Home رآي بل الرفيق الأعلى

بل الرفيق الأعلى

0
بل الرفيق الأعلى


الطيب بوطاهر

لم يكن المرض الذي نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة مرضًا مفاجئًا بالمعنى الذي تفاجأ به الناس.

فالذين اقتربوا منه في تلك الأيام شعروا، وإن لم يعترفوا بذلك لأنفسهم، أن الجسد الذي حمل أثقال الرسالة طويلًا قد بدأ يضعف شيئًا فشيئًا، وأن الرجل الذي واجه العرب جميعًا بقلبٍ لا يلين صار الآن يصارع وجعًا لا تدفعه الشجاعة.

وكانت يثرب تراقب هذا التحول بخوفٍ صامت.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

فقد اعتاد المسلمون أن يروا في محمد صورة الثبات الكامل؛ الرجل الذي لا تهزه الحروب، ولا تنكسر نفسه تحت الحصار، ولا يضطرب حين تضطرب الدنيا من حوله.

أما الآن، فقد صار التعب ظاهرًا على الوجه، وصار الجسد يثقل بالحُمّى، حتى إن الذين يدخلون عليه يخرجون وقد حملوا في قلوبهم خوفًا لا يجرؤون على تسميته.

بدأ الأمر، كما تروي الأخبار، بعد عودته من حجة الوداع.

وكان في تلك الحجة شيءٌ يشبه الوداع الخفي، حتى قبل أن تُعرف باسمها.

فالناس الذين سمعوه يقول:

“لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا”

لم يفهموا الجملة يومئذٍ على حقيقتها الكاملة.

فالقلوب لا تصدق بسهولة أن العظماء يمكن أن يرحلوا.

وكان محمد قد تجاوز الستين بقليل، لكن السنوات التي عاشها لم تكن تُقاس بالعمر وحده، بل بما حملته الروح من أعباء.

ثلاث وعشرون سنة:

من المطاردة،

والحصار،

والحروب،

والصلح،

والقيادة،

وانتظار الوحي في الليالي الطويلة.

حتى الجبال لو حُمّلت بعض ما حمله لتشققت.

وفي الأيام الأخيرة، أخذ المرض يشتد.

حمّى قاسية، وصداع يثقل الرأس، وإرهاق يجعل الجسد يميل إلى الفراش أكثر مما اعتاده الناس منه.

ومع ذلك، ظل يحاول الخروج إلى الصلاة.

كان يشعر — على الأرجح — أن المسجد ليس مجرد مكان للعبادة، بل قلب الجماعة نفسها، وأن غيابه الطويل عنه سيجعل الناس يشعرون أن النهاية اقتربت فعلًا.

وكان إذا خرج، أسندوه بين رجلين.

ورآه الناس يومًا يدخل المسجد متكئًا على عليّ والعباس، وقد أثقل المرض حركته، حتى إن قدميه كانتا تجرّان على الأرض من شدة الإعياء.

ولم يكن المشهد هيّنًا على القلوب.

فالرجال الذين رأوه في بدر والخندق وحنين، ثابت الخطوة، شديد الحضور، رأوه الآن يصارع جسده بصمت.

وهنا بدأ الخوف الحقيقي يدخل النفوس.

لكن أكثر ما يلفت النظر في تلك الأيام ليس المرض وحده.

بل القلق.

فالرجل الذي عاش للوحي كان يدرك — على الأرجح — أن الأمة التي وحّدها ما تزال فتية، وأن القبائل التي دخلت الإسلام لم تتحول كلها بعد إلى جماعة مستقرة.

ولهذا كثرت في أيامه الأخيرة الإشارات التي تدل على انشغاله بالمستقبل.

جيش أسامة مثلًا.

كان مصرًّا على إنفاذه رغم المرض، ورغم اعتراض بعض الناس على قيادة شاب صغير السن.

وكأن الرجل يريد أن يقول للأمة:

الدولة يجب أن تستمر حتى لو غاب صاحبها.

وكان يكرر:

“أنفذوا جيش أسامة.”

في إلحاح يشبه الوصية الأخيرة.

ثم جاءت رزية الخميس.

وحين خرج الناس من عنده مختلفين، بقي في المدينة شعور ثقيل بأن شيئًا لم يكتمل.

ولم يكن أحد يدرك أن تلك الساعات ستصبح بعد سنوات مادةً لصراع طويل بين المسلمين.

لكن المرض بعد ذلك اشتد سريعًا.

وصارت عائشة ترى من الألم ما لم تره من قبل.

وقد روت أنه كان يضع يده في الماء ثم يمسح وجهه ويقول:

“لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات.”

وما أشد وقع هذه الكلمات.

فالرجل الذي واجه الحروب والخذلان والمؤامرات، يقف الآن أمام الحقيقة التي لا يهرب منها أحد:

حقيقة الجسد حين يبلغ حدّه الأخير.

وفي بعض اللحظات، كان الوعي يصفو على نحو يثير الدهشة.

نظر يومًا إلى الناس يصلون خلف أبي بكر، فتبسم.

تبسّمة هادئة قصيرة، لكنها أشعلت الأمل في القلوب.

وظن بعض الناس أن المرض انكشف، وأن الحياة ستعود إلى مجراها القديم.

فالإنسان يتعلق بالأمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة.

لكن الجسد كان قد أنهكه التعب.

وفي صباح الاثنين…

ساد البيت سكون غريب.

لا حركة كثيرة.

ولا كلام مرتفع.

فقط ذلك الصمت الذي يسبق اللحظات الفاصلة.

وكانت عائشة تسنده إلى صدرها.

وربما لم تكن تدرك أن النهاية قد جاءت فعلًا.

فالناس لا يعرفون اللحظة الأخيرة إلا بعد أن تمر.

ثم أخذ بصره يعلو شيئًا فشيئًا.

وتحركت الشفتان بكلمات متقطعة:

“بل الرفيق الأعلى…”

وكانت العبارة هادئة على نحوٍ يكسر القلب.

لا خوف فيها.

ولا تعلق بالدنيا.

كأن الروح التي حملت أعباء الأرض طويلًا اختارت أخيرًا أن تمضي.

ثم سكن الجسد.

فقط…

سكن.

ولم تصرخ المدينة أول الأمر.

بل دخلت في ذهول عظيم.

فالنفوس لا تستوعب الكوارث دفعة واحدة.

وعمر، الذي كان يرى في وجود النبي تماسك العالم كله، فقد القدرة على التصديق.

راح يهدد من يقول إن محمدًا مات.

وكانت عيناه تحملان اضطراب الرجل الذي انهار فجأة آخر جدار احتمى به.

أما أبو بكر، فقد دخل الحجرة في هدوء.

اقترب من الجسد.

كشف الغطاء عن الوجه قليلًا.

ثم قبّله.

وقال:

“طبت حيًّا وميتًا.”

ولم يكن في البيت يومئذٍ شيء أشد قسوة من اليقين.

في الخارج، كانت المدينة على وشك الدخول إلى عصر جديد بالكامل.

عصرٍ لن يكون فيه وحيٌ يحسم النزاع إذا اختلف الناس.

عصرٍ سيضطر فيه البشر إلى إدارة المقدس بأيديهم المرتجفة.

ومن هنا…

بدأ التاريخ الإسلامي الحقيقي.

إقرأ الخبر من مصدره