في زمن الفيديو لا يمكن تجاوز الكليب في صناعة أي أغنية ناجحة، و النجاحات قد تختلف حسب توظيف تقنيات الصورة و الإمكانات المرصودة للتناسب مع قوة الكلمات و الإيقاع و الصوت لتحقيق التكامل ثم النجاح، هذا الأخير الذي صار مرتبطا أكثر بنقرات الإعجاب و نسب المشاهدات على المنصات الاجتماعية، و هنا قد يكفي فك شفرة منهجية عمل خوارزميات هذه المنصات لتحقيق الانتشار المنشود.
في المقابل هناك من يختار الأثر على النجاح و القيم على الانتشار، و الرسائل الإنسانية على دغدغة العواطف، و سياق هذا التمهيد هو كليب أغنية زهير بهاوي “la grinta حبي للحياة” التي تمكن فيه بهاوي من الرقص على الحبلين ، لكنه لم يرقص وحيدا أو مع عارضة أزياء ممشوقة القوام ، بل مع أطفال اضطراب طيف التوحد .
فرحة ريما و أصدقائها داخل الكليب أبدا لا يمكن أن تكون مزيفة، فهؤلاء الصادقون الصارخون الميالون أكثر للإنزواء لا يعرفون معنى التزييف أو التصنع أو حتى التقمص، لأنهم بوضوح صفحة ناصعة البياض ، آلامهم و أحلامهم و معاناتهم أطياف كخيال .
La grinta رسالة هؤلاء لحب الحياة، للمثابرة و التحدي، للتعبير عن ما بداخلهم من صراع محاولة إستيعاب ما يدور حولهم و أيضا لإستيعابنا نحن كمجتمع لهم و لتفردهم.
وفق تقديرات غير رسمية يعاني ما بين 250 ألف إلى 300 ألف طفل من اضطرابات طيف التوحد، و تعاني معهم أسرهم و المحيطين بهم في صمت و في علن، و إضطرابات التوحد حسب منظمة الصحة العالمية هي مجموعة من الإعتلالات المتنوعة المرتبطة بنمو الدماغ، يعاني منها طفل واحد من كل 100 ولادة، و تؤثر هذه الإعتلالات المتنوعة على قدرات هؤلاء الأطفال التواصلية و التفاعلية مع المجتمع، كما لها سمات أخرى تتمثل في أنماط لا نموذجية من الأنشطة و السلوكيات مثل صعوبة الإنتقال من نشاط إلى آخر و الإستغراق في التفاصيل و ردود الفعل الغير اعتيادية على الأحساسيس ، كما يعاني أغلب هؤلاء الأطفال من صعوبات في استخدام اللغة ويميلون للإنزواء و التقيد بسلوكات محددة و محدودة، و في المغرب تعاني منظومتنا الصحية و التربوية خصاصا مهولا في المتخصصين لمواكبة المصابين بهذه الإضطرابات، ما يجعل تكلفة العلاج الطويلة الأمد جد مكلفة للأسر و مرهقة لهم نفسيا.
الأغنية إذن بسيطة في كلماتها بالدارجة مع بعض مفردات بالإسبانية تعكس العمق الثقافي لمدينة تطوان، بإيقاع سلس إختار البهاوي التعامل فيها مع شباب تطوان المبدع ميد شريف في التوزيع و عمر العمراني في الإخراج، غير أنها تترك لدى كل مشاهد ذلك الأثر خاصة لو كان يفهم جيدا معنى التوحد و معنى مواكبة طفل أو شاب توحدي بدءا من الأسرة ثم المدرسة ( إن وُجدت في الأصل ) أو جمعية مثل يحيى لدعم الأطفال التوحديين و التي استعان البهاوي بأطفالها في الكليب، دون الحديث عن احتياجات أخرى لهؤلاء نفسية أو اجتماعية أو عاطفية ، فإضطراب طيف التوحد كيفما كان لا يُفقد هؤلاء إنسانيتهم قبل الحديث عن حقوقهم، و من هنا فإشراكهم في الكليب يمنحه هذه المُسحة الإنسانية العاطفية (وليس التعاطفية) في انسجام مع كلماتها التي توجه رسائل وجدانية، تنفذ من عمق آهات هؤلاء الأطفال إلى قلوب المشاهدين.