الأحداث
صحيح أن العلاقات المغربية الجزائرية تجتاز ظروفا سيئة تدعو منا التعبئة واليقظة لتقليص الخسائر المحتملة الناجمة عن الزج بالبلدين في أتون الاصطفافات الجيوسياسية الجديدة لهذا القرن وإيقاف رقصة الستريب تيز التي ما فتئت تفتح شهية أو شهوانية هذا القطب أو ذاك.
أصعب وأهون ما يمكن أن يصيب البلدين في هذه الحرب العالمية الهجينة الجديدة هي أن يفقد كِلا البلدين الامتداد الجغرافي الطبيعي السلس والمنتج للقيمة المضافة بتكلفة يسيرة، ويستمران في الالتجاء إلى من لا يعترف بقدرهما ولا تهمه إلا مواردهما ومُدَّخراتهما مدمنَين بذلك تضييعَ الفرص، مستلذَّين بجعل أيديهما مغلولة إلى عنقيهِما.
قديما قيل: دلائل الغباء ثلاث: العناد، الغرور والتشبث بالرأي، ثالوث يغرق فيه ويضيع كل منطق، وكلما صغر العقل زاد الغرور.
صحيح أيضا أن السنوات الأخيرة عرفت تناسل سُلالة نافخي الكير وجحافل الذباب الإلكتروني هنا وهناك، لكنه لا يخامرني أي شك في أن الشعبين شعب واحد وأواصر المحبة بينهما أعمق وأصلب بكثير من كل هذا الزبد الذي تطبخه جهات عدة تريد توسيع الفُرقة وتخويف هذا النظام من ذلك للاستفراد بكل منهما على حدة.
إنها خطابات فيروسية مسترسِلة هدفها إبقاء حالة الشنآن وتعميقها، تارة باسم الكسكس وأخرى باسم الزليج، ليكثر التنابز بيننا حول من فينا أفضل من أخيه (وكلانا في الهم سواء)، ليستلِذ هذا الشعب بمآسي الآخر، ويُصبح الشتم هو القاعدة والمحبة الحالةُ النشاز، على وسائل التواصل الاجتماعي طبعا.
هناك مثل باسكي جميل يقول بأن الغرور قد يُزهر لكنه لا يُثمر. لذا تجِدُني أقول لهؤلاء ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا لم تكن مِلحا تُصلِح فلا تكن ذبابا يُفسِد.
كما قلت، لحسن الحظ أن هذا السعار ينحصر في مواقع التواصل أو اللاتواصل الاجتماعي، مجال الوهم المشترك بالعظمة، وحين نتمعن في طبيعة أبطال هذه البذاءات نجدهم نُوكا تافهين يقال عنهم “مؤثرون”، قطط تحاكي في انتفاخها صولة الأسود، همهم تمجيد الذات وتحقير الآخر، والأدهى أن من بينهم صحفيين وأساتذة في القانون فرحين بوضاعتهم وانخراطهم في بيع الأوهام وزرع الألغام بدل تجويد أداءهم في مجالات عملهم الأصلية التي لم يقدموا فيها أي شيء يذكر.
وحامل المسك ليس كنافخ الكير كما روي عن الرسول (ص).
إننا قد نختلف كأناس عقلاء في كلا البلدين حول بعض التفاصيل القاسية، وجُلها فخاخ ومصائد وضعها الاستعمار الفرنسي بحِذق كبير لتستديمَ المشاكل بين البلدين ويستمرَّ في ابتزازنا ما دُمنا غير قادرين كأولي ألباب وبلدين ذوي سيادة على تجاوز هذه المطبَّات.
أوليس لحل مثل هذه المشاكل وجدت السياسة والديبلوماسية؟
الخطير هو أن نجعل من هذه التركة الملغومة ذريعة لقطع الأرزاق وصلة الرحم بين الشعبين من أجل إرضاء بعض النرجسيات وإبقاء التوتر للاسترسال في التسلح والنفخ في الحسابات البنكية لحفنة من المستفيدين.
شنار ما بعده شنارُ أن نستمر في قتل الأمل في نفوس شباب البلدين ودفعهم إلى الكفر بالوطن وركوب قوارب الموت !
لكني مع كل هذا متفائل بالنسبة لمستقبل العلاقات بين البلدين لعدة أسباب منها ما هو قديم ومنها ما هو أجَد:
-متفائل لأني أعي أن الشعبين شعب واحد على الرغم من كل ما يحاك ضدهما، شعب واحد تجمعهما اللغة والدين و الجغرافيا كما يجمعهما الدم و التاريخ، تاريخ المقاومة من أجل الانعتاق من نير الاستعمار. هنا، أتذكر “دادا التسولية” عمة الوالد رحمهما الله التي كانت تضع تحت مَلاءتها “جبلا” من الأسلحة المُحمَّلة إلى ميناء مليلية ومنها إلى الناظور لتقوم هي بعد ذلك بمعية عدد هائل من المقاومين المغاربة البسطاء بالعبور بها عبر ممر “الصفصاف” الحدودي الواقع على قنطرة وادي ملوية على مشارف مدينة زايو والذي كان يفصل بين منطقة الحماية الفرنسية والحماية الإسبانية لتزود بها المقاومين الجزائريين في حربهم ضد المستعمر الفرنسي.
-متفائل لأنني عاينت كيف شارك سواء مغاربة الداخل أو مغاربة فرنسا إخوانهم الجزائريين في الاحتفال بالفوز المستحق على المنتخب المصري والتأهل لمونديال 2010 والفرح العارم لأشقائنا الجزائريين بالمنجزات التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم في كأس العالم الأخيرة.
-متفائل حين أرى حالة الالتحام التي تجمع بين الفرنسيين والبلجيكيين والهولنديين ذوي الأصول المغربية والجزائرية والزيجات المشتركة بينهما ووقوفهم جنبا إلى جنب لخوض معارك كبرى تمس هويتهم وكينونتهم في بلدان الاستقرار.
-متفائل حين أعيد الاستماع إلى الأغنية المشتركة الرائعة (افتحوا هذه الحدود) للشاب بلال الجزائري ومجموعة “الفناير” المغربية، التي تبث روح الأمل في الشباب المغربي والجزائري وفي أن هذا الليل سينجلي وأن هذا القيد سينكسر.
-متفائل حين أرى كيف ينهل حسن الفذ وعبد القادر السيكتور من نفس المعجم اللغوي والتخييلي لإمتاعنا بقفشات تضحكنا جزائريين ومغاربة على حد سواء.
لكل هذا، أنا متفائل بالمستقبل لأن هذه الأمثلة –وعددها كثير جدا-يعني أن التوتر المفتعل وسياسات اللاتواصل الممنهجة منذ عقود لم تنل من الحب الأصيل والدفين الذي يجمع الشعبين، ولو أن لي عتابا رقيقا أوجهه للنخب المثقفة في البلدين التي دخلت في مرحلة “بيات شتوي” دام طويلا وأفسحت المجال للتافهين والأفاقين ليملؤوا الدنيا لغوا وزعيقا، وكل فراغ يُترك لا بد أن يُملأ.
لهذا، أدعو هؤلاء كما النسيج الجمعوي والفني في البلدين إلى عودة الوعي والانخراط بقوة في إعادة الدفئ لهذه العلاقات والقيام بحملة تجميع أكبر عدد من التوقيعات من هنا وهناك للمطالبة بفتح الحدود الوهمية حتى يتحول المعبر الحدودي الذي يفصل ظلما بين البلدين الأخوين من “زوج بغال” إلى “زوج رجال”… وما ذلك على أحرار البلدين بعزيز !
هيئة التحرير10 يوليو، 2023
إقرأ الخبر من مصدره