
عثمان بن شقرون
كثيرًا ما تتقلص الأسئلة المركبة، في النقاش العمومي المعاصر، إلى صيغ أخلاقية مباشرة تختزل القضايا المركبة في أحكام جاهزة و تُفرغها من تعقيدها، وفي هذا السياق، هل يمكن ردّ هذا النوع من القضايا إلى مقاربة تُختزل في ثنائية الحلال والحرام؟ ويبدو في الظاهر أن هذا النوع من الأسئلة يعكس حرصًا على الضبط القيمي، لكنه في العمق يكشف عن ميل متزايد إلى تبسيط الواقع وإفراغه من طبقاته التاريخية والاقتصادية والسياسية. فحين تتحول “كوكاكولا” إلى موضوع فتوى أو مقاطعة أخلاقية مباشرة على الواقع الافتراضي، فإننا لا نكون أمام نقاش حول منتج بعينه، بل أمام طريقة في التفكير تُعيد تشكيل العالم عبر اختزاله في رموز سهلة التداول.
إن أخطر ما في هذا النمط من التفكير ليس موقفه من منتج معين، بل آليته الذهنية نفسها؛ فهو يعيد اختزال العالم إلى ثنائيات مريحة: طاهر/ملوث، حلال/حرام، خيانة/التزام. وهي ثنائيات تمنح الفرد شعورًا سريعًا باليقين الأخلاقي، لكنها تعفيه في الآن نفسه من عبء التفكير في تعقيد الواقع. فكلما ازداد العالم تركيبًا، ازدادت الحاجة النفسية إلى تبسيطه، ولهذا تزدهر الشعبويات الأخلاقية في الأزمنة القلقة، لأنها تمنح الناس خرائط سهلة داخل واقع لم يعد سهل الفهم.
إن المشكلة لا تكمن في وجود الرموز الاستهلاكية، بل في الكيفية التي يُعاد بها إنتاج معناها داخل الفضاء العمومي. فـ“كوكاكولا” ليست مجرد مشروب غازي، لكنها جزء من منظومة رأسمالية عابرة للحدود، تقوم على إعادة تشكيل الذوق، وتوحيد أنماط الاستهلاك، وإدماج الأسواق المحلية في شبكات إنتاج عالمية معقدة. غير أن إدراك هذه البنية لا ينبغي أن يقود إلى وهم مفاده أن مواجهتها يمكن أن تتم عبر فعل فردي معزول أو قرار أخلاقي لحظي، لأن المسافة بين تحليل النظام وتغييره ليست مسافة خطاب، بل مسافة قوة وتنظيم وتاريخ.
في هذا السياق، تتخذ المقاطعة في الفضاء الرقمي طابعًا خاصًا. فهي لا تُقدَّم بوصفها أداة ضمن إستراتيجية سياسية طويلة النفس، بل غالبًا ما تُصاغ كفعل أخلاقي سريع، منخفض الكلفة، وقابل للتداول الواسع عبر المنصات. وهنا تحديدًا يظهر ما يمكن تسميته بانزياح الفعل السياسي نحو المجال الرمزي، حيث يتحول الرفض إلى وسم، والموقف إلى منشور، والالتزام إلى إحساس لحظي بالانتصار الأخلاقي. غير أن هذا الشكل من الفعل، رغم كثافته التعبيرية، يظل محدود الأثر على البنى التي يدّعي مواجهتها، لأنه يُمارس داخل نفس المنظومة التقنية والاقتصادية التي ينتقدها.
ولعل ما يمنح هذا الخطاب الرقمي كل هذه الجاذبية هو كونه يوفر شعورًا نفسيًا فوريًا بالفعل والتأثير. فالفرد الذي يشعر بالعجز أمام بنية عالمية معقدة، يجد في الدعوة المقاطعة الرمزية تعويضًا نفسيًا يمنحه الإحساس بأنه استعاد شيئًا من السيطرة على العالم. وهكذا تتحول الزجاجة إلى موضوع نفسي أكثر منها موضوعًا اقتصاديًا؛ إذ تصبح وسيلة لتخفيف القلق الأخلاقي، لا أداة لتغيير البنية الفعلية للنظام العالمي.
وربما تكشف بعض المشاهد القادمة من غزة واحدةً من أكثر مفارقات عصرنا قسوةً ودلالة. فبعد شهور طويلة من الحرب والتجويع والانهيار شبه الكامل للبنية اليومية للحياة، لم تُستقبل عودة بعض المنتجات الاستهلاكية العادية دائمًا بوصفها “اختراقًا رأسماليًا” أو انتصارًا لعلامة تجارية عالمية، كما قد يتخيل الخطاب الأيديولوجي البعيد، بل باعتبارها علامة نفسية على إمكانية استعادة شيء من انتظام الحياة نفسها.
ففي السياقات القصوى، حين يصبح البقاء اليومي معركة مفتوحة ضد الجوع والخوف والخراب، تتغير علاقة الإنسان بالأشياء؛ إذ لا يعود يتعامل معها باعتبارها رموزًا مجردة داخل خطاب أخلاقي أو أيديولوجي، بل بوصفها مؤشرات ملموسة على أن العالم لم ينهَر بالكامل بعد. وهنا تحديدًا تتجلى المسافة بين من يعيش المأساة باعتبارها تجربة وجودية يومية، ومن يحوّلها، عن بُعد، إلى مادة للاستهلاك الرمزي داخل فضاء المنصات.
إن المفارقة الأساسية هنا هي أن هذا الخطاب الاحتجاجي الرقمي يعتمد على البنية ذاتها التي يعلن نقدها: فهو يُنتج داخل منصات رأسمالية، ويُستهلك ضمن اقتصاد الانتباه، ويخضع لمنطق الخوارزميات التي تحدد مدى انتشاره. وبذلك، فإن ما يبدو وكأنه قطيعة رمزية مع النظام، يتحول في الواقع إلى شكل من إعادة إدماج الخطاب الاحتجاجي داخل بنيته. وهذا ما يجعل بعض أشكال المقاومة الرقمية أقرب إلى تعبير عن الذات الأخلاقية منها إلى فعل سياسي فعلي.
ولفهم حدود هذا الوضع، يمكن العودة إلى لحظة تاريخية مختلفة في السياق المغربي، وتحديدًا إلى تجربة الصحافة الوطنية خلال مرحلة العهد الدولي في طنجة. ففي تلك المرحلة، لم يكن الفعل الإعلامي مجرد تعبير عن موقف، بل كان جزءًا من صراع سياسي منظم داخل شروط استعمارية معقدة، حيث تداخل الإعلام بالاقتصاد والسياسة والقانون في بنية واحدة. وقد لعبت جريدتا “منبر الشعب” و“الشعب”، اللتان كانت تصدران بطنجة، دورًا أساسيًا في هذا السياق، ليس فقط بوصفهما منابر خطاب وطني، بل بوصفهما أدوات في معركة على الموارد والشرعية والتمثيل.
داخل هذه التجربة، يبرز محمد قاسم الدكالي كنموذج لمثقف منخرط في صلب هذا الصراع، لا بوصفه واعظًا أخلاقيًا، بل بوصفه فاعلًا سياسيًا يستخدم أدوات القانون والحجاج والتحليل لفهم شروط الهيمنة ومواجهتها. كانت كتاباته تعتمد على معرفة دقيقة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وعلى قدرة على توظيف اللغة القانونية في تفكيك خطاب الإدارة الاستعمارية، وهو ما جعلها تثير ردود فعل حادة من طرف السلطات الاستعمارية والإدارية في طنجة.
كان المثقف الوطني في مرحلة التحرر يدرك أن السياسة ليست تطهيرًا أخلاقيًا للذات، بل إدارة معقدة للتوازنات والصراع والمصالح. ولذلك لم يكن يقيس وطنيته بدرجة نقاء استهلاكه، بل بقدرته على بناء المؤسسات، وإنتاج الخطاب، وانتزاع المواقع داخل بنية القوة نفسها. أما الواعظ الرقمي المعاصر، فإنه غالبًا ما يستبدل هذا الجهد التاريخي الطويل بأداء رمزي سريع؛ يستهلك الخطاب بدل أن ينتج الفعل، ويبحث عن الانتصار الأخلاقي اللحظي بدل التغيير البطيء والعميق. غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في بعدها البطولي، بل في منطق اشتغالها نفسه.
فالمثقف هنا لا يتحرك في فراغ أخلاقي، بل داخل شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية، حيث يصبح الفعل الإعلامي جزءًا من بناء قوة منظمة، لا مجرد تعبير عن موقف فردي أو خطاب قيمي.
ويتضح هذا المنطق بشكل ملموس في واقعة دالة من تاريخ الصحافة الوطنية في طنجة، حين كانت الجريدة تعاني من حصار إشهاري فرضته الإدارة الاستعمارية لصالح الصحف الأجنبية، في محاولة لخنق مواردها المالية وإضعاف تأثيرها السياسي. في هذا السياق، ظهرت فرصة مرتبطة بإعلان لشركة “كوكاكولا” تزامن مع شهر رمضان، غير أن الإعلان حمل أخطاء اعتُبرت مستفزة في سياقه الاجتماعي والديني. تم استثمار هذا الخطأ داخل غرفة التحرير لا بوصفه قضية دينية صرفة، بل كمدخل تكتيكي في صراع اقتصادي-إعلامي أوسع، حيث جرى تداول خطاب ذي طابع تحريمي نُسب إلى مرجعية دينية خارجية، ما أدى إلى خلق ضغط رمزي وإعلامي على الشركة.
ويتضح هذا المنطق بشكل ملموس في واقعة دالة من تاريخ الصحافة الوطنية في طنجة، يوردها كتاب “رواد الصحافة الوطنية في طنجة على العهد الدولي”، حين كانت الجريدة تعاني من حصار إشهاري فرضته الإدارة الاستعمارية لصالح الصحف الأجنبية، في محاولة لخنق مواردها المالية وإضعاف تأثيرها السياسي. في هذا السياق، ظهرت فرصة مرتبطة بإعلان لشركة “كوكاكولا” تزامن مع شهر رمضان، غير أن الإعلان حمل أخطاء اعتُبرت مستفزة في سياقه الاجتماعي والديني. تم استثمار هذا الخطأ داخل غرفة التحرير لا بوصفه قضية دينية صرفة، بل كمدخل تكتيكي في صراع اقتصادي-إعلامي أوسع، حيث جرى تداول خطاب ذي طابع تحريمي نُسب إلى مرجعية دينية خارجية، ما أدى إلى خلق ضغط رمزي وإعلامي على الشركة.
وقد كان أثر هذا التدخل سريعًا وعمليًا، إذ وجدت الشركة نفسها مضطرة إلى إعادة توزيع إعلاناتها على الصحافة الوطنية، في تحول يعكس أن الصراع لم يكن حول المشروب في حد ذاته، بل حول موقع الصحافة الوطنية داخل اقتصاد الإشهار والسلطة. وهكذا، فإن ما يبدو من الخارج كواقعة “خطاب ديني” لم يكن في جوهره سوى أداة ضمن معركة سياسية واقتصادية، تتجاوز الأخلاق إلى تدبير شروط البقاء والاستمرار.
إن الفارق الجوهري بين هذا النموذج التاريخي وبين كثير من أشكال الوعظ الرقمي المعاصر، هو الفارق بين وعيٍ يدرك تعقيد العالم ويحاول الاشتغال داخله، ووعيٍ يختزل هذا العالم في رموز سهلة التداول. فالمثقف العضوي كان يرى في الاقتصاد والسياسة والإعلام ساحات مترابطة للصراع، بينما يرى الواعظ الرقمي في الاستهلاك اليومي معيارًا كافيًا للحكم الأخلاقي على الأفراد والمجتمعات. وبين النموذجين، تتجلى المسافة بين فعل تاريخي يبني التراكم والمؤسسات، وخطاب انفعالي يستهلك ذاته داخل الدورة السريعة للمنصات.
في النهاية، ليست القضية “كوكاكولا” في حد ذاتها، ولا حتى الموقف الأخلاقي منها، بقدر ما تتعلق بطريقة إدراكنا للعالم نفسه. فحين تتحول القضايا التاريخية والاقتصادية والسياسية المعقدة إلى رموز جاهزة للاستهلاك الأخلاقي، يصبح التفكير أقل قدرة على فهم الواقع وأكثر ميلًا إلى تبسيطه. عندها لا يعود النقاش حول بنية الهيمنة وآلياتها، بل حول الطمأنينة الأخلاقية التي يمنحها اتخاذ موقف سريع داخل فضاء رقمي متسارع.
ولعل ما تكشفه المقارنة بين تجربة الصحافة الوطنية في طنجة وبين أشكال الوعظ الرقمي المعاصر، ليس مجرد اختلاف في الوسائل، بل اختلاف أعمق في طبيعة الوعي نفسه؛ بين وعيٍ كان يدرك أن السياسة اشتغال طويل داخل تعقيدات الواقع، ووعيٍ يميل إلى اختزال هذا الواقع في إشارات ورموز قابلة للتداول الفوري. ففي الحالة الأولى، كان المثقف يحاول بناء موقع داخل التاريخ، بينما يكتفي الخطاب الرقمي المعاصر، في كثير من الأحيان، بإنتاج موقف أخلاقي عابر داخل دورة لا تنتهي من التفاعل والانفعال.