Étiquette : الأندلس

  • “زينة الدنيا”.. يموت الحالم ويبقى الحُــلُم

    عدنان بن صالح

    عمل روائي محترِف

    تسترجع هذه الرواية البَدينة مرحلة حاسمة ومتقلّبة من تاريخ الأندلس، بنَفَس روائي بديع وحبْك مُقنع، يُدمِج الوقائع التاريخية الحقيقية بالخيال الواسع، ليُتحفنا بعمل فني أدبي رائق. 

    رواية “زينة الدنيا” من الأعمال القيمة للأديب المغربي حسن أوريد، تممّ بها جهود التأسيس الروائي عن تاريخ الأندلس الذي بدأه في “ربيع قرطبة”. لن تدعَك تفلت من قبضتها وستُلزمك القعود لساعات طمَعًا في إنهائها، أمّا إن كُنتَ من دارسي تاريخ الأندلس ومحبيه، وعلى اطلاع ببعض مساراته وأبرز أحداثه من خلال المصادر والمراجع؛ فإني على يقين أنك ستحرص على أنْ لا تُنهيها، ستطمع في أنْ لو ناهزت 1000 صفحة. ستَغضب وتحزن وتَستفزك مواقف الرجل من السلطة ومساراتها ورجالاتها في الغرب الإسلامي، ولكن حتما ستستمع، لأنك أمام عمل روائي مُتقَن. 

    الأندلس؛ الوقائع لأهلها والخيال لكاتبه

    تقاطعات كبيرةٌ وكثيرةُ التِّرداد بين التاريخ والواقع والإبداع الخيالي، يُقيم الأديب أوريد هَيكل الرواية على أرضية مُتون تأسيسية حينَ استدعائه للأحداث الممتدة ما بين تاريخ وفاة الخليفة الثاني الـحَكم بن عبد الرحمن، وتاريخ وفاة الحاجب القوي محمد بن أبي عامر المعافري، ويَبنيها على زيارة ميدانية قام بها لقرطبة وإشبيلية ومجريط والجزيرة الخضراء وما بينها من أرباض وقرى وحصون، الباقي منه والتالد والقائم في بطون الكتب ودواوين الشعر. 

    تمتدّ الوقائع ودينامية الأشخاص الحقيقين الذين كانوا فاعلين في مسرح الأحداث بالأندلس عبر فصول الرواية جميعها، تُدخل القارئ في عملية إعادة القراءة لمساراتٍ مِن تاريخ تلك المرحلة وتلك البلاد، ومُسائَلة بعض المسلَّمات التي انبنت في ذهنه، ورفْض مواقف وأحكام الكاتب أحياناً، لأنه لا يمكن لنصٍّ روائي وقراءة أدبية لما حَدث أنْ يُقحمنا في نفس الإطار، لقَبول ما يتلجلج في خاطر الكاتب. 

    من مُفتتح الرواية إلى مُنتهاها؛ يَنصَبّ الجهد الجبار للكاتب على الجانب المتعلق بالخيال، بالإبداع، بالحوار، بالسّرد وفنون الرد، وهو الشِّق الثاني الذي تنبني عليه الرواية. فالواقعي والخيالي لا ينفصلان، بل يتعالَقان، يَسيران صِنوان ليُقدّما لنا عملاً متميزا، مُواكِبان مجالات تنافُسِ وتداخلِ السلطة والثقافة والدين، ومتعقّبان طبيعة الصراعات الداخلية والبينية الحضارية، والصّراعات الثقافية والتأويلية بين السّلطة والمجتمع والنخبة، وكاشفان ما كان عليه حال زينة الدنيا. 

    الرواية رحلة خاصّة مع تجربة إنسانية لذيذة ومتقلِّبة، حُزنا وفَرحا، بطلها شخص يتقلّب في هويات وشخصيات ومواضع عديدة، سعيا للحقيقة من أجل زينة الدينا؛ الأندلس التي تليق بجميع مواطنيها، متسلِّحا في ذلك بذخيرة الأمل، وبالفطنة، وكَرم القَدَر معه، وتَصبُّ أنهار حياته في مَجرى حياة أسرة آمنة مستقرة، ليُضيف إليها نكهة خاصة، ومعنىً إلى معناها. عالَمٌ صغير مكون من مرية الغجرية وباشكوال القوطي الروح العربي اللسان الدهري الأدلوجة، وراحيل اليهودية، وجُمانة/الرميكية المسيحية وتُودة الزنجية، وزيري المسلم الأمازيغي الأندلسي. وفي سنوات أُخَر؛ يَنضافُ يوسف المنشطر بين الانتماء للمُنجِب والـمحتضِن، ثمّ تَتْريت التطوانية الأمازيغية، والبُنية هند، آخر العنقود. توليفة عجيبة وبيت جمَع الأشتات، في منطقة أستجّة، مِرساة الروح الحائرة لــزيري، والعِقد الفريد حيث يَتحقَّق المجتمع الصغير الممثِّـل لحقيقة زينة الدنيا. 

    تحبُل الرواية بقضايا حقوق الإنسان والقيم والعقد الاجتماعي والفكر وطبائع الاستبداد واللغة والهوية وموقع العالم والفقيه في بنية السلطة “تهمني البنية التي أنجبت هؤلاء”، ص: 99، والجمال والنخبة، والجنس والعلاقات الغرامية (..) الأديان والعيش المشترك، والدين والسياسة، وحرية الأفكار والحروب.

    يحضُر التاريخ شامخا في النص، تاريخ الأفراد، تاريخ الهامش والمهمَّشين، تاريخ الأقليات، تاريخ الأمكنة، تاريخ الـحُكم والـحكَّام، تاريخ الفتوحات والغزوات، تاريخ الأفكار والمعرفة والشخصيات الـمبرَّزة في قرطبة وإشبيلية والمغرب الأقصى. 

    طبائع الاستبداد ومَصارِع المؤتَمن على زينة الدنيا:

    في الجزء الثاني تطالِعُنا أحداثُ الرواية كاشفةً عن وقائع فجائعية في تنامي طبائع الاستبداد وتخلُّق النخبة السياسية بأخلاق مرحلة الـمُستبد، وتنتعشُ ذاتُ الكاتب (أوريد) في التعبير عن مكنون مواقفه من السلطة والبلاط وفيالق تبرير الاستبداد من علماء وشعراء وحكماء ومثقفين وأدوات تنفيذية أخرى، ويوظِّف المؤلِّف تخصُصه في العلوم السياسية وانحيازاته الفكرية إلى كتابات حكماء الإغريق ومتنوّري حركة النهضة الأوربية في الدفاع عن العقل والعقلانية والعدل وثقافة الاعتراف. وتتوارى إلى الخلف ربما بحكم تطوّرات مرحلة الأوْج السياسي والعسكري للمنصور بن أبي عامر؛ عبارات التقدير لإنجازات الرجل _ وما أكثرها مما ذَكَرَته مصادر المرحلة وغيرها (ابن عُذاري المراكشي، لسان الدين بن الخطيب، عبد الرحمن بن خلدون، أبو العباس المقري، محمد عنان)_، وحتى إن وَردت على لسان بطل الرواية أو العقلاني السياسي المعتزل (باشكوال) فهي من باب التهكم.

    يَتوسّع المنصور خارجيا لتجديد شرعيته داخليا، ويَستعمل سطوة الانتصارات الخارجية لضبط الرعية تحت مبرِّر حماية الدولة وصيانة بيضة الإسلام، فــ”كان اللجوء إلى القوة والبطش والعنف؛ احتماء من الخوف، من الهلع الذي يَسكن كل متجبر”، بينما يقرر الكاتب أنّ القوة الحقيقية “هي أنْ يُقيم المنصور نموذجا تتعايش فيه الملل والنحل”.

    لا يُـثنينا هذا الجانب في الرواية عن التمتع بالولوج إلى “الزاهرة” و”حي دار النعمان” و”مُنية السرور” وتعقُّب إيقاع الحياة الخاصة في العامرية وقصور الزاهرة والنقاشات المصاحِبة للحملات الصيفية والشتائية للمنصور شمالا وجنوبا، وحواراته مع وزرائه ونُدمائِه. 

    تتطوّر شخصية زيري وتَنضج على نار الحياة المتقلّبة والظروف العَصيبة، يُزاوج فيها بين خبرته السياسية، وحنكته في التخفي وإدارة أزمة الهوية، وحياته الخاصة. نتابعه في كَبدٍ يَفوقُ كَـــبَدَهُ، تَتلاحق أنفاسنا ونحن نعايش انقماعه تحت آلة التّحول الرهيب في مواقف وشخصية ابن أبي عامر، ونخبته الفاسدة، نعاني مع انشطاره بين ظاهر يُبديه وحقيقة يُخفيها، بين حرصه على الوفاء للإرث الثقيل الذي خلَّفه له الراحلون (تُودة، إستير، باشكوال، راحيل)، وصيانته لزينة الدنيا التي جسّدوها قيْد حيواتهم، ومُجاراة الواقع العنيد بُغية تغييره، تصحيح مساره، وحماية “الفكرة” التي يحملها. 

    يأتي خبر الوفاة الغامضة لــإستير والنهاية الأليمة لرفيقة حياته الرّميكية ليهزّ كيانه، ويُبديه لنا هشا ضعيفا، ووفيا في الآن ذاته. تُخرجه تطورات الأحداث عن طَوره، فيتموقف سلباً من عذاب الضمير الذي يُلحقه به ابن أبي عامر نتيجةَ تصفيته المتتالية لوالي سَرَقسطة وابنه البكر عبد الله والسّياف ابن خفيف وغيرهم، واستغراقه في الإهانات والسلطوية، فيفهم المنصورُ تموقف وزيره منه، ويشرع في ترتيب مراحِل الردّ. لأول مرة وبَعد مسار مطبوعٍ بالدهاء والفطنة والنجاة من الأحابيل؛ يجد زيري نفسَه أمام شخص استثنائي، يفوقه ذكاء وخبرة ودهاء، سياسي من الطراز الخطير، يَقرأ ما يجول في خاطره، ويُدخله في متاهة من الأسئلة والشك والخوف. تتلاحق شكوك زيري ويَتَأَكّد مِن أنه مُستَـهَدف، وقاب قوسين من فُقدان حياته، عندما سيُلقى به في الإقامة الجبرية، التي ظَــــنَّها خياراً محمودا بادئ ذي بدء، لتنقلب جحيما لا يُطاق، وقد طالت لتسع سنين. 

    محنة حقيقية سيُكابدها زيري، لكن المؤلِّف سيُدخلنا إلى عوالم القوة لدى هذه الشخصية؛ الانكباب على العلم، التأمل، نهل الحكمة، الصبر الإيجابي، الغَور في أرشيف هند بمكتبة باشكوال، استجماع المعطيات عن الخارج من يوسف، النجاح في الالتفاف على ظروف الحُكم والسياسة للظفر بزيارةِ أهله وقضاء بعض الوقت في أستجة التي تُشَكِّل لديه الواحةَ الفيحاء من هجير قرطبة والزاهرة. 

    تتصاعد الأحداث منذِرة بقُرب انهيار منظومة الحكم الفردي العامري، ومعها اشتداد ظروف الأسْر على زيري، الذي أضحى حائراً لا يدري أفي الموت راحة أم في الصمود وانتزاع الحياة من مخالب الإقامة الجبرية والظرفية النفسية والعائلية والاقتصادية العصيبة؟ تنصرم الأعوام؛ ليَلقى زيري نفسهُ مُطالَبٌ بمغادرة بيته صوب وجهة لا يعلمها، ليلتقي أخيراً وجهًا لوجه أمام المنصور، الذي حافظَ على توهُّج عقله ودهائه رغم مرضه الأليم في غزوته الأخيرة صوب الشمال. فاجأَ المنصورُ زيري أنه كان على علم بحقيقته، بحقيقة شخصيته، بحقيقة اندساسه في بلاط الحكم وتَــقرّبِه إليه وأنه استنكَفَ عن قَتْله، فيُقابِل زيري كلام المنصور بجرأة التعريف بنفسه ومساره، بل ويهدِّده أنّه أكثر من مجرد رجل، أنه فكرة، وحامي زينة الدنيا وشاهد على حقيقة الأندلس، وأنه لسان التاريخ. 

    تجري سُنّة الحياة على الملك المنصور الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، ويموت على مشارف مدينة سالم بقلعة النسور، سنة 392 هجرية، لتسقُط أكبر سلطة سياسية وعسكرية في الغرب الإسلامي آنذاك، ونتفاجأ بالكاتب يُعْلِمنا نبَأ استشهاد البطل زيري ويُبدع في إدخالنا متاهة السؤال عن حقيقة موته إذ الجميع في الأندلس شَكَّك في الرواية الرسمية لوفاته، فنأسى ونأسف على موت الـحالِم بأندلس تتَّسع للجميع، الحالم بترميم شظايا العلاقة المشطورة بين الحاكم والمحكوم، العالم والمتعلم، الصبي والراشد.

    المراجع: 

    (أوريد) حسن: “زينة الدنيا”، 639 صفحة، عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2021

    (أوريد) حسن: “ربيع قـرطبة”، 170 صفحة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2018

     

    * عدنان بن صالح، باحث في سلك الدكتوراه، مختبر “شمال المغرب وعلاقته بحضارات الحوض المتوسّطي”، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي – تطوان 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • معالم بليونش وآثارها

    بريس تطوان

    آثار بليونــــــــــــــش:

    المساجد: ذكر الأنصاري في اختصار الأخبار أن المساجد ببليونش كان عددها تسعة عشر مسجدا؛ أربعة منها في خندق رحمة، والباقي وهو خمسة عشر مسجدا في قرية بليونش، وهذا العدد قد يبدو كبيرا لأول وهلة، ولكن قصد الأنصاري من هذه المساجد ما كان منها كبيرا في حجم المسجد الجامع الذي تجمع فيه صلاة الجمعة، وما كان منها صغيرا مما جرت به عادة أهل سبتة باتخاذه في الدور والمساكن، وقد نبه على هذا المعنى في سياق كلام له حين قال عن سبتة: «وبكل دار من ديار سبتة حمام ومسجد إلا القليل، ولقد كان بمترلنا حمامان اثنان ومسجد». وإذا كان عدد المنازل في بليونش 25 منزلا فإن بعضها بلا شك قد توفر على مسجد خاص به. إضافة إلى المساجد التي جرت العادة باتخاذها في البساتين الكبيرة والمنيات، فيحصل من هذا العدد الذي ذكره الأنصاري رحمه الله. ولم يعين الأنصاري من هذه المساجد سوى المسجد الجامع، وهو أكبر مسجد كان في بليونش وسيأتي بسط الحديث فيه. ومما عرف من هذه المساجد:

  • المتعبد الذي في الخلوة في رأس الجبل، وهو الذي ذكره المقري في أزهار الرياض بقوله: «وفي جبل موسى متعبد مبارك وبساحله مغطس المرجان، ومن عجائب هذا المتعبد
  • أن من دخله ممن ليس له أهلا فإنه يجد في عنقه صفعا إلى أسفل الجبل؛ وهو مسيرة ثلاثة أميال، وهو من سبتة على تسعة أميال». وهذا المسجد في أعلى قمة جبل موسى مشهور في القرية ويسميه الناس اليوم «الروضة»، والطلوع إليه يستغرق نحو ساعتين، والطريق إليه شاقة وعرة، تمر على مسالك ومنحدرات، ويقصده الناس بالزياردة إلى اليوم، وهو يطل على العدوتين ويشرف على بلاد الأندلس وعلى سواحل الريف وأصيلة، ويظهر بناؤه على أعلى قمة جبل موسى، يراه القادم من القصر الصغير عند اقترابه من قرية البيوت على قنة الجبل. وهذا المتعبد مبني بالحجارة، يشتمل على حجرة واحدة للصلاة فيها محراب ولها باب غربي، وسقفها مرصص بالحجارة وقد تداعى بعض أجزائه. ويبدو أنه بقي على حالته الأولى التي بني عليها، ولم تطله يد الترميم والصيانة. وقد كان هذا المتعبد معروفا على الأقل في القرن السابع الهجري، وحسب بعض الكتابات وشهادات أهل أنجرة، فإن بناء هذا المسجد ثم من قبل القائد العربي موسى بن نصير أثناء توقفه هذا الجبل وهو في طريقه إلى الأندلس خلال رمضان من عام 93هـ/711م.

    ومما يعزز هذا الرأي؛ أن في مبنى المسجد ملامح من العمارة التي نجدها في المساجد المغربية المشيدة في الفترات المبكرة من تاريخه، فهو بلا شك من المساجد الأولى التي بنيت بالمغرب الإسلامي. كما أن نسبة الجبل إلى موسى بن نصير واقتران التسمية به تعزز هذا الرأي. ونظير هذا المتعبد المبارك في البناء والعمارة؛ الجامع البيضاء في يمين الداخل إلى مدشر بني عمران التابع لبني حسان ویسمی مسجد الملائكة. ويعد من أقدم المساجد في شمال إفريقية كلها، وهو مسجد صغير مربع الشكل محكم البناء، بني بالجير والحصى الدقيق وأرضه حصباء، ويقال: إن الناس كانوا يدفنون فيه أموالهم عند الفزع، ومن معتقداتهم: أن كل من أخذ منه شيئا لابد أن يصاب بسوء، ولا زالوا يتبركون به إلى الآن، وقد أدخلت عليه بعض الإصلاحات عبر عصور التاريخ.

    وقد بني الجامع البيضاء على ربوة مرتفعة وعلى مقربة منه ثلاث عيون جارية، إحداها من جهة الشرق وتعرف بعين التين؛ والأخرى من جهة الغرب وتدعى بعين الحجاج؛ والثالثة من جهة الجنوب وتسمى بعين تطليحات؛ وهذه العيون على ما يبدو كانت معدة للوضوء، وتتفق جميعها في المسافة بينها وبين المسجد. وكانت تقام في هذا المسجد الصلوات الخمس ویتلی به کتاب الله إلى أن هجره الناس منذ زمان، واقتصروا فيه على إقامة صلاة العيدين، وقد أصبح اليوم مهجورا بالمرة.

    ومن العلماء الذين زاروا مسجد بني حسان التاريخي أبو الحسن مصباح الزرويلي المتوفى سنة 1130هـ/1717م. وقال «وقد رأيت مسجدا صغيرا متقن الصنعة على رأس كدية عالية في الهواء في جبال بني حسان قرب مدينة تطوان، أجمع أهل ذلك البلد على أنه من عمل موسى بن نصير. نقلو ذلك خلفا عن سلف». وزاره كذلك وتفقد أحواله السلطان الحسن الأول في رحلته الخامسة عشرة إلى القبائل الجبلية يوم الأربعاء خامس محرم سنة 1889/1307م.

    ونظيره أيضا مسجد الشرافات في قبيلة الأحماس، وهو على ما يقال: أحد المساجد التي بناها طارق بن زياد عند الفتح الأول كما ذكره ابن عسكر، والمحتمل أن تأسيسه كان في حدود سنة 704/085م، عندما ولاه موسى بن نصير على طنجة ونواحيها، وعهد إليه بالعمل على نشر الإسلام فيما يجاور طنجة من بربر غمارة وبرغواطة. ويلاحظ أن موسى بن نصير كان لا يترل بلدا إلا وبنى به مسجدا، فهو عندما عبر البحر إلى الأندلس سنة 711/093م، استصحب معه ثمانية عشر ألفا من خيرة جنده؛ وقسم جنده فرقا بحسب قبائلهم وأصولهم ومراتبهم، وكان لكل جماعة راية، فانتظرهم هناك بمكان على مقربة من الجزيرة الخضراء، حيث ابتنى فيه مسجدا وأخذت الرايات تفد عليه في ذلك الموضع؛ فعرف بمسجد الرايات وظل عامرا قرونا متطاولة.

    ويجمع بين هذه المساجد المذكورة أنها جاءت على مرتفعات مشرفة على ما يليها من البلاد، وأنها إضافة إلى كولها مكانا يتعبد فيه كانت رباطا لحراسة الثغور في الوقت نفسه، وكان يرابط بها مجموعة من العباد وغيرهم للعبادة وحراسة الموقع، وموقع هذه المساجد على قمم الجبال جعلها مراكز للتواصل العسكري حيث كانت تضرم فيها نار الغوث، وآخر نار أشعلت في محرس جبل موسى في بليونش كانت في سنة 1276ه/1855م.

    ويذكر التجاني (721هـ/1321م) أنه «كان على طول الشريط الساحلي سبتة إلى الإسكندرية، مساجد كثيرة وهي مساكن للصالحين قديما وحديثا شهيرة، والناس يزورونها ويتبركون بها، وإنها لمن أحسن الأماكن لمن يريد الانفراد لعبادة ربه، والساكن بها يجمع بين الاحتراس ومجانبة الناس، وأكثر هذه المساجد من مباني ابن الأغلب مبتني المحارس من الإسكندرية إلى مجاز سبتة». وقد جرت عادة الزهاد والصوفية بزيارة هذا المتعبد المبارك. وفي تسمية الناس له اليوم بالروضة ملمح صوفي لطيف يشير إلى أن النفس تأنس فيه في روضة من رياض الملكوت. والله أعلم. وبالنسبة لخريطة الرباطات المغربية في العصر الوسيط نجدها تتضمن ما يربو على الخمسين موقعا موزعة داخل البلاد وعلى السواحل، أقدم هذه المراكز يعود إلى فترة دخول الإسلام كرباط ماسة ورباط شاكر.

    وهذا المتعبد المبارك لا زال قائما إلى يوم الناس هذا، وقد طاله الإغفال واعتراه الإهمال، ولكن يمكن تدارك الأمر بترميمه وإصلاح ما تخرب منه، لأن أصله ما زال قائما وشكله ما زال ماثلا. وقد كان على بابه صخرة كبيرة مستطيلة الشكل وضعت معترضة أعلى الباب وفيها أثر أصابع اليد، كأنها حملت وبقي فيها الأثر. لكنها أخذت في عهد قريب، ومما ابتلي به هذا المتعبد المبارك أن باحثي الكنوز حفروا في أرضيته وعند مخرج بابه حفرا شنيعا شوهوا به هذه المعلمة الفريدة في تاريخ المغرب. وكم تسبب أصحاب الحفائر والكنوز في تخريب الآثار وطمس المعالم.

  • مسجد القاضي عياض السبتي: وهو مسجد صغير كان تابعا لجنته في بليونش ومن
  • مرافقها، وقد ذكر ابنه خبرين متعلقين بهذا المسجد.

    الخبر الأول: قال: وأخبرني ابن عمي أبو عبد الزاهد رحمه الله؛ أنه كان جالسا مع أبي رحمة الله عليه في عشية يوم على دكان مسجده بقرية بليونش، إذ أتى بعض طلبته بجزء لا أثبت أنا قدر جرمه، فأخذه أبي رضي الله عنه من يده وجعل يستغربه ويورق فيه وينظر تارة ويتحدث معهم تارة. فلما حان انصرافهم دفعه لصاحبه، فقال له: يا سيدي. أمسكه حتى تقضي منه أربك، فقال له: لا حاجة لي به فما بقيت فيه فائدة إلا أخذتها أو نحو هذا.

    الثاني: وأخبرني بعض أصحابنا، قال لي: دخل علي أبوك وأنا في مسجده وفي يدي سفر، فقال لي: ما بيمينك؟ فقلت له: اليتيمة. فقال لي: ما تقرأ منها؟ فقلت له: شعر محمد بن عبد الله السّلامي، فقال لي: فما تقرأ منه؟ فقلت له: قصيده الذي يقول فيه:

    وقد ضاق العناق فلو قطنا *** دخلنا في المناطق والجيوب

    فقال لي: لو قال: قدرنا لكان أشعر.

    ويستفاد من هذين الخبرين بأن هذا المسجد كان يرتاده طلبة العلم وخواص أصحاب القاضي عياض، وأنه كان له دكان إلى جهة البحر يجلس فيه القاضي وأنه كان تابعا لجنته التي اتخذها في بليونش. ولا يدرى بالتحديد موقع جنته، وإن كان الراجح أنها كانت بحومة الغروس. والظاهر أن هذا المسجد والجنة قد بقيا إلى زمان الأنصاري، ويرجح هذا أن دار القاضي عياض في سبتة بقيت معروفة عند الناس إلى القرن التاسع الهجري، وسكنها الخطيب بجامع أفراك الشيخ محمد العباسي. وكذلك زقاقه الذي كان يسكن فيه ومسجده.

    الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة

    للمؤلف: د. عدنان أجانة

    منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

    (بريس تطوان)

    يتبع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “تيمة الروضيات”.. إصدار يغوص في خبايا الشعر العبري بالأندلس الإسلامية

    العمق المغربي

    صدر كتاب جديد للكاتبة والباحثة المغربية، الدكتورة فاطمة غمسوسي، تحت عنوان “تيمة الروضيات”، والذي يغوص في خبايا الشعر العبري بالأندلس الإسلامية ومصادره العربية ما بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر.

    الكتاب صدر عن مؤسسة مقاربات، وهو ضمن سلسة اللغات والحضارات الشرقية التي أطلقها مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية بفاس المغرب، حيث صدر الكتاب باللغة الفرنسية في حلة من الحجم المتوسط ضمن 300 صفحة.

    ويندرج الكتاب ضمن تاريخ الأدب الأندلسي، وتحديدا الأدب المكتوب باللغة العبرية، حيث تتضمن الصفحات الأولى منه عرضا عاما عن الحياة الثقافية والأدبية في الأندلس الإسلامية، مع التركيز على الشعر العبري كما يُمثله ثلة من كبار الشعراء اليهود الذين شكلوا بتأثير من الشعر العربي الانتقال من الشعر الديني المعروف باسم “البيوتيم” إلى الشعر الدنيوي المتحرر من المضامين القديمة، والمنفتح على أغراض شعرية جديدة.

    ومن هنا كان اهتمام الباحثة فاطمة غمسوسي بتحديد العوامل الأساسية التي كانت وراء ازدهار الشعر العبري في الأندلس الإسلامية، وخاصة فن الروضيات التي يعمد فيها الشاعر إلى وصف الرياض والبساتين.

    وبما أن الروضيات فن أصيل في الأدب العربي القديم، فقد أبرزت الباحثة، بشكل دقيق، المكانة المتميزة التي يحتلها وصف الطبيعة في القرآن الكريم وفي الحضارة العربية الإسلامية بشكل عام، غير أن هذه الوقفة المتأنية لم تحُل دون عنايتها ببيان أثر البيئة الأندلسية التي اشتهرت بحدائقها الغناء وعيونها الجارية وأشجارها الوارفة في ظهور وتطور فن الروضيات.

    وانتقلت بعد ذلك لدراسة مفصلة، وقد تكون غير مسبوقة، لفن الروضيات في الشعر العبري، وتفرعه على يد شعراء الأندلس إلى مواضيع متعددة من قبيل وصف الورد والياسمين والسوسن والفاكهة والماء أي وصف أغلب عناصر الطبيعة الأندلسية.

    كما أجرت الكاتبة قراءة مستفيضة للشعر العبري، انطلاقا من قصائد مختارة لشعراء يهود أمثال صامويل بن نغريلة وسليمان بن جبيرول وموسى بن عزرا ويهوذا اللاوي، ومقارنته بالشعر العربي إن على مستوى المضمون أو على مستوى الشكل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العائلات التطوانية واحتضان أفراد المقاومة وجيش التحرير من خلال كناش مقاوم تطواني

    بريس تطوان

    لقد أصبح في حكم المؤكد الآن لدى المهتمين بعملية التاريخ للمغرب أن تاريخه عامة (القديم والحديث) في الجنوب والشمال على حد سواء ما يزال يحتاج إلى تاريخ بناء على الوثيقة لسبر أغوار وقائعه وأحداثه بإنصاف وموضوعية بعيدا عن الأحكام الجاهزة التي تطيح بالنزاهة العلمية المنشودة.

    إن تلكم الوثيقة تستمد أهميتها المعرفية وقيمتها العلمية من خلال ما تقدمه من معلومات مفيدة تضيف جديدا لميدان التاريخ لحدث ما.

    وفي هذا الإطار داخل هاته الندوة المباركة المقامة تحت عنوان “تطوان وثورة الملك والشعب من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر” تأتي مداخلتي المعنونة “العائلات التطوانية واحتضان أفراد المقاومة وجيش التحرير من خلال كناش لمقاوم تطواني”.

    قبل الحديث عن هذا الكناش لا مناص لنا من الحديث عن صاحبه.

    صاحبه: هو المجاهد أحمد العلمي صاحب بطاقة المقاوم : رقم 525275 المزداد سنة 1919 والمتوفى سنة 2002 والمنخرط في صفوف الحركة الوطنية سنة 1937 الرجل الذي عينه الطريس ليكون مشرفا على عملية استضافة رجال المقاومة.

    ولمعرفة هذا الرجل رحمة الله عليه عن قرب ومكانته في المقاومة ومتزلته عند الطريس نقدم شهادة أصدرها في حقه هذا الأخير سنة 1966.

    عبد الخالق الطريس – ملف المقاومة رقم 75531 بطاقة رقم 512788

    أنا الموقع أسفله أشهد بأن المناضل السيد أحمد المختار العلمي من رواد الوطنية المغربية في عهدها الأول، حيث تمرس في الحقل الوطني منذ نعومة أظفاره، جنديا مجندا، قارع الاستعمار الإسباني في وقت جبروته وطغيانه وأشرف على خلايا سرية لعبت دورا خطيرا تحت نظام الحماية.

    وتعرف على عالم السجن بتهم وطنية مختلفة من حمل للسلاح، وتشكيل لتنظيمات، وتوزيع للمناشير منذ سنة 1942م عائدا إليه سنة 1947 و1948 ثم 1949م – كما فرضت عليه الإقامة الجبرية في بيته مدة ثلاثة شهور. وقد عانى من جراء ذلك ألوانا كثيرة من العذاب والتنكيل، ما تزال رواسبها عالقة بجسمه، ومؤثرة في صحته إلى حالنا الراهن، مما أكد صلابته وصدق إخلاصه.

    وبإقدام فرنسا على إبعاد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، سارع أحمد العلمي إلى تنظيم خلية سرية للعمال تتأهب لمواجهة أي موقف عدائي من القضية المغربية يمكن لإسبانيا أن تقدم عليه.

    وعند الشروع في حركة المقاومة تجاه الاستعمار الفرنسي كلف من طرفي بالسهر على راحة الوافدين من المقاومين إلى تطوان، ومد مختلف المساعدات إليهم.

    وفي أثناء هذه الفترة بعث به إلى إقليم الناظور في مهمة تتصل بشراء الأسلحة ومقابلة بعض المقاومين، أثبت فيها كفاءته ووطنيته.

    وقد أثبت بما أوجزته من حياته النضالية في مراحلها العديدة إخلاصه المكين وولاءه الموصول الله والوطن والملك.

    يشهد الله وجميع المطلعين على حقيقتها وواقعيتها والله لا يضع أجر من أحسن عملا.

    إمضاء عبد الخالق الطريس

    تطوان في 1966/4/3

    ويقول عن نفسه المجاهد أحمد العلمي في تقييد(1) يتعلق بنبذة عن حياته “وعند البدء في حركة المقاومة تجاه الاستعمار الفرنسي كلفت من قبل الأستاذ المرحوم الطريس بالإشراف المباشر على راحة أعضاء المقاومة الوطنية الوافدين على مدينة تطوان، وكنت على اتصال دائم ومستمر مع قادة المقاومة آنذاك، ومن جملتهم السادة : أحمد زياد – الحاج أحمد المذكوري – وبلحاج العتابي وغيرهم. كما كلفت أيضا بالارتحال إلى مدينة الناظور من أجل الاتصال ببعض المواطنين العاملين في صفوف الجيش الإسباني بمدينة مليلية المغتصبة، وأخذ الترتيبات اللازمة من أجل جلب بعض الأسلحة واستعمالها”.

    الكناش: عنوانه ينضح بمضمونه، مضمونه الذي ينهض دليلا وحجة كافية على أن الكثير من أهل تطوان قد ساهموا في استضافة المقاومة بعد نفي المغفور له محمد الخامس بالأكل والمال وأنهم كلهم قد ساهموا في ذلك من أغنياء ومتوسطي الحال سواء كانوا من أصول أندلسية ريفية، أو جبلية، أو فاسية، أو جزائرية.

    وجدير بالذكر أن المقاومة السرية تأسست في تطوان يوم 19 غشت سنة 1953 عندما قدم إليها من الدار البيضاء الأستاذ عبد الكبير الفاسي بأمر من جلالة الملك محمد الخامس ليتصل بالأستاذ الطريس ويتفق معه على ما يجب أن يعمل في حالة حدوث ما أصبح مؤكدا بأن الاستعمار سينفذ خطته العدوانية ضد العرش في غضون ساعات محدودة طبقا لمعلومات توصل بها جلالته من مصادر أمريكية.

    مسألة نفي جلالة الملك المرتقبة تأكدت لدى الطريس من لدن سفير الولايات المتحدة بطنجة.

    الطريس والفاسي كانا قد اجتمعا في دار الأول فتعاهدا على المصحف لخدمة الوطن والعرش وكان شاهدا على ذلك ولد الطريس الأستاذ محمد.

    في أوائل شتنبر من سنة 1953 بدأ رجال المقاومة السرية من الجنوب يفدون على تطوان للاستقرار بما فارين من الاستعمار جاؤوا إليها إما لشعورهم من الخطر الناتج عن المطاردة الاستعمارية لهم أو بأمر صادر عن قيادة المقاومة المسيرة من طرف عبد الكبير الفاسي المقيم بمدريد الذي كان على اتصال بالطريس قصد تسهيل إدخالهم إلى المنطقة الشمالية.

    الكناش إذن كما قلنا يتعلق بساكنة تطوان عامة التي انتمت لعائلات غنية وأخرى متوسطة الحال قامت باحتضان رجال المقاومة.

    والكناش في الأصل عبارة عن جرد لأسماء عائلات تطوانية ساهمت في احتضان المقاومين من شتنبر 1953 إلى دجنبر 1955 الفترة الزمانية المذكورة قسمت فيه إلى ثماني دورات كل دورة تختلف عن الأخرى من حيث المدة.

    كيف كانت تتم عملية احتضان هؤلاء المقاومين من لدن أهل تطوان المذكورين في الكناش من ألفها إلى يائها.

    في كل صباح كان المقاوم أحمد العلمي المكلف بالسهر على أمور المقاومين اللاجئين إلى الشمال يلتقي بالزعيم عبد الخالق الطريس في منزله فيعين له مجموعة من الأشخاص أو المنتمين لأسر تطوانية ليكلفوا بالواجبات لذلك اليوم، فيذهب أحمد العلمي عندهم ويخبرهم ويعود من بعد ذلك في الزوال أو في الوقت الذي حدده معهم ليأخذه بمعية بعض رجال المقاومة إلى أماكن إقامتهم.

    والملاحظ أن هناك من المحسنين من كان يدفع المال وبه يشترى الأكل. وهناك من كانت مساهمته تتكرر أكثر من مرة في الدورة الواحدة.

    – جنان الصفار بالطوابل تنازل عنه أهل الصفار مفروشا للمقاومين بكل مرافقه وغلله طوال إقامتهم في تطوان إلى أن جاء الاستقلال.

    – جنان الرهوني ببوجراح.

    – جنان الطريس قرب جنان الصفار.

    – جنان بريشة.

    – مقر بشارع عبد اللطيف المدوري بالترنكات .

    – مقر بباب السفلي.

    – دار زوزيو بطريق سبة القديمة تعاقب على سكناها العدد من الفدائيين.

    – دار بمرتيل في ملك عائلة مصطفى وضعتها هاته الأخيرة تحت تصرف المجاهد أحمد العلمي ليستضيف فيها المقاومين.

    – دار بالطالعة في ملك المجاهد أحمد العلمي وأخيه سيدي أحمد.

    الجنانات الثلاث الصفار والرهوني وبريشة كانت تستعمل أيضا للتدريب من طرف رجال المقاومة لكونها كانت وقتئذ خارجة عن المدار الحضري.

    إن ما قام به أهل تطوان من احتضالهم للمقاومة كما يظهر هذا الكناش ليس بغريب عنهم فهم خلف لخير سلف توارثوا المجد وحب الجهاد دفاعا عن أرض الإسلام يفهم ذلك من خلال تاريخ تطوان نفسه. فتطوان منذ تأسيسها إلى الآن، تطوان ابنة غرناطة استطاعت أن تكتسب أبوتها الشرعية عن جدارة واستحقاق من المغرب، المغرب الذي منحها أرضه فحمته وحمت حدوده ضد الاستعمار في القديم والحديث بكل أصناف ساكنيها بفضل ارتكازها على مبدأين أساسين شكلا بالنسبة لها عاملي وجود وصيرورة نحو المستقبل بتحد واعتزاز فيهما قهرت أعدائها استمدتها من إرثها الحضاري العربي الإسلامي الأندلسي. فما هما يا ترى هذان المبدآن؟

    أولهما: الاندماج والانصهار بين ساكنيها من الوافدين عليها في حقب مختلفة من تاريخ تأسيسها إلى الآن. بدءا من الأندلسيين الأوائل وأهل الريف وأهل الجبال مرورا بالمورسكيين وأهل فاس وأهل الجزائر وانتهاء بمن قصدوها في القرن العشرين بمن فيهم أهل المقاومة بعضهم تصاهر مع أهل تطوان الأمر الذي جعله يستقر فيها.

    إن هذا الاندماج بين ساكنيها لا شك قد ورثته عن الأندلس التي انتهت قبل القرن الخامس عشر وأثناءه إلى درجة من الوعي الثقافي والسياسي أزاح عنها العصبية الأثنية وأقر بدلها الأنسية الأندلسية بين ساكنيها المختلفين وبذلك تكون تطوان ابنة غرناطة أعادت ماضيها في الحضر بالمغرب والدليل أن الكثير من أعيانها اليوم من أصول غير أندلسية. هؤلاء من أهل تطوان الذين صهرتهم والذين ناضلوا في صمت من أجل تحرير المغرب وهم المذكورون في هذا الكناش ومنهم المقاوم أحمد العلمي التطواني الذي هو من أصول جبلية شريفة.

    – ثانيا الجهاد: فالمدينة ما تأسست إلا من أجله. وفي المصادر تذكر بالثغر، وأهلها أهل جهاد ورباط.

    إن هذين المبدأين ورثتهما تطوان في سنة 1953 إلى 1956 كمعطيين تاريخيين وتمكنا من الظهور بوضوح ليطفوا على السطح فيها بفضل ثلاثة أمور:

    – أولا: الاختلاف بين فرنسا وإسبانيا بشأن القضية المغربية واستعداد الثانية للتفاهم مع الوطنيين المغاربة ومساعدتهم ليس حبا في المغرب ولكن لتصفية حساباتها مع غريمتها فرنسا.

    – ثانيا: الوازع الديني لدى أهل تطوان صغارا وكبارا الذي رأى في المقاومين الجنوبيين بمثابة المهاجرين، لذلك استضافوهم بقلب رحب.

    – ثالثا: النضج السياسي المكتسب لدى أهل تطوان المتمثل في السياسة الإصلاحية الواعية التي مارسها حزب الإصلاح في تطوان والمتمثلة في خلقه لمدارس حرة ونشره للصحف وإقامته للندوات.

    كانت وراء تربية الأفراد فيها على حس راق لمفهوم فكرة المواطنة القائمة على أساس العدل، المساواة التضحية بالغالي والنفيس، الوحدة والاستقلال.

    هاته المواطنة التي رأوها ورقة رابحة يجسدها في الحاضر وفي المستقبل النموذج المثالي الطريس الرجل الثقة الوحدوي، وعندما أتى هؤلاء المقاومون إلى تطوان سنة 1953 وجدوا أرضيتها مهيأة لهم ماديا ومعنويا ليقوموا بعملهم النضالي على أحسن وجه عمل أفضى إلى تحرير المغرب سنة 1956.

    لعلنا في هذا العرض نكون قد أضفنا جديدا إلى عملية التاريخ للمقاومة المسلحة المغربية التي أدت إلى استقلال المغرب في المجال الاقتصادي الذي أبان عنه بوضوح كناش المجاهد المقاوم أحمد العلمي الذي اقتصر فيه فقط على ذكر جزء من المساهمة الفعلية المادية والمعنوية التي قدمها أهالي تطوان لتعزيز المقاومة المذكورة. مساهمات تنضاف إلى مساهمات أخرى مكملة لها تتمثل في الحلي وأملاك باعوها قدمها نفس الأهالي باقتناع وطواعية مدفوعين بروح الشعور بالواجب والمسؤولية تجاه الدين والوطن لا غير.

    العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

    الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

    (بريس تطوان)

    يتبع

    إقرأ الخبر من مصدره

  • فهارس علماء تطوان… فهرسة الفقيه محمد بوخبزة

    بريس تطوان

    فهرسة الفقيه بوخبزة:

    عرف الأدب العربي قديما وحديثا كتابة الشيوخ لسيرهم الذاتية يترجمون فيها لأنفسهم ويجمعون وأسانيدهم، وبرامج الرواية، وما يتعلق بذلك. كما توضح أخبار من تلقوا عليهم من الشيوخ والعلماء، وغيرها من الفوائد الجمة التي تبرز الحياة العلمية للمؤلف والتي تكشف مصادر الثقافة في عصر من العصور، والنشاط التأليف في شتى مجالات المعرف الإنسانية عند المسلمين، وتمكن من الوقوف على روافد المعرفة لدى العلماء والمؤلفين. وما احتفظوا به من أشكال العلاقة الوجدانية والعلمية التي كانت تربطهم بالشيخ، وما يكنون له من مشاعر المحبة والاحترام، وهو يتحدثون عن طريقة شرحه، وتصوره لقضية من القضايا العلمية، وغيره مما أثرى الساحة العلمية والثقافية في بيئة معينة.

    لكننا نلاحظ أن كثيرا من العلماء سمحوا لتلامذتهم وطلبتهم أن ينوبوا عنهم في كتابة فهارسهم والتعريف بالشيوخ وإسناد المرويات ومصادر المعرفة وطرقها، ولنا شواهد منه كثيرةفي تراثنا العربي ولا سيما ما ارتبط بمنطقة الغرب الإسلامي: ” فمن  أصناف الأعمال الفهرسية ما نجده في عمل القاضي عياض السبتي، وقد صنع لشيخه أبي علي الصدفي حافظ الأندلس (ت514هـ) معجم مشايخ، وفي عمل أبي القاسم ابن الشاط السبتي (ت723هـ) وقد عمل برنامج شيخه أبي الربيع عبيد الله الحسين العثماني الإشبيلي نزيل سبتة وشيخها (688هـ)… ومن صنف الأعمال الترجمية الصرفة ما نجده في الكثير من الترجمات المفردة التي خص بها الطلبة شيوخهم، أو آبائهم، وغير ذلك فمنها (مرآة المحاسن في أخبار الشيخ أبي المحاسن) من تأليف ولده الشيخ أبي حامد العربي بن أبي المحاسن الفاسي”. وتدخل فهرسة ” مظاهر الشرف والعزة، المتجلية في فهرسة الشيخ محمد بوخبزة” التي صنعها الدكتور بدر العمراني لشيخه الفقيه العلامة محمد بوخبزة الحسني التطواني في هذا الباب.

    والفقيه محمد بوخبزة ليس بالنكرة فهو “الشريف الجليل، الماجد الأصيل، الذكي الألمعي، النابه اللوذعي”، والنابغة، الأديب، العلامة، الواعية، مسند  تطوان والمغرب. من مشاهير رجالات العلم والثقافة العربية الإسلامية في المغرب، ومن العلماء المشهود لهم بالإحاطة الواسعة بمحتويات خزائن الكتب العربية قديمها وحديثها، وبالمعرفة المتخصصة في ضروب شتى من العلوم الشرعية والعربية، وفي التراث العربي الإسلامي المحفوظ في كبريات المكتبات والمتاحف العربية الإسلامية والعالمية” أما معرفته بالعلماء و الفضلاء وأسمائهم ومصنفاتهم، وما رقموا وما   سطروا، فهو بحر لا يجاري، وربيع الحياري”. وهو صاحب خط متميز كتب به العديد من المخطوطات صغيرها وكبيرها، فهو ناسخ متميز يجمع في منتسخاته بين الوضوح والجمال في الخط، وبين الصحة والدقة في النقل ولجودة خطه وحسنه. طلبه الراحل الحسن الثاني لكي يقوم بمهمة الكتابة والنسخ لديه، إلا أنه استعفى من الأمر وطلب بإلحاح من مؤرخ المملكة الراحل عبد الوهاب ابن منصور أن يعتذر عنه للملك ففعل. وهو كثير التقييد مطواع القلم يسعفه في تسجيل ما يحضره اللحظة من خبر أو حدث أو فائدة أو إنشاد أو تحليل أو انتقاد أورد. فكانت باكورة ذلك أعمال تأليفية وتحقيقات كثيرة، فيها المخطوط والمطبوع. وأحد الخطباء المبرزين، وله تأثير على الناس، و أحد المدرسين يقيم حلقته في الوعظ والإرشاد وفي فنون العلم. واعتنى بالحديث وشرحه وإسناده، فتخرج على يديه طلبة كثيرون، وهو من المسندين الذين حملوا العلم رواية عن كثير من الرواة في المغرب والمشرق “ومن العلماء الذين يقصدهم أصحاب الرواية وطلاب الإجازات من المشرق والمغرب، فكتب الإجازات وأذن بالرواية لكثير ممن لازمه أو قصده أو رغب في الحمل عنه”، إضافة إلى ذلك فهو رجل حسن السمت والتؤدة” وحضور وبديهة وفطنة، وفيه من عزة النفس والإباء والإخلاص لمبادئه شيء كثير، مع دعابة ولطافة مع ينبسط إليه من الناس، وخدمة كبيرة لطلاب العلم، وإعانة لهم بكتبه وإرشاداته، لا يبخل على أحد بشيء”. فلا عجب أن يكون له محبون كثيرون وطلبة أوفياء ومن بينهم الأستاذ الفاضل الدكتور بدر العمراني، الذي أنجز هذا العمل الجليل في التعريف بشيخه محمد بوخبزة وصناعة فهرسته.

    والذي نلاحظه في هذا العمل، أنه يجمع بين الترجمة العلمية الإخبارية لصاحب الفهرسة وصنع تراجم لشيوخه. وهذا شيء ليس بغريب في تراثنا الثقافي والعلمي، فكثير من الأعمال السابقة تعمد إلى ذكر مشيخة المترجم له وتسمية رجاله وما أخذ عنهم واستفاده منهم، قد امتد ذلك إلى الكتابات الترجمية الحديثة، إذ ” تطور بناء الترجمة والمزج بينها وبين الفهرسة قد أصبح عملا جاريا في أعمال المؤلفين أنفسهم حين كتابة تراجمهم وسيرهم الذاتية، فكتاب الزاوية للشيخ التهامي الوزاني، وكتاب على رأس الأربعين للمؤرخ الأستاذ محمد داود، ومذكرات غير شخصية للشيخ عبد الله كنون، وسيرة ذاتية للفقيه محمد المنوني … كلها تجري في هذا السياق، فيتداخل فيها عمل الفهرسة والسيرة الذاتية والترجمة ويتقاطع كل جنس فيها مع الآخر، فأحرى من يكتب عنهم من طلابهم وتلامذتهم”.

    العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

    للمؤلف: الوهابي

    منشورات باب الحكمة

    (بريس تطوان)

    يتبع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الفنون والصناعات في تطوان

    بريس تطوان

    إن موضوع الفن في تطوان ليس من المواضيع التي يمكن أن يتطرق لها المرء في إشارة خفيفة تتضمن بضع صفحات، لأن تطوان أصلا هي مدينة الفن والجمال، والسحر والخيال، ثم إن كلمة الفن بحر زاخر من المعاني الجميلة المتمثلة في أوجه عدة من جوانب الحياة الإنسانية، فالمعمار فن، والأثاث فن، واللباس فن، والأكل فن، وطريقة الكلام فن، والموسيقى فن، والغناء فن، والصناعة فن، والحرف الدقيقة فن….، وتطوان بستان جميل قد امتلأت جوانبه بباقات من كل هذه الفنون في أرقى حالاتها وأرق مظاهرها….

    والحقيقة أنني في هذا الكتاب، لا أسعى إلى إثبات الخطوات المتعلقة بالتأريخ والتوثيق في هذا المجال ولا في غيره مما تطرقت إليه بالنسبة لمدينتي تطوان، بقدر ما أتوق إلى الإشارة إلى بعض المظاهر، والوقوف عند بعض المعالم، التي تحفظ السمات والملامح الخاصة بهذه المدينة، والتي تجعل القارئ الغريب عن تطوان يتعرف عليها كمدينة لها عبق متميز، وجاذبية غريبة، وسحر خاص.

    ولقد كان المجتمع التطواني متذوقا الفن، حيث إنه قد أتقنه بجميع أنواعه، وقد برز ذلك في:

    فنون الصناعة التقليدية: بما في ذلك البراعة في فن الخشب المطعم والمنقوش والمزوق، والإتقان الكبير لفنون الحفر والتوريق، والزخرفة والترصيع والتنميق، وكذا فن صنع الفسيفساء (الزليج) التي تأخذ في هذه المدينة طابعا متميزا في مادتها وفي ألوانها وفي دقتها وفي تنسيق مقاطعها ومكوناتها.

    وكذا فن صناعة الحرير واستخراجه من دوده، ثم إنتاج أنواع المنسوجات الحريرية والصوفية والقطنية والكتانية، ثم فن الدباغة وصباغة الجلود، وفن الخرازة والحدادة وصناعة الفخار. وفي هذا الصدد نسجل الدور الطلائعي الذي تمثله مدرسة الصنائع والفنون الوطنية المعروفة في تطوان بمدرسة “دار الصنعة”، وهي المؤسسة التي تم إنشاؤها سنة 1919 في مقر بدار تقليدية داخل المدينة القديمة بتطوان، وذلك بسعي من نخبة الرجال العاملين على الحفاظ على الشخصية الحضارية المتمثلة في مختلف الصناعات التقليدية بهذه المدينة، وعلى رأس هذه النخبة الوطني الغيور السيد الحاج عبد السلام بنونة. ولقد لعبت هذه المعلمة الفنية بتطوان دورا مهما جدا في مجال الحفاظ على مختلف الحرف التي ذكرناها سابقا، حيث إنها قد انتقلت إلى مقرها الحالي قبالة باب العقلة سنة 1927. وكانت من جملة ورشائها حسب ما ذكره مديرها الفنان الإسباني الكبير ماريانو بيرتوتشي: معامل النجارة الفنية، والصباغة التزيينية الموريسكية، وصناعة الفوانيس، وترصيع الفضة، وصناعة الزرابي، والنقش على الخشب، وزخرفة الجلود، وطبعها بالذهب، وصناعة النحاس ونقشه، والفسيفساء، والخزف التزييني، والمنسوجات اليدوية، والحدادة الفنية.

    وقد ساهمت “دار الصنعة” في ترميم العديد من المعالم الأثرية في إقليم الأندلس بإسبانيا، ومن ذلك قصر ابن عباد ومقر معرض 1929 بإشبيلية، وقصر الحمراء بغرناطة، ومسجد قرطبة… إلخ.

    ولا ننسى أن تطوان قد عرفت أيضا بفن الخط الذي برع فيه كثير من أبناء هذه المدينة، رجالا ونساء، وتفننوا في أنواعه، بما فيه: الخط المبسوط، وهو الذي يستعمل لكتابة القرآن الكريم. والمجوهر، وهو ما يستعمل لكتابة الظهائر والرسائل المخزنية، والسليماني، وهو الخاص بكتابة الوثائق العدلية، والشرقي (أو الثلث)، وهو الذي تكتب به عناوين الكتب وغيرها من المستجدات .

    أما صناعة الأسلحة فهي التي ازدهرت في تطوان إلى حد كبير، لدرجة أن ملوك المغرب كانوا يكلفون صناعها من جعايبية وسرايرية وزنايدية بصنع المكاحل التي فاقت شهرتها الآفاق .

    ولعله من الجدير بالذكر في مجال الحديث عن الصناعات بتطوان، أن هذه المدينة كانت سباقة إلى تأسيس المعامل الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين، فقد أسس بها أول معمل لتوليد الكهرباء وتوزيعها عن طريق شبكة محكمة على كافة السكان، حمل اسم “الشركة التعاونية الصناعية” المؤسسة في فاتح مارس 1928، والتي كانت أول مشروع جماعي تعاوني عرفه المغرب خلال عهد الحماية، ويرجع الفضل في ذلك إلى النبوغ الاقتصادي والمجهود الكبير الذي بذله السيد الحاج عبد السلام بنونة، الذي حاول من خلال هذا المشروع خلق اقتصاد جماعي مبني على المشاركة الجماعية لكافة الفئات الشعبية. هذا علما بأنه كان يسعى في تنمية الاقتصاد الوطني بشتى الوسائل، فساهم في إنشاء معامل أخرى، مثل معمل القماش، ومعمل الصابون…

    كما عرفت في تطوان معامل أخرى كمعمل المسامير، ومعمل الأغطية ومعمل الدخان ومعمل الوقيد … إلخ.

    العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

    ذ. حسناء محمد داود

    منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة

    (بريس تطوان)

    يتبع…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأكلات الأندلسية في أطباق تطوانية

    بريس تطوان

    يعد الطبخ ظاهر ثقافية اجتماعية تداولتها الأمم والشعوب والأجيال ويصـبو إلى معرفته كل فرد، وبه تصح الابدان وتكتمل الافراح، وقد قيل اريني طبخ اية امه احدثك عن حضارتها يشهد على مستوى الرقي الانساني والابداعات في الحياة اليومية في المأكل والمشرب وتفنن وإبداع بما تجيد به الطبيعة من موارد.

    ارتبط المطبخ التطواني بحقبة تاريخ تشكل فيها المجتمع الجديد. في عصر من عصورها الزاهرة فرسموا بدقة وايجاز ما كان من مستوى رفيع وما احتوى عليه من أطعمة وأشربة وما شمل عليه من مواد طبيعية بسيطة ومن لحوم واثردة وتوابل، مما يدل على ذوق رفيع واسلوب آداب اكل عالية وحسن معاملة الضيف.

    برع الأندلسيون الاوائل في كثير من اصناف الطعام وأساليب الطبخ فيها وقد كانت لهم عناية بها وتم تدوينها في كتب خاصة، خصوصا انهم قد حملوا معهم زخما من المعارف في مجال الطبخ، اندمجت مع باقي المعارف التي دخلت في نفس الفترة، حمل الأندلسيون معهم إلى تطوان الوانا من الأطعمة والحلويات، ومازال العديد منها يحضر في المناسبات الدينية والعائلية.

    ظهر التأثير الأندلسي في مجال الطبخ في استخدام التوابل فهي تساعد على عملية الهضـم وتعمل من تنبيه للحواس، ما زالت أدوات الطبخ تحمل أسماء غرناطية مثل (اسكرفج)، مقلاة، برمة النحاس، طبيرة، خابية وغيرها. وحتى “وصلة الخبز” التي تجسدت صورتها في احدى لوحات الرسام الألماني (Weiditx) التي تعود إلى القرن في 15م.

    وبجردنا للأكلات والحلويات توصـلنا ان هناك أطباقا ورد ذكر ها في كتب الطبخ واختفت من قائمة المائدة التطوانية واخرى توارثها الاهالي وحافظوا على كل مكوناتها منها:

    البايلة (Paila): وهي ما فضـل أنواع مختلفة من الأطعمة. ما فضـل من طعام ولائم أمراء الأندلس السخية الباذخة، فكان الخدم بقصور أمراء بني أمية الفخمة يجمعون ما يتبقى من الطعام، فيقدموه للفقراء والمحتاجين”، وقد حملها معهم المهاجرين الأندلسيين، فأصبحت أكلة مشكلة من خليط من لحوم والأسماك والخضر.

    البسطيلة: يرجع اصلها مشتق من الكلمة الاسبانية (Pastel) ومن الأكلات الشهية التي هي اقتبسها عنهم الأندلسيون، وهو طبق يجمع بين الحامض والحلو يتشكل عن فطائر محشوة بخليط من لحوم الدواجن مع البيض واللوز و العسل والليمون.

    المروزية: أو التحلية كما يطلق عليها الاهالي وهي من الاطباق الحلوة (طبق معسل) أصولها من مدينة “مرو’ الفارسية، ” تحضر باللحم السمين والأهليج (البرقوق المجفف) والزبيب وخليط من التوابل الخاصة “ريوس الحوانت” تحضر في مناسبة عيد الأضحى.

    التفايا: يحضر من لحم الكبش وطريقة تخضيره خاصة حيث تقطع من صدر الكبش واجنابه ما يقع عليه الاختيار و تؤخذ خرقة جديدة ويجعل فيها زنجبيل وملح  وكزبرة يابسة وقليل من بصـل مقطوع ويربط على الخرقة وتلقى في القدر مع مرق اللحم المطبوخ.

    الثريد: يحضر من لحوم الدواجن تؤخد الدجاج وتسمط وتفتح بطونها وتخرج احشاؤها وتطبخ مع اضافة التوابل وبصل مقطوع كما يحضر معه الفطير المصنوع من العجين ثم يسقى بمرق الدجاج من غير اكثار منه، وتخرج قطع الدجاج المطبوخ ويوضع على الفطير ويسوى في وسط المثرد ويزين ببيض مسلوق وزيتون طيب ولیم مصير ويذر عليه القرفة والزنجبيل.

    الخليع: غالبا ما يهيا من اللحم والشحوم وبعض الثوابل، ويمكن حفظه لسنة او سنتين من التلف، وقد برعت اسرة الخليع الأندلسية في صنعه ، كما يشير المؤرخ محمد داود في كتابه الى إرسال قائد تطوان، أشعاش، إلى السلطان العلوي مولاي عبد الرحمان قدورا من الخليع. يقول محمد داود: «وعلى عادة القائد أشعاش مع الدار السلطانية، بعث إليها هذه المرة ثلاثين من الأواني مملوءة بالخليع، مما يدل على براعة العائلات الأندلسية التطوانية في إعداد هذا النوع من الاكل.

    المحمصة: يعجن السميد على نحو ما عجن الفداوش ويفتل مدورا ويجفف في الشمس ويطبخ مثل طبخ الفداوش سواء باللحم البقري أو الغنمي أو الدجاج.

    أما أطباق السمك فقد اشتهر الاهالي بطهيها منها “الشابل” و”لبوري” و”السردين” و”الشطون” وتحتاج الي توابل قد نستغربها اليوم كبعض الابازير وهي كثيرة ومتنوعة كالفلفل والكزبرة الخضراءواليابسة والنعناع والقرفة والكرويا والمصطكى والثوم وعود بسباس ورق اترج وورق الرند.وتطلب طهي بعض الأكلات خضرا متنوعة ذكر منها المؤلف “. الباذنجان والسفرجل والزيتون والقرع والجزر واللفت والفول الأخضر والبصل والكثير من اللوز المقشور والمحمر للتزيين.

    كما اهتم المؤلف بجرد اطعمة مغربية كانت تحضر في الاندلس، وعلق عليها بعبارات وجيزة لا تخلو من نقد ونذكر منها الكسكس والعصيدة والقلية والاحرش والبرانية والسنبوسك. وغيرها من الاطعمة التي تخفي من ورائها معنى مغربيا من فإن التأثير الغرناطي الأندلسي، وهكذا ظل متجذرا في المطبخ التطواني بأصنافه وطرقه فإن اصناف الطعام كانت تقدم بعضها مع بعض بغض النظر عن المكونات، وهي أكلات متوارثة في جميع المستويات الاجتماعية ويختلف فقط لدى الاسر الثرية التي تحضر قوائم طعام متعددة الاصناف.

    ذاع صيت أهل تطوان في البقاع بتحضير تشكيلة من الحلويات المشكلة من الفواكه الجافة كاللوز والفستق واجادوا في تحضير “الكعاب” المرشومة بمرشم خاص و”الملوزة” وكان وشكلها مستدير وبه فتحات معينة تغمرب السكر المطحون. وتشكل “القنانيط ” على جعاب من قصب المحشوة بجوز مقشور ومدروس وبعض الافاويه مع عقده بالعسل الذي يحمر في الزيت وتذرعليها القرفة. كما تصنع الاقراص المحشوة من السكر واللوز والعجين ‘(البريوات) وتترك حتى تختمر ثم تطبخ في الفرن وتوضع في غضارة ويصب عليها عسل ساخن.

    وبرعت نساء تطوان في تحضير “المجبنة (Almojatana)، تصنع من الجبن الطري فإن كان رطبا غسل بالماء وحك باليد وان كان جافا قطع قطعا صغيرة وترك في الماء حتى يرطب ويذهب ملحه ويوضع الجبن داخل قطعة العجين وبعض التوابل والخل ويبسط باليد يوضع في النار في مقلاة من زيت ويسقيها بزبد طري مصفى وعسل مذاب.

    ويصعب علينا جرد كل الحلويات واقتصرنا عل ذكر ما زال يتداول في الأفراح منها “البشكوتو بويوات” الذي يصنع من ابيض البيض المخفوق والسكر. وما يحضر في الأعياد الدينية مثل “حلوة الطابع” و “الفقاقص” و “البجماط” و”الغريبية” و”قراشيل”. و”المسمن” تصنع من الدرمك (الدقيق) ويذاب في السمن تمد به قطعة من العجين ارق ما يمكن ثم يطوى ويدهن داخله وتوضع في المقلاة ثم تسقى بالعسل الحر.

    وتعجن” الزلابية” من الدرمك وزاد الماء حتى يصبح العجين اخف ويترك في قدر حتى يختمر ثم ترفع مقلاة بزيت كثير على النار فاذا غلي الزيت اخذ من العجين الجاري وجعل في انية بفتحة في قعر ها فيجري العجين في المقلاة، ويقطر زيته فاذا وطرحناها في عسـل منزوع الرغوة ويغمس في العسـل المغلى ويترك حتى يستوفي حقه من العسل وتوضع على شباك من قصب حتى تجف.

    ولا ننكر التأثير التركي في المطبخ التطواني الذي ما يزال يحمل إلى اليوم أسـماء تركية، الثريد، المغاسن، المالوزة و’البروك’. التركي اذ تلف قطع من الجبن أو اللحم أو السبانخ في طبقات رقيقة من العجين وتشكل على شكل مثلثات أو كرات أو مربعات. بالإضافة إلى الفواكه المحلاة بالسكر والمعجنات الهشة المحشوة باللوز المطحون والفستق والجوز والمحلاة بالعسل والأطعمة المحشوة والملفوفة.

    هكذا، جرى إثراء المطبخ التطواني بكثير من الاكلات والحلويات والمعجنات التي تجمع بين توابل ومكونات بمذاق مختلف، وهي امتدادا طبيعيا لثقافات شـرقية عثمانية واندلسية حملت معها مدارس فن الطبخ والحلويات وامتزجت مع ثقافة محلية فظهرت اطباق جديدة دخلت في قائمة مهام المطابخ التطوانية، وليس من السهل جرد كل الأطباق الوافدة المحببة لساكنة المدينة لكنها لامحالة طورت في أذواق اطباقها حين جمعت بين ثقافات متباينة المشارب.

    كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

    للمؤلفة: نضار الأندلسي

    منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

    (بريس تطوان)

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد إعادة العلاقات مع المغرب.. مندوب إسبانيا بالأندلس: الهجرة السرية تراجعت بـ%34

    أهلال عبد المالك

    أكد مندوب الحكومة الإسبانية في الأندلس، بيدرو فرنانديز، أنه لا يوجد ضغط الهجرة على السواحل الأندلسية، حيث وصل عدد أقل من المهاجرين بنسبة 34٪ حتى 24 من الشهر الجاري مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021.

    وفي حديثه للصحفيين بشأن المحاولة الواسعة لدخول المهاجرين إلى سبتة يوم الأحد الماضي، أشار مندوب حكومة إسبانيا في الأندلس إلى أن التعاون  المغربي واستجابته الفورية ساعد في السيطرة على الوضع، وفق ما نقلته صحيفة “لاراثون”.

    وفي يوليوز الماضي، قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، في العاصمة التشيكية براغ، إن إسبانيا ستصر على تعزيز العلاقات مع المغرب كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في مسائل الأمن والهجرة.

    وأضاف غراندي مارلاسكا، أته “يتم إحراز تقدم في تلك العلاقة مع المغرب، وذلك في تصريح له قبل الاجتماع مع وزراء الداخلية في الاتحاد الأوروبي، وهو أول اجتماع على المستوى الوزاري تحت الرئاسة التشيكية الدورية للاتحاد الأوروبي.

    وفي إشارة إلى أحداث مليلية التي لقي فيها 23 مهاجرا سريا من دول إفريقيا جنوب الصحراء مصرعهم، وأصيب العشرات من رجال الأمن المغاربة والإسبان، أشار الوزير الإسباني إلى أنه تم التعامل مع الوضع بوسائل “متناسبة”.

    وتابع قوله: “إننا نقيم أفعالنا في جميع الأوقات، وأقول مرة أخرى إن جميع الوسائل المستخدمة في شؤون الهجرة هي وسائل متناسبة ومناسبة مع معايير الشرعية واحترام حقوق الإنسان”.

    وبخصوص الإطار الجديد لتشريعات الهجرة، أوضح مارلاسكا أن إسبانبا تركز “على التعاون مع بلدان الانطلاق في ملف الهجرة، حتى لا يضطر سكان هذه البلدان إلى المغادرة لأسباب اقتصادية”، مشددا على أن الهدف هو خلق هجرة “قانونية وآمنة ومنظمة”.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أكثر من نصف الأراضي الإسبانية معرضة لخطر التصحر

    طرحت وزارة التحول البيئي والتحدي الديموغرافي  الإسباني مشروع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التصحر في أبريل الماضي، والتي تهدف إلى التخفيف من آثار التصحر في إسبانيا، واستعادة المناطق التي تعرضت للتدهور بالفعل.

    وتحذر الوزارة في مسودة الاقتراح من أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأراضي الإسبانية، أي 74٪، معرضة لخطر التصحر، وهي الأقاليم ذات “عمليات التعرية الأكثر شمولا” هي الأندلس وكاتالونيا.

    تسارع التدهور التدريجي للمناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة لأسباب اجتماعية واقتصادية بحتة. أدى الاستخدام الزراعي للأسطح الاصطناعية وتحويل المحاصيل البعلية إلى محاصيل مروية إلى أن النشاط البشري، إلى جانب زيادة مزارع الماشية المكثفة، هو أحد العوامل الرئيسية في زيادة المناطق المعرضة لخطر التصحر.

    ضمن الاستراتيجيات التي اقترحها التقرير، التشجير واستعادة الغطاء النباتي، وتحديث الري والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية في المزارع.

    تتنوع أسباب حدوث هذه العمليات، لكن عوامل مثل الجفاف والجفاف والتعرية وحرائق الغابات والإفراط في استغلال طبقات المياه الجوفية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى خلق أكثر المناظر الطبيعية للتصحر شيوعا.

    ومع ذلك، فإن الوزارة تربط سبعة شروط خاصة يمكن أن ترتبط بتدهور مناطق معينة.

    الاختلافات في منهجيات القياسات والرصد تجعل أسباب مثل تملح التربة معقدة للغاية للاندماج. وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن حوالي 3٪ من المناطق كانت بها درجة شديدة من التملح، مما حال دون استخدامها الاقتصادي. واليوم سترتفع المنطقة المتضررة سبع نقاط لتصل إلى 10٪.

    يؤثر جفاف التربة قبل كل شيء على المناطق الوسطى والشرقية من شبه الجزيرة الأيبيرية، والمناطق الجبلية في الأندلس وإكستريمادورا. ملقة وبرشلونة، المناطق التي توجد فيها أكبر عمليات التعرية، تفقد ما يقرب من 90 طنا لكل هكتار من الأراضي الزراعية سنويا.

    ووفقا للمتحدث باسم غرينبيس، جوليو باريا، فإن هذا المشروع يمثل فرصة عظيمة لمعرفة المزيد عن حالة التصحر في إسبانيا. ومع ذلك، فهو يقر بأن هذا التشخيص لن يكون ذا جدوى إذا لم يقترن بإجراءات سياسية مثل “ترشيد وتقليل عدد المحاصيل في إسبانيا”.

    يشير غابرييل ديل باريو، وهو جزء من المحطة التجريبية للمناطق القاحلة (EEZA)، إلى أن الطريقة الوحيدة لحل الوضع هي الالتزام بالمشاكل الاجتماعية والثقافية، لأن “العمليات التي تنشأ عنها تنتج ثروة في المجتمع المحلي وتساهم في إبقاء السكان”

    إقرأ الخبر من مصدره