السويني: “بلوكاج” قانون الإضراب حمل المواطنين على أداء رواتب موظفين مضربين من جيوبهم

تعليقا على الإضرابات التي تعيش على وقعها مجموعة من القطاعات الحيوية، أبرزها الصحة والعدل، وتداعياتها على المرتفقين؛ قال المنتصر السويني، الباحث في المالية العامة والعلوم السياسية، في حوار من ثلاث أسئلة مع “الأيام 24″، إنه يجب ترسيخ ممارسة الحق في الإضراب تحت سقف ضمان استمرارية المرفق العام، معتبرا أن عجز الطبقة السياسية المغربية عن إخراج القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب إلى حيز الوجود حرم المواطنين باعتبارهم مرتفقين من الاستفادة من خدمات أساسية مستمرة في الزمن ونوعية، وحملهم كذلك باعتبارهم دافعي الضرائب على ضرورة أداء رواتب موظفين مضربين من جيوبهم، ومشددا في الوقت ذاته على وجوب تغيير الثقافة النقابية في المغرب.

وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

ما تأثير الإضرابات التي تخوضها شغيلة بعض القطاعات على حق المواطنين في الاستفادة من استمرارية الخدمات التي يقدمها المرفق العام؟

في البداية، وجب التأكيد أن المغرب هذه السنة شهد مجموعة من الإضرابات مست القطاعات الحيوية، خصوصا قطاع الصحة العمومية، والملاحظ في هذه الإضرابات، المدة الزمنية الطويلة لممارسة هذا الحق، مما يجعل المتتبع للشأن السياسي المغربي يستخلص ان العقل النقابي وجزء كبير من عقل الطبقة السياسية المغربية يعتقد أن الإضراب هو حق يمارس فقط ضمن مربع السياسية المرتبط بالصراع على السلطة، وبالتالي يعتبر الإضراب شأنا يخص الصراع بين الثنائي المكون من (الحكومة-النقابات)، بينما الحقيقة تتمثل في كون الإضراب الذي يهم القطاعات الحيوية يندرج ضمن مربع السياسية باعتبارها فعلا عموميا (استمرارية الخدمات التي تقدمها المرافق العمومية)، أي فعلا يُحدث أثرا على حياة المواطنين وعلى استمرارية الخدمات ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين باعتبارهم مرتفقين ودافعي الضرائب.

إان الديمقراطية التمثيلية استهدفت بالأساس منح ما يمكن أن يطلق عليه -حق الفعل- لمن يمتلك المشروعية الشعبية (الأغلبية البرلمانية-الحكومة)، بينما النقابات من خلال ممارسة حق الإضراب تريد أن تمارس ما يمكن أن يطلق عليه: -الحق في إيقاف الفعل-، والحق في إيقاف الفعل يستهدف بالأساس المس باستمرارية الخدمات التي تحقق المصلحة العامة وتعزز أسس الحق في الاستفادة من خدمات مستمرة في الزمن وخدمات نوعية، بالإضافة الى خدمات ذات كلفة معقولة، وبالتالي فإن الاشتغال من داخل سقف الديمقراطية التمثيلية لا يمكن أن يجمع بين الثنائي (الحق في الفعل -الحقل في إيقاف الفعل).

وهنا وجب التوضيح أن الديمقراطية ما بعد الديمقراطية الأغلبية، عملت على وضع تصور يدمج بين السيادة التمثيلية وحقها في الفعل والسيادة السلبية الاحتجاجية (قوى المشروعية الاجتماعية) من خلال منحها ليس الحق في إيقاف الفعل بل فقط الحق في تقليص الفعل داخل زمن جد محدود، خصوصا بالنسبة للخدمات الضرورية للمواطنين.

إيجاد مجال للالتقاء بين المشروعية الشعبية والمشروعية الاجتماعية، تم عبر طريقتين سواء من خلال المسطرة القانونية(المانيا-اسبانيا-إيطاليا-البرتغال) او من خلال اتفاقات بين قوى المشروعية الشعبية وقوى المشروعية الاجتماعية (بلجيكا-فيلندا-السويد). وفي هذا السياق تم إبداع ما يطلق عليه الخدمات الأساسية ومن داخل مفهوم الخدمات الأساسية: الخدمات الدنيا.

في الأخير وجب التأكيد أن عجز الطبقة السياسية المغربية عن إخراج القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب إلى حيز الوجود، حرم المواطنين باعتبارهم مرتفقين من الاستفادة من خدمات أساسية مستمرة في الزمن ونوعية، وحملهم كذلك باعتبارهم دافعي الضرائب على ضرورة أداء رواتب موظفين مضربين من جيوبهم.

إذن فما هو الحل المناسب في نظركم، الذي يمكن من الجمع بين ضمان الحق في ممارسة الإضراب مع استمرارية المرفق العام؟

الحل في نظرنا يتمثل في القدرة على تغيير الثقافة النقابية في المغرب، من خلال الانتقال بها من مربع العقل الاحتجاجي إلى مربع العقل التوافقي، والعمل على إقناعها كذلك على أن الحق في ممارسة الإضراب في القطاعات الأساسية لا يمكن وضعه داخل مربع السياسة باعتبارها صراعا على السلطة، بل في مربع السياسة باعتبارها فعلا عموميا يهم المواطنين بالأساس، وبالتالي لا يمكن شرعنة إيقاف الفعل بل أقصى ما يمكن فعله هو العمل على التقليص من الفعل داخل حدود يحددها القانون أو تحددها الاتفاقات الثنائية. مما يتطلب عاجلا الاتفاق على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب حتى ننقل ممارسة -حق الاضراب- من مجال الفوضى والمزايدات السياسية والنقابية الى مجال القانون.

مع التأكيد على أن ايجاد مساحة للالتقاء بين المشروعية الشعبية والمشروعية الاجتماعية من خلال ترسيخ ممارسة الحق في الإضراب تحت سقف ضمان استمرارية المرفق العام ،لا يمكن حله فقط من خلال المربع السياسي (التوافق على اخراج القانون التنظيمي المرتبط بممارسة الحق في الاضراب ) والنصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بتطبيقه، بل وكذلك من خلال المربع الاقتصادي مع التأكيد على ان الابداع من داخل المربع الاقتصادي هو المحدد ،وهنا وجب التأكيد ان العقل الاجتماعي المغربي هو عقل متأثر بالنظرية الماركسية التي تعتقد ان الراتب لا يحدد في الميدان الاقتصادي بل يحدد من خلال مربع ميزان القوى السائد بين المشروعية السياسية والمشروعية الاجتماعية، بينما الراتب من المفروض ان يحدد من خلال مستوى تطور مؤشرات خلق الثروة بالمغرب ،مما يفرض أولا تحسين مؤشرات خلق الثروة من سنة لأخرى، ليتم بعد ذلك المرور الى مرحلة اقتسام الثروة.

هل إخراج القانون التنظيمي المتعلق بالحق في الإضراب كفيل بإنهاء هذا الوضع؟ 

أعتقد أن حل الخلاف القائم بين المشروعية الشعبية والمشروعية الاجتماعية لن يجد حلا فقط من خلال الاتفاق على مسودة للقانون التنظيمي المرتبط بممارسة الحق في الإضراب، بل من خلال قدرة الديمقراطية المغربية على إفراز قوى سياسية تمتلك برامج اقتصادية واجتماعية تخلق وتنمي الثروة الوطنية من خلال الرفع من الناتج الداخلي بنسب من رقمين، وهو الشيء الغائب لحد الآن في الديمقراطية المغربية.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق