تداولت عدة مواقع إخبارية مضامين الكلمة التي ألقاها وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، محمد الصديقي، بمدينة الناظور، أمام منتخبي حزبه (التجمع الوطني للأحرار)، والتي أغدق فيها بالكثير من المديح والإطراء على رئيس الحكومة وزعيم حزبه عزيز أخنوش، الى درجة اعتباره مدرسة في الاقتصاد والسياسة، والتأكيد على ان التاريخ سيذكر افضاله على الحكومة والحزب، وعلى تدبير الشأن العام. بل ذهب الى حد قوله أن ما تعلمه على يديه، لم يتعلمه في الجامعات الامريكية والفرنسية.
وتأتي هذه التصريحات ساعات فقط بعد تناقل وسائل الإعلام لتصريحات أخرى صادرة عن الوزير السابق أنيس بيرو، قال فيها بالدارجة المغربية: “قبل عهد أخنوش كنا كنتمشاو في التراب الوطني وخارجه وراسنا حاني. دابا كنتمشاو وراسنا مرفوع”.
ولعل أول ما يثير الانتباه في هذه التصريحات الغريبة، الصادرة عن وزير سابق تنقل في ثلاثة قطاعات، ووزير حالي يشرف على عدة قطاعات، هو تزامن هذه الإطراءات المبالغ فيها مع اقتراب احتفال الشعب المغربي بعيد العرش، ومراسيم أداء الولاء لعاهل البلاد وأمير المؤمنين. علما أن المغاربة أجمعين ظلوا على الدوام رافعي الرأس، بفضل قيم دينهم الحنيف، ومكانة وطنهم في الحضارة والتاريخ، وشخصية ملكهم المؤثرة محليا وعالميا.
ولا أحد يعرف سر هذا التبجيل والتمجيد الاستثنائيين والمثيرين للاستغراب، علما أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، شأنه شأن باقي رؤساء الحكومات السابقين، والوزراء الأولين، الذين عرفهم المغرب، عينه الملك، ويمكن أن يعفيه الملك. كما أن فئة من الشعب المغربي هي التي صوتت على حزبه، وليس على شخصه، لتدبير الشأن العام في فترة حددها الدستور لحزبه، ويحددها الملك لشخصه.
فكيف يتجرأ أنيس بيرو بدون إذن زملائه في الحزب، ويتفوه بكلام مردود عليه، يقول فيه إن زملاءه كانوا قبل عهد أخنوش يطأطؤون الرأس داخل المغرب وخارجه، ناسيا أن الأمر يتعلق برعايا جلالة الملك محمد السادس؟.
أما حزبيا فهل تنكر أنيس بيرو (برو) لعهد ما قبل أخنوش (مصطفى المنصوري وصلاح الدين مزوار)، حيث كان ينعم بالمناصب الوزارية المتنقلة من قطاع الى آخر. وحينها، وهو الهاوي للأسفار، كانت تحطه طائرة لتقله أخرى، فهل كان يومها يخرج ويدخل، من وإلى أرض الوطن، منحني الرأس؟. وهل التعويضات “السمينة” التي ينالها حاليا الى جانب بعض زملائه، كانت هي الحافز وراء كل هذا المديح المبالغ فيه؟.
أما محمد الصديقي، فكيف له أن يبلغ المغاربة بأخبار خاطئة، ومنها أنهم عثروا على الورش الملكي للحماية الاجتماعية مدفونا بين الرفوف، ولولا عزيز أخنوش لما تم إخراجه منها. وله أن يجيبنا، ان استطاع، هل يجرؤ رئيس حكومة قبل أو بعد عزيز أخنوش، على إقبار الإرادة الملكية ودفن أوراش جلالته كي ينفض عليها أخنوش الغبار ويخرجها الى حيز الوجود؟.
إن السؤال الصريح الذي نود طرحه على مريدي “الزاوية الأخنوشية” المفترضة هو: هل عزيز أخنوش هو الذي جلب الاعتراف الشامخ لأمريكا وإسرائيل واسبانيا وألمانيا وغيرها بسيادة المغرب على صحراءه؟ وفي ذات الوقت نتوجه الى اخنوش بالسؤال الصريح : هل يرضيك ما سمعت من اطراء وتزلف وانت تعلم قول الله تعالى : “يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ” صدق الله العظيم.
إن التاريخ علمنا، سيادة رئيس الحكومة، أن المصانع التي يشرف عليها النفاق والرياء، لا يمكنها ان تنتج غير الغطرسة والغرور والتجبر. وإن رفع شخص فوق مقامه، إنما هو تطاول عليه وظلم له، قبل ان يكون ويلا على الذين قاموا بهذا الفعل الموصول بالإفك .
إن الذين يسعون إلى أن يبتلى المغرب بمثل هذه السلوكات الحزبية المغلوطة، عليهم ان يعلموا انهم يعتدون على جيل بكامله، ويسعون للزج به في براثن التخلف والعار. فنحن نعلم، كما هم يعلمون، ان رئيس حكومتنا ورث المال عن أبيه، وأنه استفاد من المرحلة لتطوير ثروته والزيادة فيها. كما ان الجميع يعرف أن مستويات الرجل الفكرية متواضعة، وان الهالة التي يسعون إلى إحاطته بها، إنما هي بفضل موقعه المالي، ونفوذه السلطوي الحالي. وليس لأنه بصم التاريخ ببصمة في الإبداع والمعرفة الإنسانية، كي يسجله التاريخ في خانة العظماء.
ولقائل أن يقول: اتركوهم لحالهم فهذا زمانهم، وذاك حزبهم. لكننا نجيب هذا القائل بما يلي: إن كثرة الإطراء والتبجيل قد تصبح غدا سلوكا ملزما، أو قانونا مشرعا، يعاقب بموجبهما كل من حاول انتقاد السيد رئيس الحكومة. بل قد تتجرأ الإرادات غدا فتفرضه كرمز رابع للدولة، وهنا تكمن الخطورة. ثم إنه حينما يصبح الزعيم الحزبي معظما، ولا يصدر عنه إلا الكمال، فاعلم أن طريقا واسعا نحو الجهل والتخلف قد تم فتحه.
إن الذي تعلمناه في مسارنا التربوي هو احترام القدوات والمعلمين والأساتذة، بل إن تقدير الزعيم أمر محمود حفاظا على توحيد الكلمة، ويكون إيجابي ما لم يكن محفوفا بالتوريث أو بالسمو به الى ما فوق اعتباره.
فكيف لأكاديمي كمحمد الصديقي أن يتنكر لمعهده العتيد (معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة)، وللجامعات الكبرى عالميا؟، هل حصل أخنوش على شهادات عليا تجعله يسمو على تلك المواقع؟، وكيف لأنيس برو، اللاهث ورائع المواقع، أن يرتكب أخطاء من هذا الحجم، وهو الإحصائي الذي يتقن علم الحساب؟.
ان مسؤوليتنا التربوية والتعليمية والإعلامية، بل حتى التأطيرية في المجال الحزبي والسياسي، تلزمنا بأن نتحلى بالقيم وبالعفة، لننقل للأجيال القادمة شيئا من الصدق، لا كثيرا من النفاق والرياء. والاجيال الحاضرة عقلانية أكثر كما يعرف المهندس الاحصائي أنيس بيرو، و المهندس الفلاحي محمد الصديقي، فلا يجب إذن أن نزرع فيها شيئا من التسوس او التعصب الانفعالي والعاطفي المحرف لواقع الحال، والمزور للحقيقة. بل إن الأمر يرقى الى مرتبة الخيانة العظمى للأمانة والمسؤولية، التي نتحملها جميعا.
ان المغرب لا يمكنه أن يخطو بقوة الى الامام، الا اذا ساهم ابناؤه جميعا في بنائه. ولا يمكن أن يتأتى هذا دون الجهر بالحقيقة، وإصدار الملاحظات البناءة، وتقديم العلاجات الناجعة لمشاكلنا الحاضرة والقادمة. وتصويب ما يجب تصويبه من أخطاء، وتصحيح ما يلزم تصحيحه من سلبيات، وتقويم ما يمكن تقويمه من اعوجاجات واختلالات. ثم إن هذا لا يمكن أن يحدث ما لم نؤمن بثقافة الانتقاد وقول الحقيقة، والاعتماد على وحدة الفريق، وليس على ثقافة المحظوظين من النخب وأصحاب الحظوة.
ولتعلم يا رئيس الحكومة المحترم، أنه حين ولي ابو بكر الخلافة، كان اول ما قاله رضي الله عنه :” فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة…”.
ولتعلم أيضا أن حسن البصري قال عن الحجاج بن يوسف الثقفي: “لقد تولّى الحجاج العراق وهو عاقل ومعتدل، فمازال الناس يمدحونه حتى سفهوه، وصيروه طائشا”. وكذا يفعل الإفراط في المدح والتمجيد بأحوال المسؤول. أما الذين يبالغون في ذلك فهمهم هو حجب الحقيقة عن المسؤول، والاستمرار في التنعم بالمغانم. فكثرة المدح لا تصدر الا عن نفس كسولة او ضعيفة.
واخيرا اطرح سؤالا، لعله نافع للسيد محمد الصديقي: ما الفرق بينك وبين الشاعر المصري الذي قال في الملك فاروق؟:
يا واحد العُرْب الذي … أمسى وليس له نظيرُ
لو كان مثلك في الورى … ما كان في الدنيا فقيرُ
وأطرح على السي أنيس بيرو سؤالا آخر لعله يكفيه ويعفيه : ما الفرق بين ما قلته وما قاله الشاعر ابن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي؟:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
فكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ … وكأنّما أنصاركَ الانصارُ