حسن الهيثمي (باحث في القانون، عدل باستئنافية الرباط)
لم يعد النقاش حول تمكين العدول من آلية تدبير الودائع مجرد مطلب مهني، بل تحول إلى قضية للفحص والدراسة لدي ثلاث مؤسسات دستورية مستقلة، وهي المحكمة الدستورية ، ومجلس المنافسة ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي . ورغم اختلاف اختصاصات كل واحدة من هذه المؤسسات، فإن مواقفها وإن تباينت في المنطلقات والحيثيات تتضمن دعوة لمراجعة اختيار المشرع القاضي بحرمان العدول من آلية تدبير الودائع في اتفق غير مخطط له يضع الحكومة والأغلبية البرلمانية أمام اختبار حقيقي لمدى أخذها بآراء وتقارير مُؤسسات الحكامة التي كانت من أهم ما نص عليه دستور سنة 2011، ومنحها أدوارا استشارية قوية وما يميزها أن ليس لها تبعية سياسية أوتقيد بظرفيات الولايات الحكومية مما يمنح لرأيها الاستشاري من القوة و الموضوعية القدر الكافي للرفع من مكانة وقيمة رأيها”.
آلية الودائع بين الخيار السياسي والشرعية الدستورية
جاء قرار المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026، عقب إحالة اختيارية تقدم بها ثلاثة وتسعون (93) عضوا من مجلس النواب، للمطالبة بالبت في مطابقة القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول للدستور.
ومما جاء في حيثيات قرار المحكمة الدستورية: “تقدير الوسائل والآليات الكفيلة بتنظيم المعاملات يندرج ضمن الخيارات التشريعية التي يراعي فيها المشرع ما يراه ملائما لتحقيق المصلحة العامة، ما لم تكن متعارضة مع أحكام الدستور ولايشوبها غلو في التقدير. وحيث إن مجرد عدم التنصيص في الفقرة المذكورة على آلية بعينها لتأمين أداء الثمن وحفظه ليس في حد ذاته إخلالا بالحماية الدستورية المقررة لحق الملكية بموجب الفصلين 21 و35 من الدستور، ذلك أن هذه الحماية لا تُستمد من مقتضى تشريعي منفرد، بل تتكامل من خلال مجموع القواعد القانونية المؤطرة للتصرفات العقارية والحماية القضائية المكفولة للحقوق العينية والشخصية على حد سواء” .
وتبعا لذلك، أبقت المحكمة الدستورية الباب مفتوحا بالكامل أمام إمكانية اعتماد هذه الآلية مُستقبلا، لأنها لم تعتبر إحداثها مخالفا للدستور، كما لم تعتبر غيابها إخلالا بالنص الذي فحصته، بل تركت أمر الحسم النهائي للمشرع في إطار سلطته التقديرية، في جواب على ما اعتبرته الإحالة الاختيارية إغفال القانون المطعون فيه “التنصيص على آلية قانونية تضمن التزامن بين أداء ثمن البيع والتقييد بالسجلات العقارية، ولم يقرر إمكانية حفظ الثمن لدى جهة مخول لها قانونا تلقي الودائع، على غرار الآليات المعمول بها في بعض المهن القانونية الأخرى (كالموثقين والمحامين)، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا في الأمن العقاري”.
حساب الودائع وأثره على تكافؤ الفرص بين العدول والموثقين
إذا كانت المحكمة الدستورية قد صرحت بأن إغفال القانون المطعون فيه “التنصيص على حساب الودائع”، يعود إلى السطة التقديرية للمشرع، فإن مجلس المنافسة انتقل إلى تقييم آثار هذا الاختيار التشريعي على المستوى الاقتصادي والتنافسي في “سوق التوثيق”، من خلال الرأي الذي صادق عليه بالإجماع يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، والذي يأتي استجابة لطلب الاستشارة التي تقدمت بها لجنة العدل والتشريع في 28 يناير 2026 إلى مجلس المنافسة، وهي الاستشارة التي كان ينبغي اعمالها من طرف الحكومة في اطار الاستشارة الوجوبية بموجب القانون المنظم لمجلس المنافسة الذي “ميّز بين اقراره للمبدأ العام، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الخامسة على ان المجلس “يدلي برأيه بطلب من الحكومة في كل مسألة متعلقة بالمنافسة، وبين الاستشارة الوجوبية، كما نظمتها المادة السابعة.. يستشار المجلس وجوبا من طرف الحكومة في مشاريع النصوص التشريعية أو التنظيمية المتعلقة بإحداث نظام جديد او بتغيير نظام قائم يهدف مباشرة إلى: فرض قيود كمية على ممارسة مهنة أو الدخول إلى سوق” .
وأوصى مجلس المنافسة في رأيه المذكور بتمكين العدول من حسابات ودائع مهنية، معتبرا أن غياب هذه الآلية ينعكس سلبا على شروط المنافسة، ويحد من قدرة العدول على الولوج إلى العقود المرتبطة ببرنامج الدعم المباشر للسكن الذي تقدمه الدولة ، وكذا بعض المعاملات المتعلقة بالأصل التجاري.
واستند هذا الرأي إلى قراءة إحصائية للمعطيات التي توصل بها المجلس، بأن العدول أنجزوا خلال سنة 2024 ما مجموعه 189.087 عقدا عقاريا (وهو ما يمثل حوالي 22.4% من مجموع العقود التي حرروها خلال تلك السنة)، بينما أنجز الموثقون خلال سنة 2025 ما مجموعه 680.764 عقداً، بقيمة مالية ناهزت 180 مليار درهم (أي 18 ملايير سنتيم).
ورغم إحجام المجلس الوطني لهيئة الموثقين عن مد مجلس المنافسة بالمعطيات التفصيلية المطلوبة، لاجراء قراءة إحصائية دقيقة، فإن هذا التفاوت الذي كشفت عنه المعطيات المتوفرة يظل مؤشرا على احتكار شبه مطلق للموثقين لـ”سوق التوثيق” بسبب حرمان العدول من آلية تدبير الودائع.
تأمين المعاملات العقارية كدعامة للأمن التعاقدي
ولم يكن مجلس المنافسة المؤسسة الدستورية الاستشارية الوحيدة التي أوصت بمنح العدول حساب الودائع، إذ سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أوصى بدوره في رأيه الصادر قبل أسابيع بالتنصيص على آلية مؤطرة وفعالة للإيداع وتدبير الودائع لفائدة العدول.
انطلق هذا المجلس من فلسفة تركز بالأساس على حماية المستهلك الذي يتخذ في هذه الحالة صفة (المتعاقد) الذي حسب رأي المجلس بإمكان ينبغي حماية حقوقهم من خلال توفير آلية تدبير الودائع للعدول التي تمنع القيام بأي تصرف غير مشروع في أموال المشتري إلى حين استكمال مسطرة التفويت بما ينسجم مع مُخرجات ميثاق إصلاح منظومة العدالة.
وبقراءة متأنية لرأي مجلس المنافسة ورأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بين تركيز الأول على مبادئ المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص في السوق، وتركيز على حماية الحقوق والأمن الاجتماعي، فإن مستنتجاتهما تؤكد ضرورة إقرار آلية قانونية موحدة لتدبير الودائع، مما يرفع الحرج السياسي والتشريعي عن المشرع، ويضعه أمام مسؤولية جسيمة لتجويد التشريع المنظم لمهنة العدول، فإذا كانت الحكومة مُلزمة بملاءمة هذا النص التشريعي مع قرار المَحكمة الدستورية بترتيب الآثار القانونية، بالنظر إلى أن من القرارات “الملزمة لكل السلطات العامة” وهو ما قامت به الحكومة التي صادقت يوم الخميس 2 يوليوز 2026 على مشروع القانون يتعلق بتنظيم مهنة العدول في طبعته الثانية التي أصبحت تحمل رقم 051.26، بعدما كانت الطبعة الأولى تحمل رقم 16.22، فإنها أي الحكومة “مُلزمة أخلاقيا” أو بالأحرى “سياسيا” بصناعة هذا التشريع الجديد في ضوء توصيتي مجلس المُنافسة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لبلورة نص تشريعي يستوعب مخرجات هذه المؤسسات الدستورية الثلاث المستقلة.