اللوم وإفلات المسؤولين من المحاسبة.
هذا التناقض الجوهري بين المبادئ الإدارية والممارسات الفعلية يخلق فجوة مؤسسية خطيرة، حيث تتحول المفاهيم النظرية إلى مجرد طقوس شكلية بلا مضمون عملي. فالنجاعة تفقد معناها عندما تصبح القرارات ردود أفعال عشوائية، والحكامة تتحول إلى واجهة فارغة عندما تسود ثقافة التعتيم، والمساءلة تفقد فاعليتها في غياب آليات التقييم الموضوعي.
لعل جوهر الأزمة يكمن في الانفصام بين الخطاب والممارسة، حيث تتبنى المؤسسات خطاباً حداثياً في الظاهر، بينما تظل ممارساتها أسيرة النموذج التقليدي. هذا الازدواجية لا تقوض فقط كفاءة المؤسسات، بل تدمر ثقة المواطنين في قدرة الإدارة على تحقيق التنمية المستدامة.
1. التسيير الغبدي
يُمثل التسيير الغبدي النموذج الأكثر تدميراً في الإدارة الحديثة، حيث يتحول المنصب العام من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المصالح الذاتية، قائماً على ثلاثية مدمرة: الجهل في القرارات، الغبن في الحقوق، والغباء في التخطيط. تبلغ خطورته ذروتها مع تغيير الإدارات، حيث ينطلق المسؤول الجديد في حملة منهجية لـ”تصفية التراث الوظيفي” عبر مراحل متتالية: التعطيل الممنهج للكفاءات بتجميد صلاحياتهم، ثم التشويه المتعمد لسمعتهم المهنية، يتبع ذلك التهميش الإبداعي بنقلهم إلى مواقع لا تليق بقدراتهم، ليتم في النهاية الإحلال الاستراتيجي بموالين أقل كفاءة لكن أكثر خضوعاً. هذه الآلية لا تقتصر على إهدار المال العام، بل تمتد إلى اغتيال معنوي للكفاءات، ومسح منهجي للذاكرة المؤسسية، وترسيخ ثقافة الرعب التي تقضي على الإبداع، محولةً المؤسسات من حاضنات للإنجاز إلى ساحات للانتقام الشخصي، حيث تُستبدل معايير الجدارة بمعايير الولاء، وتُقدم الأجندات الشخصية على المصلحة العامة، في مشهد يُجسد مأساة الإدارة العربية بكل أبعادها الكارثية.
2. ملامح التسيير الغبدي
يُمثل “التسيير الغبدي “ نموذجاً إدارياً معطوباً يُختزل فيه المنصب العام إلى مجرد وسيلة للتحصيل الشخصي، حيث تسود القرارات الارتجالية الخالية من الدراسات التحليلية أو الرؤية الاستراتيجية. وتغيب في هذا النموذج ثقافة المحاسبة الذاتية، لتحل محوها تكراراتٌ مستمرة لنفس الأخطاء دون استفادة من الدروس السابقة. كما يتحول تحمُّل المسؤولية إلى ممارسة لوم الآخرين وإلقاء التبعات على العوامل الخارجية. هذه الحلقة المفرغة من الممارسات اللا مسؤولة تؤدي حتماً إلى تدهور الأداء المؤسسي، وتراجع مستوى الخدمات المقدمة، وفقدان الثقة في القيادة الإدارية. والأخطر من ذلك أن هذا النموذج يخلق بيئة تنظيمية مسمومة تنتشر فيها قيم الرداءة واللامبالاة، مما يستنزف طاقات المؤسسة ويُعطّل مسار التنمية الشاملة.
3. آثار هذا النمط من التسيير
يُنتج “التسيير الغبدي” آثاراً كارثية تبدأ بانهيار المؤسسات بسبب غياب الرؤية واتخاذ قرارات عشوائية، مما يحولها إلى كيانات بلا هوية. كما يسبب تبديداً فادحاً للموارد (المالية والبشرية والزمنية) حيث تُهدر الأموال دون تحقيق أهداف إستراتيجية. والأخطر هو انهيار جسور الثقة بين جميع الأطراف، يفقد الموظفون الثقة في القيادة، ويضع المواطنون شكوكهم في المؤسسات. هذا الفشل المنظم لا يقتصر على الخسائر المادية بل يهدر القيم المؤسسية ويُرسخ ثقافة الفشل. تُشكل هذه الآثار حلقة مفرغة من التدهور حيث تنتج القيادة السيئة نتائج أسوأ. في النهاية، يُشرعن هذا النموذج الرداءة ويُهمش الكفاءات في المنظومة الإدارية بأكملها.
4. سُبل التصدي لهذا النمط
لتصحيح هذا النمط الإداري المعتل، يجب تبني استراتيجية شاملة تبدأ بتطبيق المساءلة الصارمة عبر أنظمة رقابية مستقلة وشفافة، مع إعادة تأهيل القيادات من خلال برامج تدريبية مكثفة في التخطيط الاستراتيجي والقيادة الأخلاقية، وتحويل الثقافة المؤسسية لترسيخ قيم النزاهة وخدمة المصلحة العامة، كما يتطلب الأمر إصلاح نظام التعيينات بالاعتماد على معايير الجدارة والكفاءة بعيداً عن المحسوبية، مع تفعيل آليات الحوكمة الرقمية عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات الشكاوى الإلكترونية، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة الأداء وتقييم الخدمات، وأخيراً خلق نظام حوافز يحفز الأداء المتميز، حيث تشكل هذه الإجراءات المتكاملة حزمة علاجية قادرة على تحويل الإدارة من “فلسفة الغنيمة” إلى “ثقافة الأمانة”.
إن “التسيير الغبدي” يمثل ظاهرة مؤسسية مركبة تتجاوز الفشل الفردي لتعكس اختلالاً هيكلياً في المنظومة الإدارية والقيمية. ولعلاج هذه الآفة، لا بد من منهجية متدرجة تبدأ بالتشخيص الدقيق والاعتراف المؤسسي بوجود المشكلة كخطوة أولى حاسمة. يتطلب الحل الجذري بناء ثلاث ركائز أساسية: عقلنة القرارات عبر اعتماد المنهج العلمي، ترسيخ المسؤولية كمبدأ إداري غير قابل للتفاوض، وإرساء آليات مساءلة فعالة تشمل جميع المستويات. هذه الرؤية الإصلاحية تستلزم تحولاً جذرياً في الثقافة التنظيمية، حيث يصبح الأداء الأمثل والتقييم الموضوعي معايير أساسية في الترقيات والمكافآت، مع تعزيز الشفافية كقيمة مؤسسية عليا. فقط عبر هذه المقاربة الشمولية يمكن تجاوز هذه الإشكالية وتحقيق نقلة نوعية في جودة الأداء المؤسسي.