الكِلابة و التناسخ… بقلم: د. محمد نوري

الأحداث د. محمد نوري

الكلاب -قيل- لا تملك عقلا، لكنها تملك حواسا أربعة أقوى من الإنسان و أعني بها شما يُسَيِّج المجال و يُحفِّظه (من التحفيظ العقاري)، سمعا له الآذان الطوال تتسمَّر، بصرا ليلُه كنهارِه، ولمسا للعب و الأخذ و العطاء من معين الألفة و الحنان و الرأفة..
وعن الكلاب -قيل أيضا- بأنها تُعوض الكلام بنباح واضح المعاني فيما اللغة “شيمتُها الغدر” حين تخفي الذات ويُظهر بها الإنسانُ ما لا يُضمِر…
-ولهذا يكون النباح عادة أكثر استمراء من اللغة لأن من شيم الكلاب الوفاء!
ولهذا أيضا، أفضٍّلُ اللسانَ على اللغة ففي هذه الأخيرة كثير من اللغو والتأثيم…
الأنكى هو أن الحبال الصوتية –يقول العلمُ- لم توجد للكلام أصلا بل لمرور الطعام والشراب ولعل هذا ما يجعل الإنسان الحيوانَ الوحيدَ “اللي كاتوحاليه الدغمة” وقد تزهق روحه من جراء ذلك….
ولهذا لا نتفاهم دائما عبر اللغة لأنها مسكونة بالأكل والالتهام.
-أكل والتهام الآخر طبعا….
وهذا ما قد يفسر أننا نتفاهم عادة بشكل أفضلَ وترتخي لواعِجُنا عبر اللمس أو الشم أو سماع الموسيقى الصامتة، أي حين نغوص في الذات والكون ونعود إلى مرحلة ما قبل المنطوق.
و الكلاب تملك حس الألم و حس اللذة و يتم تدجينها كما يُدجن الإنسان: بالترغيب و الترهيب، بالعصا و العظمة لأنها لا تأكل الجزر…ليس إلا !
والكلاب كما قلنا تحضر بسخاء حين يتم الحديث عن الوفاء وهذه الخصلة لا تتوفر في جميع الناس بل في المرء المؤمن الذي “إذا وعد وفى”…
ولهذا صار “الكلب الوفي” لازمة في كُتب الابتدائي، أي في مراحل أناسَتنا الأولى، ليُرفع بذلك إلى مرتبة السموأل والرجال العظماء أو العظام، وأدعو النحويين لاقتفاء أثر التشابه بين عظام (الرجال) وعظام (الكلاب)….
-كان ذلك حين كانت الأخلاق تُلقَّن داخل الأسر وتُدرَّس في الكتاتيب والمدارس وليس على القنوات الفضائية، حين كان “الله يرانا” و”عاقبة الطمع” ما بعدها عاقبة، ولم يكن بعد فقهاء التيكتوك واليوتوب قد أفتوا بنجاسة الجراء والكلاب وانسحاب الملائكة من المنازل التي تأويها.
ثم بالله عليكم: ألا تكفي الكلبَ لقيماتٌ يشد بها عضده وبعضٌ من ماء ليصير حواريا لا ينبح عن الهوى؟
ثم: كيف يسميه المغاربة ب”القانع” أي نفس التعريف لذلك الرَّجُلِ الذي يملك كنزا لا يفنى…حسب الكلمات المتقاطعة؟
آه كم هي حلوة هذه الدارجة المغربيةّ…
و الكلب يكره اللصوص وقد يتبول على بعض النصوص إذا ما اعترته غريزة تحديد المجال، ليس إلا !

هيئة التحرير4 مايو، 2023

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق