لوكورتيي.. سفير أجبرته أزمة الرباط وباريس على نزع عباءة الدبلوماسي والاكتفاء بقبعة الاقتصادي

كما كان متوقعا بعد الإعلان عن موافقة مجلس الوزراء الفرنسي على تعيينه في الثالث والعشرين من نونبر الفارط، سفيرا لباريس بالرباط، أجبر “رجل الاقتصاد” كريستوف لوكروتيي على التخلي عن صلاحياته الدبلوماسية والسياسية التي يعكف السفراء على ممارستها عادة، والاكتفاء بصلاحيات اقتصادية وتجارية محضة.

أين الصلاحيات الاقتصادية؟

كريستوف، الذي طلب لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بداية مارس الفارط بقصر الإليزيه، لمناقشة وضعه الدقيق بالمغرب وبشكل مباشر، خاصة بعد الحديث عن “أزمة جديدة”عادت بالعلاقات بين البلدين لنقطة الصفر، جاء للرباط قادما من منصب رئيس تنفيذي، ومنذ 2017، لمؤسسة “بيزنس فرانس”، وهي مؤسسة حكومية تتولى إدارة الاستثمارات الفرنسية في الخارج، ونشأت عقب اندماج بين “إيبوفرانس” والمؤسسة الفرنسية للاستثمارات الدولية.

ورغم محاولة لوكورتييه ولأكثر من مرة، عقد لقاءات مع وزراء حكومة عزيز أخنوش، إلا أنه لم ينجح في ذلك، وكانت التبريرات كثيرة ومشتركة، لعل أبرزها ارتباطهم بمواعيد مسبقة تخص اجتماعات وتدشينات وطنية وأخرى تدور رحاها حول استقبال مسؤولين أجانب، وهو ما يعتبر رسالة “مشفرة” لفرنسا الشريك الاستراتيجي الأول السابق للمملكة.

وتؤكد قائمة أنشطة السفير الباريسي، وخلال الأشهر القليلة الفارطة، أن الرباط تتعامل مع فرنسا بصفتها “مستثمرا أجنبيا”، وليس شريكا كما كان الحال قبل اندلاع فتيل الأزمة بين البلدين، التي لا يعرف لحد الساعة موعد نهايتها، خاصة بعد تداول وسائل إعلام فرنسية أخبارا متفرقة عن إلغاء زيارة وفد برلماني للمغرب “لأسباب غير معروفة ولأجل غير مسمى”.

في الرابع والعشرين من فبراير الفارط، زار السفير الفرنسي مصنع رونو بطنجة وبعدها التقى بعبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب، ثم أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وفي فاتح مارس أعلنت السفارة عن زيارة لوكروتييه لشركة فرنسية بفاس، وبعد 27 يوما التقى مصطفى التراب، الرئيس المدير العام لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، وهو ما يؤكد أنه يلبس قبعة الاقتصادي أكثر من السياسي.

“حصانة” الاقتصاد والتجارة

ورغم الضرر الذي لحق العلاقات السياسية بين البلدين، والذي كان سببه الظاهر أزمة التأشيرات والقيود المفروضة على المغاربة، تمكنت العلاقات الاقتصادية والتجارية من كسب حصانة خلال السنة الفارطة، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية بين المغرب وفرنسا 13,4 مليار يورو، أي ما يعادل 147 مليار درهم.

وبحسب المعطيات الصادرة عن وزارة الخارجية الفرنسية في فبراير الفارط، فقد نمت المبادلات بين البلدين بنحو 24 في المائة في 2022 مقارنة بعام 2021.

وارتفعت صادرات فرنسا إلى المغرب بنحو 40 في المائة لتصل إلى 6,5 مليارات يورو (ما يعادل 71,6 مليار درهم)، في المقابل ارتفعت صادرات المغرب بنسبة ناهزت 12,1 في المائة، لتحقق 6,9 مليارات يورو.

ولا يزال الميزان التجاري بين البلدين في صالح المغرب، لكنه شهد انخفاضا كبيرا خلال العام الماضي، حيث حقق 432 مليون يورو، مقابل 1,5 مليار يورو عام 2021.

وعلقت سفارة فرنسا في العاصمة الرباط على هذه الأرقام بالقول: “تؤكد أرقام التجارة الخارجية لفرنسا من جديد قوة الشراكة الاقتصادية بين بلدينا”.

أسباب الأزمة بعيون فرنسية 

صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية منتصف أبريل، سلطت الضوء مجددا على الأزمة التي تعيشها العلاقات المغربية الفرنسية معتبرة أن نقاط التوتر بين البلدين تتلخص في قضية “بيغاسوس” وقيود التأشيرات والصحراء المغربية، وانزعاج محيط الملك محمد السادس من غطرسة الرئيس الفرنسي.

وقالت الصحيفة في تقرير مطول من صفحتين، تحت عنوان: “بين باريس والرباط.. أسباب خلاف يتجذّر”، أن وفرنسا أمام ”قطيعة صماء” غير مسبوقة في عهد الملك العلوي محمد السادس.

وذكرت لوفيغارو بالأزمات التي عرفتها العلاقات بين البلدين، في عهد الحسن الثاني، والتي كانت أبرز أسبابها قضية المهدي بن بركة، وصدور كتاب “صديقنا الملك” المثير للجدل، مشبهة البحث عن أصل الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا والمغرب، بالمغامرة في لعبة البحث عن الكنوز بخط سير خالٍ من علامات أو إرشادات.

وأشارت “لوفيغارو” إلى أنه بينما أوفدت فرنسا سفيرا جديدا إلى الرباط، أنهى الملك محمد السادس مهام ممثله في باريس دون تعيين خليفة له. وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الموضوع في نهاية شهر فبراير، مُقراً بـ“جدالات”، وأبدى “استعداده للمضي قدما مع المغرب”.

وقال ماكرون: “الملك محمد السادس يعلم ذلك، لقد أجرينا عدة مناقشات، وهناك علاقات شخصية ودية”. غير أن مصدرا رسميا مغربيا سارع إلى الرد على الرئيس الفرنسي عبر تصريح أوردته مجلة “جون أفريك”. وقال المسؤول المغربي: “العلاقات ليست ودية ولا جيدة بين الحكومتين المغربية والفرنسية، ولا بين القصر الملكي والإليزيه”.

وأشارت الصحيفة الفرنسية، إلى أنه ومنذ قضية بيغاسوس، تراكمت الخلافات، إضافة إلى جدل إعادة المواطنين المغاربة الخاضعين لأمر الترحيل من فرنسا، وهو ما تسبب في تخفيض التأشيرات التي تمنحها باريس بنسبة 50 في المئة، والذي تزامن مع تقارب بين فرنسا و الجزائر، ثم التصويت غير المسبوق للبرلمان الأوروبي ضد المغرب فيما يتعلق بحرية الصحافة.

وسجلت أن قرار خفض التأشيرات أثار الغضب في المغرب الذي كان مواطنوه يحصلون على أكبر عدد من التأشيرات الفرنسية في العالم. وهو ما دفع البعض منهم يتوجهون إلى القنصليات الإسبانية والإيطالية لدخول منطقة شنغن ثم الأراضي الفرنسية. ومنذ رفع الإجراء، استُؤنفت الترحيلات نحو المغرب العربي بوتيرة وصفها دبلوماسي فرنسي بأنها “محسوبة”. لكن الاستياء المغربي لم يتلاشَ.

وقالت الصحيفة الفرنسية إن العلاقات الشخصية بين الرئيس الفرنسي والملك المغربي لا تبدو على ما يرام، ويبدو أن التيار لم يمر أبدا بينهما، رغم أنه تمت دعوة ماكرون وزوجته في عام 2017 خلال زيارته الأولى للمملكة، لتناول وجبة الإفطار في رمضان بمنزل العاهل المغربي الخاص، وهو اهتمام مخصص للأصدقاء المقربين. بعد ذلك ببضعة أشهر، شارك الملك، برفقة نجله الأمير مولاي حسن في غداء عمل بقصر الإليزيه بمناسبة قمة المناخ العالمية.

لكن الإشارات الإيجابية هذه اختفت بعد تقاعد السفير الفرنسي المؤثر لدى الرباط، جان فرانسوا جيرو. وتوترت العلاقات بين الزعيمين بسبب قضية بيغاسوس، على خلفية كشف Forbidden Stories في يوليوز عام 2021، أن الهواتف المحمولة لعشرات الآلاف من الأشخاص حول العالم قد تم اختراقها بواسطة برامج تجسس بيع للدول من قبل شركة NSO الإسرائيلية، بموافقة الحكومة العبرية. وادعت أن المغرب هو أحد المستخدمين الرئيسيين لهذا البرنامج.

ومضت “لوفيغارو” قائلة إن قضية الصحراء المغربية التي يعتبرها المغاربة “مقدسة” اكتسبت زخما جديدا بعد اعتراف الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، وانضمام المغرب إلى اتفاقيات أبراهام الموقّعة بين إسرائيل ودول خليجية. واكتسب القصر المغربي زخما في هذا الملف منذ ذلك الحين، ويعتزم دفع الدول الأوروبية للانضمام بدورها إلى الموقف الأمريكي.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق