Home رآي من الجفاف إلى الفيضانات

من الجفاف إلى الفيضانات

0
من الجفاف إلى الفيضانات


هدى وحتاش

لم تعد الفيضانات في المغرب أحداثا استثنائية مرتبطة بتطرف الظواهر المناخية وتغيراتها في الزمان والمكان، بل أضحت ظاهرة متكررة تطرح بإلحاح سؤال العلاقة بين النص القانوني والواقع المجالي وكذا الخصوصية الهيدرولوجية والمناخية والجيولوجية.

فما وقع بآسفي، على مستوى وادي الشعبة، وما عرفته مدينة القصر الكبير هذا الأسبوع يكشفان بحق عن مفارقة واحدة: الخطر معروف، والآليات القانونية موجودة، ومع ذلك تتكرر الخسائر، فأين يكمن المشكل إذن: هل في غياب مقاربة شاملة لدورة تدبير المخاطر وخطر الفيضانات خاصة ابتداء من التقييم والتوقع والاحتراز والوقاية والتأهب ثم تدابير إعادة التأهيل فاستخلاص الدروس والعبر والاستفادة منها قصد اكتساب ومراكمة ثقافة عملية لتدبير الفيضانات؟

أم عدم احترام ضوابط التعمير والبناء والتخطيط الحضري وعدم التحكم في استعمال الأراضي الموجودة داخل المناطق المهددة بخطر الفيضانات كالسهول ومجاري الوديان والمناطق القريبة من السدود؟، أم في عدم اعتبار التقليص من مخاطر الكوارث الطبيعية وخاصة الفيضانات أولوية وطنية ومحلية في إطار تفعيل المغرب لالتزاماته الدولية في هذا المجال كمقتضيات إطار عمل”هيوكو” على سبيل المثال وليس الحصر؟

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

إن المتأمل في أحداث الفيضانات الخطيرة والمتتالية على بلادنا من آسفي ثم إلى القصر الكبير وفي مناطق الشمال أكثر بالنظر إلى موقعها الجغرافي، يخلص إلى أن هذه العوامل وغيرها كلها ساهمت فيما آلت إليه التساقطات المطرية في بلادنا. وهي في الحقيقة مفارقة تحمل من التناقضات ما يدعو إلى دراسات مستفيضة وطرح إشكالات كثيرة بل وملاحظات متناقضة أحيانا. ففي الوقت الذي عانت فيه البلاد من تداعيات ست أو سبع سنوات من الجفاف أدت إلى ندرة مائية حقيقة جعلت نصيب الفرد يقترب من معدل الفقر الذي يصنف بلادنا ضمن لائحة الدول المهددة بالفقر الحاد في الماء.

ومع ذلك، كشفت الفترات المطرية القصيرة مؤخرا عن عجز المنظومة المجالية عن استيعاب هذه الموارد المؤقتة وتثمينها. فبدلا من استغلالها لتعويض قليل من العجز المائي الذي دام سنوات، تتحول فيها المياه من مورد نادر إلى عنصر وخطر مهدد، في مفارقة تختزل عمق الإشكال القائم بين ندرة الماء من جهة، وسوء التعامل مع مخاطره من جهة أخرى.

ففي آسفي، أعاد فيضان وادي الشعبة إلى الواجهة إشكالية التوسع العمراني داخل مجال طبيعي معروف تاريخيا بكونه مجالا فيضانيا “فالواد لا يغير مجراه”. فهو عندما فاض لم يكن أمرا مفاجئا، بل استعاد ببساطة وظيفته الهيدرولوجية، غير أن المجال الذي احتضنه لم يعد قادرا على استيعابه، بفعل اختيارات عمرانية متراكمة، وتضييق الخناق على مجاله الطبيعي، وضعف ملاءمة شبكات التصريف مع التحولات المناخية.

أما في القصر الكبير، فقد اتخذ النقاش بعدا أكثر تعقيدا بسبب ارتباط الفيضانات بوجود سد يخضع لمقتضيات قانونية دقيقة، فالقانون رقم 15-30 يتعلق بسلامة السدود، كما قانون الماء رقم 15-36، لا يكتفيان بتنظيم المنشآت المائية، بل يؤسسان لمنطق وقائي يقوم على إحداث مناطق حماية، وتقييد الاستعمالات البشرية داخل محيطات تعتبر محفوفة بالمخاطر. ومع ذلك، كشفت الوقائع عن وجود نسيج عمراني داخل مجالات يفترض أن تكون خاضعة للمنع أو على الأقل للتقييد الصارم.

هذا الوضع لا يمكن تفسيره بغياب المعرفة العلمية أو القانونية فحسب، لأن المغرب خلال السنوات الأخيرة راكم معطيات حول المخاطر المرتبطة بالفيضانات – وإن كان هذا التراكم غير كاف لتأسيس تجربة وثقافة عملية للحماية من مخاطر الفيضانات وتدبير أحداثها-، من بينها إعداد أطلسات المناطق المهددة بخطر الفيضانات (جمع أطلس) وخرائط المناطق المعرضة للفيضانات في عدد من الأحواض المائية والمدن، من طرف وكالات الأحواض المائية ومصالح الدولة والإدارة المختصة. هذه الخرائط، التي أنجز بعضها بمقاييس دقيقة، تشكل أداة أساسية لفهم الخطر وتحديد مجاله الجغرافي، غير أن الإشكال الجوهري يظل مركزا في موقع هذه الخرائط داخل منظومة القرار العمراني وفي سياسة تدبير الماء والسدود.

فالخريطة، من الناحية القانونية، لا تكتسب فعاليتها بمجرد وجودها، بل بمدى إدماجها في وثائق التعمير، وتحويلها إلى قيد قانوني على حق البناء والتجزيء والاستثمار. وهو ما لا يتحقق دائما إما بسبب ضعف الإلزام، أو غلبة الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية الآنية، أو تداخل المسؤوليات بين المتدخلين. وهكذا، يتحول مجال محفوف بالمخاطر إلى مجال مأهول، ثم نحمل التغيرات المناخية وحدها مسؤولية ما حدث.

وقد نبه المجلس الأعلى للحسابات، منذ تقريره لسنة 2016 حول مخاطر الكوارث الطبيعية، إلى هذا الخلل البنيوي، حين أشار إلى أن المقاربة المعتمدة ظلت، في جزء كبير منها، رهينة رد الفعل بدل نهج استباقي، مع ضعف إدماج معطيات المخاطر في التخطيط الترابي، وتشتت الأدوار بين المتدخلين، وغياب رؤية موحدة تجعل الوقاية مبدأ مؤطرا للفعل العمومي، وهي ملاحظات لا تزال راهنيتها قائمة، كما تؤكده حالتا فيضانات آسفي والقصر الكبير.

إذن هذه الفيضانات لا تعبر فقط عن إشكالات مرتبطة بضعف البنية التحتية خاصة فيما يتعلق بمسألة غياب منشآت أو سدود، بل نتيجة تداخل التوسع العمراني مع المجال الطبيعي، خاصة ذلك المهدد بمخاطر الفيضانات. ففي مثال فيضانات آسفي، تم تضييق مجرى وادي الشعبة داخل المدينة، بينما شهد القصر الكبير توسعا عمرانيا في مناطق يفترض أن تبقى محمية، مما أدى في الحالتين إلى ارتفاع المخاطر وتحويل الفيضانات من ظاهرة طبيعية متوقعة إلى أزمة اجتماعية واضحة.

من وجهة القانون البيئي لا يمكن بناء سياسة فعالة دون إعادة الاعتبار لمفهوم المجال الفيضي كعنصر أساسي في التوازن الهيدرولوجي. كما لا يمكن الحديث عن نجاعة قانون السدود إذا لم تفعل مقتضياته المرتبطة بمناطق الحماية، ولم تربط قرارات التعمير فعليا بالمعطيات العلمية المتوفرة. إن ما تكشفه هذه الوقائع هو الحاجة إلى انتقال حقيقي من الاعتراف الشكلي بالمخاطر إلى إدماجها في السياسات العمومية عبر تفعيل الإطار القانوني والمؤسساتي والتخطيط البيئي والتخطيط العمراني ومخططات تدبير الكوارث الطبيعية، مع ضرورة خلق هيئات ومؤسسات تنسيق بين المتدخلين في إعداد وتنفيذ وتقييم هذه المخططات ككل.

إن القانون، مهما بلغت دقته وجرأته وشموليته، يفقد معناه إذا لم يترجم إلى قرارات ميدانية، وإذا لم تحط خرائط المخاطر بقوة الإلزام على مستوى التنفيذ، وإذا استمر التعامل مع الفيضانات كحوادث ظرفية لا كنتيجة منطقية لاختيارات مجالية لم توظف المقاربة الوقائية والبعد الحمائي في تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية.فمقتضيات كل من قانون الماء وقانون سلامة السدود، وسياسة تدبير الكوارث الطبيعية تمتلك أدوات واضحة للحد من المخاطر، لكنها تفتقر إلى الفاعلية على أرض الواقع بسبب قصور في التفعيل والتتبع والمراقبة، وتداخل الاختصاصات، وضعف إلزامية احترام خرائط مخاطر الفيضانات وإدماجها في وثائق التعمير. كما أن عدم دمج هذه المعطيات العلمية ضمن التخطيط العمراني يجعل أي توسع في المناطق المهددة محفوفا بالمخاطر، ويعيدنا إلى التساؤل الأساسي: كيف يمكن للقانون أن يحقق الوقاية إذا لم يرافقه التفعيل العملي والمراقبة المستمرة.

من هذا المنطلق، يصبح واضحا أن الحماية من خطر الفيضانات المتكررة في المغرب وتدبير أحداثها يتطلب إجراءات عملية متكاملة، ونركز على أهم التوصيات التالية:

1-إلزامية إدماج خرائط المناطق المهددة بخطر الفيضانات وأطلسات المخاطر في جميع وثائق التعمير والتخطيط الحضري، بحيث تصبح مرجعا قانونيا وإلزاميا قبل إصدار أي رخصة بناء أو تجزئة أو استثمار؛

2-تحيين وتفعيل مقتضيات كل من قانون الماء رقم 15-36 وقانون السدود بما يشمل احترام مناطق الحماية، ومراقبة المنشآت المائية، وفرض قيود صارمة على أي توسع عمراني داخل المناطق المحفوفة بالمخاطر. خصوصا وأن قانون السدود مثلا يعرف قصورا واضحا في الربط بين السدود وإدارة الفيضانات حيث يركز على سلامة المنشآت نفسها، لكنه لا يربط بشكل صارم بين إدارة السدود ووقاية المناطق المحيطة.

3-تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، من وزارة الداخلية، وكالات الأحواض المائية، والسلطات المحلية، بما يضمن وحدة الرؤية، وتكامل الإجراءات، وتتبع الالتزامات القانونية، وتحديد المسؤوليات بوضوح في كل مرحلة من مراحل الوقاية والاستجابة والتأهيل بعد الفيضانات.

4-إرساء ثقافة الوقاية من مخاطر الفيضانات خاصة والكوارث الطبيعية عامة على المستوى الوطني والمحلي، عبر برامج تدريبية وورشات تحسيسية، وتطوير قدرات الجماعات الترابية على قراءة المخاطر، واتخاذ قرارات تراعي الوقاية قبل وقوع الضرر، مع الاستفادة من دروس الفيضانات السابقة لتعزيز المرونة المؤسسية.

5- إلزام الجهات المختصة بإعداد خطط طوارئ واضحة ومحدثة لكل سد ومنطقة معرضة للفيضانات، وربطها بالإجراءات العملية للتدخل السريع، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات ويحد من الكلفة الاقتصادية للكوارث.

توظيف البيانات البيئية والذكاء الاصطناعي لتعزيز الوقاية من الفيضانات عبر إنشاء نظام رقمي متكامل يعتمد على الخرائط البيئية، بيانات المناخ، مستوى المياه في الأودية والسدود، والتربة والمجاري الطبيعية، مع استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمستويات الفيضانات قبل وقوعها، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر بدقة. هذا النظام يمكن أن يدعم اتخاذ القرارات الوقائية، مثل إطلاق الإنذارات المبكرة، تنظيم التفريغ الفني للسدود، وتوجيه السكان في مناطق الخطر، مع ربطه مباشرة بخطط الطوارئ المحلية.

-أستاذة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش

إقرأ الخبر من مصدره