مصطفى رفعات
أستاذ متخصص في الفنون والتربية
بأي فم سنطفئ شموع أعياد ميلاد هذه السنة؟ أبفم صامت لا قدرة له على التلفظ بكلمة حق، أم بفم يُتقن التزوير والكذب، أم بفم ببغاء لا يتقن سوى الترديد وليته ترديد شعار مجد البلد، أم بفم ضاعت منه لغته ولا يتذكرها إلا في اليوم العالمي للغته، أم بفم باع واشترى بصمته وكلامه؟
وبأي نَفَس وتنفس سنطفئها، أبنفس وتنفس يخرج من دخان مصانع حطت عُدَّتها لتقتل ربيع البادية المزهر، وحدائق المدينة التي تحاول أن تسعف التنفس وتداوي الأكسجين، أم بتنفس من رئة ملأها دخان المخدرات حتى صدأ دمها، ونسيت أصلها وإلى أي الدماء تنتمي؟
وبأي حلاوة ستطعم ذوق حلوتها؟ أبسكرِ بنزينٍ آلاته دم صبي وآخِرُ قطرات عرق صراخات حياة أُمٍّ واستنجادها وامعتصماه؟
وبأي عسل بعدما قُتِلت كل النحلات؟ أبنحل من البلاستيك صنعتها لتوهم الناس بأنها العسل الحر؟
وبأي الديكورات ستزينون حَلْوَياتكم، أمن أثاث حطام منازل حُطمت على جسد فتاة في ليل كانت تغزل أحلامها، وأخرى كانت تصمم مشهد الاحتفال بإنجازها العلمي بشهادتها العليا في جامعتها، ومع ذلك غادرتنا إلى باريها لتحتفل بشهادتها العليا الحقيقية؟
وبأي الهدايا ستحتفلون؟ أبهدايا استخرجت من وسط الدمار، أم بهدايا ضاع صبيانها وبقيت يتيمة تنتظر اليد التي سترعاها، وتلاعبها؟
وبـأي موسيقى ستحتفلون؟ أبموسيقى إيقاعها طلقات رصاص، وميزان نغماتها صوت مدافع دمار، مسترسلة بصراخات نغمات مؤلمة لا تتوقف، اختلطت فيها أصوات الطلقات بأصوات البكاء وأصوات الاستنجاد، وأصوات التوسل إلى الخالق، وأصوات الإسعاف، وأصوات التنهد والتهديد والألم، معزوفات بكل الأصوات المؤلمة والمفزعة والمرعبة؟
وبأي أسرة تحتفلون؟ أبِأُسَر بُتِرت منها كل أنواع الأصول، لا الأم بقيت لتتم مسار حنانها، ولا الأب ليمارس الحماية والسند، ولاعم ولاخال ينوب عن أدوارهما.
بقذائف ظالمة في ليل مظلم متسللة غابت معالم أسرة ودفنت أصول وأحرقت شهادات ميلاد، وتمت الوفاة دون أن تجد من يدونها في سجل الوفيات، لكن الذي يخفف الجراح هو ‘الشهادة’ المطبوعة من رب عليم، كل الشهادات أحرقت وأتلفت وغابت معالمها ولم تعد لها صلاحية إلا ‘الشهادة’ واحدها هي الرغبة والمطمح والاحتفال الحقيقي.