في خضم الوضع السياسي الذي تعيشه الجارة الشمالية إسبانيا، خاصة بعد النتائج الأخيرة للانتخابات الجهوية والمحلية، والتي دفعت برئيس الوزراء بيدرو سانشيز للإعلان عن إجراء انتخابات برلمانية مبكرة وسابقة لأوانها وحدّد لها يوم 23 يوليوز عوض نهاية السنة الجارية، أثار تحالف خوان فيفاس المنتمي للحزب الشعبي “PP” لتولي رئاسة مدينة سبتة المحتلة مع أحزاب إسبانية يقودها إسبان من أصول مغربية، العديد من التساؤلات حول ما إذا كان هذا الحزب يسعى نحو علاقات قوية مع المغرب، بالرغم من مواقفه السابقة تجاه مجموعة من القضايا التي تهم بلادنا.
وقد تم السبت الماضي، تنصيب فيفاس للمرة السابعة على التوالي، رئيسا للمدينة المحتلة، بالجمعية العامة (البرلمان المحلي)، بعد تحالفه مع اثنين من الأحزاب المحلية في سبتة؛ حزب سبتة الآن “Ceuta Ya” بقيادة محمد مصطفى وهو مواطن إسباني من أصول مغربية، وحزب الكرامة والمواطنة “MDYC” بقيادة فاطمة حميد مواطنة إسبانية من أصول مغربية، حيث أوفى فيفاس بكلمته ووعده الذي قطعه منذ مدة، وهو عدم التحالف مع حزب “فوكس” اليميني المتطرف المعروف بعدائه للمغاربة والمهاجرين.
قراءة في تحالف الحزب الشعبي بسبتة المحتلة مع أحزاب يقودها إسبان من أصول مغاربة
وفي هذا الصدد، قال الأستاذ والخبير في العلاقات المغربية الإسبانية، عبد العالي باروكي، في معرض تقديمه لقراءة للتحالف الذي تم على مستوى مدينة سبتة المحتلة، عبر تصريح أدلى به لموقع “برلمان.كوم“، “إن تشكيل الأغلبية بهذه المدينة يعكس إلى حد ما الجو العام الذي سيسود باقي التشكيلات في الحكومة الجهوية والبلدية بباقي مناطق إسبانيا، مضيفا أن رئيس الأغلبية يحكم مدينة سبتة منذ سنة 2001، وقد تحالف مع توجهات وتيارات سياسية غير التي كانت متوقعة والتي كان البعض ينتظر أن تكون في شكل مباشر مع فوكس، في حين أنه اختار التحالف مع قوى سياسية أخرى وعدم التحالف مع فوكس المتطرف”، خاصة ونحن نعرف أن سبتة لديها خصوصية وميزة معينة لأنها تضم مجموعة من الساكنة المسلمة والتي تختلف مع التوجهات الإيديولوجية لحزب فوكس، يضيف ذات المتحدث.
وتابع ذات الخبير قائلا: “المسألة الأخرى التي يمكن أن نستشف منها بعض الإشارات، هي مرتبطة بالانتخابات المقبلة لأنه تم تأجيل تأسيس التجمع أو ما يسمى بالمجلس إلى ما بعد انتخابات 23 يوليوز المقبل، وبالتالي هذا ما سيسود في العديد من البلديات خصوصا التي فاز فيها الحزب الشعبي بالأغلبية، تفاديا للتأويلات التي قد يستغلها باقي الأحزاب الآخرين ويتم توظيفها في حملاتهم الانتخابية الرئاسية المقبلة ضد الحزب الشعبي.
إشارات الحزب الشعبي للمغرب بعدما لم يتحالف مع حزب فوكس المتطرف لتكوين الأغلبية بسبتة المحتلة
وفي معرض رده على سؤال لموقع “برلمان.كوم” بخصوص ما إذا كان تحالف الحزب الشعبي بمدينة سبتة المحتلة مع أحزاب يتزعمها مواطنون إسبان من أصول مغربية، إشارة من هذا الحزب على أنه في حال فاز في الانتخابات البرلمانية المقبلة وترأس الحكومة، سيبقي على العلاقات المتقدمة مع المغرب لاسيما وأنه متقارب مع الجزائر، قال الخبير باروكي، إن الحزب الشعبي ليس له تقارب كبير مع الجزائر، مشيرا إلى أن رئيسه ألبيرتو فيخو سبق أن قال فقط في تصريح معين بأنه سيحاول إعادة العلاقات مع الجزائر إلى وضعها السابق، وهذا لا يعني أنها ستكون على حساب المغرب وفق باروكي.
وأوضح الخبير عبد العالي باروكي أنه يجب قراءة هذا التصريح في بعده السياسي، خاصة وأن فيخو كان يخاطب في هذا التصريح بالضبط المستثمرين الذين كانوا يستثمرون في الجزائر والذين تضرروا من قرار وقف معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين، والعلاقات غير الجيدة للحزب الاشتراكي العمالي مع الجزائر، في ظل حكومة سانشيز، مضيفا أن هذه إشارة وطمأنة منه للمستثمرين وهذا في حد ذاته خطاب سياسي كذلك.
وأضاف باروكي أن “السياق وحتى الوقت الذي تم فيه هذا التصريح يجب فهمه في سياقه وفي وقته لأن الحملة الانتخابية يمكن أن نقول أنها قد بدأت منذ الآن ولا يجب فهم هذا التصريح على أنه تصريح ضد المغرب” ولكنه إشارة لاستمالة مجموعة من الناخبين كذلك واستمالة التكتلات الاقتصادية والمستثمرين الذين كانوا يستثمرون في الجزائر، حتى لا يضيعها على نفسه”.
حظوظ الحزب الاشتراكي العمالي في الانتخابات البرلمانية الإسبانية المقبلة
وجوابا على سؤال آخر، يهم حظوظ الحزب الاشتراكي العمالي الذي يقوده بيدرو سانشيز في الانتخابات المقبلة، قال الأستاذ والخبير في العلاقات الإسبانية المغربية، عبد العالي باروكي، “إن الحزب الاشتراكي العمالي يعاني كثيرا خاصة وأنه بداخل هذا الحزب هناك عدة اختلافات في مجموعة من المواضيع وحتى مع الحلفاء اليساريين واليسار الراديكالي داخل الحكومة، والآن الحزب الاشتراكي يراهن على الجانب السياسي على الخصوص في ترتيب البيت الداخلي للمشاركة في الانتخابات المقبلة والضفر بها، وكذلك محاولة استغلال جميع الهفوات التي قد يرتكبها الحزب الشعبي في تشكيله للمجالس الجهوية والمحلية، خاصة في الشق المتعلق بالتحالف مع اليمين المتطرف”. هذه من بين النقط التي سيحاول الحزب الاشتراكي استغلالها، “رغم أنه الآن -كما قلنا بأن مدينة سبتة لها خصوصيتها، وعدم تحالف الحزب الشعبي فيها مع حزب فوكس المتطرف هو إشارة كذلك من هذا الحزب إلى أنه أيضا حريص على ألا تكون هذه ورقة في يد حزب بيدرو سانشيز لتوظيفها ضده في الانتخابات المقبلة”، بحسب ذات المتحدث.
وأشار ذات الخبير إلى أن الحزب الاشتراكي لديه أيضا مجموعة من نقاط القوة التي يمكن أن يستغلها في حملته الانتخابية، خاصة في المجال الاجتماعي وما قامت به حكومة سانشيز إلى غير ذلك، بالرغم من أن هناك كذلك انقسام على مستوى بعض القوانين التي أثارت جدلا داخل المجتمع الإسباني، مثل قانون “نعم تعني فقط نعم” والمتعلق بالعنف ضد المرأة أو الاغتصاب…، وهي نقطة عرفت انقسامات داخل المجتمع الإسباني، وأثارت الكثير من الجدل، رغم أنها مقبولة لدى التيارات التقدمية، لكنها مرفوضة من طرف المحافظين داخل المجتمع الإسباني، بالإضافة كذلك إلى نقطة أخرى تعتبر من بين نقاط ضعف الحزب الاشتراكي وهي تحالفه مع اليسار الراديكالي (بوديموس)، والتي قد يستغلها الحزب الشعبي لهزيمة الحزب الاشتراكي العمالي في الانتخابات المقبلة.
نتائج انتخابات 23 يوليوز المقبل وتأثيرها على العلاقات الإسبانية المغربية
وفي معرض جوابه على سؤال أخير بخصوص ما إذا كان من الممكن أن تؤثر نتائج الانتخابات البرلمانية الإسبانية المقبلة على موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية والعلاقات المتقدمة بين مدريد والرباط، قال باروكي “إن موقف إسبانيا من قضية الصحراء المغربية هو موقف سيادي لأن بيدرو سانشيز لم يتخذه كرئيس حكومة فقط وإنما اتخذه كرئيس حكومة لدولة إسبانيا، لأن القرار لم يكن قرارا حوله اتفاق باقي مكونات الأغلبية الحكومية، بحيث أن هناك مجموعة من الأحزاب داخل التحالف الحكومي كبوديموس لم تكن مع هذا القرار، وهناك كذلك بعض الوزراء من داخل حكومة سانشيز ومن داخل الحزب الاشتراكي العمالي بعضهم ورغم أنهم لم يصرحوا بذلك إلا أنهم لم يكونوا على اتفاق تام معه”.
وأشار باروكي إلى أن سانشيز حينما اتخذ هذا القرار اتخذه بناء على مجموعة من التقارير والمعطيات التي توفرت لديه، كتقرير للمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية الإسبانية، وهو تقرير مطول نصح حكومة سانشيز ببناء علاقة استراتيجية وجيدة مع المغرب، بالإضافة كذلك إلى بيانات من طرف وزراء خارجية سابقين، وهي معطيات فهمها سانشيز وأخذها بعين الاعتبار جيدا عند اتخاذ موقف جديد من ملف قضية الصحراء المغربية، ناهيك أيضا عن التقارير الأخرى التي تقر بهشاشة النظام الجزائري، والذي يصعب المراهنة عليه، خاصة أن الجزائر لا تقدم نفس الضمانات ونفس الامتيازات التي يقدمها المغرب على المستوى الاستراتيجي والجيوستراتيجي وكذلك الاقتصادي بالنسبة لإسبانيا.
وخلص باروكي إلى أن إسبانيا لا يمكن أن تضع المغرب والجزائر في كفة واحدة، خاصة وأن علاقاتها مع المغرب قديمة وضاربة في عمق التاريخ، وهو ما يعكسه الانسجام الكبير الذي حصل بينهما في مجموعة من المجالات، ونتيجة لذلك تم توقيع مجموعة من الاتفاقيات العامة والاستراتيجية الضخمة، كالمشروع الذي يتم العمل عليه الآن والمتعلق بالربط القاري بين البلدين، وهو مشروع استراتيجي ضخم بين قارتين وليس بين بلدين فقط، وبالتالي أمام جميع هذه الضمانات أو هذه الآفاق، فلا أظن أن إسبانيا يمكن أن تغير موقفها من قضية الصحراء وعلاقاتها مع الرباط، سواء كانت النتيجة لصالح الحزب الشعبي وهذا ما هو منتظر أو للحزب الاشتراكي أو أي حزب آخر وفق باروكي.