نواصل معكم قراءنا الأعزاء حلقات السلسلة الرمضانية، “ماذا يريدون من المغرب؟” من خلال هذه الحلقة السابعة، والتي سنتحدث فيها اليوم عن موضوع تكملة لما سبق وما أوردناه في الحلقات الخمسة السابقة بشكل متسلسل، حيث سنحاول اليوم تسليط الضوء على مكانة المغرب في إفريقيا وما يشكل ذلك لفرنسا التي أغاضها الوضع الحالي للمملكة المغربية داخل العمق الإفريقي، خاصة وأن فرنسا كانت حتى الأمس القريب تعتبر مجموعة من الدول بالقارة السمراء كحدائق خلفية لها.
التواجد المغربي بإفريقيا يغيض فرنسا
منذ وصول الملك محمد السادس للعرش نهج المغرب سياسة غير مسبوقة في علاقته بإفريقيا، حيث وفي ظرف وجيز تزايد حضور المغرب فيها اقتصاديا وسياسيا، محققا بذلك ما سعى إليه منذ نهجه سياسة الانفتاح على العمق الإفريقي، حيث أصبح الآن نقطة عبور للاستثمارات الأوروبية والأميركية، المتطلعة للتواجد بالقارة الأفريقية جنوب الصحراء، من بوابة الاستثمار من الناحية الاقتصادية وخدمة لقضاياه السياسية والأمنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
فمنذ أكثر من عقد من الزمن باتت القارة الإفريقية مثار اهتمام العديد من دول العالم خاصة المتقدمة والسائرة في طريق النمو، كونها منجمًا ضخمًا للمواد الأولية الطبيعية والمنجمية على حدّ سواء؛ وسوقا داخليا استهلاكيا ضخمًا يقدر بأزيد من مليار نسمة حاليا، وسيصل حسب التقديرات إلى أكثر من مليارين في أفق عام 2050، الشيء الذي دفع المغرب إلى صياغة توجهات دبلوماسيته وسياسته الاقتصادية باستحضار واقع القارة السمراء والمعطيات المحيطة به.
لذلك، فإن زيارات الملك محمد السادس المكثفة للقارة الإفريقية، لاسيما دول غرب القارة إياها، إنما تنهل من معين هذه التوجهات الجديدة، التي تحاول القطع مع ممارسات البلدان الاستعمارية، لتضع أسسًا جديدة لتنمية متبادلة متكافئة بين بلدان الجنوب، تأخذ أشكال مشاريع اقتصادية عملية، لكن بنكهة إنسانية واجتماعية وثقافية متميزة مبنية على مبدأ “رابح رابح” وليس استغلال ثروات البلدان الإفريقية وتفقير شعوبها، كما فعلت فرنسا ولازالت تفعل.
وفتحت الزيارات التي قام بها الملك محمد السادس الطريق أمام الشركات المغربية للاستثمار في قطاعات البنوك، والاتصالات، والتأمينات، والأشغال العمومية، والنقل، والطاقة.. وغيرها، وساهمت في تمكن المغرب من إعادة إحياء البُعد الإفريقي، الذي طالما اعترضته الحسابات السياسية، أو حالت دون تجذّره التوازنات الإقليمية أو الحروب البينية أو ما سوى ذلك، وهو ما جسده على أرض الواقع عودة المغرب لمقعده بالاتحاد الإفريقي معززا مكرما بين إخوانه الأفارقة، بعد سنوات من تبنيه لسياسة الكرسي الفارغ.
المغرب يقود ثورة في إفريقيا ضد فرنسا
منذ أن رسم المغرب سياسته الخارجية خصوصا في علاقته بمحيطه الإقليمي، وفرنسا تناور وتمارس كل أساليبها الخبيثة لعرقلته وكبح جماحه دون أن تنجح في ذلك، خصوصا بعدما عمل المغرب على تنويع شركائه وعدم الاقتصار على الشركاء التقليديين الذين ظل يتعامل معهم كفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث انفتح على شركاء جدد كالصين وإسرائيل وبريطانيا والبرازيل والهند وروسيا أيضا، ورفع من قيمة التعاملات مع الولايات المتحدة التي تعتبر المغرب حليفا وشريكا موثوقا به في المنطقة.
وفرنسا التي حاولت ولازالت إلى الآن تحاول عرقلة المغرب وثنيه عن مواصلة توغله في العمق الإفريقي، كانت تعلم جيدا أن المغرب سيقود ثورة ضدها وسيكون سببا في مطالبة شعوب مجموعة من البلدان الإفريقية التي كانت تستعمرها فرنسا ولازالت إلى الآن تستغل خيراتها بموجب اتفاقيات ضالمة، على غرار ما فعلته في مالي قبل أن يفسخ المجلس العسكري الحاكم كل تلك الاتفاقيات ويلغيها بشكل نهائي، بالتحرر منها والقطع مع زمن التبعية والولاء لها.
ومن أبرز تجليات التمرد الإفريقي على التواجد الفرنسي بالقارة السمراء، هو ثورة شعوب بلدان إفريقية كمالي وغينيا وأفريقيا الوسطى والكونغو الديموقراطية… ومطالبتهم برحيل الجنود الفرنسيين المتواجدين فوق أراضيهم بدعوى محاربة الإرهاب، وتمكينهم من تسيير بلدانهم وخيراتها بأنفسهم، وعدم رغبتهم في وجود فرنسا بالمرة بأراضيهم، متهمين إياها باستغلال ثرواتهم وتفقيرهم.