دراسة ترصد تأثير المجتمع المدني على القرار السياسي وتمسك الدولة بالهيبة


هسبريس – علي بنهرار

خلصت دراسة بحثية منشورة ضمن العدد الأخير (الخامس والعشرين-دجنبر 2023) من مجلة “اتجاهات سياسية”، الصادرة عن “المركز الديمقراطي العربي”، إلى أن “المجتمع المدني المغربي يُظهر ديناميّة ملحوظة وقوة تأثير في الفضاء العمومي المغربي؛ إذ يتميز بقدرته على التحرك بشكل مستقل عن الجهات الحكومية، ويساهم بشكل محدود في الانتقال الديمقراطي ويمارس تأثيراً فعالا على القرار السياسي”.

ومن ضمن خلاصات الدراسة عينها، الموسومة بـ”دور المجتمع المدني في صناعة القرار السياسي”، فإنه “بالنظر إلى القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، يظهر المجتمع المدني المستقل كشريك أساسي في الحكامة التنموية، ويقدم استشارات هامة ويشارك في صياغة السياسات والتشريعات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يلعب دوراً مهما في المساهمة في التنمية المستدامة والترافع عن القضايا الحيوية”.

لهذا، اعتبرت الدراسة، التي أعدها محمد علي امدغري، باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أنه من الممكن القول إذن إن “المجتمع المدني في المغرب يحظى بأدوار دستورية ومؤسساتية هامة، لكن يبقى تأثيره على المستوى العملي ضعيفا جدا نظرا لطبيعة المجال السياسي المغربي، وكذا الغموض الذي يكتنف النصوص المنظمة لمشاركة المجتمع المدني في الشأن العمومي، خاصة في الجانب الإجرائي، الأمر الذي توضحه حصيلة العمل الجمعوي والترافعي ما بعد دستور 2011”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وفي سبيل الوصول إلى هذه الخلاصات، وجد الباحث أن “المغرب حقّق تطوّرا نوعيّا في دينامية العمل الجمعوي، إذ يُعتبر من البلدان الرّائدة في دول الجنوب في الانفتاح على فعاليات هذا المجتمع، وذلك بحكم التّحول السياسي الذي عرفته تجربة السلطة بالمغرب مع بداية التسعينات من القرن الماضي، وكذا لنضج ودينامية ونوعية الحراك الاجتماعي التي تميزت به نخبة من الكوادر الوطنية”.

وعليه، تورد الدراسة، فإن “تصاعد المطالب الاجتماعية والاعتراض الضمني أو الصريح على احتكار الدولة لتدبير العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والتغيرات التي طبعت تسيير السياسات العمومية، كلها عوامل كانت مواتية للإقلاع وظهور دينامية منقطعة النظير عرفها المجتمع المدني بالمغرب. وتوجد اليوم عبر التراب الوطني أكثر من 30.000 جمعية ذات أصول وأهداف متعددة ومتنوعة”.

وفي مخاض بحثه، وجد محمد علي امدغري أن “البيانات المتوفرة تشير إلى تمركز العمل الجمعوي بجهتي الرباط والدار البيضاء، متبوعتين بجهة سوس ماسة، لكن هناك ضعفا في بعض الجهات كتازة التي نسبة حضوره لا تتجاوز 3 في المائة، وجهة الشاوية حيث لا تتعدى هذه النسبة 2 في المائة، بينما جهة واد الذهب لا يمثل العمل الجمعوي بها أية نسبة تذكر”.

وسجل الباحث من خلال استقراء هذه المعطيات، أن “الجهات التي تعاني من صعوبات تنموية لا يشكل العمل الجمعوي بها إلا نسبا محتشمة، بينما الجهات التي تتوفر على إمكانيات وفرص عديدة تعرف حضورا معتبرا لهذا العمل، ولعلّ مرد ذلك إلى أن رافعة هذا العمل التّنموي هي وجود نوع من النخبة المؤهلة والقادرة على المساهمة الفعّالة في تدبير وتقاسم الأدوار مع الأطراف الأخرى: السّلطة، الأحزاب والفاعلين الاقتصاديين”.

وأضاف: “من خلال تقرير خمسين سنة من التنمية البشرية، الذي سجل صعوداً معتبرا للعمل الجمعوي بالمغرب، فإنه لا يوجد أي تجمع للمواطنين، سواء في البادية أو المدينة، إلا ونجد اسم جمعية هنا وهناك تقوم بالسهر على عدة قضايا، سواء الدفاع عن حقوق الإنسان أو جمعيات مهتمة بالشأن التنموي أو جمعيات سكنية أو ذات طبيعة إحسانية أو مهتمة بأطفال الشوارع، بل إن بعض المناطق النائية والتي توجد في أعماق الجبال، أصبحنا نجد بها عملا جمعويا إما مهتما بنشاط فلاحي أو سياحي أو بيع لمنتوجات محلية كما هو حاصل في بعض المناطق من جنوب المغرب”.

ولاحظ الباحث في سياق آخر أن “معظم منظمات المجتمع المدني تعبر عن مطالبها الضيقة باسم حقوق الإنسان وحرية التعبير والفكر، كما أن تراجع الطبقة الوسطى بالمغرب، التي تعتبر مشعل التغيير، يؤثر على دينامية المجتمع المدني وتمثيليّته لأغلبية الفئات الاجتماعية”.

وأبرزت الورقة البحثية المذكورة أن “تأثير المجتمع المدني في حالة المغرب تأثير ذو طبيعة معينة. فهو تأثير محدود بالنظر إلى عدم استقلالية المجتمع المدني عن الدولة، ومحدود من حيث التعبير عن المصالح العامة، إلا أن الدولة تتدخل لتعبر عن رغبتها في إحداث التغيير الذي تريد في الوقت الذي تريد حتى لا تنزلق الأمور من بين يديها”.

بهذا، نكون، وفق تعبير كاتب الدراسة، أمام “تأثير للمجتمع المدني، سواء بإرادته أم لا، لكن بشكل غير مباشر. علاوة على أنه تغيير من أعلى في نهاية المطاف. فلا توجد في المغرب سلطة مضادة قادرة على ضبط السلطة العليا، وإنما العكس هو الصحيح، السلطة العليا هي التي تقوم بضبط السلطة المضادة وتتحكم فيها. وهكذا نكون أمام تغيير متحكم فيه. فالدولة غير مستعدة للتخلي عن هيبتها في مجالات تعتبرها حكرا عليها”.

إقرأ الخبر من مصدره

أضف تعليق