ضد الأفتر وورك! كانت الحياة جميلة ومثيرة إلى أن أفسدتها عادة الأپيرو وإيديولوجيا الما بعديات

حميد زيد – كود//

كل شيء كان يحدث قبل العمل.

كل الإنجازات الكبيرة.

كل الملاحم.

كل البطولات.

كل الأرقام القياسية.

كل الأفكار العظيمة.

كل الأمجاد التي حققتها الصحافة المغربية كانت قبل العمل.

وأثناءه.

وخارجه.

وفي السفانكس. و ما جاورها.

وليس في الصحافة وحسب. بل في كل الميادين.

وفي معظم المهن.

كان كل شيء يحدث قبل العمل.

كل التقدم الحاصل.

كل الاختراقات.

كل الإبداعات.

كانت بفعل التسلل من العمل.

وفي الغياب.

إلى أن جاءت هذه الأجيال الجديدة بثقافة غربية دخيلة. تؤجل فيه كل شيء إلى ما بعد العمل.

فقد كانت الحياة جميلة ومثيرة إلى أن أفسدتها إيديولوجيا الما بعديات.

وبدل الاهتمام بالحداثة انشغلنا بما بعد الحداثة.

و النتيجة هي أننا لم نبرح الماضي لحد الساعة.

ولم ننعتق من أغلال التقاليد.

وبدل عيش الواقع كما هو والتمتع به دخلنا ما بعد الواقع. وعززناه. كي نهرب منه.

وبدل تجنب الوقوع في فخ الما قبل والما بعد.

وبدل الاهتمام بالشراب.

وبلقاء الزملاء. والأصدقاء. والغرباء. و ترك الأمر للصدفة. و للمزاج.

اخترعنا الأپيرو. والأفتر وورك.

وهذه المناظر المقرفة لشباب يحمل كل واحد منهم قنينة ليلتقوا في شقة.

وعلامات البخل والحذر بادية عليهم.

وكل شيء بحساب.

و كل شيء مخطط له. وخال من المفاجآت. ومن المشاحنات. ومن المعارك. ومن بائع البيض نصف المسلوق.

وخال مِنْ مَنْ لا يحمل قنينة معه.

الذي صار في هذه الحضارة الجديدة منبوذا. ولا مكان له. بعد العمل.

و كل هذا بسبب التقليد الأعمى للغرب.

الذي يغيب فيه التضامن.

و تغيب فيه الرحمة.

ويغيب فيه عطف من يملك على من لا يملك.

وحين يقرر الغربي أن يصوم ويتوقف عن الشرب يتبعه المغربي.

ويصوم هو الآخر.

بينما لنا شهر رمضان الذي يتوقف فيه المغربي مع إخوانه. و الذي يعفيه من أي تبعية. ومن أي تقليد.

محافظا بذلك على خصوصيته.

ملتزما بقوانين بلده.

وحين يقرر الغربي أن يشرب بعد العمل.

يقلده المغربي.

ويفعل مثل ما يفعل.

ويردد مثله ويرطن بهذه الكلمات التي لا تناسب تقاليدنا في الشراب.

وحين يقرر الغربي أن يحمل حقيبة ويضع فيها قنينة يتبعه المغربي.

بينما كل ما حققه السكير المغربي كان دائما قبل العمل.

وقبل أن يصل إليه.

ودون أي تنظير. ولا كلمات رنانة. و لا تخطيط مسبق.

بينما لا شيء يقع بعد العمل بالمطلق.

ولا مفاجآت. ولا مغامرات. ولا فرجة. ولا تجارب يمكنك أن تكتسبها.

لأن بعد العمل قليل ولا يكفي.

ولأنه مغلق.

ومتكلف.

ولأن بعد العمل يعني نهاية الشارب.

ونهاية اليوم.

ما بعد العمل يعني اقتراب العودة.

وقد استطاعت ما بعديات الغرب هذه اختراق الشباب المغربي لأنه غير محصن. بينما عجزت مثلا عن التأثير على السكير الروسي.

الذي له تقاليد راسخة وعريقة.

وله بدل الأفتر وورك ما يسميه الروس الزاپوي(Zapoï). حيث يشرب الروسي كأسه الأولى. ويستمر لأيام دون توقف. “متسكعا من مكان إلى آخر. راكبا قطارات دون أن يعرف وجهتها. مفشيا أسراره الأكثر حميمية لأشخاص التقى معهم بمحض الصدفة..”. غير مفكر في العمل.ولا في التعب. ولا في الراحة. ولا في المستقبل. ولا في الربح. كما يشرح ذلك إيمانييل كارير في كتابه عن سيرة الشاعر الروسي إدوار ليمونوف.

و ما جعلني أمج عادة الأفتر وورك هذه

وأحذر من مخاطرها

ومن جدية أصحابها

هو أن زميلا لي في موقع كود يصغرني سنا

يحرص دائما

على أن يلتقي زملاءه ما بعد العمل ويحتفل معهم

بينما نحن في كود لا مقر لنا نعمل فيه.

وكل واحد فينا يبعد عن الآخر مسافة 200 كيلومتر أو أكثر

أما مديرنا فلا أحد يعلم أين هو بالضبط.

ومع ذلك فإن ذلك الزميل يدعي لقاءه بنا.. بينما الجميع ينفي ذلك.

والحال أنه وحين كانت لنا مقرات وجرائد نشتغل فيها

وكانت لنا أوقات عمل ثابتة

وإدارة تراقب حضورنا وغيابنا

كنا نقوم بكل شيء قبل العمل

و نركب القطار

متوجهين إليه

لكننا كنا نجد أنفسنا في مكان آخر

خارج العمل

في نسيان تام للبوكلاج وللوقت وللغد

ورغم ذلك

فإن تلك الفترة من مسارنا المهني

كانت هي الأفضل

وهي التي مارسنا فيها الصحافة على أصولها

قبل أن يتفشى الأپبيرو والأفتر وورك

في عالم جديد خال من العمل

ومن أي ممارسة جدية

وخال من أي متعة

حيث كل شيء صار يحدث في هذه الحياة بتصنع

و كل فرد

صار لزاما عليه أن يأتي حاملا معه قنينته

في سلوك غريب

وشاذ

و تابع

لم يسلم منه حتى الذين لا عمل لهم.

إقرأ الخبر من مصدره