حاورته: زينب مركز
كان شكل احتفاء المغاربة بأداء المنتخب المغربي مبهرا حبل بقراءات متعددة. كباحث سوسيولوجي ما هي دلالات احتفاء المغاربة داخل وخارج المغرب منذ الفوز على بلجيكا ثم التأهل؟
في ما يتعلق بالدلالة، لا ننسى أننا في نشاط رياضي هو بطبيعته نشاط فرجوي ترفيهي يتأسس على فكرة الترويح والاستجمام. كما نعرف أنه في مغربنا والعالم العربي عموما هناك ضعف هائل في الدراسات المرتبطة بالممارسة الترفيهية والوقت الحر، حتى أكاد أجزم على أنه ليست لنا سياسة عمومية في مجال الترويح والممارسات السوسيو ثقافية للوقت الحر عموما. فالرياضة كجزء من اللعب تعيد النظر في العلاقات الإنسانية وتجعل الإنسان يتجاوز ذاته.
نحن أمام حدث رياضي، بما يعرفه من تحريك للكثير من المشاعر، مثال بسيط: الابن حين يلعب مع أبيه يحاول أن يفوز عليه خارج نطاق الاحترام الأبوي الذي هو متعود عليه في العلاقات الاجتماعية، لأن كل واحد يحاول أن يدافع عن نفسه. نحن نجد المغاربة يحبون فرقا غربية أوروبية غير مغربية وقد يتصارعون ويتخاصمون مع زملائهم ومواطنيهن بسبب الحماس لهذه الفرقة الأجنبية أو تلك، فأخلاقيات الوقت الحر كما نقول كسوسيولوجيين تتفاعل أحيانا بشكل مفارق مع الأخلاق والقيم الاجتماعية العادية والتي تؤدي أحيانا إلى الانفجارات المختلفة إذا لم يتم تنظيم هاته الميولات وهذا النوع من الاحتفاء والاحتفال والانتشاء، كما نراه على شكل الألترات التي تتصارع. مع الأسف هناك دراسات كثيرة في قضايا الإلترات، ولكنها تهتم بالجانب القانوني دون اهتمامها بالجانب السوسيولوجي والنفسي، لأنها لا تأخذها كظاهرة أو كمؤشر من مؤشرات انعدام هذه السياسة العمومية في مجال الترفيه والوقت الحر، والتي تقوم على زرع الروح الرياضية، لأننا عندما ننتصر، حتى ولو انتصرنا، فماذا سيغير في واقعنا؟ لن نغير أي شيء، ولكن الإنسان يحتفل بهذه الأشياء بخلفيات نفسية واجتماعية عميقة.
لكن ماذا عن شكل احتفاء المغاربة غير المسبوق بأداء المنتخب في مونديال قطر؟
إنها أول كأس عالم تنظم في دولة عربية وبالتالي فهي نوع من الانتصار بغض النظر عن النقاشات حول استحقتها قطر أم لا، أو حول التمويلات، فقطر ليست البلد الوحيد الذي يقع في هذا.. إذن هناك طلب جماهيري وليس فقط مغربي على استحقاق تنظيم مباراة دولية من حجم المونديال، رأينا كيف أن العالم العربي وحتى الفلسطيني تفاعل، ما عدا الجزائر وهي حالة شاذة يجب أن تُدرس..
ما يفسر الاحتفاء المغربي داخل وخارج المغرب أننا نحتفل كشعب واحد على اختلاف الإثنيات والتمايزات الثقافية واللغوية التي ذابت. حين نأخذ الدساتير العربية نجد أن المغرب هو البلد الوحيد الذي تنص ديباجة دستوره أن المغاربة ليسوا عرقا ولكنهم انصهار لمجموعة أعراق وروافد ثقافية ودينية متعددة، بل أكثر من هذا أنه بدأ ينفتح على مغاربة العالم، ليس لأن الجنسية المغربية لا تسقط ولكن لأنه يحاول أن يحتفظ ويقوي هذا الرابط الاجتماعي الذي لم يندثر حتى ونحن أمام الجيل الخامس للهجرة. إذن المغرب ظل محافظا على هذا الانصهار بين مكوناته وتأسست الدولة الوطنية عندما استقل المغرب على هذا التصور بكون العلاقات بين المواطن ونظامه السياسي علاقات ولاء واختيار وانتماء وليست علاقات إجبار. لهذا استطاع المغرب أن يحقق هذه العلاقة بين المواطنين وبالتالي هؤلاء المواطنون المغاربة سواء كانوا مشجعين أو لاعبين بتعدد لغاتهم وثقافاتهم وطبقاتهم الاجتماعية وتنشئتهم في بلدان مختلفة، كلهم انخرطوا في هذا الاحتفاء بنشوة الانتصار. وكأن المنتخب المغربي حقق هذا الانصهار للمغرب، فالمنتخب الوطني هو امتداد للسيادة الوطنية وبالتالي هناك الاعتزاز بفخر هذا الانتماء مع كل فوز. لاحظنا مغربيا يأتي من أمريكا ويشتري بطاقة الحضور التي وصلت في السوق السوداء إلى مليون سنتيم وما فوق، وهناك من المغاربة من هم مستعدون أن يشتروها بأكثر.. إذن هذا يمثل نوعا من النشوة ومن الفخر بالانتماء والرغبة في إعلان هذا الانتماء انطلاقا من الملعب، ولا ننسى أن وظائف الترويح متعددة وهناك أتحدث أساسا على الجانب النفسي.
ما هي الأبعاد النفسية والاجتماعية وراء هستيريا الفرح التي رافقت شكل احتفاء المغاربة؟
إنه الغبن الذي يعيشه مغاربة العالم في بلدان إقامتهم أو أحيانا تجاه بعض العلاقات القانونية مع البلد الأم. وهاهم يحاولون الآن أن ينتصروا ضد هذا الغبن وأن يفتخروا بانتمائهم ويشهروه، وعلى السياسيين أن يلتقطوا هذه الرسالة في ما يتعلق بالمشاركة السياسية لمغاربة العالم والتي نص عليها الدستور وجاءت في الخطب الملكية، ولحد الآن لم يتم تنزيلها. إذن هذه بعض العناصر التي نحاول أن نفسر بها هذه الفرحة وهذه النشوة وهذا الاهتمام، لأنه ليس انتصار فقط للهوية ولكنه انتصار لمعارك أخرى تدور على الفضاء الأزرق لمن يحاول أن يمس بهذه الهوية المتعددة الروافد والمنابع. لقد تبين أن المغرب أصبح رقما من الأرقام الصعبة في النظام الرياضي العالمي الجديد، لأننا لا ننسى أن الاقتصاد الثقافي والاقتصاد الإبداعي وضمنه الرياضة هو جزء من فرض الوجود. نتذكر حين كان عويطة ونوال يركضان كيف كان المغاربة ينشدون لأخبار المذياع والتلفزة وكيف يشجعون هاتين الأسطورتين الرياضيتين، وكيف أن هذه الرموز دفعت بالكثيرين إلى الاهتمام بالرياضة وخوض غمارها، وكسروا هذا الحاجز النفسي الذي كان يرى أن الأبطال غربيون فقط ولم يكونوا لا أفارقة ولا عربا ولا حتى مغاربة. لكن هذه الرموز هي التي لا نجدنا نحتفي بها في بلدنا، طوفي كل شوارع المملكة ولن تجدي أسماء هؤلاء الأبطال، بل مع الأسف نجد أسماء لا تمت لواقعنا المغربي بصلة. نفتخر بعويطة ونوال ولا نجد اسما لهما على شوارعنا، بينما يجب أن يكرم أمثالهم في حياتهم وأن يكونوا قدوة، خاصة وأن الجانب الترويحي وأنشطة الوقت الحر لها دور أساسي في توجيه العنف نحو القضايا النبيلة. وهو ما لن يتحقق إذا تركنا هذا العنف – الذي هو شيء غريزي في الإنسان – دون أن نؤطره بالرياضة وبالكثير من الممارسات الترويحية ليصبح عنفا منتجا.
إذن الرياضة والأنشطة الترويحية ليست مضيعة للوقت كما ندعي دائما، بل بالعكس تدخل في إطار بناء الإنسان كما في حكمة «العقل السليم في الجسم السليم». فتبني الجسم وكذلك تبني العقل من خلال الرموز التي ينتجها الوطن ويحافظ عليها، وقد تصبح هي البوصلة التي تقود الأجيال المقبلة، لأن الجيل المغربي اليوم لديه نماذج ناجحة من المهاجرين، ولو كانت لديه نماذج أخرى تقدمها شاشات التلفزة وتقدمها السياسات المغربية العمومية في احترام لخصوصيات كل فرد، لكانت للشباب نماذج متعددة إيجابية للنجاح، فثقافتنا غنية ولكن لا يتم الاهتمام بها.
وبالتالي فأنشطة الترويح لها مكانتها ودورها، لكن للأسف نلاحظ فراغا مدقعا في التنظير لسوسيولوجية الثقافة وهناك غياب تام لسوسيولوجية الترويح والوقت الحر، ونقص مهول في السياسة العمومية المتعلقة بأنشطة وقت الفراغ. يجب أن نفهم أن كرة القدم كرياضة هي واقعة اجتماعية شاملة، لأنها تمس كل جوانب الحياة المجتمعية، تمس الاقتصاد، والصناعة، والثقافة، وتمس التناسق الاجتماعي من حيث البعد النفسي والبعد الهوياتي. تمس كل جوانب الحياة، لأن الفريق لديه طاقم يشتغل معه، من طب وإعداد رياضي وبناء ملاعب والاعتناء بها، وبالتالي فهذا النشاط الرياضي يحقق الكثير من الأمور المرتبطة بالصحة النفسية والجسدية.




