بقراءة متأنية لمشروع قانون مالية 2026 نجد مستجدا لافتا يتعلق بإعفاء المواد الصيدلانية من الرسوم الجمركية. وهنا لا بد من الإشارة إلى الفرق بين الجانب الضريبي والجانب الجمركي، فالأول مؤطر بقانون إطار ورؤية واضحة للإصلاح، أما الثاني فلم يتبع هذا المسار وهو أمر يثير كل سنة تساؤلات بخصوص التخفيضات على بعض المواد المستوردة، كما يتجلى ذلك في الفصل 30 المتعلق بالمواد الصيدلانية حيث قررت الحكومة تخفيض الرسوم الجمركية لمجموعة من الأدوية من 17% و30% إلى 2.5% لكنها في المقابل دون أثر على المواطن.
لماذا؟ لأن الأمر لا يتعلق بمواد محررة فهي مواد محددة السعر ومن يحدد ثمنها سواء كانت منتوجات داخلية أو مستوردة هي الحكومة. ومادام أنها لم ترفق ذلك بقرارات واضحة لخفض سعر هذه الأدوية بنفس مستوى تخفيض الرسوم الجمركية فمعنى ذلك أننا سنفقد مداخيل جمركية دون أثر على المواطن، مقابل زيادة كبيرة في هامش الربح بالنسبة للمستوردين، وسيستمر ذلك ما لم تراجع ثمن الأدوية بالنسبة ذاتها التي خفضت بها الرسوم الجمركية.
كان على الحكومة أن تجهز مسبقا النصوص الخاصة بهذا الموضوع وإلا فإننا سنعيد تكرار تجربة دعم استيراد الأبقار والأغنام في مجال الأدوية أو ما سمي بالفراقشية.
وهنا الأمر أخطر، ففي مجال استيراد الأبقار والأغنام كانت الأثمنة محررة ويحددها السوق، أما في مجال الأدوية فثمن البيع بمقتضى القانون محدد وبالتالي فإن الأمر يعني شيئا واحدا هو أن الحكومة قررت رفع هامش ربح المستوردين على حساب المرضى.
هناك مسألة أخرى في هذا الجانب تتعلق بالسياسة المتبعة في المغرب بعد تجربة كوفيد، وتتعلق بالتوجه نحو تشجيع الصناعة الدوائية بدل الاعتماد على الاستيراد، وتطوير الصناعة الدوائية يتطلب سياسة حمائية.
فمن سيقبل دخول دوامة التراخيص والقروض واليد العاملة وغيرها من أجل إنتاج وتصنيع الأدوية في حين يمكن له تحقيق أرباح سهلة بالاعتماد على الاستيراد في ظل تخفيض الرسوم الجمركية وهو يوفر له هامش ربح أكبر؟!