
حميد زيد – كود//
مهما حاولت.
مهما كنت نخبويا. ومهنيا. وعميقا. ولا تقبل التفاهة.
مهما قاومت.
مهما تحديتها.
فإن دنيا باطمة تشفطك بشفتيها. ودون أن تدري. ورغما عنك. تجد نفسك مبتلعا. غارقا في قضيتها. معنيا بها. متابعا لها.
ولا يهم هنا مع أي طرف أنت.
ولا يهم أنك لا تستوعب القصة. وترفض مواكبتها.
وقد تتظاهر بأنك غير متابع لها.
وقد تحاول جاهدا ذلك.
وقد تغلق أذنيك. كي لا تسمع. وعينيك. كي لا ترى دنيا باطمة.
لكنها في النهاية تشفطك. وتجرك إليها.
ومهما هربت منها. ومهما ابتعدت. ومهما اعتزلت العالم. ومهما أغلقت عليك الباب. واطفأت الأضواء.
ومهما قلت لن أتحدث عنها. ولن أكتب. ولن أرى.
فإنك ستفعل. وستجد نفسك في قلب المعمعة.
ولا تظن أنك وحدك ضحية دنيا باطمة. بل نحن جميعا.
ففي كل مكان من العالم دنيا باطمة. وسعيدة شرف خاصته.
وأي إنسان اليوم فهو مشفوط.
أي إنسان هو مبتلع في مثل هذه القضايا.
وهو في بطنها.
ولا معجزة يمكن أن تقع. ولا من يخرجك من بطن الحوت. لأننا جميعا نسبح فيه.
وحتى ذلك الذي يقف منتقدا ما يقع.
متعاليا.
مقدما الدروس.
حتى هو شفطته دنيا باطمة. أو من على شاكلتها. وسكنته. ومضغته مضغا. وأرسلته إلى الداخل.
حتى هو ليس في الخارج.
ورغم أنه يظن نفسه في الخارج. وأنه في منجى من الشفاه. لكنه في الحقيقة مبتلع.
ويكابر.
حتى هو. مثلنا جميعا. إنسان مشفوط. وفي حاجة إلى دنيا باطمة ليتكلم. وليكتب.
ولا أحد منا خارجها.
ولا أحد سينجو.
وما دامت صناعة الشفاه مزدهرة.
فهي ستزحف بأعداد كبيرة.
وستنتشر.
وستتدلى.
ولن تترك أي أحد يعيش في العالم الجاد.
وما دامت هناك أجيال تخرج من تلفزيون الواقع إلى الحياة. وإلى المجتمع. وإلى الفن. وإلى المال.
فإن أي واحد منا. مهما طال به الزمن. سيجد نفسه في وقت من الأوقات مشفوطا.
وواقعا في شباك من خرجوا من تلفزيون الواقع.
ومن العوالم الافتراضية. ومن انستغرام.
وإلا ما الهدف من كل هذه الشفاه.
ومن كل هذه العمليات.
وما يدعو للاستغراب هو أن لا أحد طرح من قبل هذا السؤال.
لا احد أثارته ظاهرة الشفاه.
وقد قعدنا مكتوفي الأيدي نتفرج.
وفي كل يوم يتم ابتلاع واحد منا
حتى جاءت سعيدة شرف وجمعت الصحافة المغربية
في ندوة واحدة
بميكروفوناتها وهواتفها وكاميراتها
لتشفطنا جميعا. بمعداتنا. و بطائقنا المهنية. وتغطياتنا. وأخبارنا. وآرائنا.
لذلك لا تهرب
ولا تفكر في النجاة
أما الذي يعتقد أنه فوق
أما الذي يتأفف من الضحالة ويبدي رفضه لما يقع
فهو بدوره مشفوط
وفي الداخل.
لكنه لا يدري.
وليس بمقدوره أن يتسلق إلى الخارج.
أي خارج.
الخارج لم يعد موجودا.
الخارج وهم.
والشفاه في كل مكان
مفتوحة
وتشفط.