
ريما ل – كود//
كنت أقوم بجولة في الجرائد و المواقع كعادتي كل الصباح، فمررت على الفضاء الأزرق (مع انني لست من هواة الفيسبوك أو مواقع التواصل الإجتماعي بشكل عام، فأنا أتعامل معها كشر لابد منه) فإذا بي ألاحظ فيديوهات على خيط جداري الإفتراضي من صفحة لم أتعرف عليها، و كعادتي في التعامل مع أي جسم غريب على فضائي، أدخل لأتحرى نوعية المحتوى و المضمون(كندير بحال لقطوط، كنشمشم آش هادشي و منين جاي)
إذا بي أرى فيديوهات بعنوان “رياكشن” فيها شابين وسيمين في مقتبل العمر، واحد عادي جدا بتيشورت عصري لن تفرقه عن أي شاب مغربي في عمره و الثاني بنظرات و لحية عصرية هو الآخر شكله عادي جدآ غير أن ملامحه توحي بالثقافة و التنور.يقومان بنشر محتوى على شكل برامج تحليلية تظهر بمظهر الفيديوهات التثقيفية الهادفة. شكلهم يوحي بالإتزان و الإعتدال، خارجين جدا عن نمط الدعاة ذوي اللحي الطويلة و الشعر الرمادي و الحواجب الغليظة و النظرات الثاقبة المرعبة من دعاة السلفية و المد الوهابي القادم من الشرق، الذين إعتدنا رؤيتهم لسنوات منذ إنتشار القنوات الفضائية في المغرب.
مع أن المحتوى واضح أنه محتوى دعوات دينية من شباب يعيش في الغرب، غير أنني في البداية، توسمت فيهم خيرا فقد ذكروني بالشباب الذين وصفهم الكاتب الأمريكي الفرنسي غاي صورمان في كتابه “أطفال رفاعة”. الكتاب يحكي عن عالم الفقه المصري رفاعة الطهطاوي و علاقته بالدين و المجتمع، فعندما غادر مصر سنة 1926 إلى باريس، كانت مهمته هي إكتشاف سر البراعة العلمية للغرب و معرفة ما إذا كان من الممكن التوفيق بين تعاليم الإسلام و الفكر التقدمي الحديث. و بعودته إلى مصر في 1931 بعد دراسة متعمقة للعلوم الغربية و القوة العسكرية و الفقه إكتشف أنه لا يوجد في القرآن ما يعارض تحديث الإسلام. فبدأ رفاعة الطهطاوي مسيرة حافلة مع الشباب المصري و العربي للدعوة إلى العصرنة و التحديث و أدى تحليله المستنير إلى ما يعرف بالنهضة العربية التي إستمرت إلى خمسينات القرن الماضي.
المهم، أعود إلى الشباب المغربي الذي ظننتم من “أطفال رفاعة” الذين يحاولون تحديث الخطاب و تطوير المفاهيم الدينية عبر محتوى مبتكر(ديال الوقت)، فإذا بي أتعمق فأجد محتوى تكفيري في قالب مزين بطلعة شباب بهندام عصري و نظارات المعرفة المزيفة. مختصر المحتوى الغني بالرسائل أن هناك مؤامرة كونية لتكريس القيم الكونية و إبعاد الناس عن الأصول الدينية. فيديوهات إحترافية تبطن المنطق التكفيري(كما فعل بنكيران في يوم العمل)، تهاجم وزير العدل وهبي مشككة في معتقداته و تبخس المطلب الشعبي للمساواة في الإرث المنتظرة و الإصلاحات المرتقبة في مدونة الأسرة.
أطلق هؤلاء هاشتاج ‘هاشنو بغات الوقت’ لسلسلة داعية لتوحيد صفوف العدل و الإحسان و العدالة و التنمية و حركات التوحيد و الإصلاح و كل فصائل المحافظين المتطرفين للوقوف في وجه إصلاحات مدونة الأسرة و القانون الجنائي و العلاقات الرضائية. مطلقين على أنفسهم “المنتخب الوطني للدفاع عن الثوابت”. مستعينين بوجوه دعاة آخرين من قدماء المكفرين.
الغريب في الأمر أن صاحب الصفحة الرئيسية لهذه الدعوة الملغومة بالتكفير المدعو سفيان لالوشان، الداعية من “أولاد سيد قطب” بلباس سعد لمجرد، يعيش في هولندا.
— و فقط لمن لا يعرف سيد قطب فهو العمود الفقري و مؤسس حركة الإخوان و يعتبره بعض المؤرخين المسؤول الأول عن التراجع الكبير في الإنفتاح الذي عرفته مصر ما قبل الستينات و إنتشار التشدد الديني و التطرف عبر التكفير (أفتى أحد اتباعه(أولاده مجازا) مفتي الجماعة عمر عبد الرحمان بتكفير أنور السادات مما أدى إلى إغتياله من طرف جندي أصولي متطرف في 1981 و هو نفس المفتي الذي أفتى بقتل المرتد في 1986 مما أدى إلى مقتل الصحفي العلماني فرج فوده في 1992 على يد المتشدد عيد الشافي رمضان )-
زعيم أولاد سيد قطب سفيان يعيش في هولندا بلد الحريات بلا حدود، و يدعو إلى منع الحريات في المغرب. صراحة لو كان هؤلاء الشباب لحركة توحيد صفوف جماعة العدل و الإحسان و الإخوان و المحافظين ضد الإعتدال الديني و الحداثة يعيشون داخل المغرب أو حتى في بلد تحكمه الأصلية الدينية و التشدد كأفغانستان أو إيران، كنت سأتفهمهم و لأدخلت محاولاتهم التسويقية لفكر رجعي(المبطن بالتكفير و هذا الخطير في الأمر) في إطار النقاش الحضاري البناء و حرية التعبير.
أن يختارو العيش في بلد “كل شيء يتعلق بحرية الفرد الخاصة فهو مباح من العلاقات الرضائية إلى إستهلاك المخدرات بحكم القانون” و العيش في نعيم الدولة الحاضنة و في نفس الوقت يطالبون بالرجعية و التحفظ و الوقوف في وجه المساواة في الإرث و الحريات الخاصة في المغرب، فهذا يجعلنا نرتاب و نتساءل عن مصداقية الدعوة و أهدافها الكامنة وراء اللحى العصرية و نظارات المعرفة المزيفة.
المملكة الهولندية هي ملكية دستورية حتى النخاع، عاشت في عصر الظلمات من التشدد الديني و التبعية للكنيسة المقدار الكبير و لكنها من البلدان التي حافظت على النظام الملكي و لكنها تخلت عن الأصولية الدينية في القرن الماضي و هي الآن من البلدان الأكثر تطورا في العالم. طورت القوانين و التشريعات و كانت بلدا رائدا في العمل بالقيم الكونية التي يهاجمها دعاة الرجعية سفيان و جماعته “أولاد سيد قطب”.
إذا كانو يلقبون أنفسهم بالمنتخب الوطني للدفاع عن الثوابت فيجب أن يفسرو لنا أي وطن من الأوطان هو؟ كيف هو العيش في ظل القيم الكونية؟ هل العيش في بلد الحريات الفردية سيئ لدرجة تحولهم إلى دعاة الرجعية؟ إذا كان العيش في كنف التشدد الديني مغريا لدرجة تحويل الشباب الواعد إلى دعاة الرجعية، فالدول المتشددة أولى بهذه المبادرات.
و في الأخير، و في هذا المنعطف التاريخي الذي قال الشعب فيه كلمته في الإنتخابات الأخيرة، مطفئا مصباح الرجعية و التخلف، مختارا طريق الطيران إلى الإزدهار بالحمامة و التقدم بالجرار إلى الحداثة حاملا معه ميزان الإعتدال و متمسكا بفخر بملكيته التاريخية ، فنتمنى أن يسير الشباب الذين إختارو العيش في بلد الملكية الهولندية المتطورة على خطى”أولاد رفاعة” الذين حملو مشعل النهضة العربية في ثلاثينيات القرن الماضي، عوض المبادرة بالفتنة و التشدد و التكفير المبطن و يصيرو “أولاد قطب” قتلة النهضة و الإنفتاح منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى اليوم.