Étiquette : 2007

  • الحكم الذاتي من خيار سياسي إلى بناء دستوري.. مقاربة جديدة في السياق المغربي

    يمثل موضوع الحكم الذاتي في المغرب إحدى أكثر القضايا تعقيدا وارتباطا بتوازنات الدولة، لما يحمله من أبعاد دستورية وسياسية تتجاوز حدود معالجة نزاع إقليمي نحو إعادة تصور شكل الدولة ووظائفها فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي التي طُرحت سنة 2007 كحل سياسي لقضية الصحراء المغربية تحمل في عمقها إمكانات لبناء نموذج دستوري متطور يعيد توزيع السلط داخل الدولة دون المساس بوحدتها وسيادتها ومن هنا يبرز السؤال المركزي:
    “كيف يمكن إدماج الحكم الذاتي في البنية الدستورية للمملكة دون الإخلال بثوابتها؟

    تقتضي مقاربة هذا السؤال الانطلاق من تحديد مفهوم الحكم الذاتي باعتباره شكلا متقدما من اللامركزية يتم بموجبه نقل صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية إلى إقليم معين ضمن سيادة الدولة الواحدة وهو يختلف عن الجهوية بمستويات أكبر من الاستقلالية المؤسساتية مع احتفاظ المركز باختصاصات سيادية مثل الدفاع والعلاقات الخارجية. وبذلك فالحكم الذاتي ليس تجزيئا للسيادة بل تفويض داخلي يخدم وحدة الدولة عبر تعزيز المشاركة المحلية في تدبير الشأن العام
    ورغم أن دستور 2011 لا يورد بشكل صريح نظام الحكم الذاتي إلا أنه يضم مقتضيات تسمح ببلورة هذا الخيار ضمن التأويل الممكن لنصوصه فالفصل الأول يؤكد أن التنظيم الترابي للمملكة “لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة” وهي صياغة تتيح تطوير آليات لامركزية أوسع دون المساس بطبيعة الدولة الموحدة ويقدم الباب التاسع من الدستور الخاص بالجهات والجماعات الترابية أرضية قانونية مرنة تؤسس للتدبير الحر ولمشاركة المواطنين، ولتخصيص موارد مالية قادرة على دعم استقلالية الجهات وهو ما يجعل الدستور الحالي من حيث الإمكانات صالحا لاحتضان نموذج الحكم الذاتي عبر تطوير القوانين التنظيمية أو عبر تعديل محدود للنص الدستوري
    انطلاقا من هذه القاعدة يمكن تصور ثلاث صيغ رئيسية لدسترة الحكم الذاتي في المغرب:
    صيغة التضمين الدستوري المباشر
    وتقوم على إدراج باب خاص في الدستور يتعلق بنظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية يحدد بوضوح المؤسسات المحلية واختصاصاتها بما فيها برلمان إقليمي وحكومة محلية تمارس كل الصلاحيات غير السيادية هذه الصيغة تمنح وضوحا دستوريا وتجاوبا مع الطبيعة الأممية للحل لكنها تحتاج توافقا وطنيا واسعا لأنها تمثل تعديلا هيكليا في بنية الدستور

    صيغة النظام الأساسي الخاص عبر القوانين التنظيمية
    وهي مقاربة مشابهة للنموذج الإسباني حيث يتيح الدستور مبدئيا إنشاء مناطق ذاتية الحكم على أن يفصل النظام الأساسي لكل منطقة في قانون تنظيمي بهذا يمكن اعتماد نص دستوري عام يجيز إنشاء أقاليم ذات وضع خاص على أن يتكفل قانون تنظيمي بتحديد مؤسسات الحكم الذاتي واختصاصاتها في الصحراء وتتميز هذه الصيغة بالمرونة وقابلية التطوير التدريجي دون مراجعة دستورية مستمرة
    صيغة التدرج داخل إطار الجهوية المتقدمة
    وتعتمد توسيع اختصاصات جهة معينة عبر وضع خاص كما هو معمول به في بعض الدول الأوروبية دون تسميته صراحة “حكما ذاتيا” وتعتبر هذه الصيغة الأكثر انسجاما مع النسق الدستوري الحالي لكنها تتطلب تعديلات مؤسساتية دقيقة لضمان استقلالية واسعة دون انزياح عن مبدأ وحدة الدولة.
    غير أن أي صيغة لاعتماد الحكم الذاتي تتحتم عليها مواجهة مجموعة من التحديات:

    التحدي السيادي: ضرورة الحفاظ على سيادة واحدة لا تقبل التجزئة وضمان أن نقل الاختصاصات لا ينتج عنه ازدواج في مفهوم السيادة
    التحدي المؤسسي: كيفية إدارة العلاقة بين التشريعات المحلية والوطنية، خاصة في مجالات القضاء والمالية لتجنب التضارب والازدواجية
    التحدي الأمني والاقتصادي: التوفيق بين سلطات محلية واسعة وبين إشراف الدولة على القطاعات ذات الحساسية الاستراتيجية.
    التحدي السياسي والمجتمعي: حاجة المشروع إلى قبول وطني واسع وثقافة سياسية ترسخ اللامركزية بالإضافة إلى انسجامه مع المسار الأممي لتسوية قضية الصحراء المغربية
    وعلى ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور مسار تدريجي نحو دسترة الحكم الذاتي يقوم على ثلاث مراحل:

    تعديل دستوري محدود يقر إمكانية إحداث أقاليم ذات وضع خاص.
    إصدار قانون تنظيمي مفصل يحدد آليات ومؤسسات الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية
    إنشاء هيئة دستورية مستقلة تسهر على احترام التوازن بين وحدة الدولة وممارسة الصلاحيات المحلية

    إن دسترة الحكم الذاتي وفق هذا التصور لا تمثل فقط إطارا لمعالجة نزاع إقليمي بل خطوة نحو تطوير شكل الدولة المغربية عبر الانتقال إلى نموذج متقدم من الديمقراطية الترابية فهي تنسجم مع التجارب المقارنة في دول حافظت على وحدة الدولة وفي الوقت نفسه منحت بعض أقاليمها وضعا خاصا مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

    وبذلك يصبح الحكم الذاتي في المغرب ليس استثناء بل نموذجا وطنيا لإدارة التعدد الترابي والثقافي يعزز بناء دولة قوية موحدة وفي الآن ذاته منفتحة على أشكال متقدمة من توزيع السلطة. وهو رهان يتطلب نقاشا وطنيا واسعا ورؤية بعيدة المدى تضع مصلحة الدولة ومكتسباتها في صدارة الاعتبار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القرار الأممي 2797: الشرعية الدولية تقبر الانفصال وتفتح الباب امام المغرب الكبير

    الإعلان تحت صورة الخبر بعد الضغط على الموضوع ادسنس- (Balearia) نسخة الحاسوب والهاتف معا

    منذ عقود ظلّ نزاع الصحراء المغربية حاضرًا في أجندة الأمم المتحدة، محاطًا بتأويلات متناقضة ومواقف متباينة بين الأطراف المعنية.

    ومع اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، دون أي معارضة، دخل هذا النزاع مرحلة جديدة تؤكد أن الحل لم يعد ممكنًا عبر أطروحة الاستفتاء التي فقدت مصداقيتها، بل عبر مقترح الحكم الذاتي الذي قدّمه المغرب سنة 2007 باعتباره أساسا جديا وواقعيا وموثوقا للتفاوض.

    هذا القرار جاء ليضع حدا لمحاولات الجزائر والبوليساريو التي سعت إلى ليّ المفاهيم القانونية وتوظيفها بشكل منحرف لتكريس تصور أحادي للاستقلال تحت شعار تقرير المصير، في حين ظل المغرب ملتزما بالشرعية الدولية ومبادرًا بحلول عملية ومنفتحة في اطار حماية وحدته الترابية بناء المغرب الكبير

    استعاد المغرب صحراءه بموجب اتفاق مدريد المؤرخ في 14 نوفمبر 1975 والمسجّل لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وقد أخذت الجمعية العامة علمًا به في قرارها 3458 ب مؤكدة حق السكان في تقرير المصير دون أن تُبطل نقل المسؤوليات. غير أن المسار الأممي تعثّر بسبب الوضعية العسكرية وحالة الحرب التي فرضتها جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر وليبيا، والتي اختارت منذ البداية العنف الثوري والكفاح المسلح بدل الاستفتاء الحر والشفاف. ففي قمة منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1981، اقترح الملك الحسن الثاني تنظيم استفتاء لتقرير المصير وقَبِل حتى بإمكانية الاستقلال إذا كانت النتيجة كذلك.

    لكن الجزائر والبوليساريو رفضتا الاقتراح وطالبتا بالاعتراف بما يُسمّى “الجمهورية الصحراوية” ككيان سيادي، بل ونجحت الجزائر في إدخاله سنة 1982 إلى منظمة الوحدة الإفريقية رغم أنه لا يملك أرضًا ولا سيادة فعلية. وفي سنة 1984أعاد جلالته نفس الاقتراح في خطاب له بالأمم المتحدة

    وأطلقت الأمم المتحدة خطة التسوية سنة 1991 عبر بعثة المينورسو، لكنها تحوّلت إلى سلسلة من المحاولات الفاشلة بسبب إصرار البوليساريو على فرض الانفصال من خلال استفتاء إقصائي مفصّل على المقاس. ومع استمرار الجمود، اقترح الأمين العام كوفي عنان ومبعوثه جيمس بيكر خيار الحكم الذاتي كصيغة لتقرير المصير وفقا للقانون الدولي. ورغم أن المغرب أبدى انفتاحًا على التفاوض، رفضت الجزائر و البوليساريو هذه الخطة واقترحتا تقسيم الإقليم، في محاولة لإضفاء شرعية على مشروع انفصالي تم تقرير مصيره مسبقا عندما أعلنت البوليساريو عن جمهوريتها في فبراير 1976

    في سنة 2007، وللخروج من الطريق المسدود الذي وصلت اليه الأزمة،  قدّم المغرب مبادرته للحكم الذاتي التي رحّبت بها جميع قرارات مجلس الأمن منذ ذلك الحين باعتبارها جدية وواقعية وذات مصداقية.

    هذه المبادرة لا تُقصي أحدًا، بل تدمج مبدأ تقرير المصير في إطار السيادة الوطنية، وتوفّر للسكان إدارة ذاتية واسعة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع احترام وحدة الدولة. وجاء القرار 2797 ليكرّس هذه المبادرة كإطار وحيد للتفاوض ضمن السيادة المغربية، مؤكّدًا أن المقترح المغربي يشكّل أساسا جديا وموثوقا وواقعيا للتوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين، وداعمًا بشكل كامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي لتيسير في اطاره مفاوضات مكثفة وجوهرية بين الأطراف.

    هذا القرار وكسابقيه، لم يذكر الاستفتاء لأنه فقد مصداقيته، إذ كان منذ مطلع هذا القرن في حكم الميت واليوم أصبح مدفونا نهائيًا. كما أنه لم يعتبر الصحراء إقليمًا خاضع لمبدأ تصفية الاستعمار، بل تناول القضية باعتبارها نزاعًا سياسيًا إقليميا يتطلّب حلاً تفاوضيًا، وهو تطور قانوني توضيحي منسجم مع ميثاق الأمم المتحدة الذي تنص مادته 25 على إلزام الدول بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومادته 103 التي تؤكدعلى أولوية التزامات الميثاق على أي التزامات دولية أخرى. بهذا المعنى، القرار يضع حدًا للتأويلات التي حاولت الجزائر و البوليساريو فرضها، ويؤكد أن الحل الوحيد الممكن هو في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

    من الناحية السياسية، القرار يعكس دعم المجتمع الدولي للمبادرة المغربية ويُظهر فشل وعزلة الأطروحة الانفصالية التي لم تعد تحظى بأي سند فعلي.

    فالحكم الذاتي، عندما يكون ثمرة اتفاق حرّ ومتوافق مع القانون الدولي، لا يتعارض مع تقرير المصير، بل يُجسّده، إذ يمثّل نقطة التوازن بين الشرعية الدولية والاستقرار الإقليمي والكرامة الوطنية، ويستجيب لمتطلبات التنمية والاندماج الإقليمي.

    فمن الناحية الإقليمية، يفتح أفقًا جديدًا للتوافق والاستقرار في المنطقة المغاربية ويُعيد إحياء فكرة الوحدة المغاربية التي كانت جزءًا من مشروع التحرر الوطني في الخمسينيات. فلا يمكن قراءة القرار 2797 بمعزل عن السياق المغاربي، بل انطلاقا من روحه. إذ لا ينبغي أن ننسى أن بيان أول نوفمبر 1954 أعلن أن الثورة الجزائرية هدفها ـ”الاستقلال الوطني في إطار شمال إفريقي”، مؤكّدًا بذلك على رؤية مغاربية لنزعة الثورة الجزائرية. فهي تهدف للوحدة بين اقطاره وليس التفتيت لربوعه بخلق كيانات هشة بداخله. واليوم، يشكّل القرار الأممي فرصة لإحياء هذا الحلم عبر تجاوز الانقسامات وبناء اتحاد مغرب كبير ديمقراطي مستقر ومنفتح على العالم.

     إن القرار 2797 لا يُمثّل مجرد محطة في مسار نزاع إقليمي، بل يُجسّد تطورًا قانونيًا وسياسيًا يعيد التأكيد على أن الحل يكمن في مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي تحظى بدعم المجتمع الدولي وتعيد الاعتبار لمبدأ التفاوض، وتفتح الطريق أمام استقرار إقليمي ووحدة مغاربية طال انتظارها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحكم الذاتي خيار استراتيجي.. من منظور أبناء الصحراء لبناء الوحدة والمستقبل وتجاوز أعطاب الماضي

    إن السياق السياسي والدبلوماسي الوطني والدولي المتجدد أعاد وضع قضية الصحراء الغربية المغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي تبناه مجلس الأمن باعتباره إطارا مرجعيا وحيدا وجديدا للمفاوضات على أساس مقترح مشروع الحكم الذاتي المغربي، فالنص، الذي صيغ قبل التطور الدبلوماسي الأخير الذي عرفه الملف في أروقة مجلس الأمن، يستشرف بعمق تحولات أصبح كثير منها اليوم واقعا سياسيا معترفا به، إذ يدافع عن فكرة مركزية تقر بأن الحل الحقيقي للنزاع هو الصيغة التي قدمها المغرب منذ 2007، حيث لا يمكن أن يفرض من الخارج، بل يبنى من الداخل عبر إصلاحات ديمقراطية قام المغرب بها ولايزال يقوم بها، وسعيه المتواصل كذلك لتقعيد مفهوم الحكامة رشيدة، وإعتماد برامج تنموية حقيقبة تضع الإنسان في صلب انشغلاتها والسعي نحو مفهوم جديد للجهوية بإفق الدولة الفيدرالية مستقبلا.

    وإذا كان القرار الأممي 2797 يعتبر أن منح إقليم الصحراء الغربية المغربية حكمًا ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع للنزاع القائم منذ قرابة خمسين عاما، ويشجع القرار الأطراف المعنية على الدخول في مفاوضات على هذا الأساس، مؤكدا دعمه خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب لحل هذا النزاع المفتعل، وهي الخطة التي قدّمها أول مرة إلى الأمم المتحدة عام 2007، حبث جرى اعتماد القرار بمبادرة من الولايات المتحدة الأميركية، وحظي بتأييد 11 دولة من أصل 15 دولة في مجلس الأمن، وعرف امتناع روسيا والصين وباكستان عن التصويت، ولم تشارك الجزائر في عملية التصويت، وجدد مجلس الأمن بموجب القرار نفسه، ولاية بعثة حفظ السلام في الصحراء الغربية المغربية (مينورسو MINURSO) عاما واحدا، الشيء الذي يبرز ان هذا القرار عرف تطورا مهما في قضية الصحراء؛ إذ يعكس تحولا مهما في المواقف الدولية من الدعوة إلى تقرير المصير عبر الاستفتاء إلى قبول مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب وتحويلها إلى قرار دولي يعتبر الحكم الذاتي الإطار المرجعي الوحيد للحل.

    وفي هذا الإطار يعرف الحكم الذاتي بأنه نظام سياسي واقتصادي وإداري يمكن فيه لإقليم معين ان يقرر مصيره عبر تخويله صلاحيات واسعة لتدبير شؤونه السياسية والاقتصادية والإدارية، ويطلق غالبا على الدول التي تسير وفق هذا النظام بالدول الفدرالية.

    ومن هذا المدخل وكحل للصراع المفتعل حول الصحراء الغربية المغربية فقد تقدم المغرب منذ سنة 2007 بمبادرة رسمية سميت بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء الغربية المغربية، حيث شكلت هذه المبادرة رغبة حقيقية من جانب المغرب في وضع حد للصراع حول الصحراء الذي انتجته حقبة تاريخية مضت يتحمل الجميع فيها مسؤوليته سواء من الخارج او الداخل، حيث لاقت ترحيبا من قبل العديد من الجهات الدولية والإقليمية التي رأت في هذه المبادرة حلا جادا جريئا ومنطقيا موضوعيا لإنهاء هذا النزاع الذي عمر أكثر نصف قرن.

    وإذ تبنى هذه المبادرة المغربية الجادة على مجموعة من القواعد والمرتكزات التي تعيد بسط مشروع الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية، وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أهم تلك المرتكزات والقواعد التي يمكن ان يتضمنها هذا المشروع بناء على قراءة في نماذج مقارنة دوليا.

    وفي هذا الصدد يقوم اي مشروع حكم ذاتي في العالم على ماهو الإداري اولا؛ حيث يمارس سكان الجهة او الإقليم الإدارة المحلية والشرطة المحلية وكل ما يتعلق بمحاكم الجهة، وإن على المستوى الاجتماعي يتم منح سكان الجهة او الإقليم اختصاصات متعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والتنمية الثقافية، وفيما يخص الجانب الاقتصادي يختص تدبير جهة الحكم الذاتي بكل ما يحقق التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع وجلب الاستثمارات في كل من المجال التجاري والصناعي والسياحي والفلاحي والطاقي وتدبير الشؤون المتعلقة بالبنية التحتية ونقل.

    ولتنزيل مشروع الحكم الذاتي تعمل الدولة مركزيا على تمكين الاقليم او الجهة من موارد جد مهمة منها وبالخصوص عائدات الضرائب والرسوم والموارد المحصل عليها من استغلال الموارد الطبيعية للجهة أو الإقليم ، بالإضافة إلى الموارد المخصصة للجهة في إطار التضامن الوطني وعائدات ممتلكاتها.

    ولتدبير شؤون سكانة الاقليم او الجهة المتمتعة بالحكم الذاتي تشربعيا يتم إحداث برلمان محلي متكونا من أعضاء منتخبين من طرف مختلف المكونات المجتمعية القبلية وأعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة او الإقليم.

    أما السلطة التنفيذية فتمارس من طرف رئيس الحكومة المحلية ينتخبه البرلمان المحلي وينصبه رئيس الدولة، ويكون رئيس حكومة اقليم او جهة الحكم الذاتي هذا ممثلا للدولة المركزيا في تلك الجهة او الإقليم ومسؤولا أمام البرلمان المحلي، كما أن الدولة تحتفظ باختصاصات حصرية تتعلق بالسيادة كالنشيد الوطني والعملة، وكذا ممارسة رئيس الدولة لاختصاصاته الدينية والدستورية، ويكون للدولة مندوبا يزاول اختصاصتها الحصرية في جهة او إقليم الحكم الذاتي.

    وفي سياق القرار 2797 ومنح الحكم الذاتي للصحراء، فإنه ومن المرتقب ان المغرب ربما يكون ملزم بمراجعة دستوره وإدراج نظام الحكم الذاتي ضمن فصوله، وإصدار عفو شامل عن كل من صدرت في حقهم أحكام لها علاقة بموضوع الصراع المفتعل.

    من خلال كل ما سبق يتبين ان نية المغرب الواضحة والصريحة في وضع حل سياسي تفاوضي ديموقراطي للصراع المفتعل حول الصحراء، حلا يحترم الشرعية الدولية ويحترم إرادة سكان الصحراء، ويمد يد الأخوة للجزائر وكل من له صلة بهذا المشكل للعمل سوية لتجاوزه وبناء علاقات اخوية واقتصادية وسياسية في المنطقة، وهذا يؤكده الخطاب التاريخي للملك محمد السادس ليلة 31 اكتوبر 2025.

    فاعل سياسي ومدني من أبناء مدينة العيون الصحراء المغربية-

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عام الاستقلال والوحدة


    عبد الله بوصوف
     حين يكتمل مشروع المغرب بعد سبعين عاما

    في الثامن عشر من نوفمبر تحلّ الذكرى السبعون لاستقلال المغرب، وهي مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي لتتحول، هذا العام تحديداً، إلى لحظة تاريخية نادرة يتقاطع فيها الماضي بالراهن، وتلتقي فيها ذاكرة الكفاح الوطني بثمرة ناضجة من ثمار العمل الدبلوماسي والسياسي المتواصل. فهذه الذكرى السبعون تأتي في زمن مفعم بالدلالات؛ زمن شهد صدور قرار مجلس الأمن الأخير الذي اعترف—لأول مرة بهذا الوضوح—بالسيادة الكاملة للمغرب على أقاليمه الجنوبية، مختتماً بذلك مساراً طويلاً من العمل الجاد تجاوز نصف قرن، ومعلناً بداية مرحلة جديدة تُتوّج برؤية ملكية صلبة وواضحة لبلد موحد، قوي، مستقر، وفاعل.

    لقد جاء القرار الأممي ليؤكد شرعية تاريخية وقانونية ظل المغرب يدافع عنها بثقة وصبر، وليمنح للعالم درساً في أن القضايا الوطنية العادلة تُنتزع بتراكم الإصلاحات وصدق النية ووضوح المشاريع، لا بالضجيج ولا بالشعارات. خمسون سنة من العمل الهادئ، من المشاركة الواسعة في المسارات الأممية، من الانفتاح على المبادرات، من تقديم مقترحات واقعية وذات مصداقية، ومن تصميم على بناء نموذج تنموي في الصحراء يعطي للعالم صورة دولة مسؤولة تُعمِّق التنمية قبل أن تطلب الاعتراف بها. كل ذلك تَجمّع ليصنع لحظة 2025؛ اللحظة التي سيظل المغاربة يتذكرونها كحدث مفصلي في تاريخهم الحديث، تماماً كما يتذكرون لحظة 18 نوفمبر 1955 التي عادت فيها الشرعية إلى أصحابها.

    وإذا كانت لحظة الاستقلال قد دشّنت ميلاد الدولة الوطنية الحديثة، فإن قرار مجلس الأمن الأخير يشكل لحظة ميلاد جديد لوحدة ترابية مكتملة، لا معنية فقط بالحدود الجغرافية، بل أيضاً بترسيخ نموذج مغربي أصيل مبني على البيعة والشرعية التاريخية والاتصال الروحي والسياسي بين العرش والشعب. إنها لحظة اكتمال دورة تاريخية تبدأ بالتحرر السياسي، وتمر عبر بناء الديمقراطية ومؤسسات الدولة، وتنتهي بترسيخ الوحدة الترابية بما يعيد إلى المغرب توازنه الاستراتيجي في إفريقيا وحوض المتوسط والعالم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ولعل إعلان جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر عيداً للوحدة المغربية يتجاوز مجرد التتويج الرمزي لحدث سياسي؛ إنه يضع هذا الإنجاز في موقعه الطبيعي ضمن مسار الدولة المغربية. فعيد الاستقلال وعيد الوحدة يتكاملان في المعنى: الأول يذكّر المغاربة بأن الحرية انتزعت بتضحيات رجال المقاومة وجيش التحرير، والثاني يذكّرهم بأن السيادة تُصان بالاستمرار في البناء، وبالعمل المؤسساتي، وبالدبلوماسية الهادئة، وبالتمسك بالشرعية التاريخية والحقوق المشروعة. وبين العيدين يمتد خيط رفيع لكنه متين: خيط الوطنية التي لا تنفصل عن الحكمة، والشرعية التي لا تنفصل عن القوة الهادئة، والهوية التي لا تنفصل عن المستقبل.

    وفي لحظات كهذه، تصبح قراءة التاريخ السياسي للمغرب ضرورة لإدراك عمق الحدث. فالمغرب لم يعرف انقطاعاً في دولته، ولم يفقد سيادته رغم ما تعرض له من تقسيمات ومحميات زمن الاستعمار. وهو بلد حافظ دائماً على مركزية المؤسسة الملكية بوصفها مرجعاً للربط بين الجهات، وحاملة لروح الوحدة. وفي هذا الإطار يمكن فهم دلالة منح المغاربة للملك لقب “موحّد المغرب”؛ ليس من باب المجاملة السياسية، ولا من باب الانفعال اللحظي، بل من باب الاعتراف بدور قيادي استطاع أن يجمع بين الشرعية التاريخية والقدرة على استشراف ما سيأتي.

    لقد دافع المغرب عن وحدته بالصبر، وبناء المؤسسات، وتعزيز التنمية. ورأى العالم بأسره كيف تحوّلت الأقاليم الجنوبية إلى نموذج فريد في الاستثمار والبنيات التحتية ومشاريع الطاقات المتجددة والتنمية البشرية. وبقدر ما كانت هذه المشاريع تعبّر عن تنفيذ للرؤية الملكية، كانت أيضاً تشكل رسالة للعالم: أن المغرب لا يربط قضية وحدته الترابية بمنطق الصراع بل بمنطق البناء؛ وأنه لا ينتظر قرارات الآخرين ليثبت سيادته، بل يرسّخها بالأفعال قبل أن يأتي الاعتراف الدولي ليعكس واقعاً صنعته الإرادة الوطنية.

    وقد جاء القرار الأممي ليؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب سنة 2007، هي الإطار الواقعي والعملي والوحيد القابل للتطبيق. وهذا الاعتراف يعني في العمق أن مشروع الوحدة المغربي بات اليوم نموذجاً دولياً في كيفية إدارة النزاعات الترابية عبر الحلول السياسية والواقعية، وهو انتصار للمدرسة المغربية في تدبير القضايا الوطنية الكبرى بعيداً عن المغامرات، وبعيداً عن الخطابات المتشنجة.

    وفي ذكرى الاستقلال، يصبح هذا الاعتراف الدولي جزءاً من سردية وطنية كبرى: سردية بلد اختار طريق الإصلاح التدريجي، واستطاع أن يبني شرعيته الحديثة على أسس تاريخية متجذرة. وإذا كانت لحظة 1955 قد أسست لاستعادة الدولة، فإن لحظة 2025 تؤسس لاستعادة كامل مجالها الترابي، بما يُعطي للسياسة الخارجية المغربية قوة إضافية، ويعزز مكانتها داخل القارة الإفريقية، ويمنحها وزناً مضاعفاً في الملفات الإقليمية والدولية.

    ولعل أهم ما يميز هذه السنة بالذات هو التقاء الذاكرة التاريخية مع لحظة دبلوماسية فارقة. فقد صارت سنة 2025 سنة وحدوية بامتياز؛ سنة يجتمع فيها عيد الاستقلال مع عيد الوحدة، وتتحول فيها الأعياد الوطنية إلى سلسلة مترابطة تُظهر أن المغرب ليس دولة تعيش على أمجاد الماضي، بل دولة تصنع المستقبل انطلاقاً من تاريخها. ومن حق المغاربة، في هذا السياق، أن يحتفلوا ببلد استطاع أن يحافظ على استقراره في محيط مضطرب، وأن يبني مؤسسات قوية، وأن يرسخ نموذجاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً متفرداً.

    وعيد الاستقلال في ذكراه السبعين سيكون مناسبة لإعادة قراءة تجربة الدولة المغربية الحديثة: كيف صمدت، وكيف تطورت، وكيف شقّت لنفسها طريقاً خاصاً لا يخضع لنماذج جاهزة ولا يستعير وصفاته من الخارج. وسيكون أيضاً مناسبة لقراءة العمل الدبلوماسي المغربي، الذي لم يحقق فقط اعترافاً دولياً بسيادته على أقاليمه الجنوبية، بل حقق أيضاً إجماعاً وطنياً حول قضية الوحدة؛ إجماعاً يشكل اليوم واحداً من عناصر قوة المغرب الاستراتيجية.

    إن هذه السنة ليست مجرد محطة احتفالية، بل لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ المغرب الحديث؛ لحظة تلتقي فيها رمزية الاستقلال مع رمزية الوحدة، ولحظة يقدم فيها المغرب للعالم صورة دولة تستطيع أن تتقدم بثقة، وأن توحّد ماضيها بمستقبلها، وأن تترجم شرعيتها التاريخية إلى إنجازات سياسية على الأرض. سنة تُوّج فيها الكفاح الطويل بالاعتراف، وتوّج فيها العمل الدؤوب بالوحدة، وتوّج فيها التاريخ بالمستقبل.

    إنه عام المغرب… عام الاستقلال والوحدة… عام اكتمال مسار بدأ منذ سبعين عاماً، ويُثبت اليوم أن الأمم التي تعرف قدرها لا تتوقف حتى تُعيد ترتيب كل شبر من جغرافيتها، وكل معنى من معاني سيادتها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية .. الرباط تعبر عن الإرادة السياسية

    هسبريس ـ أحمد الساسي

    أعاد الاجتماع الذي جمع مستشاري الملك محمد السادس بقيادات الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ترتيب أولويات النقاش الوطني حول المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في ظل متغيرات إقليمية ودولية تعيد رسم موازين التفاعل مع هذا المقترح الخاص بتاريخ الملف الصحراوي داخل الأمم المتحدة.

    اللقاء، الذي عُقد في المشور السعيد بحضور وزيري الداخلية والخارجية، حمل رسائل متعددة، أبرزها العودة إلى المقاربة التشاركية التي أرساها الملك في تدبير ملف الوحدة الترابية للمملكة، واستحضار مختلف المكونات الوطنية في بلورة الصيغة المحدّثة من مبادرة الحكم الذاتي.

    وفي هذا الصدد تفاعل الرأي العام في الأقاليم الجنوبية مع فحوى هذا الاجتماع بشكل مطرد، معتبرا أنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش الوطني الهادئ والمسؤول حول مستقبل النموذج المغربي في الحكم الذاتي.

    ويتوقع عدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين بكبرى حواضر الصحراء المغربية أن يتجه النقاش خلال الأسابيع المقبلة نحو إشراك الساكنة المحلية في صياغة تفاصيل المقترح المحدث قبل رفعه إلى المنتظم الأممي، تأكيدا لمبدأ القرب وإرساء لثقافة التشارك في القرارات المصيرية.

    ويرى متتبعون أن هذا الانفتاح يعكس إرادة سياسية واضحة في إشراك كل المكونات الوطنية، بما فيها المؤسسات الاستشارية والمجالس المنتخبة، وفي مقدمتها المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، لضمان أن تكون الصيغة النهائية للمقترح معبّرة عن إجماع وطني واسع يدمج الأبعاد السياسية والتنموية والحقوقية للأقاليم الجنوبية.

    كما يؤكد خبراء من المنطقة أن تحيين تفاصيل الحكم الذاتي يشكل استمرارية لنهج الإصلاح المؤسساتي الذي يميّز عهد الملك محمد السادس، ويمنح القضية الوطنية قوة إضافية على مستوى الترافع الدولي، خصوصا في ظل الدعم المتزايد الذي حظيت به المبادرة المغربية من قِبل عدد من الدول المؤثرة والهيئات الإقليمية.

    وفي انتظار اتساع رقعة النقاش ليشمل مختلف الفاعلين المحليين تراهن ساكنة الأقاليم الجنوبية على أن تُترجم هذه الدينامية السياسية إلى مشاورات ميدانية تعيد الاعتبار لصوت المواطن الصحراوي في بناء النموذج الذاتي المنشود، بما يعزز الاستقرار والتنمية ويكرّس صورة المغرب كفاعل مسؤول في محيطه الإقليمي والدولي.

    مشاورات مرتقبة

    إبراهيم بلالي اسويح، المحلل السياسي وعضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، قال إن “المقاربة التشاركية كانت منذ أن أعلن جلالة الملك محمد السادس في خطابه لشهر يوليوز 2006 عزمه تقديم مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية؛ إذ شملت كل المكونات الحية بالبلاد، بما في ذلك المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس)”، مشيرا إلى أن “هذه المشاورات أفرزت المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي قُدمت للأمين العام للأمم المتحدة يوم 11 أبريل 2007، وشكلت منذ ذلك التاريخ أحد الأسباب الرئيسية في تشبث مجلس الأمن بثوابت العملية السياسية إلى غاية صدور القرار الأخير رقم 2797”.

    وأضاف اسويح، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن اللافت في المرحلة الراهنة هو الإرادة الملكية في ترسيخ الإجماع حول القضية الوطنية، من خلال هذا التواصل الداخلي بشأن مستجدات ملف الوحدة الترابية للمملكة، لافتا إلى أن “توالي دعوات جلالته لتعبئة كل القوى الحية بالبلاد شكلت محورا ثابتا في مختلف خطاباته الأخيرة، في وعي ملكي عميق بأهمية الجبهة الداخلية في تعزيز الموقف المغربي، الذي يرى أن حل النزاع، وإن كان توافقياً، فإنه سيتم في إطار مغرب جديد تحكمه الديمقراطية التشاركية، حيث تبقى المصالح العليا للوطن فوق أي اعتبارات سياسية أو فئوية”.

    وأوضح المحلل السياسي ذاته أن “الرسالة الضمنية من الاجتماع الذي جمع مستشاري الملك بقيادات الأحزاب تتمثل في إعطاء أبعاد سياسية وتدبيرية وقانونية لأي تعديل دستوري محتمل، وفي إغناء الصيغة الجديدة من مقترح الحكم الذاتي بمقترحات ميدانية راكمتها هذه الأحزاب عبر تجربتها في تدبير الشأنين المركزي والمحلي”، موردا أن “إعداد المبادرة السابقة مرّ عليه عقدان من الزمن، وبالتالي تقتضي المرحلة الحالية تفصيل بعض الفقرات وتحيينها بما يعكس التحولات المؤسساتية والتنموية التي شهدها المغرب”.

    ونبه المتحدث إلى أن “منطوق القرار الأممي الأخير يدعو الأطراف إلى التعاون مع الوسيط الأممي من أجل إطلاق مفاوضات جديدة بعد توقف دام أكثر من ست سنوات، على أساس المقترح المغربي كقاعدة للعملية السياسية”، مؤكدا أن “قوة هذا المقترح تكمن في الإجماع الوطني الذي يحظى به، خصوصا أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا عبّر عن انتظاره هذه النسخة الجديدة باعتبارها رهانا رئيسيا يعزز دعم مجلس الأمن لجهوده الرامية إلى تيسير المسار التفاوضي بين الأطراف، انطلاقا من مبادرة مغربية محينة ومفصلة”.

    ولفت الخبير في النزاع الانتباه إلى أن “الإشارة المهمة في خطاب جلالة الملك عقب صدور قرار مجلس الأمن كانت دعوته إلى تفصيل وتحيين المقترح المغربي، وهو ما يعني أن المسودة الأصلية ستظل قائمة في جوهرها، لكنها ستُوسع وتُفصل بشكل أدق في بعض مضامينها”، وتابع: “إن النسخة الأولى ركزت على المبادئ الكبرى دون الخوض في التفاصيل، بينما بات المغرب اليوم مؤهلا لتوضيح هذه الجوانب بفضل ما راكمه من إصلاحات جوهرية وأوراش كبرى، سواء في مجال الجهوية المتقدمة أو من خلال النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، اللذين مهدا فعليا لتنزيل مقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية”.

    كما سجل اسويح أن “الملامح الكبرى للصيغة المحدثة ستراعي التقسيم الوارد في المسودة الأصلية، لكونها تأخذ بعين الاعتبار خصوصية النزاع المفتعل”، مبرزا أن “الفصل الأول سيجدد التأكيد على التزام المملكة بالعمل على إيجاد تسوية توافقية ونهائية، في حين سيشمل الفصل الثاني تفاصيل دقيقة تتعلق بالعلاقة بين المركز والجهة، وطبيعة الاختصاصات والهياكل وأجهزة الحكم الذاتي، بينما سيبقى الفصل الثالث مرتبطاً بمسار التفاوض ومراحل تنزيل المشروع”.

    واسترسل المتتبع ذاته بأن “المستجدات التي عرفها المغرب خلال العقدين الماضيين أثرت بعمق في نضج المبادرة على المستويين الدبلوماسي والمؤسساتي”، مردفا بأن “سياسة اللاتمركز الإداري وما رافقها من دينامية تنموية في الأقاليم الجنوبية سيكون لها انعكاس مباشر على مضمون النسخة الجديدة من المبادرة، سواء من حيث عدد الفقرات أو ترتيبها، خاصة تلك الواردة في الفصول الخمسة والثلاثين من المسودة الأصلية”.

    وفي هذا السياق يرى إبراهيم بلالي اسويح أن تحيين وتفصيل المبادرة المغربية للحكم الذاتي “يمثل محطة جديدة في مسار التوافق الوطني، ويعكس نضج التجربة المغربية في الدفاع عن وحدتها الترابية بمنطق مؤسساتي منفتح على الإصلاح، ومتماسك بجبهة داخلية موحدة تُدرك حجم الرهانات وتستوعب أبعاد المرحلة المقبلة في مسار هذا النزاع الإقليمي المفتعل”.

    رهانات التحديث

    من جانبه سجل الطالب بويا اباحازم، أحد شيوخ القبائل الصحراوية، أن “الاجتماع الذي ترأسه مستشارو جلالة الملك محمد السادس مع قيادات الأحزاب الوطنية، الممثلة في البرلمان، يندرج في إطار الحرص الدائم لجلالته على تكريس المقاربة التشاركية مع مختلف الفعاليات الوطنية كلما تعلق الأمر بالقضايا الكبرى للوطن”، مضيفا أن “هذا اللقاء يجسد ترجمة عملية للتعليمات الملكية السامية الواردة في خطاب 31 أكتوبر الماضي، الذي دعا إلى تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية الكاملة”.

    وأكد اباحازم، ضمن حديث لهسبريس، أن “هذه المبادرة ليست مجرد تفاعل سياسي مرحلي، بل امتداد لمقاربة ملكية راسخة تعتبر أن قضية الصحراء قضية كل المغاربة دون استثناء”، وزاد: “جلالة الملك، من موقعه كأمير للمؤمنين وضامن لوحدة الأمة المغربية، ظلّ حريصا على إشراك جميع مكونات الشعب المغربي في تدبير الملفات المصيرية، استلهاما لقوله تعالى: ‘وأمرهم شورى بينهم’”.

    وأوضح نائب رئيس الاتحاد الدولي لدعم الحكم الذاتي أن “المرحلة المقبلة مرشحة لتوسيع دائرة المشاورات لتشمل باقي الفاعلين الوطنيين، من مؤسسات استشارية وفعاليات المجتمع المدني، وعلى رأسها شيوخ وأعيان ونخب القبائل الصحراوية، الذين يتطلعون إلى المساهمة بفعالية في بلورة النسخة المحدّثة من مشروع الحكم الذاتي، بما يضمن للساكنة المحلية تدبير شؤونها بنفسها في إطار السيادة المغربية، ويفتح الباب أمام عودة المحتجزين بمخيمات تندوف إلى وطنهم الأم في أجواء من الكرامة والوحدة والازدهار”.

    وأورد المتخصص في مجال سوسيولوجيا التنمية أن “هذه الدينامية الوطنية المتجددة تعبّر عن لحظة تعبئة شاملة للجبهة الداخلية، وتؤشر على وعي جماعي بأهمية المرحلة التي تسبق عرض النسخة المحدثة من المقترح المغربي على المنتظم الأممي”، مردفا بأن “المطلوب اليوم هو تعزيز التماسك الوطني وتوحيد الرؤى من أجل بلورة مشروع متكامل يحظى بإجماع كل المغاربة من طنجة إلى الكويرة، ويشكل أرضية تفاوضية صلبة للحسم النهائي في قضية الصحراء المغربية”.

    وخلص الطالب بويا اباحازم إلى أن “العالم يترقب المقاربة المغربية الجديدة في إدارة هذا النزاع الإقليمي، فيما المملكة مؤهلة لتقديم نموذج متوازن يجمع بين العمق السياسي والتدبير المؤسساتي الرشيد، يساهم في جعل الأقاليم الجنوبية قاطرة للتعاون الإفريقي ومركز إشعاع للاستقرار والتنمية في المنطقة”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بوريطة: علاقات متصاعدة مع موريتانيا.. ومرحلة حاسمة في ملف الصحراء بعد قرار مجلس الأمن

    أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن سنة 2025 شكّلت منعطفاً غير مسبوق في العلاقات المغربية الموريتانية، بعدما شهدت زخماً دبلوماسياً لافتاً تمثل في اجتماعات مشتركة رفيعة المستوى وتبادل واسع للزيارات الرسمية، أعقبها توقيع اتفاقات جديدة بين البلدين. وأضاف أن الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة المغربية الموريتانية ستُعقد بنواكشوط قبل نهاية السنة، مما يعكس “إرادة سياسية واضحة لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ونواكشوط”.

    وخلال عرضه لمشروع الميزانية الفرعية لوزارة الخارجية برسم سنة 2026 أمام لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية وشؤون الهجرة، توقف بوريطة عند دعوة الملك محمد السادس، في خطابه بتاريخ 31 أكتوبر 2025 عقب اعتماد القرار الأممي 2797، الرئيس الجزائري إلى “حوار أخوي وصريح” رغم غياب العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والجزائر، في مبادرة وصفها الوزير بأنها “فرصة لإرساء مرحلة جديدة قائمة على حسن الجوار وتجاوز الخلافات”.

    وفي ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، شدد بوريطة على أن النزاع يسير، بعد خمسة عقود من افتعاله، نحو حل نهائي يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب سنة 2007، مؤكداً أن المقترح أصبح يحظى بزخم واسع داخل الأمم المتحدة وفي علاقات المغرب مع شركائه الدوليين. وأبرز أن التحول الأبرز يتمثل في ترسيخ قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لموقف ثابت وفاعل يدفع المسار السياسي بقوة نحو اعتماد الحكم الذاتي كحل وحيد.

    وقال الوزير إن المبعوث الشخصي للأمين العام والمجتمع الدولي باتا مقتنعين بأن النقاش لم يعد متعلقاً بالبحث عن صيغة للحل، لأن الحل معروف ولن يكون غير الحكم الذاتي، بل يتعلق بكيفية تنزيله عملياً. وأشار إلى أن الدعم الدولي للمبادرة المغربية بلغ مرحلة جديدة، تعكس رغبة المجتمع الدولي في إنهاء النزاع بما يضمن سيادة المغرب واستقرار المنطقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • شوكي: تزامن مناقشة مشروع قانون المالية مع القرار الأممي حول الصحراء يضع مسؤولية وطنية جسيمة على عاتق الجميع

    اعتبر محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، أن تزامن مناقشة مشروع قانون المالية 2026 مع المصادقة على القرار الأممي بشأن مغربية الصحراء، يضع “مسؤولية وطنية جسيمة” على عاتق الجميع لتحويل “شحنة النصر” الدبلوماسي إلى واقع تنموي ملموس وممارسة ديمقراطية مثمرة.

    وجدد شوكي، خلال الجلسة العامة المخصصة للمناقشة والتصويت على الجزء الأول من مشروع قانون المالية 2026، اعتزازه بالمسار الديمقراطي لبلادنا. ونوه بالتوجيهات الملكية للأحزاب بخصوص تحيين مبادرة الحكم الذاتي، مؤكدا أن قضية الوحدة الترابية هي “قضية المقدس الوطني”، التي تستدعي انخراط الجميع، في هذا التحول العميق.

    وهنأ المتحدث جلالة الملك والشعب المغربي بمناسبة ما وصفه بالإنجاز التاريخي الأخير، المتمثل في قرار مجلس الأمن رقم 2797، مشددا على أن هذا القرار يؤكد بشكل نهائي وواضح ولا رجعة فيه مغربية أقاليمنا الجنوبية، ويقر المبادرة الملكية للحكم الذاتي كإطار وحيد لأية مفاوضات مقبلة، وذلك تحت سيادة المملكة.

    وفي سياق متصل، نوه شوكي بالدبلوماسية الملكية التي شكّلت نموذجا فريدا في إدارة هذا الملف المعقد، مشير إلى أنها اتسمت بالرؤية الاستراتيجية التي لم تعتبر مسألة الصحراء قضية تفاوضية محدودة بزمن أو ظرفا سياسيا.

    وأضاف أن هذه الحنكة الدبلوماسية مكنت المغرب من إقناع المجتمع الدولي بحل سياسي واقعي عبر مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007، التي تحولت من مبادرة وطنية إلى مرجعية سياسية دولية داخل الأمم المتحدة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يتشاور مع الأمم المتحدة لتطبيق قرار الحكم الذاتي فعليا بالصحراء المغربية

    أكد السفير عمر هلال الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة في مقابلة مع قناة الغد، أن القرار الأخير لمجلس الأمن يشكل «منعطفا مفصليا» في مسار ملف الصحراء، موضحا أن هذا القرار «يحدث قطيعة نهائية مع كل المقاربات السابقة»، وأن الحل الوحيد الممكن اليوم هو مقترح الحكم الذاتي في إطار سيادة المملكة. 

    وأضاف هلال أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي قدمتها المملكة عام 2007، أصبحت تحظى بدعم أكثر من 120 دولة، وأن المجتمع الدولي بات مقتنعا بأن هذا المقترح «الإطار السياسي العملي الوحيد» لتسوية النزاع. 

    ولفت هلال إلى أن خيار الاستفتاء «طوي نهائيا منذ أكثر من ربع قرن»، مؤكدا أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاوزا هذا الخيار لصالح مقاربات تفاوضية ذات طابع واقعي. 

    أما فيما يتعلق بالتنمية في الأقاليم الجنوبية، فأشار إلى أن تنفيذ المشاريع والمبادرات هناك يسير بشكل مستقل عن مسار المفاوضات، لأن توفير الخدمات والبنى التحتية يعد حقا لمواطني تلك الأقاليم، ما يعكس ممارسة السيادة المغربية الكاملة في هذه المناطق. 

    وأشار عمر هلال أن المملكة تتشاور مع الأمم المتحدة في شخص مبعوثها للصحراء المغربية قصد تفعيل قرار الحكم الذاتي على أرض الواقع في الأقاليم الجنوبية للمملكة، مضيفا أن هذا الإجراء يأتي بعد اعتراف المجتمع الدولي بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي كخيار سياسي وحيد قابل للتطبيق، وأن المرحلة القادمة ستتركز على ترجمة هذا القرار إلى ممارسات فعلية في الأقاليم الجنوبية، مع الحفاظ على السيادة والوحدة الترابية للمملكة.

    وختم هلال تصريحه بالتأكيد على أن الثوابت الوطنية — وحدتها الترابية، سيادتها، رموزها — «خط أحمر» لا مجال للنقاش فيه، قائلا: «الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أحمد بوز يشرّح سيناريوهات دسترة الحكم الذاتي في النظام الدستوري المغربي

    يشكل موضوع الحكم الذاتي في السياق المغربي أحد أكثر القضايا حساسية وتشعبا في النقاش الدستوري والسياسي الراهن، ليس فقط لارتباطه الوثيق بقضية الوحدة الترابية وإنما أيضا لكونه يقدم أرضية صلبة للنموذج السياسي الذي يمكن للمملكة أن ترسخه في أفق بناء دولة اللامركزية المتقدمة.

    فرغم أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كان مجرد مبادرة سياسية لحل نزاع إقليمي، فيمكنه أن يشكل في جوهره تصورا دستوريا متكاملا يهدف إلى إعادة توزيع السلط داخل الدولة مع الحفاظ على وحدة السيادة الوطنية. ومن ثم، فإن سؤال “كيف يمكن دسترة الحكم الذاتي في الدستور المغربي؟” ليس سؤالا تقنيا فحسب، بل هو في العمق سؤال حول طبيعة الدولة نفسها، وحول حدود المرونة التي يمكن أن يبلغها النظام الدستوري المغربي في التوفيق بين اللامركزية والسيادة.

    ينطلق النقاش من التحديد المفاهيمي لمفهوم الحكم الذاتي. فالأمر يتعلق بصيغة متقدمة من اللامركزية السياسية، تمنح جهة معينة من التراب الوطني سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية محددة، في إطار وحدة الدولة وسيادتها.

    ويختلف الحكم الذاتي عن “الجهوية الموسعة” من حيث مستوى الاستقلالية، إذ يتأسس على مبدأ تفويض واسع للسلطات المحلية في تدبير شؤونها، مع احتفاظ الدولة المركزية باختصاصاتها الجوهرية، خاصة في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والرموز السيادية. وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى الحكم الذاتي كآلية لتوزيع السلط داخل الدولة الموحدة وليس كمساس بوحدتها، وهو ما يجعل الدسترة الممكنة لهذا النظام في المغرب رهينة بصياغة دقيقة توازن بين المبدأين.

    على مستوى المرجعية الدستورية القائمة، لا يتضمن دستور 2011 نصا صريحا يؤسس لنظام الحكم الذاتي، غير أنه يشتمل على مقتضيات مرنة تسمح بتطوير التنظيم الترابي في اتجاهه. فالفصل الأول ينص على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”، وهي صيغة تجمع بين مبدئي الوحدة واللامركزية في آنٍ واحد، بما يتيح نظريا إمكانية إدماج أنماط متقدمة من الحكم الذاتي داخل البنية الدستورية للدولة الموحدة.

    أما الباب التاسع من الدستور المخصص لـ “الجهات والجماعات الترابية الأخرى”، الذي يمتد من الفصل 135 إلى الفصل 146، فيرسم معالم التنظيم الجهوي والترابي، ويؤسس لمنطق جديد في تدبير الشأن العام المحلي. فهو ينص على أن الجهات والجماعات الترابية الأخرى تعتبر جماعاتٍ قانونيةٍ خاضعة للتسيير الديمقراطي لشؤونها، وفق مبادئ التدبير الحر والتضامن والتعاون والتوازن بين الموارد والاختصاصات.

    كما يؤكد على ضرورة إرساء آليات مؤسساتية تمكن المواطنين من المشاركة في صياغة السياسات الترابية وتقييمها، وعلى أن الجماعات الترابية تتمتع بموارد مالية ذاتية وبموارد تخصصها الدولة لتقوية قدراتها التدبيرية والتنموية. وهي مقتضيات تشكل مجتمعة قاعدة دستورية مرنة يمكن البناء عليها لتوسيع صلاحيات الجهات، لا سيما في المناطق ذات الخصوصيات التاريخية والثقافية، كالأقاليم الجنوبية.

    فمفهوم الجهوية المتقدمة الوارد في الدستور، إذا ما فُعِّل في أقصى مداه، يمكن أن يفتح الباب أمام نمط من الحكم الذاتي المؤسسي المنضبط لمبدأ وحدة الدولة، والمندمج في منطق السيادة الوطنية، دون حاجة إلى إحداث قطيعة مع النظام الدستوري القائم، بل عبر تطويره في اتجاه لامركزية سياسية متقدمة تستجيب للتحديات الوطنية والإقليمية الراهنة.

    من هنا يمكن القول إن الدستور المغربي، رغم عدم تبنيه الصريح للحكم الذاتي، يتضمن في بنيته إمكانيات تأويلية تسمح بدسترة هذا النموذج دون الحاجة إلى تقويض مرتكزاته الأساسية.

    انطلاقا من هذه الأرضية، يمكن تصور ثلاث صيغ رئيسية لدسترة الحكم الذاتي في النظام الدستوري المغربي، تختلف من حيث العمق والآليات.

    الصيغة الأولى تتمثل في الإدماج المباشر للحكم الذاتي داخل الدستور من خلال تعديل جزئي يضيف بابا جديدا بعنوان “النظام الذاتي للأقاليم الجنوبية” أو “نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية” أو “جهة الحكم الذاتي للصحراء” كما سماها المقترح المغربي لسنة 2007. يتضمن هذا الباب الاعتراف القانوني بوضع خاص لتلك الأقاليم، مع تحديد مؤسساتها وصلاحياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.

    ويمكن أن ينص أيضا على وجود برلمان محلي منتخب ديمقراطيا، وحكومة محلية تمارس السلطة التنفيذية في المجالات ذات الاختصاص محلية، على أن تبقى مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والشؤون الدينية اختصاصا حصريا للدولة المركزية. هذه الصيغة، التي يبدو أنها أقرب إلى تمثل ما سيحصل بالنظر لكون الحكم الذاتي أضحى الآن قرارا أمميا، تضمن وضوحا دستوريا وتؤسس لنظام مؤسسي متين، لكنها تتطلب تعديلا دستوريا رسميا وتوافقا سياسيا واسعا على مستوى المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية.

    الصيغة الثانية تقوم على إدماج الحكم الذاتي عبر نظام أساسي خاص (Statut d’Autonomie)، كما هو الحال في التجربة الإسبانية، التي يخصص فيها الدستور بابا كاملا لـ “التنظيم الإقليمي للدولة”، وضمنه يفرد فصلا كاملا لما يسميه “مجتمعات الحكم الذاتي” التي تعد أنظمتها الأساسية من طرف جمعية تشريعية، وتعتبر القاعدة القانونية الأساسية لكل مجتمع من مجتمعات الحكم الذاتي وتعترف به الدولة وتحميه بصفته جزء مكونا لنظامها القانوني (الفصل 147). إذ يمكن للدستور المغربي أن ينص بصيغة عامة على إمكانية إنشاء “أنظمة ترابية ذاتية الحكم بمقتضى قانون تنظيمي”، ثم يصدر قانونا تنظيميا خاصا بالأقاليم الجنوبية يحدد صلاحياتها وهيئاتها ومجالات تدخلها. وتمتاز هذه الصيغة بالمرونة، لأنها تسمح بتطبيق الحكم الذاتي في إطار دستوري قائم دون تعديل جذري، كما تمنح إمكانية مراجعة وتطوير النظام لاحقا عبر القوانين التنظيمية دون الحاجة إلى المساس بالنص الدستوري نفسه.

    في المقابل، يمكن تصور صيغة ثالثة أكثر تدرجا تقوم على تطوير مبدأ الجهوية المتقدمة المنصوص عليه في الدستور نحو جهوية متميزة أو موسعة. فبدلا من الحديث عن “نظام حكم ذاتي” بالمعنى الصريح، يمكن الإبقاء على مفهوم “الجهة ذات الوضع الخاص”، كما هو معمول به في بعض الدول ذات البنية الموحدة، مثل فرنسا وإيطاليا، مع التنصيص على أن بعض الجهات قد تمنح صلاحيات تشريعية وتنفيذية موسعة تبعا لخصوصياتها التاريخية والثقافية، أي ما يعرف باللامركزية المتدرجة (La décentralisation progressive ou graduelle). هذا المسار يحافظ على انسجام النص الدستوري ويؤسس تدريجيا لثقافة سياسية جديدة في التعامل مع اللامركزية.

    غير أن دسترة الحكم الذاتي، أيا كانت الصيغة المعتمدة، تثير عددا من التحديات القانونية والسياسية التي لا يمكن إغفالها، أولها يتمثل في المعادلة السيادية. فالدستور المغربي، كما سبق، يرتكز على مبدأ وحدة الدولة والتراب الوطني، وهو ما يفرض أن تكون أي صيغة للحكم الذاتي منسجمة تماما مع هذا المبدأ. فالإقرار بسلطات محلية تشريعية وتنفيذية واسعة يجب ألا يترتب عنه وجود ازدواج في مفهوم السيادة، بل يجب أن يظل في إطار تفويض سلطات من الدولة إلى الإقليم وليس العكس. ومن ثم فإن الصياغة الدقيقة للمقتضيات الدستورية ستكون أساسية لتفادي أي التباس بين مفهوم “الاستقلال الذاتي” و”الحكم الذاتي” الذي يندرج ضمن سيادة واحدة.

    التحدي الثاني، يرتبط بالانسجام المؤسسي للنظام القانوني المغربي. فالحكم الذاتي يعني بالضرورة وجود نظام تشريعي وقضائي محلي، مما يستدعي تكييف البنية العامة للدولة حتى لا تتولد ازدواجية أو تضارب في الاختصاصات بين المؤسسات المركزية والمحلية.

    ويبرز هذا الإشكال بوضوح في مجال القضاء، الذي أدرجه مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 ضمن الاختصاصات الحصرية التي يجب أن تحتفظ بها الدولة، حيث يجب تحديد العلاقة بين المحاكم المحلية والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذلك في المجال المالي، حيث تتقاطع الاختصاصات بين الميزانية المحلية والميزانية العامة للدولة. ومن دون معالجة دقيقة لهذه الجوانب، قد يتحول الحكم الذاتي من آلية للاستقرار والاندماج إلى مصدر للتوتر الإداري والقانوني.

    التحدي الثالث، يكمن في التوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، خاصة في المجالات التي تمس الأمن الداخلي والثروات الطبيعية. فهذه القطاعات ذات طبيعة استراتيجية وتتطلب رقابة الدولة، لكن في الوقت نفسه يجب منح المؤسسات المحلية صلاحيات فعلية في تدبيرها حتى يكون الحكم الذاتي ذا مصداقية. ولتحقيق هذا التوازن، يمكن التفكير في إنشاء آلية مشتركة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية لتفادي تضارب الصلاحيات وضمان التنسيق الدائم.

    أما التحدي الرابع، والأخير، فهو ذو طبيعة سياسية ومجتمعية. فنجاح دسترة الحكم الذاتي رهين بقبول وطني واسع، لا يقتصر على النخب السياسية في المركز، بل يشمل أيضا الفاعلين المحليين والمجتمع المدني في الأقاليم المعنية. فالحكم الذاتي لا يمكن أن يفرض من أعلى، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بتقاسم السلطة والمسؤولية. كما أن الرهان لا يتوقف على البعد الداخلي، لأن المغرب يسعى من خلال هذا النموذج إلى تقديم حل نهائي لقضية الصحراء في إطار الشرعية الدولية، وهو ما يجعل صياغة النظام الدستوري للحكم الذاتي مرتبطة أيضا بالتزامات المملكة تجاه الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وطبيعة المفاوضات التي ستتم مع الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.

    من هذا المنطلق، يمكن القول إن دسترة الحكم الذاتي ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحديث البنية الدستورية المغربية وتوطيد اللامركزية السياسية. فإدماج هذا النظام في الدستور سيسمح بتطوير مفهوم الدولة الموحدة من منطق التركيز المفرط إلى منطق المشاركة في السلطة، بما يعزز الديمقراطية المحلية ويكرس مبدأ القرب في تدبير الشأن العام. كما أنه سيمنح التجربة المغربية بعدا دستوريا مقارنا، إذ قد يضعها إلى جانب تجارب رائدة، مثل إسبانيا التي اعتمدت نموذج “دولة المناطق الذاتية الحكم”، وإيطاليا التي منحت بعض مناطقها وضعا خاصا (المناطق المستقلة) لكن في إطار قاعدة “الجمهورية كوحدة لا تتجزأ” (المادة 5 من الدستور)، وفرنسا التي طبقت نموذج المناطق ذات الوضع المتميز على ما يسميه الدستور “المجتمعات المحلية الواقعة في ما وراء البحار وفي كاليدونيا الجديدة (المادة 74).

    وحتى يتحقق هذا الطموح، يمكن تصور مسار تدريجي على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى تتمثل في إجراء تعديل دستوري محدود يضيف بابا خاصا بالأنظمة الترابية ذات الوضع الخاص، يقر إمكانية إنشاء مناطق ذاتية الحكم في إطار الوحدة الوطنية. المرحلة الثانية إصدار قانون تنظيمي مفصل يحدد مؤسسات وصلاحيات الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، مع تحديد آليات التنسيق مع الحكومة المركزية. أما المرحلة الثالثة فتكمن في إحداث هيئة دستورية جديدة مهمتها السهر على احترام وحدة الدولة وضمان حسن تطبيق مقتضيات الحكم الذاتي، بما يشكل صمام أمان دستوري ضد أي انحراف محتمل.

    إن دسترة الحكم الذاتي وفق هذا التصور ستشكل خطوة نوعية في مسار تطور الدستور المغربي، لأنها ستجمع بين مطلب توسيع الديمقراطية الترابية وبين حماية الوحدة والسيادة. وهي بذلك تمثل حلا دستوريا وسياسيا متوازنا لقضية الصحراء، وفي الوقت نفسه أداة لتطوير نظام الحكم نحو مزيد من التشاركية والمرونة. فبدلا من أن يكون الحكم الذاتي حلا استثنائيا مرتبطا بملف محدد، يمكن أن يتحول إلى نموذج وطني يحتذى به لتدبير التعدد الجهوي والثقافي للمملكة، في انسجام تام مع المبادئ الدستورية الحديثة التي تقوم على وحدة الدولة وتنوع مكوناتها.

    على هذا الأساس، تبدو دسترة الحكم الذاتي خطوة معقدة تتجاوز مجرد التعديل التقني للنص الدستوري، لتطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الدولة المغربية واتجاه تطورها. فإدراج هذا الخيار في صلب الدستور يعني إعادة تعريف العلاقة بين المركز والجهات على أساس جديد من تقاسم السلطة والمسؤولية، مع ما يستتبع ذلك من تحديات في ضبط التوازن بين الوحدة والسيادة من جهة، والاعتراف بالتعدد والخصوصيات المحلية من جهة أخرى.

    لذلك، فإن المضي في هذا المسار لا يمكن أن يتم إلا عبر نقاش وطني هادئ يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والدستوريين، لضمان أن يكون الحكم الذاتي آلية لتعميق الديمقراطية والاندماج الوطني، لا مجرد تكييف ظرفي مع سياقات إقليمية أو دولية. فالمسألة في جوهرها ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل هي أيضا سياسية وتاريخية، ترتبط برهانات بناء دولة عادلة ومتماسكة قادرة على استيعاب تنوعها الداخلي ضمن مشروع وطني مشترك، لا يتأثر بتمتع بعض مناطقه بنظام الحكم الذاتي في تدبير شؤونها. ذلك النظام الذي قد لا يصل إلى درجة “نظام اللندر” الذي تحدث عنه الملك الحسن الثاني في الثمانينيات من القرن الماضي لكنه بالمقابل لا ينحصر في حدود التنظيم الجهوي الحالي حتى وإن اتسم بوصف “المتقدم” أو “الموسع”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المنهجية‭ ‬التشاركية‭ ‬الاستشرافية‭ ‬تنبثق‭ ‬عن‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬الحكيمة

     
    المقاربة التشاركية والمنهجية الاستشرافية اللتان يعتمدهما جلالة الملك محمد السادس ، حفظه الله وأيده ،  ويتخذهما قاعدةً لسياسة الدولة المغربية كلما تعلق الأمر بالقضايا الكبرى ذات الارتباط بالأمن القومي لبلادنا ، تنبثقان عن الرؤية الملكية الحكيمة ، وتشكلان فلسفةً لتدبير الشأن العام في أعلى مراتبه ، ونهجاً للتعامل مع المستجدات و للتعاطي مع التطورات التي تقتضي اتخاذ الموقف الرسمي والقرار السيادي اللذين يحفظان للمغرب حقوقَه ويحميان مصالحَه ويضمنان مكاسبَه .

     ففي إطار هذه المقاربة التشاركية ، وإعمالاً لهذه المنهجية الاستشرافية ،  عقد اجتماع بأمر من جلالة الملك ، نصره الله ، ترأسه مستشارو جلالته الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان و فؤاد عالي الهمة ، مع زعماء الأحزاب السياسية الوطنية بمجلسي البرلمان ، في مبادرة وطنية بالغة الأهمية سامية الهدف ، تروم إعمال ما ورد في الخطاب الملكي السامي يوم 31 أكتوبر الماضي ، بشأن قيام المغرب بتحيين الحكم الذاتي و تفصيله ، و تقديمه للأمم المتحدة ، ليكون جاهزاً للتطبيق على الأرض ، بعد المفاوضات التي ستستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية  ، في المدى القريب ، بين الأطراف ، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الذي كرس مقترح الحكم الذاتي في الصحراء ، تحت السيادة المغربية .

    هذه المبادرة الوطنية التي أطلقها جلالة الملك ، أعز الله أمره ،   تحيلنا على مبادرة شبيهة لها   شهدها المغرب سنة 2007 ، عندما قرر المغرب تقديم مقترح الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة في يوم 11 أبريل سنة 2007 ، حيث حرص جلالة الملك ، وفقه الله ، أن يشرك الأحزاب السياسية الوطنية الممثلة في البرلمان بمجلسيه ، في مناقشة المقترح الذي كان إبتكاراً في القانون الدولي ، وبداية المرحلة التي استغرقت 18 سنة ، لتنتهي بصدور القرار الأممي رقم 2797 في يوم 31 أكتوبر المنصرم .  فكان العمل بالمقاربة التشاركية  أحد العوامل الداعمة لإنجاح المبادرة المغربية التي تحولت اليوم إلى قانون دولي تأسس على قرار مجلس الأمن الملزم لجميع الأطراف .

    ولهذه المبادرة الملكية المبنية على المقاربة التشاركية والقائمة على دعامة المنهجية الاستشرافية ، أساسٌ يعود إلى بداية سنة 1975، حينما قرر جلالة الملك الحسن الثاني ، رحمه الله وأكرم مثواه ، تنظيم المسيرة الخضراء، وعرض المشروع على عدد من المسؤولين السياسيين و العسكريين ، وجرت مشاورات واسعة ، انتهت برسم خطة العمل للشروع في تنفيذ فكرة المسيرة ، وذلك خلال الفصل الأول من سنة 1975 ، في نطاق السرية الكاملة . فجاء الإعلان عن المسيرة في يوم 16 أكتوبر سنة 1975 ، بعد اتخاذ جميع الترتيبات على مختلف المستويات ، استناداً إلى فلسفة الحكم التي يعتمدها العرش المغربي ، والجامعة بين المقاربة التشاركية والمنهجية الاستشرافية. وهو النهج القويم الذي يسلكه المغرب اليوم، بقيادة جلالة الملك محمد السادس ، رعاه الله، والذي ينبثق عن الرؤية الملكية الحكيمة ، في هذه المرحلة الفاصلة التي دخل فيها المغرب عهداً جديداً من الجهاد الأكبر الذي يؤذن باقتراب موعد الطي النهائي للنزاع الإقليمي المفتعل .

    إقرأ الخبر من مصدره