من فضيحة إلى فضيحة أخرى، هذا هو حال رئيس مجلس المستشارين ومعه حزب الاستقلال هذه الأيام، فبعد أن تطرق موقع برلمان.كوم لفضيحة التصريحات المتنافية مع مصالح المغاربة، و المجانبة للصواب الديبلوماسي، والتي دعا من خلالها النعم ميارة أبناء المملكة المغربية، العاملين في اسبانيا، إلى الانضمام إلى الأحزاب والمؤسسات السياسية الاسبانية، دون أن يعود إلى أية جهة رسمية أو مدنية تعنى بأمور الجالية المغربية في الخارج، التجأ هذا الأخير الى الاختباء تحت مظلة “الزعيم” الحالي لحزبه، كي يبحث له عن مطية يمتطيها او حيلة تقيه من لسعات الانتقاد الشديد الذي نزل عليه من كل جانب.
ولم يجد “الزعيم” نزار بركة من وسيلة للاستفادة من فرصة الصفعات التي تلقتها خدود النعم ميارة، والهشاشة التي أصبح عليها بفعل فعلاته، سوى الركوب على مغربية المدينتين السليبتين سبتة ومليلية، كذريعة لبيع القرد الى النعم ميارة والضحك عليه لأنه اشتراه. وقد شمر “الزعيم” على ساعديه، وانتقل الى جهة فاس- مكناس، متحاشيا لقاء الأغلبية الحكومية، وما قد يسببه من تأخير لهذا الاجتماع التنسيقي، ما دامت هناك فرصة لنسج خيوط تقديم يد الدعم لميارة، عساه يتذكرها مستقبلا، فيرد ثمنها صاعين.
وقد اجتهد نزار بركة في إلقاء الحجر بعيدا عن بيت حزبه، عبر التوقف عند التوجهات المرجعية للحزب، في ما يخص الوحدة الترابية للمملكة، والتذكير بالمنظور الاستراتيجي لجلالة الملك في ما يخص العلاقات الثنائية مع الجارة إسبانيا.
وبينما قد يعتقد “زعيم” حزب الاستقلال أنه من السهل تذويب الضجة بقليل من الكلام التمويهي، نذكره من جهتنا في موقع برلمان.كوم، مادمنا أول من أثار القضية، أن الجانب الذي خلق الجدل في تصريحات ميارة، هو تدخله في شأن يرتبط بمغربية جاليتنا في إسبانيا، واختياراتها الاستراتيجية، وتوقيت إثارة نقاشات لا تتناسب مع المرحلة الحالية، أما مغربية المدينتين المحتلتين فتلك قضية لا يختلف حولها أي مغربي، أيا كان حزبه او انتماءه، وبالتالي فليس حزب الاستقلال وحده من ينفرد بمثل هذه المواقف، وهذه نقطة نظام وجب توجيهها ل”زعيم” الحزب أيضا.
قد نتفهم الاهتمام الذي أولاه نزار بركة للموضوع، وانقضاضه السريع على مقبضي الحبل، كي لا يفلت من يديه. فالنعم ميارة هو نفسه من صرح منذ شهور ليست ببعيدة، بأن هناك اختلافات داخل البيت الاستقلالي، ترتبط أساسا بتوجهات وبمنظور معين. وبما أن عالم المصاهرة في هذا الحزب هو الذي قاد نزار الى الزعامة، فلم لا يقود ميارة الى نفس الموقع، مادام هو صهر أقوى رجل في المرحلة الحالية للحزب؟
نعم، نتفهم كل هذا وأكثر، لأننا لا نجلس على طاولة معهد لتعليم الأبجديات السياسية عبر التصريحات الفضفاضة، ولأنه حين تطرقنا إلى فضيحة النعم ميارة، فقد نبهنا، في حينه، بأننا لا نقدم خدمة مجانية لنزار بركة في مشاكل داخلية للحزب، إذ، في مثل هذه الأمور، فنحن لا نفرق – إعلاميا- بينه وبين القيادي النعم ميارة. ولكننا كنا نتوخى، حزبيا، موقفا أكثر يقظة ومسؤولية، كي يتم ضبط المواقع التي تصدر عنها تصريحات تلزم المغاربة جميعا، ولا يمكن التطاول عليها داخل المنتديات الرمضانية.
نعم نبهنا إلى ذلك، ونعيد التذكير بأن النعم ميارة يحتل الكرسي الرابع في الهرم التسلسلي، وهو بدون شك أكبر من قدراته وكفاءاته للخوض في قضايا استراتيجية دقيقة جدا. بل إن هذه المواضيع بحجمها الكبير، هي أكبر فعلا من الطموحات الحزبية البسيطة التي تظل محصورة، ربما، في قيادة الحزب من موقع الزعامة. وهنا نؤكد أننا لسنا بحاجة كي نعود بالذاكرة الى مرحلة ما بعد إزاحة حميد شباط، وقضية تغيير النظام الأساسي، وما ميزهما من هزات قوية خلقت انقساما كاد ان يتسع ويودي بكرسي نزار بركة، حينما ظهرت بوضوح إرادة السيطرة لتيار دون آخر، مع كل ما يتطلبه هذا الموضوع اليوم من اهتمام ومتابعة.