بنكيران من السياسة الشعبوية الساخرة إلى المرارة الذاتية.. واش صافي فقد المصداقية؟

بنكيران من السياسة الشعبوية الساخرة إلى المرارة الذاتية.. واش صافي فقد المصداقية؟

ريما. ل كود//

توقفت كثيرا عند ما حدث يوم الاثنين الماضي، فاتح ماي 2023، في التجمع النقابي للبيجيدي والزخم الهائل الذي نتج عن خطاب رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية والاستنفار الكبير الذي خلقته تعليقاته. فبين مستحسن لخطابه المحافظ جدا ومعارض لكلامه لحد نعته بالتطرف، هناك أيضا، الملاحظ المشوش الذي لم يستطع فهم الأسلوب العنيف الجديد في شخصية بنكيران.

فأن نرى بنكيران السياسي الذي تعودنا عليه منذ سنين، وتعودنا على خطاباته التي كان خلالها دائم الحديث عن نظرية المؤامرة ووجود نخبة خفية تحاربه ينعثها بمجموعة “التماسيح و العفاريت”، التي لم يستطع أبدا تعريفها أو أن يوجه أصبع الاتهام لشخص واحد منها باسمه أو حتى أن يسمي الجهاز الذي ينتمي له. كان دائما ما يتبنى نظرية وجود دولة عميقة هي التي تقرر وهي التي تدبر وكأنه لا خيار له كرئيس حكومة، وأنه مكبل دائما بقيود خفية تجعله عاجزا عن اتخاذ القرارات…الخ.

هذا الخطاب، الذي صنف على أنه خطاب شعبوي من طرف الأكاديميين والمعلقين، كان دائما ما يغلب عليه طابع السخرية، فكنا نسمع نكته في البرلمان، يتحدى خصومه بالتعليقات النابية والاستهزاء بالخصوم والأحداث، غير أنه كان في معظم الأحيان يضعها في قالب ساخر. فهو غالبا ما كان يضع المقارنات بينه وبين الأحزاب الأخرى أو الزعماء السياسيين الآخرين بإيحاءات التفوق “ديالي أكبر من ديالك”، والثقه بالنفس الزائدة “حزبي أكبر واحد”، و”أنا الشعب اللي اختارني”.. تعود المغاربة في الحقبة التي كان فيها رئيسا للحكومة على سخريته وفكاهته ومحاولاته الدائمة لاستعراض القوة بقهقهاته العالية، قد نتفق معه أن نختلف ولكن غالبا ما نقول “إوا هو هذا بنكيران”، وغالبا ما نضحك أيضا، كمتفرجين من الشاشة الصغيرة في استجابة لقهقهات الحاضرين في قبة البرلمان.

غير أننا في الآونة الأخيرة لاحظنا بنكيران آخر. يأتي في شخصية مختلفة، مغايرة لما تعودنا عليه. بخطاب عنيف، مع أن البعض قد أشار إلى كون هذا الخطاب الهجومي طبيعي حسب تموقع حزبه في دكة المعارضة.

غير أنه لا يسعني إلا أن أتوقف في لحظة تأملية مطولة لخطابه الأخير في عيد العمال، الذي اتسم بالكثير من الذاتية والإسقاط والتناقضات النسقية (بعيدا عن نقاش التطرف الظاهر في الخطاب). تمعنت كثيرا في اللحظة التي صرخ أحد الحاضرين ناعتا بنكيران بـ”الشلاهبي” فكنت أنتظر بنكيران الذي تعودنا عليه في مثل هذه المواقف أن يرد بقهقهاته المجلجلة “آهاهاهاها” وبأن يرد بتعليق نابي ساخر ينم عن الثقة بالنفس، إذا بي ألاحظ شخصية مغايرة لم أعتدها أبدا ترد الإهانة بـ”خليوه يتكلم” وأن يمر سريعا “نبداو أ الإخوان”. توقعت بنكيران الواثق المستجيب حتى في عنفوانه، ذو الردود الساخرة والمستهزئة التي تنم عن ثقة، فوجدت شخصية مريرة، مهتزة غابت عنها الثقة المعتادة والعنفوان الإيجابي.

صراحة (يتحمل هذا التعليق احتمالية الخطأ) هذه أول مرة أسمع بنكيران ينسب انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 إلى رياح الربيع العربي ويحمد الله عليها. فهو دائما ما يوحي بالثقة في شرعية اختيار الشعب له ويتحدث عن قناعة المغاربة الراسخة به وبإديولوجية حزبه ولا ينسب انتصاراته إلى حدث ما.

في نفس الجزء من الخطاب (وهنا بيت القصيد) تبدأ بوادر نبرة المرارة والحسرة بدل السخرية التي عودنا عليها. رغم أنه حاول أن يظهر بمظهر شهيد النخبة الخفية التي ظلمته، بذكره التماسيح والعفاريت بعجالة وإيحائه أنها وراء سقوط حزبه المدوي في انتخابات 2021.

ولكن أن يستعطف نفس النخبة الخفية التي يلومها وفي نفس الجزء من الخطاب قائلا بمرارة زائدة أنه عيب أن يقع ما وقع، مشيرا أن حزبه هو المسؤول الأول عن درء هزة رياح الربيع العربي، ينم عن انعدام القناعة بأطروحته الخاصة، وأظن أن هذا راجع لكونه يعي تماما خصوصية المغرب المختلفة والتي من الطبيعي أن تتجاوز الرياح العابرة والهزات الإقليمية. فالمغرب كدولة ملكية عريقة مرتبطة بملكيتها ارتباط وثيقا، لم تنشأ بمقتضى معاهدة دولية حديثة العهد بخلاف الدول الناشئة حديثا بمعاهدات بعد فترة الاستعمار الأوروبي (في صيغته القديمة) كاللتي أشار إليها متحسرا على حالها والصراعات التي تعيشها بسبب “رياح الربيع العربي” (كما أطلق عليها هو).

ثم يأتي المقطع الآخر المهم من خطابه، والذي هاجم فيه بنكيران وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة بشكل شخصي، مستعملا الانتقاد الذاتي للوزير في محاولة لجر هذا الأخير في الجدلية (البوليميك) حول موضوع إصلاح القانون الجنائي وتطوير مدونة الأسرة.

وهنا أيضا، نلاحظ نظرة المرارة في نبرة بنكيران في هذا الإسقاط الذاتي الذي استعمله عندما حاول أن يظهر نفسه بمظهر الإنسان الصالح الوفي الذي استغل الآخرون الانتهازيون طيبته في الماضي ونبذوه عندما فقد رئاسة الحكومة قائلا “اللهم إلا إلى كان كيتسناني نموت باش يجي يعزي فيا”.

ثم يأتي حديثه عن إشكالية الإرث متجاوزا أعراف وأخلاقيات الخطاب وحديثه عن خصوصيات علاقته بزوجته قائلا “إوا دابا إلى تساوات معايا نبيلة فالورث، ما باقيش أنا نصرف عليها”، متجاهلا تماما أنه في تصريح سابق له عندما سئل عن وضعيته الاقتصادية قد صرح أنه يسكن في بيت زوجته، وأيضا لا ننسى أنه عندما فقد رئاسة الحكومة فقد قبل أن يستمر في تلقي أجر وزير، وقال إنها هبة من الملك محمد السادس ولا يستطيع ردها(مع أن هناك الكثير من المعلقين آنذاك والذين يعرفون شخصية الملك المتميزة المتفهمة معرفة جيدة، كانوا مقتنعين أنذاك أنه لو كان بنكيران قد أخبر جلالته أنه يفضل أن يكسب قوت يومه بوسيلة أكثر شرعية من الريع، لكسب احترام الملك والشعب معا ولكانت هناك صيغة أخرى ليشغل منصبا استشاريا أو مهمة رسمية ولكانت أجرته شرعية وليست هبة وإحسان).

تقنيا فملك البلاد هو من يصرف عليه وزوجته أيضا تصرف عليه على اعتبار أن منزل السكن هو ملكها.

إذن فكل هذه الإشكالات التي طرحناها سابقا فهي محاولة فقط لفهم هذه الشخصية الجديدة لبنكيران التي ظهرت جلية، يوم الاثنين والتي أذهلت المتلقي والمعلق. لقد باغثتنا هذه الشخصية باهتزازها وتناقضاتها الصارخة مابين الخطاب والواقع، فحاولنا هنا أن نفهم أصل التناقض وخبايا هذه النبرة المريرة والذاتية الزائدة وغياب الثقة بالنفس في ردود الأفعال، الناتجة غالبا عن عدم الاقتناع الشخصي لبنكيران بمضمون الخطاب وبصلابة الطروحات.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق