مرة أخرى، خلف مصرع 24 شخصا، الأحد، في حادثة سير مميتة جراء انقلاب حافلة للنقل المزدوج على الطريق الرابطة بين مدينة دمنات وجماعة سيدي بو لخلف بإقليم أزيلال، موجة غضب عارمة من عدم تحمل المسؤولين المغاربة للمسؤولية بعد الفواجع التي تحصد أرواح المواطنين كل فترة، وأعاد للواجهة سؤالا، باتت الإجابة عنه ضرورة ملحة في مرحلة “الجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة”، تدور رحاه حول الأسباب التي تجعل تقديم الوزراء والمسؤولين استقالتهم “احتمالا مستبعدا”، مهما ارتفعت الحصيلة.
رضوان أعميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن الفاجعة تأتي بعد أيام من الخطاب الملكي، بمناسبة عيد العرش، والذي أكد فيها الملك محمد السادس على مفهوم الجدية، وربطه بالمحاسبة والمسؤولية، وغير ذلك، ولذلك فهي تعتبر أول اختبار حقيقي لمدى جدية المسؤول السياسي والمسؤول التقني والمنتخبين على مستوى الترابي.
كما أشار، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن وقوع هذا النوع من الفواجع ليس بالصدفة، بل هو مرتبط أساسا بمناطق العالم القروي والمناطق النائية البعيدة عن المركز، مما يحيل على أن هناك إشكال حقيقي في هذه المجالات، مشددا في المقابل على ضرورة تعزيز عمل الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة، وكذا تفعيل الجهوية المتقدمة، واللا تمركز الإداري.
وسجل أستاذ القانون الإداري أن النصوص القانونية والتي تساعد على ذلك “موجودة ولكن من ناحية الممارسة ومن ناحية الفعل الإداري والسياسي ما زال هناك خصاص كبير جدا”، معتبرا أن النقص في البنيات التحتية في بعض المجالات والخصاص الكبير على مستوى الخدمات، غالبا ما ينتج عنه مثل هذه الفواجع المؤلمة.
وبحسب رضوان أعميمي، فرغم تحرك الآليات القضائية لربط المسؤولية بالمحاسبة، سواء على مستوى رئاسة النيابة العامة، أو على مستوى السلطة القضائية، هنالك استمرار لغياب إثارة المسؤولية السياسية، متسائلا عما إذا كانت هذه الفاجعة تحتاج من “البرلمان كسلطة تشريعية وسلطة رقابية، عقد دورة استثنائية واتخاذ إجراءات تشريعية رقابية ومستعجلة، خاصة أن الحادث تتقاطع فيه مسؤوليات وزارية وكذا ترابية”.
وقال إن العقل السياسي المغربي ما زال لم ينضج بعد لدرجة أن يفرز آليات لإثارة المسؤولية التلقائية والمسؤولية السياسية، عكس مجموعة من الديمقراطيات اليوم التي وفي أقل من هذا النوع من الفواجع، يخرج المسؤول السياسي عن صمته ليتحمل المسؤولية ويعلن استقالته بشكل مباشر، مشيرا إلى أن المغرب لم يصل لهذا النوع من الممارسات التي تحدد فيها المسؤولية السياسية بشكل واضح.
ونبه أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط إلى أن الثقافة السياسية المغربية ما زالت ثقافة انتظارية، أي أنها تنتظر نتائج التحقيقات، والتي غالبا ما تتوارى فيها المسؤولية السياسية، أو أنها تنتظر تدخل أعلى سلطة في البلاد، وهي الحالة الوحيدة التي يتحمل السياسي فيها المسؤولية، خاصة أن أعراف الدولة لا تشجع على تقديم المسؤولين المغاربة للاستقالة، فالدستور المغربي لا يتضمن بندا يخص استقالة الوزراء كقرار خاص بهم، بقدر ما يترك الأمر في يد الملك بطلب من رئيس الحكومة.
واعتبر أن هذه الفواجع لديها طبيعة محلية، وفي حالة عدم معالجتها على الصعيد المحلي أو على الصعيد الترابي، قد تتحول لأزمة جهوية أو أزمة وطنية، “لذلك فالمسؤول المنتخب، خاصة على مستوى الجماعات الترابية، لا بد على الأقل، وفي هذه المرحلة، أن يحسن عملية التواصل والإغاثة، ويتخذ تدابير استعجالية لكي يحتوى مخلفات الفاجعة أولا والبحث عن حلول جذرية لعدم تكرارها في مرحلة ثانية”.
كما أكد المتحدث على ضرورة أن يُنظر لربط المسؤولية بالمحاسبة من زاوية استباقية، سواء في اختيار المسؤولين، سياسيين أو تقننين، وفق الكفاءة، وكذا تتبع عملهم ومراقبتهم بشكل مستمر، ثم مرحلة المحاسبة، سواء بشكلها العادي عن طريق الانتخابات، أو محاسبة استثنائية سياسيا أو قضائيا أو جنائيا.
بدوره، حمل مصطفى شعون، الأمين العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجيستيك متعددة الوسائط، للحكومة بكل مكوناتها، والتي أبانت عن عجزها على توفير وسائل نقل تضمن راحة وسلامة وكرامة المواطنين، لا سيما في العالم القروي، مشيرا إلى أن أكثر من 52 في المئة من المواطنين المغاربة يعيشون خارج المدارات الحضرية، رافضا تحميل المسؤولية كاملة لجهة دون أخرى، على اعتبار أن النقل الجماعي والعمومي هو مسؤولية للسلطات الحكومية.
واعتبر أن الفاجعة “جرس إنذار” لمنع تفشي ظاهرة النقل السري، خصوصا في العالم القروي، بالوسائل التقليدية، وأيضا النقل لسري العصري الذي أضحى يعتمد على تطبيقات وهواتف ذكية، مستغربا من أن أنماط النقل غير المرخص لها باتت تنشط أمام مرأى وأعين السلطات بدون حسيب ولا رقيب.
وقال إن المسؤولية تتحملها السلطات الحكومية وكذلك لجان المراقبة، “هذا النوع من النقل يمر يوميا من أمام رجال المراقبة، واليوم الحكومة مطالبة بالكشف عما إذا كانت تريد أن تصلح قطاع النقل الجماعي والعمومي، ونحن قدمنا عدة مقترحات في هذا السياق وننتظر ردة فعلهم”.
وشدد على ضرورة وضع ترسانة قانونية جديدة وإعادة النظر في الظهير المنظم للنقل، “لأنه يعود لسنة 1963، ولا بد من ملاءمته مع كل القوانين المستحدثة، لا سيما الجهة، ولا بد أن تتحمل الأخيرة مسؤوليتها”، مبرزا أن الجهوية المتقدمة جعلت من اختصاصات مجلس الجهة تنظيم قطاع النقل.
وتابع: “رغم كل هذا، ما زالت وزارة الداخلية وكذلك وزارة النقل، لم ترفع يدها بعد عن هذا القطاع لتمنحه للمجالس الجهوية لتدبيره على المستوى الجهوي، بترسانة قانونية متقدمة، فلا بد لبنيات النقل أن تتغير، ولا بد من تطبيق القوانين، لأنه لا يمكن أن نطبقها حسب المزاج”، مضيفا “الحلول واضحة، ولا بد أن يكون حوارا وطنيا حول إصلاح منظومة قطاع النقل الطرقي الجماعي والأشخاص المسافرين، وإشراك جمعيات المجتمع المدني وحماية المستهلك، من أجل بلورة رؤية مندمجة من خلالها يمكن أن تصدر قوانين متقدمة تنظم قطاع النقل وترقى به للأمام”.
وربط الكاتب العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجيستيك متعددة الوسائط، تنظيم قطاع النقل بتحقيق المغرب للرهانات والتحديات المستقبلية، خاصة تلك التي تتعلق بخطة السياحة واستقبال الملايين من السائحين، وكذا تنظيم تظاهرات دولية، أبرزها كأس أمم إفريقيا بعد عامين “والذي سيكون مرآة للمملكة لتنظيم مونديال 2030″، بحسب تعبيره.
وأشار إلى أن حوادث كثيرة متفرقة تشهدها طرقات المملكة في اليوم الواحد، والتي ما إذا جمعنا حصيلتها، ستكون بلا شك أكثر من 24 قتيلا والمئات من الجرحى، معتبرا الحد من حوادث السير يحتاج إرادة سياسية، “ولا بد للحكومة أن تخرج من قوقعتها والانفتاح على فاعلين مهنيين، وفتح نقاش وطني لإصلاح القطاع، ومحاولة الحد من حوادث السير، لأن التحسيس والتوعية والحملات الموسمية لن تجدي نفعا، مادام أن هناك قوانين متقادمة تعود لسنة 1963”.
وعن استقالة المسؤولين، يرى مصطفى شعون أن الحادث لم يكن له علاقة مباشرة بوزير النقل، بل له علاقة بالمراقبة الطرقية ومراقبة أنماط النقل غير المرخص له، “لأن وسيلة النقل سرية “صطافيت” جمعت الناس وغادية بيهم للسوق، في ظروف لا إنسانية”، لافتا أن “ذلك يتكرر كثيرا، خاصة في مباريات كرة القدم، فالجميع يعلم كيف تتنقل لجماهير، وللأسف تنتقل بين المدن”.
وأوضح المتحدث أن المغرب يحتاج لقوانين لتنظيم قطاع النقل، وهذا ليس من اختصاص وزارة محمد عبد الجليل، بل من اختصاص الحكومة، “لأن القطاع مرتبط بعدة وزارات، على غرار وزارتي النقل والداخلية، وكذلك المراقبة الطرقية والسلطات العمومية والمجالس المنتخبة الممثلة في المجالس الجهوية والتي أعطاها المشرع صلاحية تنظيم القطاع على مستوى الجهة”.
وطالب الأمين العام للمنظمة الديمقراطية للنقل بالحرص على عدم مرور فاجعة دمنات، “مرور الكرام”، كسابقاتها “يتتبعها الإعلام لأيام ويدين كل هذه الممارسات، وبعدها تُنسى “ونربعو يدينا” في انتظار فاجعة أخرى، ونقولو لقد تم التحقيق”، مشددا على أن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، وهي وكالة مستقلة ترصد لها ميزانية كبرى، لا بد أن تتحمل مسؤوليتها في كل البرامج الموجهة للتوعية والتحسيس، والتي لا بد أن تكون ميدانية، إضافة لتفعيل دورها في المراقبة.