الخط : A- A+
أعلنت السلطات المختصة عن ارتفاع حصيلة انهيار بنايتين متجاورتين بحي المستقبل بالمنطقة الحضرية المسيرة بمدينة فاس إلى 22 شخصاً، فيما أصيب 16 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، في فاجعة عمرانية جديدة هزت المدينة وأعادت إلى الواجهة أسئلة المسؤولية والرقابة وواقع برامج محاربة السكن غير اللائق. هذا الحادث الأليم لم يكن مجرد سقوط بنايتين، بل كان سقوطاً مدوياً لمنظومة عمرانية كاملة، تتقاطع مسؤوليتها بين قطاعات متعددة وتكشف حجم التراخي الذي سمح بحدوث كارثة بهذا الحجم.
وحسب المعطيات المتوفرة فإن البنايتين شُيدتا سنة 2006 في إطار برنامج “فاس بدون صفيح”، ضمن مشاريع البناء الذاتي لفائدة الأسر القادمة من دوار “عين السمن”، لكن ورغم الطابع الرسمي للبرنامج فقد تبيّن أن عملية البناء تمت بشكل غير قانوني، إذ ينص مخطط التهيئة على تشييد طابق سفلي وطابقين فقط، غير أن بعض المستفيدين عمدوا إلى رفع عدد الطوابق إلى ثلاث وأربع وحتى خمس، في خرق مباشر للضوابط العمرانية.
ولعل ما زاد الوضع سوءاً أن جزءاً من السكان بنى بإمكانات مالية محدودة، ما انعكس على جودة المواد المستعملة وجعل البنايات هشة وغير مطابقة للمعايير التقنية المطلوبة، حيث تشير المعطيات إلى أن إحدى البنايتين المنهارتين كانت مكوّنة من أربعة طوابق، وأن سقوطها أدى مباشرة إلى انهيار البناية المجاورة بفعل الترابط البنيوي بينهما.
ومباشرة بعد وقوع هذه الفاجعة، سارعت السلطات إلى إطلاق مسارين متوازيين للتحقيق، مسار قضائي تحت إشراف النيابة العامة لتحديد المسؤوليات الجنائية المباشرة، ومسار إداري وتقني يستند إلى خبرة مكتب دراسات متخصص لجمع المعطيات وتحديد الأسباب الهندسية للانهيار وضبط أي إخلالات محتملة في المساطر القانونية والتنظيمية المتعلقة بالبناء والتعمير، والهدف المعلن هو تحديد حجم المسؤوليات التقنية والإدارية الناتجة عن هذه الكارثة، وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على كل طرف ثبت تورطه أو تقصيره، مع ضمان تعزيز معايير السلامة في مشاريع البناء مستقبلاً.
لكن أمام هذه الكارثة التي أودت بحياة مواطنين، يُطرح سؤال جوهري قوي: من المسؤول؟ هل هي وزارة الداخلية بما تضمّه من سلطات محلية ولجان مراقبة كان يفترض أن تمنع أي تجاوز في العلوّ أو في جودة البناء؟ أم وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة التي تشرف على مخططات التهيئة لكنها تفتقر إلى استراتيجيات وآليات التتبع بعد التفويت؟ أم الجماعات الترابية التي تملك صلاحية منح الرخص ومراقبة مطابقة الأشغال للقانون؟ أم أن المسؤولية مشتركة بين الجميع، بين من بنى خارج الضوابط ومن سمح له بالصمت أو التجاهل أو التساهل؟ الواقع أن هذه الفاجعة لم تكن ثمرة خطأ واحد أو جهة واحدة، بل نتيجة خلل بنيوي راكمته سنوات من غياب الرقابة الفعلية وترك البناء الذاتي يسير نحو العشوائية داخل برامج حكومية يفترض أن تكون مؤطرة ومحكمة، لكن الواقع يكشف أنه يتم الترويج لها واستغلالها سياسيا.
وإذا كانت الجهات المختصة تتغنى بأن برنامج “مدن بدون صفيح” الذي انطلق سنة 2004 حقق نتائج معتبرة، معلنة أن 62 مدينة أصبحت خالية من الصفيح، وأنه تم الاعتماد في السنوات الأخيرة منهجية جديدة تقوم على الانتقال من إعادة الإيواء إلى “إعادة الإسكان” ودمج القطاع الخاص في إنجاز الشقق السكنية، من خلال البرنامج الخماسي 2024–2028 الذي يهدف لمعالجة وضعية حوالي 120 ألف أسرة متبقية، فإن فاجعة فاس فنّدت هذه الادعاءات وكشفت عن وجود مخاطر بنيوية داخل البرنامج، أبرزها ضعف المواكبة التقنية وغياب التتبع بعد تمكين المستفيدين من البقع الأرضية، ما يفتح الباب أمام بناء عشوائي بمظهر قانوني لكنه يظل هشاً وخارج الضوابط.
إن الأرواح التي أزهقت والدماء التي سالت بالأمس ليست أرقاماً في بيان رسمي، بل إنها ارواح لمواطنين وأطفال سقطوا ضحية منظومة لم تمارس دورها كما ينبغي، مما يجعل السكوت على هذه المجزرة العمرانية جريمة وتواطؤ، بحيث لا يمكن التغاضي عنها وطيّ صفحتها دون مساءلة حقيقية وشفافة تشمل كل المتدخلين، من السلطات المحلية إلى أجهزة التعمير والهيئات المنتخبة وكل من يفترض فيه مراقبة، منع أو إيقاف ما تم بناؤه خارج القانون.
فحين تسقط البنايات بهذه الطريقة، فإن الحجر يفضح ما تراكم من أعطاب، ويُعرّي ثغرات الرقابة ويضع برامج الدولة تحت المجهر، والمطلوب اليوم ليس فقط تحديد سبب الانهيار، بل معرفة لماذا بُنيت هذه الطوابق أصلاً، ومن سمح بوجودها، ومن أغفل دوره، وكيف تحوّل حق السكن إلى خطر يهدد حياة المستفيدين.
إن مدينة فاس التاريخية اليوم لا تحتاج إلى بيانات الأسف وتدوينات التعزية والمواساة، بل إلى حقيقة واضحة ومحاسبة عادلة وإصلاح شامل لقطاع التعمير، لأن ما وقع لم يكن كارثة طبيعية بل نتيجة مباشرة لتسامحات إدارية وتراكمات تنظيمية سمحت ببناء هش داخل برنامج وطني ضخم، والأرواح التي فُقدت ليست رخيصة، ولا يجوز أن تذهب هدراً في غياب المحاسبة. فحين تغيب الدولة ممثلة في القطاعات الحكومية المعنية في مرحلة المراقبة، يعود حضورها متأخراً وسط الركام.
إقرأ الخبر من مصدره