الفتيل: وهي عملية إعداد حبوب الكسكس المعروف في مختلف أنحاء المغرب، وكانت هذه العملية تتم في فصل الصيف بالخصوص، وذلك في جو معلوم، تستدعي فيه السيدة أو السيدات العارفات بقواعد العمل (الفثالات)، فيجدن المواد والمعدات اللازمة للعمل، حيث تهيأ لهن الأطباق (جمع طباق، وهو وعاء متسع من الخوص، يستعمل لحك كريات الكسكس ودلكها باليد) والمعاجن (جمع معجنة، وهي إناء من الفخار لتخليط السميد بالدقيق والماء)، وكذا كميات السميد والدقيق والماء والملح اللازمة لكل ذلك.
وهكذا يشرع في عملية الفتل، وذلك برش السميد المخلوط مع الدقيق بالماء والملح، ثم يفرك ويفتل يمينا ويسارا حتى تتكون من الخليط حبيبات الكسكس التي تتفاوت أحجامها، وهنا يغربل الخليط، ليحتفظ بالكسكس المفتول، بينما ترجع الحبيبات الغير المتجانسة إلى الطبق لتدلك وتفتل من جديد
وبعد الحصول على الكمية المناسبة من الكسكس، يتم تبخيره على النار، ليعرض في النهاية على الشمس فوق أزر نظيفة، وهكذا يبقى الكسكس عرضة للشمس خلال عدة أيام، يجمع فيها عشية ثم يعرض في الصباح، حتى يجف تماما، فيتم حفظه في البراميل الخشبية الكبيرة، ليستعمل عند الحاجة.
أما الحبوب الغليظة (الريوس) التي تتكون أثناء العملية، فقد يحتفظ بها لطبخها على شكل حريرة بما يعرف باسم (المحمصة) أو (المقطفة).
تقطير الزهر والورد: وعملية تقطير الزهر تقع في فصل الربيع، عندما تزهر أشجار النارنج بالخصوص، وتخرج براعمها التي تجنى من طرف أصحاب هذه الأشجار، الذين يأتون بتلك البراعم من قراهم القريبة أو من أغراسهم وجناناتهم، وغالبا ما يلفونها داخل خرق من القماش تسمى “السبنية” أي المنديل، حتى لا تتلف وتذبل، وفي السوق يتم البيع بالمعاينة، حسب الكمية التي بضمها (المنديل)، وقد يعلو الثمن أو ينخفض، حسب العرض والطلب وفي البيت، يتم فرد تلك الأزهار الطرية في مكان لا تتعرض فيه للشمس، ثم بعد يوم أو يومين، تتم عملية التقطير، حيث تهيأ “القطارة”، وهي عبارة عن برمة تملأ بالماء وتوضع على النار، ويعلوها “كسكاس” يملأ بالأزهار المذكورة، وفوق هذا “الكسكاس” توضع برمة أخرى تملأ بالماء البارد المتجدد بكيفية مستمرة، ويحمل “الكسكاس” المذكور أنبوبا يتصل بإناء خارجي هو الذي سيستقبل القطرات المنبعثة من عملية التقطير، حيث يصعد البخار من البرمة السفلى، ويمر على الزهر، ثم يبرد بواسطة الماء الموجود في البرمة العليا، لكي يتحول إلى سائل، هو الذي يسمى “ماء الزهر”.
وتتم هذه العملية بمراقبة دقيقة من طرف السيدة المسؤولة عنها، حيث لا تغفل أبدا عن إضافة الماء بالبرمة السفلى إذا ما تبخر جميعه بالغليان، وكذا لا تغفل عن تبديل الزهر الذي يذبل ويسود لونه كلما طالت عملية تبخيره وتقطيره، كما لا تغفل عن تبديل الماء بالبرمة العليا، حيث لا ينبغي أن يسخن أبدا، وذلك حتى يتم تحول البخار المنبعث من الزهر إلى سائل.
كما أن السيدة تقوم أيضا بإعداد القوارير الزجاجية التي تملأ بماء الزهر المقطر، وتقفل بطريقة محكمة حتى لا يدخلها الهواء، علما بأن هذه القوارير تتفاوت في جودة ماء الزهر الذي تحتويه، مما يجعل السيدة ترقمها بأرقام من 1 إلى آخر رقم وصلت إليه القوارير، حسب كمية الزهر، وبالطبع فإن القارورة رقم 1 في كل عملية تقطير، تكون هي الأكثر جودة.
ومعلوم أن مخزن العولة في البيت التطواني، لا يخلو أبدا من قوارير “ماء الزهر” المقطر، الذي يحفظ طوال السنة، والذي يستعمل لصنع الحلويات، وللتطيب والتبرد أثناء فصل الصيف، كما يستعمل للدواء أحيانا.
أما عملية تقطير الورد، فهي عملية شبيهة بعملية تقطير زهر النارنج، إلا أنه يستعمل فيها الورد الحر، عوض زهر النارنج. ويحتفظ بماء الورد كما يحتفظ بماء الزهر، حيث يستعمل أيضا لنوع آخر من الحلويات، وكذا للتطيب وللتداوي.
العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية
ذ. حسناء محمد داود
منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة
(بريس تطوان)
يتبع…
