مصطفى رفعات
أستاذ متخصص في الفنون والتربية
غريب أمر هذا العالم، أ هذا العالم هو الذي كان بالأمس يبكي ويُرعب الناس، ويضع الحدود في التنقل إلا بجواز التلقيح من بلد لبلد وداخل البلد الواحد، ومَنَع التجوال وصرف الملايين للتلقيح بجرعات متكررة خوفا من انتشار الأوبئة والموت، ووضع الكمامات على الأفواه، ومنع من مصافحة الأقارب والأصحاب، وبالغ في برامج النظافة والتخويف من الكوفيد؟
هو نفسه اليوم يرى الجوع يكبر والأمراض والأوبئة تنتشر، وأصغر ما في الكون طفولة تُقتل شر قتلة، ونساء وشيوخ تزهق أرواحها، وتُعذب بلا ذنب اقترفته ولاجرم مارسته، ويرى كل ممارسات التعذيب والسّب والسخرية والاستهزاء، ووَصْف البشر بحيوانات، وحضور كل الأمراض المزمنة وبتر أعضاء أجسام لبشر، وتشتت الأدمغة، وتدمير العمران وقصف المستشفيات والمدارس والملاجئ والمعاهد والمآثر، وضياع الأموال ولعب الأطفال البريئة تحت ركامات من جمار القذائف التي لم تهدأ، لتسحب النوم من حياة هؤلاء الناس..
عالم اغتُصِبت الطبيعة فيه شر اغتصاب، وخُنقت دور المياه عمدا، ووُضعت حدود لدخول قطعة خبز لسد جوع، عالم كانت تقام فيه موسميا بأفخم وأكبر الفنادق مؤتمرات لحماية البيئة، فهاهي اليوم الطبيعة تخلت عن جمالها مجبرة، والطفولة منعت من براءتها غصبا، ونساء هل يستطيع الثامن من مارس أن يعيد لهن حقوقهن، ويخرجهن من قبورهن ليمنحهن حياة جديدة، وعمال هل يستطيع فاتح ماي وشعارته، أن يعيد لهم عرق جبينهم ويمنحهم حقهم في مصروف يومهم، وينشر في شعاراته وهتافاته كل الحقوق التي انتهكت، وحيوانات شلت حركاتها، ومنعت من وظائفها أسست لها جمعيات لحماية حقوقها لم يلتفت لها العالم، ماتت مدفونة تحت كومات من الأحجار والأتربة وحرقا، وكأنها أجرمت في حق البشرية، وجفت المياه من عطاءاتها، لتصل إلى الأفواه العطشى، وتمارس حقها في بعث الحياة في كل شيء حي، تجاوز الماء الضياع والتبذير والعالم يشتكي من أيام جفاف تهدد العالم، ومنعت المساعدات من أطعمة وأدوية، فتحقق الموت بكل أنواعه ووسائله وصفاته، وتهدم العمران الذي حفظه الأجداد ليقدموه حضارة وتاريخا للأحفاد والباحثين والسائحين، ودُمرت بيوت فوق رؤوس أهلها، تدمر معها مجهود سنوات من البناء والتصميم والتفكير، وتدمرت معه في كل ركن من أركان البيت ألف قصة وحكاية، وسطور من تاريخ الأسرة وتجمعاتها، وأًسْر بالآلاف..
كل هذا في زمن أوهمنا العالم أنه يملك أحدث أجهزة المخابرات للوصول إلى المعلومة وليعرف الظالم من المظلوم، وأرقى الوسائل التكنولوجيا لرصد مرماه، فلماذا يُقصد الضعفاء ويُنتقَم من أناس في دورهم وأسر في منازلهم، تبددت الأسواق وتغيرت معالم الطرقات وضاعت الوثائق والأحلام وانتشر اليتم والإعاقات والعاهات، ووُضِعت طائرات تحلق فوق الحرب لتساعد الدمار على الاستمرار، لا على البحث عن الحقيقة وكشفها للناس ليعرفوا حق الحقيقة، وانتشرت الأكاذيب وتزوير الأخبار وتغيير المفاهيم، وتفننت إذاعات كنا نمنحها ثقة عمياء في تغيير الحقائق، وسكت كثيرون من حماة التاريخ، ومفكرون وباحثون، يحملون مصادر الحق والحقائق، وارتفعت أصوات الشعوب بمسيرات ترفض الوضع ومنظمات إنسانية من كل الأنحاء، لكن صوتها أخرسه صوت واحد، وتحققت حكمة حكم القوي على الضعيف.
وما هي إلا ساعات ونستقبل العام الجديد، بأي حلوى وبأي هدايا وبأي احتفال؟ هل بمشروب الدماء التي سكبت، أم بأجزاء أطراف لحوم البشر التي تشتت فصعب إعادة تركيبها، أم بموسيقى قنابل لا تحمل معها إلا أصوات الرعب والفزع، أم داخل قاعات وعمران تشتت كل معالمه، فاختلط طوب بنائه بجثمان ضحايا لم يستطع الباحثون نشلها، أم برقصات قلوب ضاعت جل أفراد أسرها، كل عام وأنتم…