Home سياسة كيف تم العبث بأرحام القطيع الوطني؟

كيف تم العبث بأرحام القطيع الوطني؟

0
كيف تم العبث بأرحام القطيع الوطني؟

على الرغم من أن المغرب يمتلك ترسانة تشريعية مهمة متعلقة بسلاسل الإنتاج الحيواني والصحة البيطرية، إلا أن المتأمل في بنية هذا الإطار يكتشف أنه، رغم غناه وتعدد مكوناته، يظل مفتقدا لنواة صلبة تتجلى في قانون إطار شامل وخاص بالقطيع الوطني. هذا الفراغ ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو ثغرة تشريعية قاتلة لا تحدد بدقة أهداف تدبير الثروة الحيوانية، ولا ترسم أدوار الفاعلين بوضوح، كما تفتقر إلى آليات حازمة للمراقبة والعقاب، وتعجز عن تأطير عمليات التتبع والرقمنةوالحماية، والتجديد بشكل منسجم ومستدام.

يترتب عن هذا الفراغ التشريعي بروز هشاشة بنيوية خطيرة ترخي بظلالها على استدامة برامج إعادة تكوين القطيع، خاصة خلال فترات الأزمات الحادة مثل دورات الجفاف المتعاقبة والأوبئة الحيوانية، وهي فترات ينتج عنها عادة انخفاض مهم وحاد في أعداد الماشية وتراجع مخيف في القدرات الإنتاجية، مما يضع الأمن الغذائي المرتبط باللحوم الحمراء على كف عفريت.

هكذا يحول غياب قانون دون سن قواعد ملزمة لتنظيم القدرات الإنتاجية وتسييجها بقوة القانون وقواعد من قبيل منع أو تقييد ذبح الإناث المنتجة خلال فترات زمنية محددة لحماية التجدد الطبيعي، وإرساء آليات دائمة لإعادة هيكلة القطيع وفق اعتبارات علمية صارمة تخص الخصوبة والتوازن الديمغرافي بين الفئات العمرية للمواشي، وفي غياب هذا السياج القانوني الصلب، تظل كل التدابير المعتمدة من طرف الوزارة الوصية ذات طابع ظرفي واستثنائي وارتجالي، مما يحد من فعاليتها في بناء مسار تكيف طويل الأمد مع مخاطر تغير المناخ، وتناقص الموارد المائية، والارتفاع المهول في كلفة الأعلاف في ظل تقلبات الأسواق العالمية.

هذا العجز التدبيري قاد مباشرة إلى واحدة من أبشع مظاهر الاختلال البنيوي متمثلا في التراجع الحاد في عدد الإناث المنتجة، التي تشكل الركيزة الأساسية والرحم النابض لتجديد القطيع. تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة عن واقع صادم، فقد انخفض عدد الإناث القابلة للإنتاج والتكاثر من حوالي 11 مليون رأس سنة 2016 إلى ما يقارب 8.7 ملايين رأس سنة 2025، أي بتراجع يفوق 21% في أقل من عقد! هذا النزيف انعكس فورا على معدل الإنتاجية العددية والتجدد الطبيعي للقطيع، حيث انحدر متوسط عدد الولادات السنوية من حوالي 1.4 إلى أقل من 1.1 ولادة لكل أنثى، وهو مستوى ديمغرافي خطير لا يسمح جينيا بالحفاظ على توازن القطيع أو استمراره.

ويرتبط هذا التدهور بشكل وثيق بتفاقم ظاهرة ذبح الإناث المنتجة، التي اتخذت أبعادا مقلقة خلال سنوات الجفاف الأخيرة. ففي ظل الارتفاع الصاروخي لتكاليف العلف وعجز العديد من الكسابة والصغار عن تحمل الأعباء المالية المتزايدة، لم يجد هؤلاء من ملاذ لتوفير سيولة آنية لتسديد ديونهم أو إطعام بقية ماشيتهم سوى التضحية بالمستقبل باللجوء إلى بيع أو ذبح الإناث، بما في ذلك الحوامل أو ذات القدرة الإنجابية العالية، أوعرضها في الأسواق بأسعار بخسة.

ورغم إعلان الحكومة المستعجل عن حظر ذبح الإناث إلى غاية سنة 2026 وإطلاق برامج لترقيمها تتبعا لمنع ذبحها، فإن هذه التدابير ظلت حبرا على ورق ومحدودة الأثر، والسبب هو غياب البدائل الاقتصادية والحلول الهيكلية لفائدة المربين، الذين كانوا بحاجة إلى دعم مالي مباشر ومستدام وإعانات علف موجهة، فضلا عن قروض ميسرة ونظام تأمين فلاحي شامل يغطي المخاطر المناخية. ونتيجة لهذا الفشل، تحولت ممارسة ذبح الإناث إلى نشاط سري وغير مهيكل يصعب ضبطه في المجازر وخارجها، مما عمق من تدهور القدرات التناسلية للقطيع الوطني وأسهم في تسريع مسار الانكماش الإنتاجي وفق ما جاء في كتاب “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد” لمؤلفه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية.

تخلص مقاربة المؤلف هنا إلى نتيجة استراتيجية واضحة تتجلى في كون حل أزمة الأضحية واللحوم لا يكمن أبدا في الاستيراد العشوائي أو في الضغط على القطيع المنهك القائم، بل في رفع القدرة التجديدية للقطيع عبر حماية الإناث وتحسين الخصوبة وتقليص نسب النفوق وتأهيل المراعي. ودون سلوك هذا الدرب، ستظل كل التدابير الحكومية مسكنات ظرفية، وستتكرر أزمات الندرة وارتفاع الأسعار بشكل دوري، مع ما يرافقها من كلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية باهظة سيدفع ثمنها الوطن والمواطن.

إقرأ الخبر من مصدره