
محمد شهبي
القصة لا تنتهي عند حدود الاعتراف بالمشكلة
إذا توقفنا عند المقال السابق ” عناق السياسة مع الأخلاق”، قد نظن أن المشهد كئيبٌ بلا مخرج. لكنني أؤمن أن الجمال في التفاصيل الصغيرة، وفي تلك الزوايا التي لا تسلط عليها الأضواء الكاشفة عادةً. هناك بُعد آخر لعلاقة السياسة بالأخلاق في قرننا هذا، لم نغص فيه بعدُ بما يكفين، وهو بُعد “الزمن”.
تعيش السياسة حاليا على إيقاع “الوقت الحقيقي”. قرارٌ يُتخذ، تغريدةٌ تُطلق، رد فعلٍ عالميٌ يحدث في ثوانٍ. بينما الأخلاق، تلك العجوز الحكيمة، تحتاج إلى وقتٍ للتفكر، إلى هدوءٍ لوزن العواقب، إلى مساحةٍ من الصمت بعيداً عن ضجيج التنبيهات. هنا تكمن المأساة الخفية: سرعة السياسة الحديثة تقتل بطء الأخلاق اللازم.
كم مرة رأينا قرارات مصيرية تُتخذ تحت ضغط “التريند” أو رد فعلٍ عاطفيٍ لحظي، فقط لنكتشف لاحقاً أنها انتهكت مبادئ كانت ستصمد لو أمهلنا الضمير وقتاً كافياً؟ التحدي الأخلاقي الأكبر اليوم ليس فقط في “الفساد” بالمعنى التقليدي، بل في “الاستعجال” الذي يجرد الفعل السياسي من إنسانيته. السياسة الأخلاقية في عصرنا تحتاج إلى شجاعة “الإبطاء”. شجاعة أن يقول القائد: “سأتوقف لأفكر، حتى لو غضب الجمهور”. هذه الرفاهية أصبحت نادرة، وهي في الحقيقة ضرورة وجودية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} إشكالية القرية الكونية والضمير المحلي
وهناك مفارقة أخرى تؤرقني كلما نظرت إلى خريطة العالم على شاشتي. نحن نعيش في “قرية كونية” اقتصادياً وتكنولوجياً، لكننا ما زلنا نعيش في “قبائل أخلاقية” سياسياً.
الأخلاق الإنسانية تقتضي أن جوع طفل في اليمن أو أوكرانيا أو السودان هو نفس جوع طفل في أوروبا أو أمريكا. لكن السياسة الحديثة ما زالت تعمل بمنطق “الدولة القومية” الضيقة. كيف يمكننا التوفيق بين أخلاقيات العولمة (التي تقول نحن جميعاً أسرة واحدة) وسياسات الحدود (التي تقول مصلحتنا أولاً)؟
في رأيي، أن حدود المعطى الأخلاقي في القرن الواحد والعشرين يجب أن تتوسع لتشمس “المسؤولية العابرة للحدود”. لم يعد مقبولاً أخلاقياً أن نبني رفاهيتنا على حساب فقر بلدان أخرى، أو أن نحمي بيئتنا بإلقاء نفاياتنا الصناعية في محيطات الجنوب العالمي. السياسة التي لا ترى أبعد من حدودها الجغرافية في عصر التغير المناخي والأوبئة، هي سياسة قصيرة النظر، وقصر النظر في عصرنا هذا جريمة أخلاقية بامتياز.
الضمير الرقمي: هل نملك شجاعة المواجهة؟
دعني أعود بك إلى تلك الشاشة التي نحدق فيها جميعاً. هناك سؤال شخصي أوجهه لك ولي قبل أن أوجهه للساسة: هل نملك نحن كشعب أخلاقاً رقمية تسمح بسياسة أخلاقية؟
غالباً ما نطالب الساسة بالشفافية واللياقة، بينما نمارس نحن في الفضاء الرقمي أقسى أنواع الإقصاء والتكفير والتشهير. نريد سياسيين “ملائكة”، لكننا نعاملهم كـ “أعداء” بمجرد اختلاف الرأي. لا يمكن أن نزرع شجرة أخلاق في تربة سياسية مسمومة بسموم الكراهية الرقمية.
السياسة الأخلاقية تحتاج إلى “ناخب أخلاقي”. ناخب لا يخدعه البريق، ناخب يسأل عن البرنامج لا عن الشخص، ناخب يعاقب على الفساد بغض النظر عن الانتماء الحزبي أو القبلي. في القرن الواحد والعشرين، أصبحت قوة المواطن أكبر من قوة الرئيس، لكننا ما زلنا نجهل كيف نستخدم هذه القوة بحكمة.
رسالة أمل من على الحافة
لا أريد أن أنهي هذا الحديث بنبرة تشاؤمية. فالتاريخ يعلمنا أن الأخلاق كانت دائماً تنتصر على المدى الطويل، حتى لو خسرت معاركها الآنية. الجدران قد تبدو عالية، لكن الضوء يتسلل دائماً من الشقوق.
أرى أن المستقبل يحمل في طياته فرصة ذهبية لإعادة الصياغة. الجيل الجديد، بوعيه العالمي وحساسيته تجاه القضايا الإنسانية والبيئية، يضغط ببطء لكن بثبات نحو سياسات أكثر أخلاقية. لم تعد “السياسة التقليدية” مقنعة بما يكفي. هناك عطش عالمي للصدق، للجرح البشري الذي يظهر خلف القناع الرسمي.
ربما تكون العلاقة بين السياسة والأخلاق في قرننا هذا مثل محاولة المشي على حبل مشدود فوق هاوية. السقوط ممكن، والرياح عاتية. لكن الفن لا يكمن في عدم السقوط مطلقاً، بل في مهارة استعادة التوازن بعد كل عثرة.
أختم بما بدأت به، لكن بصيغة مختلفة قليلاً: السياسة بدون أخلاق هي آلة بلا روح، والأخلاق بدون سياسة هي حلم بلا قدمين. نحن بحاجة لدمج الاثنين، ليس كشعارات رنانة، بل كممارسة يومية شاقة.
في النهاية، الأمر لا يتعلق بمن سيجلس على الكرسي الكبير، بل يتعلق بمن سيجلس في ضمائرنا نحن. متى ما ارتقينا نحن، ارتقت سياستنا تلقائياً، لأن الساسة في النهاية ليسوا إلا ظلالاً لنا. وطالما أن الجسد قائمٌ على مبادئه، لن يكون الظل مشوهاً، مهما كانت قوة الشمس أو حدة الضوء.
لنمشِ إذن على تلك الحافة الرفيعة، لا بخوف، بل بوعي. فالوعي هو البوصلة الوحيدة التي لا تكذب في خرائط هذا القرن المعقد.
-باحث في العلوم السياسية
إقرأ الخبر من مصدره