نعيمة بويغرومني
لم تكن ليلة الأمس مجرد مباراة في كرة القدم…
كانت ليلة كتب فيها المغاربة صفحة أخرى من صفحات الفخر، وأثبت فيها أسود الأطلس أن الأمم لا تنتصر بقوة الأقدام وحدها، وإنما بقوة الإرادة، وصلابة الشخصية، والإيمان بأن الهزيمة ليست قدرا، وأن المباراة لا تنتهي إلا مع آخر صافرة.
أمام منتخب هولندا، أحد عمالقة الكرة العالمية، بمدرب محترف، ولاعبين يملكون من الخبرة والمهارة ما يجعلهم من أصعب المنافسين، لم يدخل المنتخب المغربي بعقدة الاسم ولا برهبة التاريخ، بل دخل بعقلية المنتصر، وروح المقاتل، وإصرار من فولاذ.
تأخر في النتيجة…
لكنه لم يتأخر في الإيمان بنفسه.
اهتزت شباكه…
لكن عزيمته لم تهتز.
وهنا يكمن الفارق بين منتخب يلعب المباراة، ومنتخب يصنع الشخصية.
لقد أصبح لأسود الأطلس وجه جديد؛ وجه لا يعرف الاستسلام، ولا يسمح لليأس أن يتسلل إلى غرف الملابس أو إلى قلوب الجماهير.
وهذه الشخصية هي أعظم ما كسبه المنتخب في السنوات الأخيرة، لأنها شخصية المنتخبات الكبيرة التي تؤمن أن العودة ممكنة، وأن الانتصارات الحقيقية تُنتزع ولا تُوهب.
ولعل أجمل ما صنعه هذا المنتخب أنه لم يعد منتخب أحد عشر لاعبا فقط…
بل أصبح منتخب شعب بأكمله.
في ليلة واحدة، نسينا خلافاتنا الصغيرة، وتوحدت قلوبنا على حلم واحد. رجال ونساء، شباب وأطفال، شيوخ وشابات… الجميع كان يعيش المباراة وكأنها قضية وطن. لم ننم ليلة كاملة، و بعضنا استرق “غميضات”…
لماذا ؟لأن الوطن كان يركض فوق العشب الأخضر، ولأن الأمل كان أجمل من النوم، وأغلى من التعب.
وبكلمة، لقد تجاوزت كرة القدم حدود الملاعب، وأصبحت لغة وطنية توحد المشاعر، وتعيد إلينا الإحساس بأن النجاح ما يزال ممكنا.
ولعل السر في هذا الشغف أن كرة القدم، أكثر من غيرها، ما تزال تحتكم إلى قانون يصعب الالتفاف عليه.
قد يحالفك الحظ في لقطة، وقد يبتسم لك القدر في مباراة، لكن الحظ لا يصنع بطولة، ولا يضمن مجدًا دائما.
في الملعب لا يسجل الأهداف ابن المسؤول، ولا يركض تسعين دقيقة صديق النافذ، ولا يمنح الحٓكم الفوز لأن هذا قريب من صاحب القرار.
في الملعب، لا مكان واسعا لـ”باك صاحبي”، ولا للمحاباة، ولا للتسويق الزائف، ولا لتجميل الفشل.
هناك معيار واحد…
من كانت لديه مهارة في قدميه، وإيمان في قلبه، وانضباط في سلوكه، فليتفضل إلى رقعة اللعب.
أما خارج الملاعب…
فكم نتمنى أن يسود المنطق نفسه…
كم من كفاءة أُقصيت لأنها لا تملك وساطة! أو لأن منسوب المحاباة والتزلف عندها متدني…!
وكم من مستحق ظل في الصفوف الخلفية، بينما تقدم غيره لأنه يعرف الطريق إلى أصحاب القرار!
وكم من شاب فقد ثقته في وطنه، لا لأنه أقل كفاءة، بل لأن الاستحقاق صار، في كثير من المواقع، بين قوسين، والتدرج بين قوسين، والأهلية بين قوسين كذلك.
وفي السياسة على وجه الخصوص، كثيرا ما ترتفع أصوات التبرير أكثر من أصوات الإنجاز، ويعلو التسويق على الحقيقة، وتنتصر الولاءات على الكفاءات، وتصبح الحظوة طريقا مختصرا إلى المناصب، بينما يقف أصحاب الجدارة على الرصيف ينتظرون دورا قد لا يأتي….
طبعا، لا أعمم، لكنه داء يستشري، وعلى كل الاحزاب -وخصوصا الجادة والمسؤولة- أن ترفع درجة الحذر ، وتنصت لنبض المناضلين أكثر فأكثر…
ولذلك نعشق كرة القدم
نعم، نساء ورجالا نعشقها…رغم كل التوتر الذي يصاحبنا ونحن نتفرج…
لأنها تمنحنا شيئًا نفتقده في مجالات كثيرة؛ تمنحنا الثقة في أن المستحق يستطيع أن يصل، وأن الاجتهاد يمكن أن يهزم الامتيازات، وأن النتيجة، في نهاية المطاف، يفرضها العرق، يفرضها الاجتهاد لا العلاقات.
وحين أنصفتنا كرة القدم، لم يكن ذلك لأنها أكثر رحمة من غيرها، بل لأنها أكثر احتراما لقانون الاستحقاق.
أما في مجالات أخرى، فما زلنا نرى الكفاءة تُؤخر، والجدارة تُزاح، ويُفتح الباب واسعا لمن يجيد التبرير أكثر مما يجيد الإنجاز، لمن يجيد التقاط الصور، لا للذي يعبد الميدان…. ولمن يحسن التسويق لنفسه، وما أكثرهم! أكثر مما يحسن خدمة وطنه، وأكثر من وفائه لتنظيمه….
ليتنا نتعلم من الملاعب…
ليتنا نجعل المدرسة العمومية فضاء لا ينجح فيه إلا المجتهد.
وليت الجامعة لا تكرم إلا الباحث الحقيقي.
وليت الإدارة تفتح أبوابها للأكفأ.
وليت المستشفى يقوده أهل الاختصاص.
وليت السياسة تتحول إلى ميدان للتنافس في خدمة الوطن، لا إلى سباق في صناعة الأعذار، وتسويق الإخفاقات، وإعادة إنتاج وجوه سئمتها الشاشات قبل أن يسأمها الناس… ،
ليت وليت وليت…. هذا الحرف الناسخ الذي يفيد التمني، حط رحاله في مجالات عديدة عندنا، فصار “لازمة”… وإلى ان نستفيق من أخذة التمني، ونشمر عن سواعد الجد واستفراغ الوسع… سنظل نتمنى إلى ما شاء الله.
وعليه، شكراً لأسود الأطلس…
لأنكم لم تمنحونا فرحة انتصار فحسب، بل منحتمونا درسا بليغا في أن النجاح لا يصنعه إلا الذين يؤمنون بأن الوطن يستحق أن نبذل من أجله كل ما نملك.
ويبقى الدرس الأبلغ الذي لقّننا إياه أسود الأطلس أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تنهض بالمحاباة، وإنما تسمو حين يُفسَح الطريق للكفاءة، ويُصان الاستحقاق، ويُكرم أهل البذل والعطاء. فلعلنا نتعلم من الملاعب ما عجزنا عن تعلمه في غيرها.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.صدق الله العظيم.