
هسبريس – علي بنهرار
بعدما أعلن عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، تمسك “المصباح” برفض “أي توجه نحو الإلغاء بالنسبة للفتيات البالغات 15 سنة فما فوق” في ما يخص “تزويج الطفلات”، نددت مكونات من الحركة الحقوقية المغربية بهذا التصريح، معتبرة أن “هذه التصريحات تشكل نوعا من الضغط على الدولة في فترة مراجعة مدونة الأسرة الحالية، انطلاقا من مكانته كـ”زعيم” لحزب سياسي”.
وقالت الجمعيات الحقوقية، التي تواصلت مع هسبريس بهذا الخصوص، إن “اتهام بنكيران للنشطاء المدافعين عن الحق في الطفولة بالرغبة في “التشجيع على الزنا والتضييق على الزواج” لا يشكل حرجا بما أن “المنطق السليم” والعادي لا يستطيعُ أن يتفهم أو يهضم مشهد رؤية طفلة أو فتاة في سن المراهقة كزوجة”، مؤكدة أن “تزويج طفلة هو تدمير منظم لمُستقبلها”.
“تصريحات مرفوضة”
نجاة إخيش، رئيسة مؤسسة “إيطو” للنساء ضحايا العنف، التي تعد من أبرز التنظيمات المناهضة لـ”تزويج القاصرات”، استنكرت تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، معتبرة أن “هذه الأقوال تشكل شرعنة للبيدوفيليا؛ لأن الذي يفكر في الزواج بفتاة أقل من 18 سنة مكانها الحقيقي هو المدرسة لا يمكن أن نعتبره كحقوقيات سوى جريمة في حق الإنسان وفي حق الطفولة بوجه خاص، لأنه لا هامش إطلاقا حتى نقول بأن الفتاة موافقة”.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
وأفادت إخيش، في تصريحها لجريدة هسبريس، أن “الدولة يجب ألا تخضع لأي صوت يخل بالتزاماتها الحقوقية والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، وضرورة تكييفها مع التشريعات الوطنية لكي تكون عادلة”، مسجلة أن “المنطق السليم لأي إنسان يقتضي أن تتم إدانة زواج قسري يُساهم في تأنيث الفقر ويحرم النساء من الانخراط في التنمية المجتمعية والاقتصادية لبلدهم”.
وأوضحت المتحدثة ذاتها أن القول بأن “الحقوقيات تلميذات للغرب أو تابعات له لا يبرز سوى أن النادي الحقوقي المغربي ينتمي إلى “المغرب الحداثي”. النادي الذي يحترم خصوصية المجتمع ولا يتجاوزها، ولكن يذكر ببعض الجرائم التي تحدثُ في حق الإنسان؛ من قبيل “تزويج الطفلات”، مسجلة أن “قوافل جمعية “إيطو” أظهرت قصصا مأساوية ومؤسفة في ما يخص تزويج الأطفال ذكورا وإناثا”.
ووصفت الحقوقية سالفة الذكر هذه المطالب بكونها “دعم لاغتصاب الطفولة”، في الوقت الذي يجب أن “يعاقب القانون بصرامة قاسية كل من تزوج أو زوج أو ساهم في تزويج الأطفال”، لافتة إلى أن الطفلات المتزوجات يتعرضن لمختلف أشكال العنف الجنسي والجسدي والنفسي من طرف الزوج، وهو زواج يتعارض مع الدستور المغربي الذي يقر صراحة بضرورة حماية الأطفال وإقراره حقهم في التعليم والمساواة بين الجنسين.
“سوء فهم تاريخي”
أمينة التوبالي، عضو ائتلاف “المناصفة دابا”، اعتبرت أن المطالبة اليوم بتزويج الطفلات إشارة صريحة إلى التصدع الكامن في “سوء الفهم التاريخي”؛ لأن منطق التاريخ ومنطق الأشياء لم يعد يؤمن صراحة بأن “مكان المرأة البيت”، وأظهرت التجربة أن معظم الذين ينادون برفض خيار مجتمعي يتعلق بإيقاف “تزويج القاصرات” لا يستطيعون تزويج بناتهم بسن 15، في الوقت الذي يريدون لبنات المغاربة ذلك”.
وأوضحت التوبالي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “الأمور واضحة، ويجب ألا نُخضع هذا الموضوع للمزايدات السياسية، لكونه يتعلق بمستقبل المغرب؛ فكل طفلة متزوجة لا تستطيع الدولة الاستفادة من دورها في تنمية مستقبل بلدها”، مبرزة أن السماح بهذا الأمر مجددا سيساهم في رسم معالم 20 سنة أخرى من الظلم، أي قرابة ربع قرن؛ في حين أن ما يراد لهذه المدونة هو أن تكون عادلة وتتجاوز مختلف أشكال الظلم السابقة.
وشددت الحقوقية على أن “أطفال المغرب هم مُستقبله، ولا يمكن أن نعرقل مسار التنمية المجتمعية في ظل العديد من التحولات التي نعيشها والعودة بها إلى الوراء”، مبينة أن “الأرقام الرسمية أبرزت أن انعدام المساواة الجندرية يشكل عبئا على اقتصاد المغرب ونموه، نظرا لأنه اتضح مرارا أن دور المرأة أساسي ومحوري في النماء الاقتصادي والاجتماعي”.
وكشفت المتحدثة أنه رغم رفع مدونة الأسرة الحالية المعدلة سنة 2004 من سن الزواج إلى 18 عاما، فإن الاستثناء الذي منحه المشرع حينها أصبح قاعدة أثناء تفعيل مقتضيات المدونة؛ وهو ما “أسفر على فشلها في حماية حقوق الطفلات اللائي يتزوجن مبكرا نتيجة التحايلات على القانون”، داعية إلى أن “تواصل الحركة الحقوقية دفاعها المستميت على تمدرس الطفلات وليس تزويجهن”.
وكان عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، قد عبّر، في ندوة صحافية قدم فيها حزبه المذكرة التي عرضها على الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، عن آراء حزبه رسميا في ما يخص النقاش السياسي والمجتمعي والحقوقي الدائر حول مدونة الأسرة، رافضا “المرجعية الحداثية” التي تدافع “عن تجريم تزويج القاصرات” وأيضا “المساواة في الإرث” وبنوة “الأطفال المولودين خارج إطار الزواج”.
وفي ما يخص الدفاع عن تزويج القاصرات الذي أثار حفيظة مكونات من الحركة الحقوقية المغربية، قال رئيس الحكومة السابق: “ليس من حق القاضي أن يحرم بنتا من الزواج إذا جاء من يريد الزواج بها وهي راضية”. وفي هذا السياق، ذكر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات السابق، “جاءته فتاة قاصر رفض القاضي تزويجها وقالت له إما أن أتزوج أو أنتحر، وأرسل قضيتها إلى إحدى النسوانيات وطلب منها أن تجد لها حلا”.