Étiquette : 2000

  • استدعاء حمد الله.. رهان السكتيوي على الخبرة في كأس العرب 2025

    قرار ضم عبد الرزاق حمد الله إلى قائمة المنتخب الوطني الرديف لا يمكن قراءته كخبر عابر، بل كخطوة تكتيكية مدروسة من طرف المدرب طارق السكتيوي، الذي يسعى لإيجاد التوازن بين طموحات الشباب وثقل التجربة في بطولة كأس العرب المقبلة بقطر.

    فحمد الله، الهداف التاريخي للدوري السعودي، يظل رقماً صعباً في أي مسابقة يشارك فيها، نظراً لحسه التهديفي وخبرته الطويلة في الملاعب الخليجية. استدعاؤه اليوم يوجه رسالة واضحة: المنتخب الرديف لم يعد مجرد مدرسة لإعداد الخلف، بل مشروع تنافسي يرمي للظفر باللقب العربي بعد إخفاق النسخة الماضية أمام الجزائر.

    هذا التوجه يعكس أيضاً تراجع الجامعة عن خيار الاقتصار على اللاعبين من فئة 2000 وما فوق، وهو تعديل يمنح السكتيوي حرية أكبر لتطعيم تشكيلته بأسماء قادرة على قيادة المجموعة وتقديم الإضافة داخل وخارج الملعب.

    الرهان الآن سيكون على مدى قدرة المدرب على دمج عناصر مثل حمد الله مع لاعبين واعدين ومحترفين آخرين مرشحين، كوليد الكرتي وأشرف داري وسفيان الرحيمي، في تركيبة منسجمة قادرة على المنافسة.

    وبين حماس الجيل الجديد وخبرة النجوم العائدين، يبدو أن المنتخب الرديف يدخل كأس العرب 2025 بطموحات أكبر من مجرد المشاركة، بل برغبة في التتويج وكتابة صفحة جديدة للكرة المغربية على الساحة العربية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جماهير برشلونة تستقبل فيغو بالأهازيج القديمة

    قبل خمسة وعشرين عاما، دوّى في الملاعب الإسبانية والعالمية واحد من أكثر الانتقالات إثارة في تاريخ كرة القدم، حين غادر البرتغالي لويس فيغو قميص برشلونة لينتقل مباشرة إلى ريال مدريد، في خطوة وُصفت آنذاك بالخيانة الكبرى لجماهير “البلوغرانا”.

    ورغم مرور ربع قرن، فإن الذاكرة الكتالونية ما زالت تأبى نسيان تلك الصفقة التي قلبت موازين الكرة الإسبانية، وفتحت جرحاً لم يندمل بعد.

    في يوليو الماضي، عادت الذكرى الخامسة والعشرون لتلك الحادثة لتثير مجدداً مشاعر الغضب، قبل أن يتجدد الجدل أكثر بزيارة فيغو إلى برشلونة بصفته الحالية كمستشار للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث رافق ألكسندر تشيفرين لحضور مواجهة دوري الأبطال بين برشلونة وباريس سان جيرمان بملعب مونتجويك.

    زيارة لم تمر مرور الكرام، إذ أثارت استياء الجماهير التي لم تغفر حتى اليوم رحيله إلى الغريم المدريدي، لتتعالى من جديد الأهازيج القديمة التي تصفه بالخائن، في مشهد أكد أن الجراح ما زالت مفتوحة.

    وإذا كان فيغو قد جلس في المنصة الرسمية إلى جانب تشيفرين ورئيس برشلونة خوان لابورتا، فإن ذلك لم يُبدد مشاعر القطيعة.

    بل إن الرئيس الأسبق خوان جاسبارت عبّر صراحة عن رفضه مصافحته، مؤكداً أن فيغو لا يزال شخصاً غير مرغوب فيه بالنسبة له، في انسجام تام مع ما خلفته تلك الحقبة من صدمات رياضية للنادي.

    ومع ذلك، فضّلت جماهير برشلونة في النهاية توجيه أنظارها نحو اللقاء الكبير، الذي خطف فيه باريس سان جيرمان الأضواء بانتصاره على الفريق الكتالوني، ليبقى حضور فيغو تفصيلة جانبية في ليلة أوروبية مشتعلة.

    ورغم تغير الزمن، لا تزال تلك الصفقة الاستثنائية تُعد من أكثر الانتقالات إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم، إذ لم يُسجل أن قائد برشلونة وأيقونته انتقل مباشرة إلى ريال مدريد من قبل.

    وما حدث عام 2000 يظل محفوراً في ذاكرة النادي، كجرح رمزي يؤكد أن بعض الخيانات الكروية لا يطويها الزمن، مهما طال.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الكاتب الأمريكي « رايموند كارفر » .. عبقرية قصصية على حافة الخراب


    عبد الله الساورة

    دخل رايموند كارفر ذات يوم إلى قاعة لتدريس الكتابة الإبداعية مترنحا، تفوح منه رائحة الكحول، قرأ قصة قصيرة عن زواج محطم، وترك نصف الطلبة يبكون قبل أن يغادر وهو يتمايل. وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، حين كان قد بدأ النشر بالفعل؛ لكنه كان مفلسا، عالقا في فوضى حياته. لم يعرف طلابه يومها إن كان مصدر إلهام أم كابوسا حيّا؛ لكنهم لم ينسوه أبدا. ذلك هو كارفر: فوضوي، خام، غير قادر على فصل تدميره الذاتي عن الكلمات التي يسكبها على الورق. فكيف تشكلت قصصه؟ وكيف تشكل على مقام القصاصين الكبار؟ تلك هي الحكاية…

    رايموند كارفر.. سيّد القصة الأمريكية

    في زمنٍ كان الأدب الأمريكي يبحث فيه عن أصوات جديدة تعبّر عن قلق الإنسان العادي، ظهر اسم رايموند كارفر (1938 – 1988) ليغيّر قواعد اللعبة. لم يكن روائيا بالمعنى التقليدي؛ بل حاكٍ كبير للحياة اليومية في شكلها الأكثر قسوة وهشاشة. وبفضل قصصه القصيرة المكثفة، البسيطة ظاهريا والعميقة إنسانيا، استحق لقب “تشيخوف أمريكا”.

    وعلى الرغم من رحيله المبكر في الخمسين من عمره، فإن كارفر خلّف أربع مجموعات قصصية أساسية، إضافة إلى مختارات نُشرت بعد وفاته. وكانت مجموعته القصصية الأولى “هلّا تلتزم الصمت، من فضلك؟” (1976). وكانت هذه المجموعة بطاقة تعارفه مع القراء والنقاد، وقد رشحت لجائزة الكتاب الوطني الأمريكي، لتكشف منذ البداية عن صوته المختلف، البارد والنافذ في التقاط هشاشة العلاقات الإنسانية. ثم جاءت المجموعة القصصية الثانية متحدثة عن الحب الملتبس بعنوان “عمّا نتحدث حين نتحدث عن الحب”، (1981). وهنا جاء التحوّل الأبرز، حيث بدا كارفر في أوج قوته التعبيرية. اختزل الحب إلى تفاصيل صغيرة، محادثات متقطعة، وصمت ثقيل بين الأزواج. وقد ألهمت هذه المجموعة القصصية كتّابا وسينمائيين لاحقين، وأدخلت القصة القصيرة الأمريكية مرحلة جديدة من التكثيف والواقعية القاسية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وبعد سنتين فقط، نشر كارفر مجموعته الأشهر بعنوان “كاتدرائية” (1983). وشكلت هذه المجموعة منعطفا في مسيرته، إذ أظهر فيها دفئا وتعاطفا أكبر مع شخصياته بنقلة إنسانية. اعتُبرت القصة، التي تحمل هذه المجموعة عنوانها، من أعظم القصص القصيرة في القرن العشرين وقدمت نموذجا مختلفا عن نبرته السابقة: أقل قسوة، وأكثر إنسانية.

    وقبل رحيله بأشهر قليلة، صدرت في بريطانيا مجموعة “الفيل وقصص أخرى” (1988) وفي الولايات المتحدة نشرت في السنة نفسها مختارات شاملة تحت عنوان “من حيث أتصل”. وجمعت هاتان المجموعتان قصصا جديدة وأخرى مختارة من أعماله السابقة، فبدتا بمثابة وصيته الأدبية الأخيرة.
    ولم تنته حكاية كارفر برحيله. ففي عام 2000، صدر كتاب: «اتصل إذا احتجت إليّ: القصص غير المنشورة ونصوص أخرى”، الذي جمع أعمالا لم تر النور في حياته، إلى جانب مقالات وانطباعات نقدية. وفي عام

    2009، أعادت زوجته الشاعرة تِس غالاغر نشر النصوص الأصلية لمجموعة 1981 تحت عنوان “المبتدئون”. وكشفت هذه النسخة للقارئ كارفر كما كتب فعلا، قبل أن يخضع لتحرير قاسٍ من محرره غوردون ليش؛ ما سمح لنا بأن نرى الفارق بين الكاتب والمحرر، وبين الصوت الخام والصوت المنشور.

    وهكذا، من «هلّا تلتزم الصمت، من فضلك؟» إلى «المبتدئون»، كتب رايموند كارفر قصصا صغيرة عن حياة تبدو عادية؛ لكنها في الحقيقة مرايا لانكسار الروح الإنسانية. ولم يترك روايات كبرى؛ لكنه ترك إرثا قصصيا يُقرأ حتى اليوم كدروس في الاقتصاد اللغوي وعمق الإحساس الإنساني.

    ولقد علّمنا أن الأدب العظيم لا يولد من الملاحم الضخمة فقط، بل أيضا من كأسٍ نصف ممتلئة على طاولة مطبخ، ومن صمتٍ يطول بين عاشقين، ومن طائرٍ يحلّق بعيدا تاركا فراغا أثقل من الكلمات.

    فصل المقال بين العبقرية والانهيار

    بدت قصص رايموند كارفر بسيطة للوهلة الأولى: مطابخ متواضعة، وأزواج يتشاجرون حول منفضة سجائر، وطفل ينزف أنفه، لكن داخل هذه التفاصيل اليومية كان يكمن العنف، والوحدة، ورهافة تمزق القلوب كالزجاج. وما لم يره القراء دوما هو أن تلك القصص خرجت من عمق حياته الشخصية. فقد كان يشرب بإفراط، يتشاجر مع زوجته الأولى، يكسر الأثاث والوعود، ويهدم نفسه. وقال أصدقاؤه إن وقع زجاجات الخمر يمكن سماعه في إيقاع جمله القصصية.

    وفضيحة حياة كارفر أنه لم يكن بالإمكان فصل عبقريته عن انهياره، حيث دخل المستشفى مرات عديدة، وألقى محاضرات برؤوس مثقلة بصداع الخمور. أما محرره الشهير غوردون ليش فقد جرد نصوصه حتى العظم، إلى درجة أن كارفر اعترف لاحقا بأنه بالكاد يتعرف عليها. وهنا السؤال الذي ظل يلاحق النقد الأدبي: هل كان أسلوبه “المينيمالي” ملكا له، أم ثمرة مشرط رجل آخر؟ الجدل لم يُحسم إلى اليوم.

    ومع ذلك، فعل كارفر ما لم يتوقعه كثيرون: نهض من بين الرماد. وفي الثمانينيات، أقلع عن الشرب، وجد الحب مع الشاعرة تيس غالاغر، وبدأ يكتب بصفاء يشبه نور الشمس بعد سنوات من العتمة. وكان يعلم أن الزمن يلاحقه – فقد كان سرطان الرئة ينمو داخله – لكنه في سنواته الأخيرة أنتج أجمل أعماله وأكثرها إشراقا.

    وحياة رايموند كارفر لم تكن مستقيمة ولا منضبطة؛ بل كانت متصدعة، فاضحة، مأساوية. وربما لهذا تحديدا ظلت قصصه قريبة من القارئ: لأنها لم تدّعِ يوما أن الحياة غير ما هي عليه بالفعل – قاسية، عادية، وأحيانا، بشكل معجِز، مغمورة بالنعمة.

    البطل الهش.. مقاومة صمت الحياة وثقل العزلة

    تشكّل قصص رايموند كارفر مختبرا فريدا لفهم معنى البطولة في الأدب الحديث. ولا يقدّم الكاتب الأمريكي بطلا تقليديا يمتلك ملامح خارقة أو حضورا ساطعا، وإنما يرسم شخصيات من الهامش، أفرادا عاديين يقاومون صمت الحياة وثقل العزلة. وتكمن البطولة هنا في البقاء، في مواجهة اليومي المملوء بالخيبات، وفي القدرة على الاستمرار رغم كل ما ينهار من حولها.

    وتتجلى إشكالية البطل عند كارفر في غياب البطولة المألوفة، حيث يصبح السؤال عن ماهية البطل أهم من دوره في الحكاية. فرجل عاطل عن العمل يراقب سقوط زواجه، وامرأة تعود من يوم طويل لتجد نفسها محاصرة بجدران الصمت، وأب متردد في التعبير عن عاطفته تجاه أبنائه. وتكشف كل هذه الشخصيات عن هشاشة البطل وتطرح بديلا جديدا: البطولة في الضعف، البطولة في الاعتراف بالعجز. يقول كارفر في قصة “المبتدئون”: “كانوا يتحدثون عن الحب كما لو كان شيئا ملموسا، شيئا يمكن وضعه على الطاولة، ثم رأيت كيف بدا كل واحد منهم عاجزا عن الإمساك به.”

    ويتأسس عالمه على رؤية عميقة للذات. والبطل عنده مرآة مشروخة، يرى نفسه في انعكاس مكسور، ويحاول لملمة شتات هويته وسط انكسارات متلاحقة. ومن خلال ذلك، تتحول الذات إلى ساحة صراع، حيث يواجه البطل ضعفه وتردده، ويواجه أيضا رغباته التي تتبدد. وتكشف هذه الرؤية عن أطروحة كبرى: الإنسان كائن محكوم بالصمت أكثر من الكلام، بالغياب أكثر من الحضور.

    وينفتح تصور كارفر على بُعد نفسي شائك، إذ لا يكشف أبطاله عن دواخلهم بقدر ما يتركون القارئ يستنتجها من إشارات صغيرة، من كوب فارغ على الطاولة، ومن نظرة شاردة، ومن همهمة لا تكتمل. وفي قصة “كاتدرائية”، يعيش الراوي لحظة تحول حين يرسم بيد رجل أعمى صورة كاتدرائية على الورق، فيكتشف فجأة معنى الرؤية من دون عيون. وهنا تظهر الحساسية التي يحمّلها كارفر لشخصياته، حيث يتحول فعل بسيط إلى مفتاح لفهم الذات والعالم. ويكتب: “أمسك بيدي وهو يوجّهها على الورق، شعرت أنني أرى للمرة الأولى.”

    وتُحكم الخلفية الاجتماعية بوجود أبطال ينتمون إلى الطبقة المتوسطة أو الفقيرة في أمريكا السبعينيات والثمانينيات، حيث نجد أناس يعملون في المصانع أو يعيشون على إعانات البطالة، وأزواج غارقون في الديون، وأسر تبحث عن معنى وسط حياة رتيبة. وتبرز هذه الخلفية البطل ككائن محاصر بظروفه الاقتصادية والاجتماعية، لكنه رغم ذلك يقاوم الانطفاء الداخلي. وهنا البطولة هنا فعل بقاء يومي أمام قسوة الواقع.

    وتأخذ الرمزية في قصصه شكلا خفيفا لا يثقل النص؛ لكنها تفتح مساحات تأويل عميقة مثل الطائر في السماء، والكأس الممتلئة نصفها، والكاتدرائية المرسومة على الورق، وهي كلها إشارات إلى ما لا يُقال، وإلى الرغبات التي تتوارى خلف الأشياء. وتمنح الرمزية عند كارفر البطل بعدا يتجاوز حدود اليومي، وتجعل من أبسط التفاصيل إشارات إلى حياة داخلية أغنى بكثير من مظهرها الخارجي.

    ويتجلى الدفاع عن القضايا الإنسانية من خلال تعاطف الكاتب مع شخصياته. ولا يحاكم الكاتب أبطاله، بقدر ما يصغي لهم، بمنحهم حق الوجود رغم ضعفهم. ويصف في قصة “أشياء صغيرة”، نزاع أبوين على طفل صغير، وفي لحظة مفصلية يتوقف السرد عند الأيدي المشدودة على الجسد الهش للرضيع، تاركا القارئ أمام صرخة غير مكتوبة. ومن خلال هذا المشهد، تتحول القصة إلى دفاع صامت عن براءة الإنسان في مواجهة أنانية الكبار.

    الرؤية بأعين القلب

    تكشف أفكار كارفر عن إدراك عميق لثقل العلاقات الإنسانية. ولا يمثل البطل عنده مناضلا ولا متمردا، وإنما فرد يحاول الحفاظ على خيط رفيع يربطه بالآخرين. وتقدم كل قصة صورة مختلفة عن هذا الخيط: في الحب الذي يتداعى، وفي الصداقة التي تصمد رغم البؤس، وفي اللقاء العابر مع غريب يترك أثرا لا يُمحى. وتتمثل البطولة في محاولة الحفاظ على هذا الخيط الهش من دون أن ينقطع.

    وتعكس حساسية البطل شعورا بالهشاشة أمام العالم، ومع ذلك، تظل هناك مساحة للأمل. وفي لحظة اكتشاف صغيرة، يطل نور خافت يبدد عتمة الصمت. ويكتب كارفر في قصة “كاتدرائية”: “لم أكن في أي مكان. كنت خارج جسدي. شعرت بأنني أخيرا أفهم شيئا”. وتكشف هذه اللحظة عن أطروحة جوهرية: لا تأتي البطولة الحقيقية من السيطرة على العالم، بقدر ما تأتي من القدرة على الإنصات إلى ما هو أبعد من الكلام.

    وفي الأبعاد النفسية، تظهر الاضطرابات الداخلية في صورة عجز عن التواصل أو في إدمان الكحول أو في صمت يلتهم الكلام. وفي الأبعاد الاجتماعية، يتجسد ثقل الواقع الاقتصادي الذي يضغط على العلاقات ويحوّلها إلى مساحات صراع خفي. أما البعد الرمزي، فيحضر عبر الأشياء اليومية التي تتحول إلى علامات على غياب أكبر، مثل زجاجة خمر فارغة أو أريكة مهترئة أو سيارة متوقفة أمام بيت صامت.

    ويصبح البطل عند كارفر صورة لذات مهددة بالغياب لكنها تقاوم. ومن خلال هذه الصورة، يدافع الكاتب عن إنسانية بسيطة لكنها عميقة، عن حق الفرد في أن يُرى حتى لو كان عاجزا عن الكلام. ولا تحتاج البطولة هنا إلى أفعال عظيمة، وإنما إلى تفاصيل صغيرة تمنح المعنى للحياة. ويكتب في إحدى قصصه: “فكرت أن الحياة قد تكون على هذا النحو: أن تجلس مع شخص آخر في غرفة صامتة، وتدرك أنك لست وحدك”. وتتجلى بطولة شخصياته في مثل هذه اللحظات الصغيرة، بطولة لا تُدوّن في التاريخ، لكنها تبقى محفورة في قلب القارئ. ومع نهاية مسيرته الأدبية، ترك كارفر صورة مغايرة للبطل الأدبي. وهي صورة إنسان عادي، محطم أحيانا، لكنه يضيء للحظة بقدرته على لمس الآخر. ومن خلال هذه الصورة، فتح بابا جديدا لفهم معنى البطولة في الأدب الحديث.

    تظل عوالم الكاتب الأمريكي رايموند كارفر مؤثرة بقدر بدايتها، حيث يكتب: “وأفكر في كل ذلك الحب الذي لم يُقَل، في كل ذلك الكلام الذي بقي في الصدور، وأعرف أن هناك دائما وقتا لنقول شيئا، أن نمد أيدينا، أن نرى بأعين القلب”؛ ذاك هو الكاتب في أبلغ تجلياته وأكثرها شغفا بالإنسانية وأكثرها هشاشة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أبوظبي.. افتتاح فعاليات “الملتقى العلمي العالمي 2025”

    افتتحت، اليوم الثلاثاء بأبوظبي، فعاليات “الملتقى العلمي العالمي 2025″، بحضور قادة ومسؤولين ووفود رسمية وأكاديمية وأكثر من 2000 مشارك يمثلون أزيد من 45 بلدا.

    ويعد الملتقى، الذي ينظمه مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني، بدعم من مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة ودائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي وشبكة أبوظبي للإعلام وكليات التقنية العليا، مناسبة لنخبة من المواهب الصاعدة لاستعراض مشاريع ابتكارية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات.

    كما تشكل هذه التظاهرة العلمية، التي تتواصل إلى غاية 1 أكتوبر ، فرصة أمام المشاركين والزوار…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سقوط حقوقي مزيف متورط في قضايا نصب واحتيال

    باشرت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بخنيفرة التحقيق في ملفات نصب واحتيال تورط فيها شخص ينتحل صفة حقوقي، ويزعم انتماءه لما يسمى بـ »المنظمة الملكية عبر العالم »، فيما تواصل الضابطة القضائية البحث عن شقيقه الذي فر نحو إسبانيا عبر الهجرة السرية، بعد صدور مذكرة بحث في حقه.

    وقالت « الصباح »، إن القضية انطلقت بعد سلسلة شكايات وجهها ضحايا، من بينهم شاب أكد أنه سلم للمشتبه فيه مبلغ 12 مليون سنتيم، مقابل وعود كاذبة بالتدخل لإطلاق سراح والده المعتقل، بدعوى معرفته بشخصية نافذة. وأضاف المشتكي أن المحتال طالبه أيضا بمبلغ إضافي قدره 2000 درهم كأتعاب لمحامٍ سيتولى إجراءات السراح، محددا تاريخا للإفراج، قبل أن يكتشف لاحقا أنه تعرض للاحتيال.

    وأضافت أن المتضرر أشار إلى أن المشتبه فيه أعاد له، بعد ضغوط متكررة، ثمانية ملايين سنتيم بحضور شاهد، بينما تولى شقيقه الفار تسليمه 15 ألف درهم، فيما ظل باقي المبلغ عالقا. كما تعرض الضحية لتهديدات مباشرة من المحتال الذي حذره من كشف الواقعة.

    ومن بين الشكايات الأخرى، ضحية يعمل جزارا أكد أنه سُلب أكثر من 20 ألف درهم، بعدما أوهمه المشتبه فيه بقدرته على منحه رخصة لمزاولة نشاطه بمركز « واومنة » وتمكينه من الاستفادة من مواشٍ، زاعما أنه منسق جهوي لـ »المنظمة الملكية عبر العالم » وله علاقات واسعة مع مسؤولين بالإقليم. وقد استرجع الجزار جزءا بسيطا من المبلغ، بينما بقي في ذمة المتهم حوالي مليون سنتيم.

    التحقيقات كشفت أن للمشتبه فيه سجلًا مليئا بالسوابق، تشمل الاتجار بالمخدرات، وتكوين عصابة إجرامية، والاختطاف، والاغتصاب، والنصب، وخيانة الأمانة، إضافة إلى إهانة السلطات العمومية والتبليغ الكاذب. كما سبق أن تورط في حملات تشهير استهدفت قضاة ودركيين وأطباء ونقابيين بخنيفرة ونواحيها.

    وقد جرى إيداعه السجن نهاية الأسبوع الماضي على خلفية قضايا مماثلة، بينما تواصل الشرطة والدرك أبحاثهما بخصوص باقي الملفات المعروضة، سواء المتعلقة بالنصب باسم القضاء أو بالابتزاز والتشهير، في انتظار استكمال الاستماع إلى الشهود والمتضررين.

    باشرت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بخنيفرة التحقيق في ملفات نصب واحتيال تورط فيها شخص ينتحل صفة حقوقي، ويزعم انتماءه لما يسمى بـ »المنظمة الملكية عبر العالم »، فيما تواصل الضابطة القضائية البحث عن شقيقه الذي فر نحو إسبانيا عبر الهجرة السرية، بعد صدور مذكرة بحث في حقه.

    وقالت « الصباح »، إن القضية انطلقت بعد سلسلة شكايات وجهها ضحايا، من بينهم شاب أكد أنه سلم للمشتبه فيه مبلغ 12 مليون سنتيم، مقابل وعود كاذبة بالتدخل لإطلاق سراح والده المعتقل، بدعوى معرفته بشخصية نافذة. وأضاف المشتكي أن المحتال طالبه أيضا بمبلغ إضافي قدره 2000 درهم كأتعاب لمحامٍ سيتولى إجراءات السراح، محددا تاريخا للإفراج، قبل أن يكتشف لاحقا أنه تعرض للاحتيال.

    وأضافت أن المتضرر أشار إلى أن المشتبه فيه أعاد له، بعد ضغوط متكررة، ثمانية ملايين سنتيم بحضور شاهد، بينما تولى شقيقه الفار تسليمه 15 ألف درهم، فيما ظل باقي المبلغ عالقا. كما تعرض الضحية لتهديدات مباشرة من المحتال الذي حذره من كشف الواقعة.

    ومن بين الشكايات الأخرى، ضحية يعمل جزارا أكد أنه سُلب أكثر من 20 ألف درهم، بعدما أوهمه المشتبه فيه بقدرته على منحه رخصة لمزاولة نشاطه بمركز « واومنة » وتمكينه من الاستفادة من مواشٍ، زاعما أنه منسق جهوي لـ »المنظمة الملكية عبر العالم » وله علاقات واسعة مع مسؤولين بالإقليم. وقد استرجع الجزار جزءا بسيطا من المبلغ، بينما بقي في ذمة المتهم حوالي مليون سنتيم.

    التحقيقات كشفت أن للمشتبه فيه سجلًا مليئا بالسوابق، تشمل الاتجار بالمخدرات، وتكوين عصابة إجرامية، والاختطاف، والاغتصاب، والنصب، وخيانة الأمانة، إضافة إلى إهانة السلطات العمومية والتبليغ الكاذب. كما سبق أن تورط في حملات تشهير استهدفت قضاة ودركيين وأطباء ونقابيين بخنيفرة ونواحيها.

    وقد جرى إيداعه السجن نهاية الأسبوع الماضي على خلفية قضايا مماثلة، بينما تواصل الشرطة والدرك أبحاثهما بخصوص باقي الملفات المعروضة، سواء المتعلقة بالنصب باسم القضاء أو بالابتزاز والتشهير، في انتظار استكمال الاستماع إلى الشهود والمتضررين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • آسفي .. إطلاق برنامج دوري كرة السلة (NBA) للناشئين

    تم اليوم الأحد بآسفي، إطلاق برنامج دوري كرة السلة (NBA) للناشئين، وذلك بمبادرة من جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، من خلال فرعها (EVOSPORT)، بشراكة مع الرابطة الوطنية لكرة السلة بإفريقيا وبرنامج (Act4community) التابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.

    وتهدف هذه المبادرة، التي أطلقت بحضور على الخصوص، عامل الإقليم محمد فطاح، والمدير العام لـ(EVOSPORT) إسماعيل اليوبي، ونائب رئيس الرابطة الوطنية لكرة السلة بإفريقيا لوك روبرتس، وعضو برنامج (Act4community) عثمان علوان، ومدير عمليات كرة السلة في الرابطة، كيتا ماتونغولو، إلى توظيف كرة السلة كأداة لتطوير مهارات الشباب، وإدخال مقاربات بيداغوجية مبتكرة، مع المساهمة في تقوية المشهد الرياضي الوطني، وتموقع المغرب كمركز إقليمي وقاري للتميز الرياضي.

    وتجسد مشاركة نجم كرة السلة العالمي رون هاربر، الذي كان حاضرا بدوره خلال حفل إطلاق الدوري، الحمولة الدولية لهذه المبادرة وطموحه في إلهام الشباب المغربي من خلال التميز الرياضي.

    ويعتمد هذا البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية؛ انطلاقا من بناء قاعدة قوية من المواهب المغربية الشابة وفقا للمعايير العالمية، ثم استخدام الرياضة كوسيلة للاندماج الاجتماعي وتحقيق تكافؤ الفرص، من خلال مشاركة متوازنة بين الإناث والذكور، وكذا دمج المغرب في الزخم الرياضي والتعليمي على الصعيد القاري، مما يعزز مكانته كقطب إفريقي يجمع بين التميز في الأداء والتكوين والابتكار.

    وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عبر رون هاربر عن سعادته بالمشاركة في هذه المبادرة الاجتماعية والتربوية، موضحا أن برنامج دوري كرة السلة (NBA) للناشئين يتوخى تمكين الشباب المغربي من صقل مهاراتهم في كرة السلة. وأضاف “إنه لشرف لي أن أكون هنا لإلهام هؤلاء الشباب، ولأقول لهم إنه بإمكانهم تحقيق أحلامهم في أن يصبحوا لاعبين محترفين في دوري (NBA)”.

    وفي تصريح مماثل، أكد السيد ماتونغولو، أن هذا البرنامج يسعى إلى تعليم الشباب أساسيات كرة السلة وتطوير معارفهم في هذا الصنف الرياضي.

    من جانبه، أوضح السيد علوان، وهو أيضا رئيس جمعية آسفي رياضة، أن هذا البرنامج سيمكن الأطفال، ذكورا وإناثا، الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 سنة، موزعين على 16 ثانوية إعدادية بإقليم آسفي، من الاستفادة من تداريب متخصصة وورشات تحسيسية يؤطرها مدربون معتمدون، إلى جانب مقابلات مبرمجة في إطار دوري كرة السلة (NBA) للناشئين.

    وسيشارك في الدوري أزيد من 2000 شاب وشابة موزعين على خمس مدن مغربية (ابن جرير، وخريبكة، والعيون، والجديدة وآسفي). وستستضيف كل مدينة بطولة محلية تضم 30 فريقا (15) للذكور و(15) للإناث في منافسة منظمة.

    وتعتمد المبادرة على نهج مزدوج؛ يقوم على إنشاء مدرسة (NBA) لكرة السلة بالمغرب التي تجمع بين التدريب الرياضي وتأصيل القيم التربوية، وتوسيع نطاق بطولات دوري (NBA) للناشئين على مستوى المملكة.

    وبفضل دعم برنامج (Act4community) وبالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يساهم هذا البرنامج في بناء منظومة رياضية مستدامة تخدم الشباب والمجتمع خصوصا على المستوى المحلي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • توقيف 7 لاعبين ماليزيين دوليين

    أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، اليوم الجمعة، إيقاف سبعة لاعبين دوليين من المنتخب الماليزي لمدة 12 شهرا، مع تغريم الاتحاد الماليزي بمبلغ 350 ألف فرنك سويسري (نحو 440 ألف دولار)، بسبب استعمال وثائق مزورة خلال مباراة ضمن التصفيات المؤهلة لكأس آسيا.

    وأوضح بيان للجنة الانضباط التابعة لـ”فيفا” أن هذه العقوبات جاءت عقب ثبوت لجوء الاتحاد الماليزي إلى تزوير وثائق لإشراك اللاعبين خلال الفوز على منتخب فيتنام (4-0) في يونيو الماضي، وذلك بعد شكاية تلقتها الهيئة الدولية بشأن أهلية بعض اللاعبين.

    وشملت العقوبات اللاعبين غابريال فيليبي أروشا، وفاكوندو توماس غارسيس، ورودريغو جوليان هولغادو، وإيمانون خافيير ماتشوكا، وجواو فيتور برانداو فيغيريدو، وجون إيرازابال إراورغي، وهيكتور أليخاندرو هيفيل سيرانو، الذين غرم كل واحد منهم بمبلغ 2000 فرنك سويسري، إلى جانب منعهم من أي نشاط مرتبط بكرة القدم لمدة 12 شهرا.

    وفي أول رد فعل له، أكد الاتحاد الماليزي لكرة القدم عزمه استئناف القرار، مشددا على أنه سيلجأ إلى “جميع القنوات والإجراءات القانونية المتاحة لضمان حماية مصالح اللاعبين والمنتخب”.

    وأضاف الاتحاد أن اللاعبين والهيئة الوصية تصرفوا “بحسن نية وبشفافية كاملة طوال هذه العملية”، مبرزا أن الوثائق والإجراءات المتعلقة بأهلية اللاعبين تم التعامل معها وفق إرشادات “فيفا”، الذي سبق أن أكد رسميا أنهم مؤهلون للعب مع المنتخب الماليزي.

    وتتصدر ماليزيا مجموعتها في التصفيات المؤهلة لكأس آسيا 2027 برصيد ست نقاط من مباراتين، في انتظار أي عقوبات إضافية قد يصدرها الاتحاد الدولي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قراءة في مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي (ج 1)

    العلم – بقلم عبد الناصر ناجي

    القانون جزء من الإصلاح وقد يشكل في اللحظات الكبرى موجها له خاصة إذا كان يرتكز على رؤية استشرافية. كان هذا واقع إصلاح التعليم العالي بالمغرب سنة 2000 عندما تم وضع قانون التعليم العالي 01.00، واليوم يوجد مشروع جديد لتغيير هذا القانون تمت المصادقة عليه مؤخرا من طرف الحكومة تحت عدد 59.24. وهو يشكل محطة مهمة في تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ببلادنا. نناقش في هذا المقال المشروع الجديد من ثلاث زوايا: أولا مقارنته مع القانون الإطار 51.17، ثانيا مقارنته مع القانون 01.00 الذي لا زال ساري المفعول، وثالثا مقارنته مع المعايير الدولية للتعليم العالي والبحث العلمي.
      أولاً: المقارنة مع القانون الإطار 51.17
      مشروع القانون 59.24، رغم كونه وثيقة تشريعية متقدمة وطموحة تحاول تفعيل القانون الإطار، إلا أنه يعاني من ثغرات مهمة ونقاط تعارض مع القانون الإطار الذي يفترض أن يمتثل له، خاصة فيما يتعلق بالتجميع الهيكلي لمكونات ما بعد الباكالوريا، ومكانة اللغة العربية كلغة أساسية للتدريس، والموازنة بين تشجيع القطاع الخاص وضمان تكافؤ الفرص والحد من التفاوتات. وهكذا يحافظ المشروع على الوضع القائم المجزأ بدلاً من السير نحو التجميع الذي يعتبره القانون الإطار أساساً لإعادة الهيكلة، مما قد يضعف تحقيق مبادئ التناسق والتكامل والفعالية التي أرستها المادة 12 من القانون الإطار. ورغم أن هذا الأخير ينص على ضرورة اعتماد اللغة العربية كلغة أساسية للتدريس، وترسيخ مكانة اللغة الأمازيغية، لغة رسمية للدولة وتراث مشترك لجميع المغاربة بدون استثناء، فإن مشروع القانون 59.24 بينما يؤكد على تعزيز مكانة اللغتين الرسميتين دون صيغة معيارية إجرائية، فإنه ينص على تنويع لغات التدريس وتشجيع استعمال اللغات الأجنبية الأكثر تداولاً. أما التعليم الخاص فيبدو أنه استفاد من وضعية تفضيلية تتناقض مع مبدأ التوازن مع التعليم العمومي الذي أرساه القانون الإطار بحيث أن مشروع القانون 59.24 يشجع بشكل لافت للانتباه على تطوير التعليم العالي الخاص من خلال حذف مرحلة الاعتراف والاكتفاء بمرحلتي الترخيص والاعتماد، وإحداث المؤسسات غير الربحية ذات النفع العام التي تستفيد من الشراكة مع الدولة، والتمكين من إحداث جامعات فقط بمرسوم في حين أن الجامعات العمومية تحدث بقانون. وفي حين يمكن الدفاع عن أن تنويع العرض يخدم « تكافؤ الفرص » بمعنى توفير خيارات أكثر، إلا أن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في إضعاف المرفق العمومي إذا أدى التوسع في القطاع الخاص إلى استنزاف الكفاءات والموارد من الجامعات العمومية، وتكريس التفاوت المجالي والاجتماعي إذا تركز التعليم الخاص الجيد في المدن الكبرى وبأسعار لا تستطيعها جميع الفئات، مما يعمق الفجوات. بالإضافة إلى التأسيس لنظام بسرعتين يكون فيه التعليم العمومي للعامة والتعليم الخاص للنخبة، مما ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص في الجودة. وما يثير أكثر هذه المخاوف هو أن المشروع لم يقدم ضمانات قوية كافية لمواجهة هذا الخطر، مثل وضع آليات صارمة لتحقيق التوازن بين القطاع الخاص والقطاع العامة فيما يتعلق بجودة التعلمات.
      نقط أخرى يبدو أنها تختلف بين القانون الإطار والمشروع الجديد وهي المتعلقة باستقلالية الجامعات وبتدبير الموارد البشرية وبالحكامة الترابية. فالقانون الإطار يدعو إلى تعزيز الاستقلالية الفعالة للجامعات في إطار تعاقدي، بالمقابل ينص مشروع القانون 59.24 على إنشاء « مجلس أمناء » كجهاز جديد فوق مجلس الجامعة. وعلى الرغم من أن فكرة « مجلس الأمناء » بحد ذاتها ليست سيئة، بل يمكن أن تكون أداة للدعم الاستراتيجي. لكن التركيبة المقترحة تثير تساؤلات جدية حول طبيعة الاستقلالية. إذ أن سيطرة التمثيل الحكومي والأطراف الخارجية، وهيمنة آلية التعيين على آلية الانتخاب يثير مخاوف حول إمكانية تحكم هذا المجلس في القرارات المصيرية للجامعة خاصة في ظل الصلاحيات الاستراتيجية التي يتمتع بها، مثل المصادقة على الاستراتيجية متعددة السنوات، وتقييم أداء الجامعة، وتتبع تنفيذ العقود-البرامج مع الدولة، وتتبع تنفيذ توصيات التقييم المؤسساتي، والمصادقة على اتفاقيات إحداث الأقطاب الجامعية. وهو ما يعني أن نموذج « مجلس الأمناء » يشيد شكلاً جديداً من الوصاية المستمرة والمباشرة على الجامعة ويؤسس لتحول واضح من « الوصاية العمودية » إلى « الوصاية الأفقية » من داخل الهيكلة الجامعية نفسها. قد يكون هذا تقييداً للاستقلالية الفعلية للجامعة تحت غطاء « الحكامة الحديثة ».
      أما في محور تدبير الموارد البشرية فإن القانون الإطار يلزم بإعداد دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات… تؤخذ بعين الاعتبار في إسناد المسؤوليات البيداغوجية والعلمية والإدارية وكذلك في تقييم الأداء والترقية المهنية. لكن مشروع القانون 59.24 يكتفي بالنص على أن « الموارد البشرية العاملة بمؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع العام تتكون من الأساتذة الباحثين المحددة وضعيتهم النظامية وفق النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. » هذا التوجه يقر بأن الأستاذ الباحث ينتمي إلى الوظيفة العمومية أكثر من انتمائه للجامعة التي يعمل بها. ولا يربط تقييم الأستاذ الباحث وتقدمه المهني بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجامعة أو بجودة التدريس أو بمدى إسهامه في نجاح الطلبة أو في تطوير البحث العلمي والابتكار. وبدون ربط مصير الأستاذ الباحث بمصير جامعته، تظل استقلالية الجامعات مجرد هيكل إداري أجوف، لأنها لا تملك أهم أدواتها أي فريق العمل الملتزم بمشروعها.
      من جهة أخرى، يوجب القانون الإطار مواصلة سياسة اللامركزية واللاتمركز في تدبير المنظومة على المستوى الترابي وتفعيل مبدأ التفريع، غير أن مشروع القانون 59.24 غيب هذا المقتضى أو قاربه بطريقة شكلية. فالمشروع يتحدث عن العدالة المجالية لكنه لا يقدم آليات حقيقية لتدبير التعليم العالي على المستوى الجهوي بحيث لا نجد ذكرا لدور فعال للأكاديميات الجهوية أو للجماعات الترابية في التخطيط أو التدبير. كما أن القرار ظل ممركزا في الغالب إذ أن إحداث الجامعات يكون بقانون، وإحداث المؤسسات الجامعية بمرسوم، وحتى الأقطاب الجامعية تحتاج لتصديق من السلطة الحكومية. ورغم أن التمثيل في مجلس الأمناء يضم رئيس مجلس الجهة وفي مجلس الجامعة رئيس مجلس العمالة أو الإقليم، لكن هذا يبقى تمثيلاً استشارياً في جهاز تدبير مركزي الطابع، وليس تفويضاً للسلطات. ومن هذا الجانب فإن المشروع يرسخ النموذج المركزي لتدبير الجامعة ولا يعمل على استشراف حكامة ترابية حقيقية للتعليم العالي تجعله في خدمة التنمية الجهوية.
      أما في الجانب البيداغوجي الذي يعتبر قطب الرحى لأي قانون يوجه وينظم التعليم العالي فإن الهوة مع القانون الإطار تبدو سحيقة. إذ أن مشروع القانون 59.24 همش تماما الآلية المؤسساتية لإعداد البرامج والتكوينات ألا وهي اللجنة الدائمة للمناهج، فهو فقط يشير في باب التنظيم البيداغوجي إلى قواعد عامة وهندسة بيداغوجية لكن دون تحديد الجهة المؤسساتية المسؤولة عن تطويرها وتحيينها بشكل نسقي ومستمر. القانون الإطار أكد على أن إصلاح المناهج ليس حدثاً ظرفيا بل عملية مستمرة تحتاج لهيكل دائم. مشروع القانون ترك هذا الأمر غامضاً، مما يجعله رهين قرارات وزارية ظرفية وغير مستقرة، ويُفقد الإصلاح البيداغوجي استمراريته. من جهة أخرى ينص القانون الإطار على العمل بإطار وطني مرجعي للإشهاد والتصديق تدبره هيئة مستقلة، لكن مشروع القانون 59.24 حتى وهو يذكر الشهادات الوطنية واعتماد مسالك التكوين لا يرى داعيا لذكر للإطار الوطني المرجعي للإشهاد الذي يعتبر العمود الفقري لضمان جودة الشهادات وقابليتها للمقارنة وتوافقها مع حاجات الاقتصاد. غيابه من المشروع يترك الباب مفتوحاً لتفاوت كبير في قيمة الشهادات بين المسالك والمؤسسات، ويضعف مصداقية المنظومة ككل. وفي باب التقييم الذي له صلة بهذا الموضوع فإن مشروع القانون 59.24 اقتصر على عموميات حول تحصيل الوحدات الدراسية عن طريق التقييم المنتظم وتفادى أي تفصيل بخصوص إصلاح نظام التقييم الذي يعتبر ركيزة أي تغيير بيداغوجي حقيقي. رغم أن إصلاح التقييم هو مفتاح إصلاح التعليم العالي، وترك هذا الجانب غامضاً يعني أن النموذج البيداغوجي القديم القائم على الحفظ والامتحانات الإقصائية سيواصل هيمنته، مما يفشل أي محاولة لتطوير الكفايات والتفكير النقدي.
      أيضا ركز القانون الإطار على مسألة التكوين الأساس كشرط ضروري لممارسة مهنة التدريس وأهمية المقاربة التشاركية في ضمان انخراط العنصر البشري في تفعيل الإصلاح فهل عكس مشروع القانون هذه التوجهات؟
      ينص القانون الإطار صراحة على اعتبار التكوين الأساس شرطا ضروريا لمزاولة مهام التدريس والتأطير، غير أن مشروع القانون 59.24 لا يشترط أي تكوين أساس لممارسة مهنة الأستاذ الباحث، وعندما يعرض إلى شروط الترخيص للمؤسسات الخاصة فإنه يشترط أن تتوفر على هيئة قارة للتدريس تكون أغلبية أعضائها حاصلين على الدكتوراه أو ما يعادلها، مما يعني بالنسبة للمشروع أن الإلمام بالتخصص (الدكتوراه) يكفي للتدريس في التعليم العالي، دون الحاجة إلى التكوين على المهارات البيداغوجية. هذا يتعارض مع القانون الإطار الذي يريد تجديد مهن التدريس، ومع المنطق التربوي الذي يفيد بأن الخبرة في مجال معرفي لا يعني تلقائياً القدرة على نقل المعرفة بشكل فعال. مهارات التدريس، والتقييم، وتيسير التعلم هي كفاءات تحتاج إلى تكوين خاص. وقد أكدت العديد من الدراسات بأن أحد أسباب ضعف جودة التعلم في الجامعات يرجع إلى عدم تكوين الأساتذة الباحثين على البيداغوجيا الجامعية. وهكذا فإن المشروع أهمل تماماً فرصة إدخال شرط الحصول على شهادة في البيداغوجيا الجامعية أو اجتياز تكوين أساسي كشرط للتوظيف أو الترقية، مما يكرس النموذج القائم على « العالم الباحث » فقط وليس « الأستاذ المكون ».
      وإذا كان القانون الإطار يؤسس لفلسفة تشاركية واضحة تتحقق في إطار التزام جميع المتدخلين… على أساس ربط الحقوق بالواجبات التي يحددها ميثاق تعاقدي لأخلاقيات المهن، فإن مشروع القانون 59.24 يغلب عليه الطابع التقني-الإداري، بحيث أن آليات التشارك ضعيفة أو شكلية وتفضل نمط التعيين على الانتخاب، والميثاق التعاقدي لأخلاقيات مهن التعليم العالي غير منصوص عليه. وبذلك فإن المشروع يفوت فرصة تاريخية لبناء شرعية واسعة للإصلاح، لأن بإهماله البعد التشاركي، فإنه يغذي النزعة التقليدية التي تنظر إلى الإصلاح على أنه قرار مفروض من الأعلى، ويضعف الانخراط لأنه عندما لا يشعر الفاعلون الرئيسيون والأساتذة الباحثون على وجه الخصوص أنهم شركاء في التغيير، فإن مقاومتهم له قد تزيد، مما يعيق تنفيذه على الأرض.
      خلاصة هذه المقارنة مع القانون الإطار تفيد بأن مشروع القانون 59.24 هو مشروع إصلاحي طموح من حيث الهيكلة الإدارية والطموح البحثي، لكنه يعاني من قصور عميق على مستوى الفلسفة الناظمة والمقاربة الإصلاحية. فهو يركز على « الوعاء » ويغفل « المحتوى » عندما يهتم مثلا بإنشاء الأقطاب والهياكل لكنه يهمل آليات إصلاح المناهج ونظام التقييم، والإشهاد. وهو يعالج الأعراض ويترك الأسباب عندما يحاول تحسين الأداء دون معالجة السبب الجذري، وهو نظام تدبير الموارد البشرية غير المرتبط بالأداء المؤسساتي وغياب التكوين البيداغوجي الأساسي. وهو يعلن اللامركزية ويرسخ المركزية من خلال إهمال البعد الترابي وتعزيز وصاية مجلس الأمناء. وهو يتغنى بالجودة ويغفل أدواتها الأساسية بعدم اشتراط التكوين الأساس وإهمال البعد التشاركي.
      وبالتالي فإن المشروع في وضعه الحالي يضفي الشرعية على استمرارية الوضع القائم تحت غطاء من المصطلحات الإصلاحية الحديثة (استقلالية، جودة، أقطاب…). مما قد يؤدي إلى إصلاح شكلي لا يمس جوهر المشاكل المزمنة للمنظومة.
      في الجزء الثاني من هذا المقال نتطرق إلى مقارنة المشروع مع القانون 01.00.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قراءة في مشروع القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي

    العلم – بقلم عبد الناصر ناجي

    القانون جزء من الإصلاح وقد يشكل في اللحظات الكبرى موجها له خاصة إذا كان يرتكز على رؤية استشرافية. كان هذا واقع إصلاح التعليم العالي بالمغرب سنة 2000 عندما تم وضع قانون التعليم العالي 01.00، واليوم يوجد مشروع جديد لتغيير هذا القانون تمت المصادقة عليه مؤخرا من طرف الحكومة تحت عدد 59.24. وهو يشكل محطة مهمة في تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ببلادنا. نناقش في هذا المقال المشروع الجديد من ثلاث زوايا: أولا مقارنته مع القانون الإطار 51.17، ثانيا مقارنته مع القانون 01.00 الذي لا زال ساري المفعول، وثالثا مقارنته مع المعايير الدولية للتعليم العالي والبحث العلمي.
      أولاً: المقارنة مع القانون الإطار 51.17
      مشروع القانون 59.24، رغم كونه وثيقة تشريعية متقدمة وطموحة تحاول تفعيل القانون الإطار، إلا أنه يعاني من ثغرات مهمة ونقاط تعارض مع القانون الإطار الذي يفترض أن يمتثل له، خاصة فيما يتعلق بالتجميع الهيكلي لمكونات ما بعد الباكالوريا، ومكانة اللغة العربية كلغة أساسية للتدريس، والموازنة بين تشجيع القطاع الخاص وضمان تكافؤ الفرص والحد من التفاوتات. وهكذا يحافظ المشروع على الوضع القائم المجزأ بدلاً من السير نحو التجميع الذي يعتبره القانون الإطار أساساً لإعادة الهيكلة، مما قد يضعف تحقيق مبادئ التناسق والتكامل والفعالية التي أرستها المادة 12 من القانون الإطار. ورغم أن هذا الأخير ينص على ضرورة اعتماد اللغة العربية كلغة أساسية للتدريس، وترسيخ مكانة اللغة الأمازيغية، لغة رسمية للدولة وتراث مشترك لجميع المغاربة بدون استثناء، فإن مشروع القانون 59.24 بينما يؤكد على تعزيز مكانة اللغتين الرسميتين دون صيغة معيارية إجرائية، فإنه ينص على تنويع لغات التدريس وتشجيع استعمال اللغات الأجنبية الأكثر تداولاً. أما التعليم الخاص فيبدو أنه استفاد من وضعية تفضيلية تتناقض مع مبدأ التوازن مع التعليم العمومي الذي أرساه القانون الإطار بحيث أن مشروع القانون 59.24 يشجع بشكل لافت للانتباه على تطوير التعليم العالي الخاص من خلال حذف مرحلة الاعتراف والاكتفاء بمرحلتي الترخيص والاعتماد، وإحداث المؤسسات غير الربحية ذات النفع العام التي تستفيد من الشراكة مع الدولة، والتمكين من إحداث جامعات فقط بمرسوم في حين أن الجامعات العمومية تحدث بقانون. وفي حين يمكن الدفاع عن أن تنويع العرض يخدم « تكافؤ الفرص » بمعنى توفير خيارات أكثر، إلا أن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في إضعاف المرفق العمومي إذا أدى التوسع في القطاع الخاص إلى استنزاف الكفاءات والموارد من الجامعات العمومية، وتكريس التفاوت المجالي والاجتماعي إذا تركز التعليم الخاص الجيد في المدن الكبرى وبأسعار لا تستطيعها جميع الفئات، مما يعمق الفجوات. بالإضافة إلى التأسيس لنظام بسرعتين يكون فيه التعليم العمومي للعامة والتعليم الخاص للنخبة، مما ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص في الجودة. وما يثير أكثر هذه المخاوف هو أن المشروع لم يقدم ضمانات قوية كافية لمواجهة هذا الخطر، مثل وضع آليات صارمة لتحقيق التوازن بين القطاع الخاص والقطاع العامة فيما يتعلق بجودة التعلمات.
      نقط أخرى يبدو أنها تختلف بين القانون الإطار والمشروع الجديد وهي المتعلقة باستقلالية الجامعات وبتدبير الموارد البشرية وبالحكامة الترابية. فالقانون الإطار يدعو إلى تعزيز الاستقلالية الفعالة للجامعات في إطار تعاقدي، بالمقابل ينص مشروع القانون 59.24 على إنشاء « مجلس أمناء » كجهاز جديد فوق مجلس الجامعة. وعلى الرغم من أن فكرة « مجلس الأمناء » بحد ذاتها ليست سيئة، بل يمكن أن تكون أداة للدعم الاستراتيجي. لكن التركيبة المقترحة تثير تساؤلات جدية حول طبيعة الاستقلالية. إذ أن سيطرة التمثيل الحكومي والأطراف الخارجية، وهيمنة آلية التعيين على آلية الانتخاب يثير مخاوف حول إمكانية تحكم هذا المجلس في القرارات المصيرية للجامعة خاصة في ظل الصلاحيات الاستراتيجية التي يتمتع بها، مثل المصادقة على الاستراتيجية متعددة السنوات، وتقييم أداء الجامعة، وتتبع تنفيذ العقود-البرامج مع الدولة، وتتبع تنفيذ توصيات التقييم المؤسساتي، والمصادقة على اتفاقيات إحداث الأقطاب الجامعية. وهو ما يعني أن نموذج « مجلس الأمناء » يشيد شكلاً جديداً من الوصاية المستمرة والمباشرة على الجامعة ويؤسس لتحول واضح من « الوصاية العمودية » إلى « الوصاية الأفقية » من داخل الهيكلة الجامعية نفسها. قد يكون هذا تقييداً للاستقلالية الفعلية للجامعة تحت غطاء « الحكامة الحديثة ».
      أما في محور تدبير الموارد البشرية فإن القانون الإطار يلزم بإعداد دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات… تؤخذ بعين الاعتبار في إسناد المسؤوليات البيداغوجية والعلمية والإدارية وكذلك في تقييم الأداء والترقية المهنية. لكن مشروع القانون 59.24 يكتفي بالنص على أن « الموارد البشرية العاملة بمؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع العام تتكون من الأساتذة الباحثين المحددة وضعيتهم النظامية وفق النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. » هذا التوجه يقر بأن الأستاذ الباحث ينتمي إلى الوظيفة العمومية أكثر من انتمائه للجامعة التي يعمل بها. ولا يربط تقييم الأستاذ الباحث وتقدمه المهني بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجامعة أو بجودة التدريس أو بمدى إسهامه في نجاح الطلبة أو في تطوير البحث العلمي والابتكار. وبدون ربط مصير الأستاذ الباحث بمصير جامعته، تظل استقلالية الجامعات مجرد هيكل إداري أجوف، لأنها لا تملك أهم أدواتها أي فريق العمل الملتزم بمشروعها.
      من جهة أخرى، يوجب القانون الإطار مواصلة سياسة اللامركزية واللاتمركز في تدبير المنظومة على المستوى الترابي وتفعيل مبدأ التفريع، غير أن مشروع القانون 59.24 غيب هذا المقتضى أو قاربه بطريقة شكلية. فالمشروع يتحدث عن العدالة المجالية لكنه لا يقدم آليات حقيقية لتدبير التعليم العالي على المستوى الجهوي بحيث لا نجد ذكرا لدور فعال للأكاديميات الجهوية أو للجماعات الترابية في التخطيط أو التدبير. كما أن القرار ظل ممركزا في الغالب إذ أن إحداث الجامعات يكون بقانون، وإحداث المؤسسات الجامعية بمرسوم، وحتى الأقطاب الجامعية تحتاج لتصديق من السلطة الحكومية. ورغم أن التمثيل في مجلس الأمناء يضم رئيس مجلس الجهة وفي مجلس الجامعة رئيس مجلس العمالة أو الإقليم، لكن هذا يبقى تمثيلاً استشارياً في جهاز تدبير مركزي الطابع، وليس تفويضاً للسلطات. ومن هذا الجانب فإن المشروع يرسخ النموذج المركزي لتدبير الجامعة ولا يعمل على استشراف حكامة ترابية حقيقية للتعليم العالي تجعله في خدمة التنمية الجهوية.
      أما في الجانب البيداغوجي الذي يعتبر قطب الرحى لأي قانون يوجه وينظم التعليم العالي فإن الهوة مع القانون الإطار تبدو سحيقة. إذ أن مشروع القانون 59.24 همش تماما الآلية المؤسساتية لإعداد البرامج والتكوينات ألا وهي اللجنة الدائمة للمناهج، فهو فقط يشير في باب التنظيم البيداغوجي إلى قواعد عامة وهندسة بيداغوجية لكن دون تحديد الجهة المؤسساتية المسؤولة عن تطويرها وتحيينها بشكل نسقي ومستمر. القانون الإطار أكد على أن إصلاح المناهج ليس حدثاً ظرفيا بل عملية مستمرة تحتاج لهيكل دائم. مشروع القانون ترك هذا الأمر غامضاً، مما يجعله رهين قرارات وزارية ظرفية وغير مستقرة، ويُفقد الإصلاح البيداغوجي استمراريته. من جهة أخرى ينص القانون الإطار على العمل بإطار وطني مرجعي للإشهاد والتصديق تدبره هيئة مستقلة، لكن مشروع القانون 59.24 حتى وهو يذكر الشهادات الوطنية واعتماد مسالك التكوين لا يرى داعيا لذكر للإطار الوطني المرجعي للإشهاد الذي يعتبر العمود الفقري لضمان جودة الشهادات وقابليتها للمقارنة وتوافقها مع حاجات الاقتصاد. غيابه من المشروع يترك الباب مفتوحاً لتفاوت كبير في قيمة الشهادات بين المسالك والمؤسسات، ويضعف مصداقية المنظومة ككل. وفي باب التقييم الذي له صلة بهذا الموضوع فإن مشروع القانون 59.24 اقتصر على عموميات حول تحصيل الوحدات الدراسية عن طريق التقييم المنتظم وتفادى أي تفصيل بخصوص إصلاح نظام التقييم الذي يعتبر ركيزة أي تغيير بيداغوجي حقيقي. رغم أن إصلاح التقييم هو مفتاح إصلاح التعليم العالي، وترك هذا الجانب غامضاً يعني أن النموذج البيداغوجي القديم القائم على الحفظ والامتحانات الإقصائية سيواصل هيمنته، مما يفشل أي محاولة لتطوير الكفايات والتفكير النقدي.
      أيضا ركز القانون الإطار على مسألة التكوين الأساس كشرط ضروري لممارسة مهنة التدريس وأهمية المقاربة التشاركية في ضمان انخراط العنصر البشري في تفعيل الإصلاح فهل عكس مشروع القانون هذه التوجهات؟
      ينص القانون الإطار صراحة على اعتبار التكوين الأساس شرطا ضروريا لمزاولة مهام التدريس والتأطير، غير أن مشروع القانون 59.24 لا يشترط أي تكوين أساس لممارسة مهنة الأستاذ الباحث، وعندما يعرض إلى شروط الترخيص للمؤسسات الخاصة فإنه يشترط أن تتوفر على هيئة قارة للتدريس تكون أغلبية أعضائها حاصلين على الدكتوراه أو ما يعادلها، مما يعني بالنسبة للمشروع أن الإلمام بالتخصص (الدكتوراه) يكفي للتدريس في التعليم العالي، دون الحاجة إلى التكوين على المهارات البيداغوجية. هذا يتعارض مع القانون الإطار الذي يريد تجديد مهن التدريس، ومع المنطق التربوي الذي يفيد بأن الخبرة في مجال معرفي لا يعني تلقائياً القدرة على نقل المعرفة بشكل فعال. مهارات التدريس، والتقييم، وتيسير التعلم هي كفاءات تحتاج إلى تكوين خاص. وقد أكدت العديد من الدراسات بأن أحد أسباب ضعف جودة التعلم في الجامعات يرجع إلى عدم تكوين الأساتذة الباحثين على البيداغوجيا الجامعية. وهكذا فإن المشروع أهمل تماماً فرصة إدخال شرط الحصول على شهادة في البيداغوجيا الجامعية أو اجتياز تكوين أساسي كشرط للتوظيف أو الترقية، مما يكرس النموذج القائم على « العالم الباحث » فقط وليس « الأستاذ المكون ».
      وإذا كان القانون الإطار يؤسس لفلسفة تشاركية واضحة تتحقق في إطار التزام جميع المتدخلين… على أساس ربط الحقوق بالواجبات التي يحددها ميثاق تعاقدي لأخلاقيات المهن، فإن مشروع القانون 59.24 يغلب عليه الطابع التقني-الإداري، بحيث أن آليات التشارك ضعيفة أو شكلية وتفضل نمط التعيين على الانتخاب، والميثاق التعاقدي لأخلاقيات مهن التعليم العالي غير منصوص عليه. وبذلك فإن المشروع يفوت فرصة تاريخية لبناء شرعية واسعة للإصلاح، لأن بإهماله البعد التشاركي، فإنه يغذي النزعة التقليدية التي تنظر إلى الإصلاح على أنه قرار مفروض من الأعلى، ويضعف الانخراط لأنه عندما لا يشعر الفاعلون الرئيسيون والأساتذة الباحثون على وجه الخصوص أنهم شركاء في التغيير، فإن مقاومتهم له قد تزيد، مما يعيق تنفيذه على الأرض.
      خلاصة هذه المقارنة مع القانون الإطار تفيد بأن مشروع القانون 59.24 هو مشروع إصلاحي طموح من حيث الهيكلة الإدارية والطموح البحثي، لكنه يعاني من قصور عميق على مستوى الفلسفة الناظمة والمقاربة الإصلاحية. فهو يركز على « الوعاء » ويغفل « المحتوى » عندما يهتم مثلا بإنشاء الأقطاب والهياكل لكنه يهمل آليات إصلاح المناهج ونظام التقييم، والإشهاد. وهو يعالج الأعراض ويترك الأسباب عندما يحاول تحسين الأداء دون معالجة السبب الجذري، وهو نظام تدبير الموارد البشرية غير المرتبط بالأداء المؤسساتي وغياب التكوين البيداغوجي الأساسي. وهو يعلن اللامركزية ويرسخ المركزية من خلال إهمال البعد الترابي وتعزيز وصاية مجلس الأمناء. وهو يتغنى بالجودة ويغفل أدواتها الأساسية بعدم اشتراط التكوين الأساس وإهمال البعد التشاركي.
      وبالتالي فإن المشروع في وضعه الحالي يضفي الشرعية على استمرارية الوضع القائم تحت غطاء من المصطلحات الإصلاحية الحديثة (استقلالية، جودة، أقطاب…). مما قد يؤدي إلى إصلاح شكلي لا يمس جوهر المشاكل المزمنة للمنظومة.
      في الجزء الثاني من هذا المقال نتطرق إلى مقارنة المشروع مع القانون 01.00.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حجيرة يقود وفدا مغربيا إلى نيوديلهي لبحث تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الهند

    الصحيفة

    يشارك المغرب في الدورة الرابعة لمعرض « الهند العالمي للأغذية 2025 » الذي افتتح مساء أمس الخميس بنيودلهي، وهو حدث دولي مخصص للصناعات الغذائية، وتكنولوجيات المعالجة، والاستدامة.

    ويمثل المملكة في هذا الحدث كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، على رأس وفد رفيع المستوى يضم فاعلين من القطاع الخاص وعدد من الفدراليات القطاعية، وسفير المغرب بالهند، محمد مالكي.

    وتعرف هذه الدورة المنظمة تحت شعار « التحول في خدمة الازدهار »، والتي افتتحها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، مشاركة أكثر من 90 بلدا، وحوالي 2000 عارض سيقدمون منتجاتهم، ويتقاسمون…

    إقرأ الخبر من مصدره