على خلفية الأحداث الأخيرة يطرح السؤال.. متى أصبحنا نخاف من مرآتنا الإفريقية؟

في إحدى رحلاتي بسيارة أجرة صغيرة في الدار البيضاء، أشار السائق إلى رجل من ذوي البشرة السوداء كان يعبر الطريق، وقال دون تردد وبعبارات حادة: “ما بقيتش كنحملهم”، وأضاف بعض الألفاظ التي تنم عن احتقار صريح. حين سألته عن سبب غضبه، أجاب متأثّرًا بنبرة حنق: “شفت الفضيحة لي دارو في حي الألفة؟ ما بقاتش الناس قادرة تدخل لديورها… مزاحمين معانا على الرزق”. ثم أصر قائلاً: “ما خاصش الناس يتعاملو معاهم، ما يدويوش معاهم، ما يكريوش ليهم، وأنا ما بقيتش كنهزهم في الطاكسي”. وحين حاولت أن أفتح معه باب النقاش حول أسباب وجودهم من الأصل، تردد قليلاً ثم قال ببساطة: “را بغاو يحتلونا”.

قبل سنتين، في الرباط، جلستُ في مقهى، وتصادف وجودي مع خروج “الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد” في مسيرة احتجاجية. لفت انتباهي رجل خمسيني كان يجلس على شرفة المقهى، أستاذة شابة تحمل لافتة تطالب بالإدماج في سلك الوظيفة العمومية. نظر إليها وقال متهكمًا: “لا حول ولا قوة إلا بالله… إيلا مابغاش تقري الولاد، كون راك تزوجتي ومقابلة كوزينتك! ولادنا ما بقاوش كيقراو، غير الإضرابات…” نطق كأنما يُلقي خطبة لا تحتاج إلى رد، ثم مضى في طريقه واثقًا من حكمه القاطع.

تكرار هذه المشاهد ـ سواء تجاه المهاجر أو الأستاذ ـ يكشف حالة نفسية واجتماعية من التوتر والخذلان. هناك ميل واضح لدى كثيرين إلى تحميل “الآخر” مسؤولية الوضع، كأنه نوع من التنفيس عن الغضب “فَشَّة خَلْق” كما يقول المشارقة، نُنفّس بها عن القهر اليومي. كما وصف الدكتور مصطفى حجازي في سيكولوجية الإنسان المقهور: “المقهور حين لا يستطيع أن يثور على من يقهره، ينقل عدوانه إلى من هو أضعف منه”.

هكذا يتحول المهاجر الإفريقي إلى هدف سهل للغضب الاجتماعي، الذي لا يجرؤ أن يُوجَّه نحو منبع الأزمات الحقيقي: إخفاق السياسات العمومية أحيانًا، اختلال العدالة الاجتماعية، وفشل الحكامة في أحيان كثيرة.

وفي الآونة الأخيرة، نلاحظ بوضوح تصاعد نبرة العداء تجاه المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، ليس فقط في الشارع، بل أيضًا في بعض وسائل الإعلام الخاصة ومنصات التواصل، حيث تُنشر حملات تحريض تطالب بالترحيل، وتُروّج لمخاوف من “توطينهم” و”استيلائهم على الشغل”. ويواكب هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، صمت رسمي يوحي بعدم الرغبة في التصدي له، ما يجعل الكراهية وكأنها خيار مجتمعي طبيعي، لا انحرافًا أخلاقيًا أو قانونيًا.

غير أن تصاعد مشاعر الغضب والتمييز، عندما لا يتم احتواؤها ضمن القانون، قد يؤدي إلى انفلاتات اجتماعية تتجاوز مجرد التعبير عن الرأي أو التنفيس عن الغضب، إلى سلوكيات تدخل في صميم مهام الدولة، مثل محاولة تطبيق القانون أو “فرض النظام” من طرف الأفراد. وهنا لابد من التذكير بأن إنفاذ القانون من اختصاص السلطات المختصة وحدها، وليس من مهام المواطن العادي، مهما بلغت درجة استفزازه أو شعوره بالظلم.

وفي هذا السياق، تبقى في الذاكرة حادثة اعتقال “سائق طاكسي” بمدينة الدار البيضاء، بعد أن أقدم على “الاعتداء على سائق لإحدى تطبيقات النقل الذكي”، كان يقل “دبلوماسياً روسيا وزوجته”، معتقدًا أنه يدافع عن “الحق” أو يطبق القانون. هذه الحادثة تُظهر كيف يمكن لخطاب مشحون بالغضب الاجتماعي وغير المؤطر أن يتحول إلى “عدوانية فعلية” لا يضبطها العقل ولا يحتكم فيها إلى القانون، بل إلى تصور شخصي للعدالة لا مكان له في دولة مؤسسات.

والمفارقة التي تستحق التوقف، هي تزامن هذه الحملة مع اقتراب موعد استضافة المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025، حيث من المنتظر أن تستقبل المملكة آلاف المشجعين من الدول الإفريقية. فكيف سنوفّق بين خطاب “أهلاً بكم في بلدكم الثاني المغرب”، وبين مشهد الشارع الذي يصوّر الإفريقي كمصدر تهديد، وكمشكلة يجب طردها؟

هل يمكننا أن نحتفي بإفريقيته في الملاعب، بينما نرفض حضوره في الأحياء والشوارع والعمل؟

هذا التناقض، كما يقول المفكر المغربي عبد الله العروي، هو نتاج “حداثة قسرية” تُفرض من الأعلى، دون أن تجد امتدادًا حقيقيًا في النسيج الاجتماعي والثقافي. أما الفيلسوف الكاميروني أشيل مبامبي، فقد أشار إلى أن “الانتماء الإفريقي” غالبًا ما يُستعمل كأداة ديبلوماسية تخدم مصالح الدول، دون أن يتحول إلى ثقافة سياسية أو وعي شعبي مشترك.

وفي السياق نفسه، تشير الكاتبة المغربية فاطمة آيت بن مدني في دراساتها حول الهجرة، إلى أن: “الخطاب عن العنصرية لا يزال محجوبًا في النقاش العمومي المغربي، ما يجعل معالجته صعبة، ويترك المجال لتفاقم الكراهية دون محاسبة أو مساءلة”.

وقد نبّه المفكر السنغالي شيخ أنتا ديوب إلى خطورة هذه الرؤية المختزِلة حين قال: “لن يتمكن أحد من فهم ذكاء المجتمعات الإفريقية وعمقها ما دام تاريخ إفريقيا السوداء يُكتب بجفاف شبيه بجداول الحسابات”.

هذا القول يكشف عمق المعضلة، فحين يُختزل التاريخ في أرقام جافة وتواريخ عابرة، يغيب الإنسان، وتُمحى تجاربه، وتُطمس مساهماته. وهنا تتجذر الصور النمطية وتُصبح مبررًا للتمييز، بل وحتى للعنف. فالتحامل على المهاجر، أو ربط وجوده بالفوضى والخطر، لا ينبع من وقائع ثابتة بقدر ما يستند إلى روايات غير مكتملة، ووعي مشوَّه بالتاريخ والجغرافيا والآخر. ومن هذا الخلل في التمثّلات، تنبع سلوكات يومية تُكرّس الإقصاء والتوجس، بدل أن تعزّز التعايش والاعتراف المتبادل.

من هنا، يصبح الرهان الحقيقي في أن يُحوّل المغرب هذه اللحظة الإفريقية الكبرى إلى مناسبة لإعادة النظر في مرآته، لا فقط من حيث التنظيم واللوجستيك، بل في مدى استعداده لأن يكون فعلاً بلدًا لكل إفريقيا، لا فقط في الخطاب الرسمي، بل في الوعي الجماعي، في الإعلام، في المؤسسات، وفي الفضاء العام.

فهل نحن مستعدون لننظر في مرآتنا الإفريقية دون أن نخاف من انعكاسها؟

إقرأ الخبر من مصدره