النخب التقليدية المغربية رهينة التيه الايديولوجي وغياب التفكير وفق المصلحة الوطنية

النخب التقليدية المغربية رهينة التيه الايديولوجي وغياب التفكير وفق المصلحة الوطنية

لينا أمغار – كود//

تكاثرت البلاغات في المشهد السياسي المغربي والتدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي حول جملة من القضايا الدولية من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لأزمة البحر الأحمر مرورا بمواقف جنوب افريقيا، والمتأمل لمعظمها سيجدها غارقة في البكائيات والمظلومية علاوة على أن التحليلات الضئيلة في الساحة المغربية تحلل الوقائع من زاوية اناكرونيزم ايديولوجي بائد دون أدنى اعتبار للمصلحة الوطنية.

وبعد التعبير عن كل التضامن والأسف لأرواح المدنييين الذيين سقطوا في حرب غزة والمدنييين المستهدفيين أينما كانو، تجدر الإشارة إلى أن المشهد الاعلامي والسياسي المغربي خال تماما من أي تحليل للحرب على غزة غير عاطفي ومتجرد من ايديولوجيا القومية العربية والإسلام السياسي.

نحن في غزة أمام حرب تسميها حماس مقاومة وفي باطنها هدف سياسي يرمي إلى ايقاف مسلسل التطبيع وإعادة القضية الفلسطينية للواجهة بينما إسرائيل، التي تلقت ضربة موجعة في السابع من أكتوبر، ووضعت هدفا سياسيا يتجلى في القضاء النهائي على حماس واسترجاع قدراتها الردعية في المنطقة من خلال ترك دمار شامل في غزة.

والحرب، التي وصفها المنظر كلاوزفيتز بأنها ممارسة للسياسية بطرق أخرى، في كنهها سعي لثني إرادة العدو واجباره على الاستسلام لإرادة المنتصر ومن شأنها الانزلاق لممارسات حربية لاعقلانية. بل هناك من منظري ودارسي الحروب الحديثة كمارتن فان كريفلد الذي يعتبر أنه لا مجال للحديث عن الجوانب الأخلاقية في الحرب و أنه لا وجود لحرب حديثة لايستهدف فيها المدنيون للأسف.

فالإرهاب، بمعنى بث الرعب عن طريق استهداف المدنيين في اي مكان وأي وقت، هو تاكتيك لجأت إليه حركات المقاومة في مختلف أنحاء العالم كما استعملته حماس وتطبقه اسرائيل في محتلف حروبها في المنطقة.

و في هذا الإطار تسير حرب غزة التي تجري في وسط حضري معقد سقط فيه لحد الآن 1140 اسرائيلي و23 الف فلسطيني معظمهم مدنيين اطفال ونساء ما خلف موجة تضامن محمودة لدى الشعب المغربي كغيره من الشعوب الرافضة للظلم والمساندة للسلم.

لكن، هناك فئات يسارية واسلامية للأسف ركبت على موجة الحرب للتباكي رافعة شعارات ايديولوجية بائدة  ذات طابع اقصائي قومي عربي او إسلامي، ومنها شعارات تجعل المرأ يتسائل هل رافعوها مع السلم أم مع الحرب، منها شعار خيبر وشعارات تعكس رغبة في اتخاذ موقع القاتل عوض موقع المقتول. وهناك من غرق في التناقض حتى اخمص قدميه مطالبا بوقف “العدوان الاسرائيلي” ومطالبا في نفس الوقت بمحو اسرائيل من الوجود.

المقاومة حق لكل شعب  مستضعف ولايمكن لمغربي أصيل متشبع بإرث مقاومة الخطابي  ومقاومات الجبال أيام الاستعمار وروح جيش التحرير أن يقول عكس ذلك. لكن تبقى المقاومة  فعلا تسري عليه محددات الحرب وليس بالضرورة كل مجموعة تحمل السلاح وتصف نفسها مقاومة ستنجح، ولنا في الحروب الحضرية الحديثة للباسك وجيش ايرلاندا الشمالي عبرة دون ذكر مقاومات الهنود الحمر والزولو وغيرهم من المقاومات في سياقات طبعها اختلال عميق في موازين القوى.

ويغيب مفهوم حقن الدماء لدى المتباكين المغاربة الداعين لاستمرار المقاومة بشكل لافت، فهل هولاء أفضل من الخطابي الذي فضل حقن دماء الريفيين بعد استعمال الاسلحة الكيماوية على الاستمرار في المقاومة المسلحة ضد الاسبان.

أما بخصوص المصلحة الوطنية فهي أخر سؤال يطرحه هؤلاء المواطنون الذين يعييشون معنا بأجسادهم بينما وجدانهم في الشرق الأوسط. وبلغ الاستلاب ببعض المتباكين أن يكتب خواطر على شكل رأي ينادي برأب الصدع مع جنوب افريقيا المساندة للجمهورية الوهمية وكأن المغرب هو السبب في موقف جنوب افريقيا المعادي للمغرب.

هؤلاء الراكبون على موجة غزة لرفع شعارات ايديولوجية بائدة مثلهم مثل جنوب افريقيا والجزائر في كونهم يقتانون على ريع الذاكرة. مهما فعل المغرب مع الجزائر وجنوب افريقيا لن ينال رضاهم مادمت أنظمة البلدين مبنية على ريع الذاكرة وبحاجة إلى عدو جديد مصطنع لكي تستمر في الاجترار الايديولوجي سعيا لربح مشروعية يقوضها فشل هذه الأنظمة في توفير حياة كريمة لشعوبها.

ومنهم من يتباكى على الحوثي بعد أن أعاق الاقتصاد العالمي في وقت تقود فيه أمريكا حملة لضرب مواقع من تسبب في مقتل حوالي 100 ألف يمني باستعمال السلاح الإيراني، اي حوالي خمسة أضعاف ما قتلته اسرائيل في غزة.

هنا نتسائل أين كان المتباكون لما كان بشار الأسد يقتل شعبه في سوريا حيث قتل ما لايقل عن 300 ألف شخص، أين كانو لما كان الجنجويد يقتل سكان دارفور السود المسلمين؟ هذا يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب ركوب موجة غزة، هل لو كان اقتتال داخلي فلسطييني سبب هذا القتل سيخرجون للتظاهر؟ أم أم المهم ليست هوية الضحية بل هوية القاتل الصهيوني اليهودي؟.

وفي هذا الصخب توارت أصوات المغاربة المنبهرين بالغرب وديمقراطيته وهم يشاهدون بأم أعينهم أن الديمقراطية وحقوق الانسان لا قيمة لها إلا في إطارها الوطني وأن العلاقات الدولية تحكمها المصلحة الوطنية والغرب يرى مصلحته مع إسرائيل وليس مع الفلسطينيين أو حماس وذلك شأنه.

إن القانون الدولي ومحكمة لاهاي كلها مؤسسات للاستئناس فقط، وصحيح أنها نجحت في تقليص النزاعات المسلحة في العالم لكن دورها محدود جدا لما تكون مصالح القوى الكبرى في الصورة، وما تفعله جنوب افريقيا الآن ليس لسواد عيون العرب وإنما لغاية في نفس يعقوب لتحسين صورة حزب وحيد يحكم البلد التي كانت في وقت ما أقوى اقتصاد افريقي والتي تسير حاليا نحو الهاوية لدرجة لم تعد جنوب افريقيا قادرة على توفير الكهرباء لشعبها، فلا بأس من استدعاء ريع الذاكرة المستنفذ ومحاولة  الظهور بمظهر المدافع عن الشعوب المضطهدة، الا أن من يضطهد شعبه ويقمع المهاجرين الافارقة في بلاده لا مشروعية له للدفاع عن حقوق الغير.

وفي هذا السياق الدولي الفوضي الذي ينذر بانتشار أكبر للحروب بالوكالة، اختار المغرب تحتالفاته  لتعزيز قدراته الردعية أمام دولة جارة تحتضن ميليشيا تمارس حربا بالوكالة علينا منذ عقود.

إن المثقفين المغاربة وكتاب الرأي وليس الخواطر مطالبين اكثر من أي وقت مضى على التحليل وفق منظور المصلحة الوطنية في عالم فوضوي يسير نحو التعددية القطبية ومزيد من الحروب بالوكالة، ما يفرض علينا التخلي عن التباكي والوعي بموقعنا الاقليمي وواقعنا الاقتصادي والاجتماعي من أجل تحصين مكتسباتنا الاستراتيجية ومواجهة المخاطر وصون كرامة المغربي داخليا وخارجيا.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق