
هسبريس – توفيق بوفرتيح
على هامش احتضان بلاده قمة الدول المُصدرة للغاز، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أمس الأحد في قصر المرادية، نظيرة الإيراني، إبراهيم رئيسي، حيث أجرى الجانبان مباحثات “على انفراد”، وفق ما أعلنت الرئاسة الجزائرية. كما أجريا مباحثات موسعة، وأشرفا على التوقيع على خمس اتفاقيات تهم التعاون الثنائي بين بلديهما.
وخلال التصريح الصحافي المشترك الذي أعقب التوقيع على هذه الاتفاقيات، أشار الرئيس الجزائري إلى أن اللقاء مع نظيره الإيراني كان “فرصة سانحة لاستعراض المستجدات في منطقة الساحل على ضوء الأوضاع السائدة، لا سيما في مالي، كما تم التطرق أيضا إلى قضية الصحراء”، معربا في الوقت ذاته عن ارتياحه لـ”تطابق وجهات النظر بين البلدين وتوافقهما على مواصلة الجهود للمساهمة في استتباب الاستقرار في المنطقة”، بتعبيره.
من جانبه، قال الرئيس الإيراني إن “طهران والجزائر لديهما وجهات نظر مشتركة بشأن مختلف القضايا الإقليمية”، معتبرا في الوقت ذاته أن “السياسة الجزائرية الإقليمية تهدف إلى تعزيز السلام والأمن في المنطقة، ونعتبر هذه السياسة إيجابية”، حسب الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية على الإنترنت، فيما اعتبر متتبعون أن الجزائر بتطرقها لقضية الوحدة الترابية المغربية مع إيران، إنما تخدم الأهداف التوسعية لهذه الأخيرة وتراهن على معادلة أمنية خاسرة باصطفافها إلى جانبها.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} استنساخ للنموذج الإيراني
البراق عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، قال إن “زيارة الرئيس الإيراني رئيسي إلى الجزائر تندرج في إطار قمة الدول المصدرة للغاز التي احتضنتها الجزائر، لكن محاولة النظام الجزائري عبر إعلامه تحويل زيارة رئيسي إلى حدث إعلامي مرتبط بدعم إيران لميليشيا البوليساريو، هي جزء من مخططاته لإشعال المنطقة وتهديد الاستقرار الإقليمي خدمة لأجنداته التوسعية”.
وأضاف البراق أن “العلاقات الإيرانية-الجزائرية هي علاقات فوق الممتازة، والتنسيق الإيراني الجزائري على جميع المستويات لم ينقطع أبدا، وقد بدت معالمه واضحة في تبادل الزيارات العسكرية بين رؤساء الأركان في المؤسستين العسكريتين لكلا البلدين”، مشيرا إلى أن “الجزائر تسعى لتوطيد علاقتها مع حليفها الإيراني لدعم دورها الإقليمي بشأن قضية الصحراء المغربية، ودعم المخططات الانفصالية لجبهة البوليساريو”.
وأوضح المصرح لهسبريس أن “النظام الجزائري حول نفسه إلى أداة وظيفية في أيادي ملالي إيران بسبب انخراطه بشكل مفضوح في تنفيذ الأجندة الإيرانية التوسعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تتطابق بشكل كبير مع الأجندة الجزائرية في شمال إفريقيا والساحل من حيث الأساليب واستراتيجيات التنزيل، فكلا الأجندتين تعتمدان على توظيف الجماعات والميليشيات الانفصالية المسلحة لنشر الفوضى والخراب وزعزعة الاستقرار الإقليمي وفرض الهيمنة الجيو-سياسية على دول الجوار عبر خلق بؤر توتر عالية المخاطر وفق مخطط طويل الأمد”.
ولفت الخبير عينه إلى أن “نظام ولاية الفقيه في طهران يسيطر عمليا على القرار السياسي لأربع عواصم عربية من خلال احتضان وتسليح وتدريب وتمويل الجماعات المسلحة في هذه العواصم. وبالتالي، فإن الجزائر عبر تقاربها مع إيران، فإنها تسعى لاستنساخ النموذج الإيراني في شمال وغرب إفريقيا”، مشددا على أن “حكام الجزائر من أجل الالتفاف على أزمتهم الداخلية، يقومون بتسخين كل جبهات المواجهة الممكنة أمامها بتهديد الاستقرار الإقليمي وفتح المجال السيادي الجزائري ليتحول إلى عمق جيو-سياسي لمخططات الحرس الثوري في شمال وغرب إفريقيا”.
معادلة أمنية خاسرة
في السياق ذاته، وتفاعلا مع سؤال لهسبريس حول السياق الإقليمي لهذه الزيارة وعلاقتها بالتطورات الأخيرة في المنطقة، قال سعيد بركنان، محلل سياسي، إنه “لا يمكن أن نستحضر أي سياق خاص لهذه الزيارة التي يقوم بها رئيس إيران إلى الجزائر، أو علاقة الجزائر بدولة إيران، إلا السياق التقليدي للعلاقات الدولية ما قبل سقوط جدار برلين حيث كان الرابط القوي في العلاقات الدولية هو الانتماء الإيديولوجي أو وحدة الهدف العدائي لدولة أخرى”.
وتابع: “أما السياق العام، فيأتي في الوقت الذي يطرح فيه المغرب مبادرة لدول الساحل للخروج من عزلتها، وكذلك سياق تحركات أمريكا وإسبانيا وفرنسا للدفع بملف الصحراء المغربية نحو الحل النهائي والتأكيد على الحكم الذاتي حلا سياسيا عادلا، كما أن هذه الزيارة الإيرانية للجزائر تأتي في وقت اجتماع ناصر بوريطة، وزير خارجية المغرب، مع وزراء خارجية دول المجلس الخليجي، وتجديد دول المجلس موقفها من سيادة المغرب على الصحراء”.
وأوضح المتحدث أن “النظام الحاكم في الجزائر، بتقوية علاقته مع إيران وإحياء محور الجزائر-طهران، يقوم بعملية انتحار أمني على المستوى الإقليمي، بعد أن أعلن موته السياسي منذ مدة بقطع علاقاته السياسية مع مجموعة من الدول بسبب موقفها من طرح المغرب لحل نزاع الصحراء، كإسبانيا على سبيل المثال”.
وبين المحلل السياسي عينه أن “الخريطة الأمنية في المنطقة تعرف تغيرات عديدة منذ دخول روسيا رسميا من خلال جيشها بدل مجموعة فاغنر في كل من ليبيا وباقي دول الساحل. وبالتالي، فأنْ تختار الجزائر الاصطفاف وراء محور طهران-موسكو في هذه المعادلة الأمنية، هو انتحار أمني للجزائر، وليس استقواء بدولة ما. الأمر يتعلق باختيار بين معادلتين أمنيتين تحكمان المنطقة الإقليمية، وقد اختارت الجزائر معادلة إمكانية نجاحها تكاد تنعدم سياسيا وأمنيا”.