Étiquette : 2011

  • تقديم كتاب “حقوق الإنسان بالمغرب 1999-2025”

    تم اليوم الأربعاء بالرباط، تقديم كتاب “حقوق الإنسان بالمغرب 1999-2025″ للكاتب خالد الشرقاوي السموني، وذلك في إطار فعاليات الدورة السابعة لـ”الإكليل الثقافي” التي تنظمها جمعية رباط الفتح للتنمية المستديمة.

    ويتناول هذا المؤلف الصادر باللغة الفرنسية في 200 صفحة من القطع المتوسط، والذي سيكون متاحا في المكتبات مطلع سنة 2026، حصيلة تطور منظومة حقوق الإنسان بالمغرب خلال الفترة من 1999 إلى 2025، من خلال رصد التحولات التي عرفها هذا الورش على المستويات التشريعية والمؤسساتية وآليات الحكامة.

    ووصف السموني، في معرض تقديمه للكتاب، المرحلة التي يتناولها هذا الإصدار ب”الزاخرة بالإنجازات في مجال حقوق الإنسان”، سواء على مستوى القوانين أو على مستوى إحداث مؤسسات تعنى بها، وتطوير آليات تكرس وضعية الحقوق والحريات.

    وأبرز أن هذه المنجزات ترتبط أساسا بملاءمة المنظومة القانونية الوطنية مع المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان، وبالمصادقة على اتفاقيات دولية ورفع تحفظات عن بعضها، إلى جانب تتبع أدوار مؤسسات الحكامة وما راكمته من ممارسات ومكاسب.

    وسجل الكاتب أن الإصدار توقف كذلك عند أوراش نوعية، من بينها النهوض بوضعية المرأة وتكريس مبدأ المساواة، وتعزيز الحقوق الاجتماعية والثقافية والبيئية، وغيرها.

    من جهته، أكد عبد الكامل دينية، عن جمعية رباط الفتح للتنمية المستديمة، أن تنظيم هذا اللقاء العلمي الذي يتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، يأتي في إطار البرنامج الثقافي للجمعية الرامي إلى تسليط الضوء على قضايا ذات راهنية وأهمية داخل المشهد الثقافي الوطني.

    وأضاف أن هذا النشاط يترجم مساهمة الجمعية باعتبارها مكونا من مكونات المجتمع المدني في التعريف بمنجز المغرب في مجال حقوق الإنسان، مذكرا بأن دستور 2011 كرس هذا الموضوع من خلال فصول متعددة، بما يعكس الأهمية التي توليها المملكة للنهوض بالحقوق والحريات.

    وتتواصل فعاليات الدورة السابعة لملتقى “الإكليل الثقافي”، التي تنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى غاية 25 دجنبر الجاري. ويعد هذا الملتقى منصة فكرية متعددة الأبعاد تجمع بين الثقافة في أبعادها المختلفة وكذا التكنولوجيا، والسياسات الحضرية، وتسلط الضوء على التحديات والفرص التي تتيحها المدن الذكية المستديمة في مواجهة التحديات الحضرية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الأحرار » يهاجم المعارضة في مجلس المستشارين بعد انسحابها بسبب قانون « مجلس الصحافة

    وصف محمد البكوري، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، انسحاب مكونات المعارضة من الجلسة التشريعية المخصصة للتصويت على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بالممارسة « الدخيلة » على التجربة البرلمانية المغربية منذ دستور 2011، معتبرا إياها تهدد « قواعد العمل السياسي والمؤسساتي في أسسه الدستورية، كما هو محدد في الدستور وفي النظام الداخلي لمجلس المستشارين ».

    وأوضح بكوري، في كلمة له بعد التصويت على المشروع اليوم الأربعاء، أنه، بغض النظر عن مضمون وأهمية القوانين التنظيمية أو العادية المعروضة على البرلمان، فإن الخروج عن قواعد العمل البرلماني من شأنه أن يزيد من مخاطر تكرار هذه الممارسة بشكل غير مسبوق، وأن يؤدي إلى تعطيل العمل البرلماني نفسه، أو على الأقل إلى حرمان أعضاء الفرق المنسحبة من ممارسة مهامها ووظائفها الدستورية، التي تشكل في آن واحد حقا وواجبا دستوريا.

    وقال إن قواعد الاشتغال وممارسة المهام والوظائف البرلمانية لا تندرج فقط في إطار الحقوق، بل تتحول إلى واجبات دستورية ملزمة، محددة بدقة وفق أحكام الدستور ومقتضيات النظام الداخلي، داعيا إلى الانتباه إلى معطى أساسي وجوهري يتعلق، من جهة، بحقوق وواجبات الفرق البرلمانية كما يحددها النظام الداخلي، ومن جهة ثانية، بالآليات الدستورية المتاحة للعمل البرلماني، التي تشكل في الوقت نفسه ضمانة للاختيار الديمقراطي ولسير المؤسسة البرلمانية بشكل عادي وطبيعي، باعتبارها أساس التمثيل الديمقراطي.

    وسجل رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار أنه لا يوجد، ضمن المسطرة التشريعية لمجلس المستشارين، ما ينص على الاحتجاج أو الانسحاب أو مقاطعة جلسات التصويت، إلا إذا تعلق الأمر برد فعل على خرق للدستور أو للنظام الداخلي، وهو ما لم يثبت في موضوع التصويت على مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة.

    وأشار إلى أن المشروع التشريعي خضع لمناقشة التعديلات داخل اللجنة المختصة، وتم التصويت عليها بأغلبية ستة أصوات مقابل خمسة أصوات للمعارضة، مبرزا أن التعبير عن المواقف السياسية لا يمكن أن يتم عبر الانسحاب أو مقاطعة التصويت، بل من خلال تحمل المسؤولية الدستورية والسياسية، عبر التصويت بالرفض مقرونا بالتعليل وتفسير الموقف، بما يتيح تسجيل الموقف السياسي للتاريخ.

    واعتبر بكوري أن الانسحاب من جلسة دستورية مخصصة للتصويت على مشروع قانون معروض على المؤسسة التشريعية يشكل مسا خطيرا بالثوابت الدستورية، وبالتزامات ممثلي الأمة.

    يذكر أن مكونات المعارضة انسحبت من جلسة التصويت لتتم المصادقة على مشروع القانون بالإجماع، ويتعلق الأمر بكل من الفريق الحركي، والفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، وفريق الاتحاد المغربي للشغل، ومجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إضافة إلى الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كواليس محاولات المعارضة لإحالة قانون مجلس الصحافة على المحكمة الدستورية

    دعت مكونات المعارضة رئيسَ مجلس المستشارين إلى إحالة مشروع قانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، وذلك من خلال مراسلة وجهتها إليه اليوم، عقب التصويت على مشروع القانون، إثر انسحابها من الجلسة التشريعية.

    وكشفت مصادر مطلعة أنه، بعد رفع الجلسة التشريعية من أجل التشاور، اليوم الأربعاء، انعقد لقاء مع رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، الذي أوضح لمكونات المعارضة أنه لا يمكنه الاستجابة لطلب إعادة مشروع القانون إلى لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، لكون ذلك يخالف النظام الداخلي للمجلس، لا سيما أن الجلسة كانت قد انعقدت.

    وأضافت المصادر ذاتها أن مكونات المعارضة أخبرت رئيس المجلس بعزمها مراسلته رسميا في الموضوع، ليرد عليهم بأنه سينظر فيه دون أن يقدم أي وعد بالاستجابة.

    وأشارت المصادر إلى أن اللجوء إلى مراسلة رئيس مجلس المستشارين جاء في ظل تعذر بلوغ أربعين عضوا من أجل إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية، وفقا لمقتضيات الفصل 132 من الدستور.

    يذكر أن مكونات المعارضة انسحبت من جلسة التصويت، لتتم المصادقة على مشروع القانون بالإجماع، ويتعلق الأمر بكل من الفريق الحركي، والفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، وفريق الاتحاد المغربي للشغل، ومجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إضافة إلى الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب.

    وفي هذا السياق قال نور الدين سليك، في كلمة باسم مكونات المعارضة بالمجلس: « إننا نتشبث بحقنا في مطالبة رئيس مجلس المستشارين بإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، كما نطالب، استنادا إلى المادة 217 من النظام الداخلي، بإرجاع النص إلى اللجنة المختصة لإعادة قراءته، وأن هذا التوجه يندرج في إطار حسن النية والرغبة في الوصول إلى قانون ينظم مهنة الصحافة في مستوى تطلعات القوى الحية بالبلاد ».

    وأوضح، في كلمته التي أعلن فيها انسحاب مكونات المعارضة من المجلس، أن هذه الخطوة جاءت ردا على تبخيس عمل المعارضة، لتترك المجال للحكومة وأغلبيتها لتمرير مشروع القانون، مبرزا أن التحفظات التي عبرت عنها مكونات المعارضة بخصوص مشروع القانون لم تكن وليدة اللحظة، بل رافقت مساره منذ إحالته على مجلس المستشارين.

    وأضاف سليك أن مثل هذه القوانين، بالنظر إلى طبيعتها وحساسية المجال الذي تؤطره، كان يفترض أن تُبنى على منطق التوافق، خاصة داخل مؤسسة تقوم على تمثيلية سوسيو-اقتصادية.

    وسجل أن مشروع القانون عرف بعض الاختلالات، منها أن النص نوقش بمجلس النواب في وقت كانت فيه الإحالة قائمة على كل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

    وذكر أن مجلس المستشارين نظم، في هذا الإطار، يوما دراسيا عبر لجنته المعنية، انفتح خلاله على جميع الفاعلين في الحقل الصحافي، بمن فيهم الوزارة الوصية، مع الحرص على عدم إقصاء أي مكون من مكونات الجسم الصحافي، مهما كان حجمه، مشيرا إلى أن هذه المحطة أفضت إلى خلاصات واضحة ونقاش مسؤول بين مختلف الأطراف.

    وأبرز رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل أن مطالب تأجيل مناقشة المشروع وإرجاعه إلى اللجنة المختصة لم تكن تهدف إلى عرقلة المسطرة التشريعية أو تعطيلها، بل كانت ترمي إلى تمكين المجلس من إصدار قانون يعكس الوحدة الوطنية داخل الجسم الصحافي، ويرسخ تطور الأفق الديمقراطي ببلادنا، مستحضرا الدور التاريخي الذي اضطلعت به الصحافة المغربية خلال مرحلة التحرر الوطني وبناء الديمقراطية، وكذا الآفاق التي فتحها دستور 2011 في مجال الممارسة التشاركية.

    وعبر المتحدث ذاته عن أسفه لما اعتبره إصرارا من طرف الحكومة على رفض جميع التعديلات، وهو موقف، بحسبه، عبرت عنه منذ مناقشة المشروع بمجلس النواب، ثم كررته داخل لجنة مجلس المستشارين وفي تصريحات إعلامية، قبل أن يتأكد عمليا، خلال انعقاد اللجنة، أنه لم يتم الأخذ بأي تعديل، واعتماد الحكومة على الأغلبية العددية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • قانون الصحافة يفجّر انسحاب المعارضة

    هسبريس – علي بنهرار

    قررت مكونات المعارضة بمجلس المستشارين، اليوم الأربعاء، الانسحاب جماعة من الجلسة العمومية المخصصة للمصادقة والتصويت على مشروع قانون رقم 026.25 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة؛ وذلك بعد رفع الجلسة للتشاور، انتهت إلى إرساء قرار جماعي أعلن عنه الاتحاد المغربي للشغل، على لسان رئيسه نور الدين سليك، “تاركين للحكومة وأغلبيتها مسؤولية ما ستؤول إليه الأمور”.

    وطالب سليك، في نقطة نظام بعد جلسة للتشاور دامت نحو ساعة من الزمن، بإرجاع المشروع إلى “لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بالغرفة البرلمانية الثانية، من أجل إعادة قراءته، وفق الآليات التي يتيحها النظام الداخلي”.

    واعتبر رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل أن هذا ليس “من باب التصعيد؛ بل تعبيرا منا، مرة أخرى، عن حسن نيتنا، وعن كون أيدينا ممدودة من أجل أن يكون للمغرب قانون ينظم الصحافة في مستوى تطلعات القوى الحية في هذا البلد”.

    وشدد المتحدث، الذي أعلن انسحاب الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية والفريق الحركي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على أنه “لضمان صحافة في مستوى تضحيات شعبنا، والدور التاريخي الذي اضطلع به الإعلام”، يجب “إحالة هذا المشروع على المحكمة الدستورية من لدن رئيس مجلس المستشارين”.

    وتابع سليك: “بالنظر إلى إصرار الحكومة على تمرير هذا القانون كما هو، اعتمادا على أغلبيتها، فإننا أولا نعلن تمسكنا بتعديلاتنا، وعدم سحبها، ونعتبرها أمانة لدى رئيس الجلسة وأمينها، اللذين نضع فيهما كامل الثقة لتحمل مسؤوليتهما الدستورية، وجعل هذه التعديلات معروضة للنقاش والتداول”.

    وأشار رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل إلى أنه “تم التصويت على النص في مجلس النواب في الوقت الذي كانت فيه إحالته لا تزال قائمة على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان؛ لكن رئاسة مجلسنا اتخذت قرارا يقضي بعدم الشروع في التداول فيه إلى حين صدور رأي المجلسين المذكورين”.

    وزاد المستشار البرلماني عينه شارحا: “وقد بادر المجلس، عبر لجنته المعنية، إلى تنظيم يوم دراسي انفتح فيه على جميع المكونات الفاعلة في الحقل الصحافي، ومن ضمنها الوزارة الوصية، واشترط مكتب المجلس عدم إقصاء أي مكون من المكونات الصحافية، مهما كان حجم تمثيليته، كبيرا كان أم صغيرا”، لافتا إلى أن “أشغال اليوم الدراسي أسفرت عن خلاصات مهمة، تخللها نقاش جاد وتدافع في وجهات النظر بيننا”.

    وشدد سليك على أن المطالبة مرات عديدة بإرجاع المشروع وتأجيل اجتماع اللجنة، والدفع في اتجاه التأجيل، كان “أملا بأن تتلقى الحكومة رسالتنا بوضوح، وهي أننا نريد إصدار قانون يحظى بإجماع جماعي كمجلس واحد، قانون يعكس الوحدة الوطنية داخل المجتمع الصحافي، ويواكب تطور الأفق الديمقراطي في بلادنا”.

    وتابع المتحدث عينه: “ولا يخفى أن الإعلام في المغرب ارتبط، في مرحلة التحرير ثم في مرحلة البناء الديمقراطي، بأدوار نضالية أساسية؛ فقد كان الصحافيون المناضلون يصدرون الجرائد ويحتضنون المناضلات والمناضلين، وتعرض الكثير منهم للطرد والتضييق بسبب مواقفهم. وجاء دستور 2011 ليفتح آفاقا جديدة للممارسات التشاركية، وآفاقا أوسع للبناء الديمقراطي المشترك في بلدنا.

    وبعد أن استغرب رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل بالغرفة الثانية من المؤسسة التشريعية “إصرار الحكومة غير المبرر على رفض الأخذ بأي تعديل”، تابع قائلا: “وقد عبّرت عن هذا الموقف صراحة داخل مجلس النواب، سواء خلال المناقشة العامة داخل اللجنة، كما تشهد على ذلك محاضر الجلسات، أو عبر وسائل الإعلام السمعية البصرية، حين أعلنت أنها لن تقبل أي تعديل؛ وهو ما تأكد فعلا يوم الاثنين، حيث استقرت الحكومة على موقفها، مستندة إلى أغلبيتها العددية”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القوانين الانتخابية: تجديد في الممارسة وترسيخ للخيار الديمقراطي

    المهدي كمال الحجام

    جاء خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش الأخير ليعيد ترتيب أولويات المرحلة، مؤكداً أن البناء الديمقراطي وترشيد الممارسة السياسية والانتخابية هو ركيزة أساسية من ركائز النموذج التنموي الجديد.

    وفي هذا السياق دعا جلالته بوضوح إلى إعادة مراجعة القوانين الانتخابية وإخراج مدونة متكاملة، باعتبارها مدخلاً جوهرياً لتجديد الثقة بين المواطن والدولة و إعادة المصداقية للوساطة التمثيلية، من خلال ضمان استمرارية المؤسسات المنتخبة على أسس نزيهة وشفافة، وقيامها بوظائفها في التمثيل الشعبي والتنمية الوطنية والمحلية بكل ما تستدعيه من نجاعة وفعالية وجدوى.

    وقد كانت هذه الدعوة الملكية السامية بمثابة منارة توجيهية أرست الإطار المرجعي للإصلاح، وأطلقت دينامية تشريعية جديدة أفضت إلى المصادقة على التعديلات الجديدة للقوانين الانتخابية، التي ليست إجراء تقنيا بل إصلاحا نسقيا يشكل خطوة نوعية في مسار تطوير الممارسة الديمقراطية الوطنية.

    لقد تفاعلت الحكومة في شخص وزارة الداخلية والبرلمان، مع هذه التوجيهات الملكية السديدة، فباشرت المملكة إصلاحاً همّ المنظومة الانتخابية برمتها، من خلال مراجعة القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية العامة.

    وجاءت هذه المراجعة في سياق سياسي يطبعه الوعي الجماعي بضرورة تحصين الخيار الديمقراطي الذي نص عليه دستور 2011 كثابت من ثوابت الأمة، وجعله أكثر نجاعة وعدلا وتمثيلية.

    إن مصادقة البرلمان على هذه القوانين تعكس التقاء الإرادة الملكية السامية مع الإرادة التشريعية والسياسية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، عبر منظومة قانونية تُعزز النزاهة وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة.

    وقد حرصت وزارة الداخلية، بصفتها الجهة المشرفة على تدبير العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، على أن تُترجم هذه القوانين رؤيةً إصلاحية متكاملة تتأسس على الشفافية، والعدالة المجالية، والمسؤولية. فالإدارة الترابية، بما راكمته من خبرة وكفاءة، شكلت على الدوام ضمانةً لاستمرار العملية الديمقراطية، وحصناً مؤسساتياً يحمي المسار الانتخابي من الانحراف أو العبث، فهي بالطبع لا تنتج السياسة ولكنها تحمي شروط إنتاجها بما يضمن التوازن الدقيق بين منطقة الدولة ومنطق التنافس الديموقراطي السليم.

    إن وجود وزارة الداخلية بما تمثله من صرامة في الانضباط للقانون وحرصٍ على المصلحة العامة، خفّف من صدمة ضعف بعض النخب السياسية، إذ ضمنت انتظامية الانتخابات واستقرار المؤسسات حتى حين تعثّر أداء بعض المنتخبين عن مواكبة تطلعات المواطنين. لكن الوزارة، وهي تضطلع بهذا الدور، تُدرك في الآن ذاته أن نجاح التجربة الديمقراطية لا يُقاس بسلامة الإجراء فحسب، بل بقدرة النخب على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وتجسيد الثقة التي منحها المواطن عبر صناديق الاقتراع.

    وفي هذا السياق، تُبرز القوانين الانتخابية الجديدة إرادة الدولة في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز تمثيلية النساء والشباب، بما يجعل المؤسسات المنتخبة أكثر تنوعاً وعدلاً.
    فقد تم اعتماد اللائحة الجهوية للنساء بديلاً عن اللائحة الوطنية، في توجه يراعي الإنصاف الترابي ويضمن حضوراً متوازناً للمرأة في مختلف الجهات.

    كما تم تيسير شروط المشاركة أمام الشباب، وتشجيع الأحزاب على إدماجهم في لوائحها الانتخابية.

    وهي خطوات تؤكد أن الإصلاح الانتخابي لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل تحول حقوقي ينسجم مع المعايير الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

    وإلى جانب البعد الحقوقي، فقد ركّز الإصلاح الجديد على مكافحة الريع الانتخابي وضمان الشفافية المالية في الحملات. إذ تم تشديد ضوابط الإنفاق الانتخابي، وتوسيع صلاحيات المراقبة، وإقرار آليات رقمية للتتبع والتصريح بالمصاريف، تعزيزاً لثقة المواطن في نزاهة العملية برمتها. كما تم تبسيط المساطر الإدارية والرقمنة الكاملة للسجلات الانتخابية، ضماناً للولوجية وتيسيراً للمشاركة، مع احترام المعطيات الشخصية وخصوصية الناخبين.

    ولم يغفل هذا الإصلاح كذلك أهمية العلاقة بين منطق الإدارة وواقع السياسة. فوزارة الداخلية، وهي تواكب تنزيل القوانين الجديدة، تعتبر أن توازن التجربة المغربية يقوم على تكامل هذين البعدين: إدارة قوية في انضباطها ونزاهتها، ونخب سياسية قوية في كفاءتها ومسؤوليتها. فالديمقراطية تُبنى على تفاعل مؤسساتي خلاق يجعل من الانتخابات أداةً لتوحيد الإرادة الوطنية حول الإصلاح والتنمية.

    لقد أبان الخطاب الملكي عن وضوحٍ في الرؤية وقوة في الطرح، حين أكد أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بنخبٍ مترددة أو أحزابٍ مغلقة على نفسها. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل هي ثقافة ومسؤولية تبدأ من داخل الأحزاب نفسها.

    ومن هنا جاءت الدعوة الملكية لإصلاح المنظومة الانتخابية لتُحرّك المياه الراكدة، وتدفع الأحزاب إلى مراجعة ذواتها قبل أن تطالب الدولة بتغيير القوانين.

    فضعف النخب وغياب الغيرة الوطنية لدى جزء من الطبقة السياسية أفرزا مشهداً حزبياً متكلساً ومؤسساتٍ فقدت جزءاً من مصداقيتها أمام الرأي العام، مما جعل كثيراً من الاحتجاجات الاجتماعية تُوجّه ضد ضعف المنتخبين أكثر مما تُوجّه ضد الدولة.

    إن الانتخابات المقبلة هي امتحان لمدى نضج التجربة المغربية، وقدرتها على المواءمة بين استمرارية المؤسسات وتجديد النخب. فالمغرب اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، حبلى بالعديد من التحديات والرهانات الكبرى ، تتطلب برلماناً وازناً ونخبة سياسية تمتلك من الجرأة ما يكفي للتعبير عن تطلعات المواطن والانخراط في أوراش الإصلاح الكبرى من الطاقات المتجددة إلى العدالة الاجتماعية، ومن التنمية المستدامة إلى الاستثمار الإنتاجي.

    وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الداخلية أن نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على وعي الفاعلين بقدسية الثقة الشعبية، وعلى التزامهم بأخلاقيات الممارسة السياسية.

    إن القوانين الانتخابية التي تمت المصادقة عليها تُجسد في جوهرها إرادةً ملكيةً سامية لتجديد الدماء في المؤسسات، وإرادةً إداريةً صلبة لصون نزاهة العملية، وإرادةً مجتمعيةً لبناء ديمقراطية مسؤولة تُقوّي ثقة المواطن في الدولة.

    فبهذه التوليفة المتميزة بين القيادة الملكية، والحزم الإداري، والمسؤولية السياسية، يؤكد المغرب مرة أخرى أن الخيار الديمقراطي ليس شعاراً يُرفع، بل مساراً يُرسَّخ.

    إن المملكة، وهي تواصل هذا الورش بتدرجٍ وثبات، تُعيد تعريف علاقتها بالمواطنة من خلال جعل الانتخابات تعبيراً عن إرادة الأمة، وتجعل من مدونة الانتخابات الجديدة مرآة لروح الديمقراطية المغربية كما أرادها جلالة الملك: ديمقراطية مسؤولة، متوازنة، نزيهة، ومواطنة.

    إنه، ببساطة، ورش يشكل امتدادا لفلسفة ملكية ثابتة تعتبر أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل آلية لإنتاج مؤسسات قوية وشرعية.

    لقد قامت الدولة إذن بدورها كاملا: توجيها ملكيا واضحا، وتأطيرا دستوريا صلبا، وتنزيلا إداريا صارما ومحايدا، ولم يعد مقبولا، بعد اليوم، أن يختزل ضعف الممارسة السياسية في القوانين أو في الإدارة الترابية، فالتحدي الحقيقي أصبح تحدي النخب الحزبية ذاتها، وقدرتها على الارتقاء إلى مستوى مكانتها وأدوارها الدستورية الهامة، وتحويل الشرعية الانتخابية إلى فعل تنموي حقيقي وتأطير مستدام للمواطنين ومسؤولية سياسية وأخلاقية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • القوانين الانتخابية.. تجديد في الممارسة وترسيخ للخيار الديمقراطي

    جاء خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش الأخير ليعيد ترتيب أولويات المرحلة، مؤكداً أن البناء الديمقراطي وترشيد الممارسة السياسية والانتخابية هو ركيزة أساسية من ركائز النموذج التنموي الجديد.

    وفي هذا السياق دعا جلالته بوضوح إلى إعادة مراجعة القوانين الانتخابية وإخراج مدونة متكاملة، باعتبارها مدخلاً جوهرياً لتجديد الثقة بين المواطن والدولة و إعادة المصداقية للوساطة التمثيلية، من خلال ضمان استمرارية المؤسسات المنتخبة على أسس نزيهة وشفافة، وقيامها بوظائفها في التمثيل الشعبي والتنمية الوطنية والمحلية بكل ما تستدعيه من نجاعة وفعالية وجدوى.

    وقد كانت هذه الدعوة الملكية السامية بمثابة منارة توجيهية أرست الإطار المرجعي للإصلاح، وأطلقت دينامية تشريعية جديدة أفضت إلى المصادقة على التعديلات الجديدة للقوانين الانتخابية، التي ليست إجراء تقنيا بل إصلاحا نسقيا يشكل خطوة نوعية في مسار تطوير الممارسة الديمقراطية الوطنية.

    لقد تفاعلت الحكومة في شخص وزارة الداخلية والبرلمان، مع هذه التوجيهات الملكية السديدة، فباشرت المملكة إصلاحاً همّ المنظومة الانتخابية برمتها، من خلال مراجعة القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية العامة.

     وجاءت هذه المراجعة في سياق سياسي يطبعه الوعي الجماعي بضرورة تحصين الخيار الديمقراطي الذي نص عليه دستور 2011 كثابت من ثوابت الأمة، وجعله أكثر نجاعة وعدلا وتمثيلية.

     إن مصادقة البرلمان على هذه القوانين تعكس التقاء الإرادة الملكية السامية مع الإرادة التشريعية والسياسية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، عبر منظومة قانونية تُعزز النزاهة وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة.

    وقد حرصت وزارة الداخلية، بصفتها الجهة المشرفة على تدبير العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، على أن تُترجم هذه القوانين رؤيةً إصلاحية متكاملة تتأسس على الشفافية، والعدالة المجالية، والمسؤولية. فالإدارة الترابية، بما راكمته من خبرة وكفاءة، شكلت على الدوام ضمانةً لاستمرار العملية الديمقراطية، وحصناً مؤسساتياً يحمي المسار الانتخابي من الانحراف أو العبث، فهي بالطبع لا تنتج السياسة ولكنها تحمي شروط إنتاجها بما يضمن التوازن الدقيق بين منطقة الدولة ومنطق التنافس الديموقراطي السليم.

     إن وجود وزارة الداخلية بما تمثله من صرامة في الانضباط للقانون وحرصٍ على المصلحة العامة، خفّف من صدمة ضعف بعض النخب السياسية، إذ ضمنت انتظامية الانتخابات واستقرار المؤسسات حتى حين تعثّر أداء بعض المنتخبين عن مواكبة تطلعات المواطنين. لكن الوزارة، وهي تضطلع بهذا الدور، تُدرك في الآن ذاته أن نجاح التجربة الديمقراطية لا يُقاس بسلامة الإجراء فحسب، بل بقدرة النخب على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وتجسيد الثقة التي منحها المواطن عبر صناديق الاقتراع.

    وفي هذا السياق، تُبرز القوانين الانتخابية الجديدة إرادة الدولة في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز تمثيلية النساء والشباب، بما يجعل المؤسسات المنتخبة أكثر تنوعاً وعدلاً.

    فقد تم اعتماد اللائحة الجهوية للنساء بديلاً عن اللائحة الوطنية، في توجه يراعي الإنصاف الترابي ويضمن حضوراً متوازناً للمرأة في مختلف الجهات.

     كما تم تيسير شروط المشاركة أمام الشباب، وتشجيع الأحزاب على إدماجهم في لوائحها الانتخابية.

     وهي خطوات تؤكد أن الإصلاح الانتخابي لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل تحول حقوقي ينسجم مع المعايير الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

    وإلى جانب البعد الحقوقي، فقد ركّز الإصلاح الجديد على مكافحة الريع الانتخابي وضمان الشفافية المالية في الحملات. إذ تم تشديد ضوابط الإنفاق الانتخابي، وتوسيع صلاحيات المراقبة، وإقرار آليات رقمية للتتبع والتصريح بالمصاريف، تعزيزاً لثقة المواطن في نزاهة العملية برمتها. كما تم تبسيط المساطر الإدارية والرقمنة الكاملة للسجلات الانتخابية، ضماناً للولوجية وتيسيراً للمشاركة، مع احترام المعطيات الشخصية وخصوصية الناخبين.

    ولم يغفل هذا الإصلاح كذلك أهمية العلاقة بين منطق الإدارة وواقع السياسة. فوزارة الداخلية، وهي تواكب تنزيل القوانين الجديدة، تعتبر أن توازن التجربة المغربية يقوم على تكامل هذين البعدين: إدارة قوية في انضباطها ونزاهتها، ونخب سياسية قوية في كفاءتها ومسؤوليتها. فالديمقراطية تُبنى على تفاعل مؤسساتي خلاق يجعل من الانتخابات أداةً لتوحيد الإرادة الوطنية حول الإصلاح والتنمية.

    لقد أبان الخطاب الملكي عن وضوحٍ في الرؤية وقوة في الطرح، حين أكد أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بنخبٍ مترددة أو أحزابٍ مغلقة على نفسها. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل هي ثقافة ومسؤولية تبدأ من داخل الأحزاب نفسها.

     ومن هنا جاءت الدعوة الملكية لإصلاح المنظومة الانتخابية لتُحرّك المياه الراكدة، وتدفع الأحزاب إلى مراجعة ذواتها قبل أن تطالب الدولة بتغيير القوانين.

    فضعف النخب وغياب الغيرة الوطنية لدى جزء من الطبقة السياسية أفرزا مشهداً حزبياً متكلساً ومؤسساتٍ فقدت جزءاً من مصداقيتها أمام الرأي العام، مما جعل كثيراً من الاحتجاجات الاجتماعية تُوجّه ضد ضعف المنتخبين أكثر مما تُوجّه ضد الدولة.

    إن الانتخابات المقبلة هي امتحان لمدى نضج التجربة المغربية، وقدرتها على المواءمة بين استمرارية المؤسسات وتجديد النخب. فالمغرب اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، حبلى بالعديد من التحديات والرهانات الكبرى ، تتطلب برلماناً وازناً ونخبة سياسية تمتلك من الجرأة ما يكفي للتعبير عن تطلعات المواطن والانخراط في أوراش الإصلاح الكبرى من الطاقات المتجددة إلى العدالة الاجتماعية، ومن التنمية المستدامة إلى الاستثمار الإنتاجي.

    وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الداخلية أن نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على وعي الفاعلين بقدسية الثقة الشعبية، وعلى التزامهم بأخلاقيات الممارسة السياسية.

    إن القوانين الانتخابية التي تمت المصادقة عليها تُجسد في جوهرها إرادةً ملكيةً سامية لتجديد الدماء في المؤسسات، وإرادةً إداريةً صلبة لصون نزاهة العملية، وإرادةً مجتمعيةً لبناء ديمقراطية مسؤولة تُقوّي ثقة المواطن في الدولة.

    فبهذه التوليفة المتميزة بين القيادة الملكية، والحزم الإداري، والمسؤولية السياسية، يؤكد المغرب مرة أخرى أن الخيار الديمقراطي ليس شعاراً يُرفع، بل مساراً يُرسَّخ.

    إن المملكة، وهي تواصل هذا الورش بتدرجٍ وثبات، تُعيد تعريف علاقتها بالمواطنة من خلال جعل الانتخابات تعبيراً عن إرادة الأمة، وتجعل من مدونة الانتخابات الجديدة مرآة لروح الديمقراطية المغربية كما أرادها جلالة الملك: ديمقراطية مسؤولة، متوازنة، نزيهة، ومواطنة.

    إنه، ببساطة، ورش يشكل امتدادا لفلسفة ملكية ثابتة تعتبر أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل آلية لإنتاج مؤسسات قوية وشرعية.

    لقد قامت الدولة إذن بدورها كاملا:  توجيها ملكيا واضحا، وتأطيرا دستوريا صلبا، وتنزيلا إداريا صارما ومحايدا، ولم يعد مقبولا، بعد اليوم، أن يختزل ضعف الممارسة السياسية في القوانين أو في الإدارة الترابية، فالتحدي الحقيقي أصبح تحدي النخب الحزبية ذاتها، وقدرتها على الارتقاء إلى مستوى مكانتها وأدوارهاالدستورية الهامة، وتحويل الشرعية الانتخابية إلى  فعل تنموي حقيقي وتأطير مستدام للمواطنين ومسؤولية سياسية وأخلاقية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • العدالة الانتقالية في المغرب


    عبد السلام بوطيب
    استهلال:

    يأتي هذا المقال في سياق مسار فكري ومؤسساتي متواصل، انشغلتُ خلاله، كتابةً وممارسةً، بمساءلة الأسئلة العميقة التي أثارتها التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية، سواء داخل فضاءات النقاش العمومي أو من خلال المسؤوليات التي اضطلعتُ بها ضمن هيئات ومؤسسات متخصصة.

    وقد أتاح المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور، ولا سيما في دورته الأخيرة، بما راكمه من نقاشات نوعية ومداخلات رفيعة، وبما وفّره من حوارات معمّقة مع فاعلين وخبراء دوليين، لحظةً تأملية مكثفة، استدعت إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغ جديدة، والنظر في التجربة المغربية خارج منطق الاكتمال أو الإغلاق.

    ومن هذا المنطلق، وباستحضار منطق التراكم الضروري لبناء ديمقراطية قائمة على المساءلة والمؤسسات، يسعى هذا المقال إلى الإسهام في تعميق القراءة السياسية والفكرية للتجربة، عبر تفكيك شروط انتقالها من تدبير ماضي الانتهاكات إلى أفق أوسع لهندسة المستقبل السياسي، بما يعزّز دولة الحق والقانون ويُرسّخ المكتسبات الديمقراطية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    بعد ما يقارب اثنين وعشرين سنة على انطلاق تجربة العدالة الانتقالية في المغرب، يتيح السياق السياسي والمؤسساتي الراهن الانتقال من منطق التدبير الظرفي لماضي الانتهاكات إلى منطق التثبيت الاستراتيجي لمكتسبات التجربة ضمن هندسة الدولة الحديثة.

    فقد تأسست التجربة المغربية على خيار الإصلاح في إطار الاستمرارية، لا على منطق القطيعة أو الانهيار المؤسساتي، وهو ما أضفى عليها خصوصية منهجية ومرونة مؤسساتية مكّنت من معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في سياق يحافظ على استمرارية الدولة ويواكب متطلبات التحول الديمقراطي.

    ومن هنا، لم تكن العدالة الانتقالية في المغرب مجرّد آلية استثنائية مرتبطة بزمن هيئة الإنصاف والمصالحة ، بل شكّلت منهجية سياسية وحقوقية أوسع، اضطلعت بثلاث وظائف مترابطة: كشف الحقيقة وجبر الضرر، إصلاح المؤسسات بما يضمن عدم التكرار، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، في أفق دعم مسار دمقرطة الدولة والمجتمع معًا.

    وقد أفرز هذا الاختيار الذي تجاوبن معه كل الحركة الحقوقية المغربية، وعلى راسها حركة الضحايا، أثرًا تراكميًا تجلّى، على الخصوص، في تعزيز أدوار المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، وفي ترسيخ مبدأ عدم التكرار كمرجعية مؤطرة للسياسات العمومية. كما تُرجم هذا التوجه في جملة من الإصلاحات الأمنية والمؤسساتية التي استلهمت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وهمّت إعادة تأطير العقيدة الأمنية، وتعزيز آليات الرقابة القانونية والمؤسساتية على عمل الأجهزة، وتوسيع ضمانات الحقوق والحريات، بما أسهم في إدماج مبدأ عدم التكرار ضمن الممارسة المؤسساتية.

    وفي المقابل، أبانت التجربة أن الاعتراف بالحقيقة، على أهميته الرمزية والسياسية، لا يكفي بمفرده لإنتاج ذاكرة ديمقراطية مستقرة، إذ تظل هذه الذاكرة قابلة لإعادة التوظيف داخل منطق المظلومية أو الصراع، بما قد يؤثر في منسوب الثقة وفي استدامة الاستقرار، ما لم تُواكب ضمن إطار مؤسساتي تعددي يضمن حكامتها كسياسة عمومية مستدامة.

    وفي هذا السياق، يكتسي الخطاب الملكي السامي الموجَّه سنة 2024 إلى المشاركات والمشاركين في الندوة الدولية المنعقدة بمناسبة الذكرى العشرين لانطلاق تجربة العدالة الانتقالية دلالة استراتيجية خاصة، إذ أكّد الانتقال من منطق الآلية الاستثنائية إلى منطق المرجعية المندمجة داخل الدولة الحديثة، وأعاد تثبيت العدالة الانتقالية باعتبارها اختيارًا مؤسساتيًا مستمرًا، مرتبطًا بترسيخ دولة الحق والقانون وضمان عدم التكرار.

    أولًا: العدالة الانتقالية – من الإجراء إلى المنهج السياسي:

    في الأدبيات الدولية، تُعرَّف العدالة الانتقالية باعتبارها إطارًا من السياسات العمومية والآليات المعيارية التي تعتمدها الدول لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال فترات التحول السياسي. وهي، بهذا المعنى، لا تُختزل في لجان أو هيئات ظرفية، بل تُفهم بوصفها منهجية سياسية وحقوقية، واختيارًا معياريًا يعيد تعريف علاقة الدولة بماضيها، وبمشروعية سلطتها، وبمواطنيها.

    وعليه، لا تُعدّ العدالة الانتقالية غاية في ذاتها، ولا مرادفًا للمصالحة، بل تشكّل منهجية من بين مناهج بناء المصالحة وتأطيرها. فهي الإطار الذي تُدار من خلاله عملية مواجهة الماضي وبناء المستقبل في آن واحد. كما أن اعتماد هذا المنهج، بدل غيره من مقاربات تدبير الماضي، لا يُمثّل اختيارًا تقنيًا محايدًا، بل رهانًا سياسيًا على الأثر المبتغى، يتمثل في دمقرطة الدولة والمجتمع معًا، وإعادة تأسيس قواعد الشرعية والثقة على المدى المتوسط والبعيد.

    ثانيًا: المصالحة والعدالة الانتقالية – تمييز مفاهيمي ضروري:

    يُعد الخلط بين المصالحة والعدالة الانتقالية من أبرز مصادر الالتباس في النقاش العمومي. فالمصالحة فعل سياسي سيادي، محكوم بزمن محدد، وتغالبا ما تُدار عبر هيئة أو إطار مؤسساتي مؤقت. أما العدالة الانتقالية، فهي منهجية ممتدة، تُعتمد لبناء المصالحة في مراحلها الأولى، وتستمر بعدها في مواكبة تنفيذ توصياتها، وإدماج خلاصاتها داخل السياسات العمومية والمؤسسات، ضمن مسار طويل لدمقرطة الدولة والمجتمع معًا. فالذي ينتهي هو زمن الإجراء، لا زمن المنهج.

    ثالثًا: الخصوصية المغربية – عدالة انتقالية بإرادة سيادية وتوافق تاريخي:

    تكتسي التجربة المغربية خصوصيتها من كونها لم تُبنَ على منطق القطيعة أو الانهيار المؤسساتي، بل على خيار الإصلاح في إطار الاستمرارية. فقد أُطلق مسار العدالة الانتقالية بإرادة سيادية، واعية بحساسية الملف وكلفته السياسية، وأُدير ضمن مؤسسات الدولة، في تفاعل مع الحركة الحقوقية وحركة الضحايا، وفي سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد.

    وقد شكّل هذا الخيار قرارًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر، واجه مقاومات داخلية ومنطقًا تقليديًا كان يفضّل تدبير الماضي بالصمت أو بالمقاربة الأمنية. غير أن الرهان لم يكن على إغلاق ملف، بل على إعادة تأسيس علاقة جديدة بين الدولة وذاكرتها، تقوم على الاعتراف دون تقويض، والإنصاف دون انتقام، والإصلاح دون فوضى.

    وفي هذا السياق، شكّلت هيئة الإنصاف والمصالحة إحدى الصيغ المؤسسية لمرحلة المصالحة، دون أن تختزل أفق العدالة الانتقالية في وجودها الزمني أو في ولايتها المحددة.

    رابعًا: الوظيفة – ماذا أُريد للعدالة الانتقالية أن تفعل؟

    يمكن تلخيص الوظائف التي اضطلعت بها العدالة الانتقالية في التجربة المغربية في ثلاثة مستويات مترابطة: كشف الحقيقة وجبر الضرر بما يضمن الاعتراف والإنصاف؛ إصلاح المؤسسات بما يحدّ من إمكان تكرار الانتهاكات؛ ودمقرطة الدولة والمجتمع معًا عبر إعادة تأسيس الثقة.

    ولا تُفهم هذه الوظائف في بعدها الحقوقي الصرف، بل بوصفها خيارًا سياسيًا ومؤسساتيًا يندرج ضمن تصور شامل لتدبير التحول وبناء الشرعية على المدى المتوسط والبعيد.

    خامسًا: الأثر – من الآلية إلى المرجعية المندمجة:

    إذا كانت الوظيفة تُقاس بما سعت العدالة الانتقالية إلى تحقيقه، فإن الأثر يُقاس بما تغيّر فعليًا داخل بنية الدولة. ولا يُقصد بالأثر هنا علاقة سببية خطية، بل مسارًا تراكميًا أسهمت فيه العدالة الانتقالية بوصفها إطارًا مرجعيًا موجّهًا، من خلال إدماج مبادئها في النصوص الدستورية، والهندسة المؤسساتية، والاختيارات العمومية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحكامة.

    وقد بلغ هذا الأثر إحدى لحظاته المفصلية بدسترة عدد من التوصيات الجوهرية الصادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة، بما شكّل انتقالًا نوعيًا من منطق التوصية الحقوقية إلى منطق الإلزام الدستوري. فقد كرّس دستور 2011 سمو حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليًا، وحظر التعذيب والاعتقال التعسفي، وضمان قرينة البراءة والمحاكمة العادلة، بما يجعل مبدأ عدم التكرار التزامًا دستوريًا لا مجرّد إعلان نوايا.

    كما نصّ الدستور على استقلال السلطة القضائية، ومنع التدخل في القضايا المعروضة على القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي عناصر تلتقي في جوهرها مع توصيات الهيئة المتعلقة بإصلاح منظومة العدالة والحدّ من الإفلات من الانتهاكات البنيوية. وإلى جانب ذلك، تم تعزيز حكامة الدولة عبر دسترة مؤسسات وطنية لحماية حقوق الإنسان والحكامة، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، وترسيخ الحق في الوصول إلى المعلومة، بما يسهم في تفكيك منطق السرية وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

    وفي السياق نفسه، تجلّى الأثر التراكمي للعدالة الانتقالية في إصلاحات متدرجة همّت مجال التدبير الأمني، لم تتخذ شكل تفكيك الأجهزة أو إعادة تأسيسها، بل انصبت على إعادة تأطير العقيدة الأمنية ضمن منطق دولة الحق والقانون. وقد تم الانتقال تدريجيًا من مقاربة تُغلّب منطق أمن الدولة إلى مقاربة تُعيد مركزية أمن المواطن، عبر تعزيز الضمانات القانونية المؤطرة للعمل الأمني، وتكثيف الرقابة القضائية على إجراءات الحرمان من الحرية، وتقوية دور النيابة العامة في تتبع شروط الحراسة النظرية والشكايات المرتبطة بسوء المعاملة.

    كما شملت هذه الإصلاحات إدماج مبادئ حقوق الإنسان في التكوين الأساسي والمستمر لمختلف المتدخلين في المجال الأمني، وتطوير آليات الشفافية والتواصل، وفتح قنوات مؤسساتية لتلقي الشكايات والمساءلة، بما أسهم في تقليص منطق الحصانة المطلقة وإدخال العمل الأمني ضمن دائرة المحاسبة القانونية والمؤسساتية. وبهذا المعنى، لم يكن إصلاح القطاع الأمني مسارًا تقنيًا معزولًا، بل أحد تجليات ضمانات عدم التكرار، وركنًا أساسيًا في الانتقال من منطق الآلية الاستثنائية إلى منطق المرجعية المندمجة في بنية الدولة الحديثة.

    سادسًا: الذاكرة – من الاعتراف إلى الحكامة:

    أظهرت التجربة أن الاعتراف بالحقيقة، على أهميته الرمزية والسياسية، لم يظل في الحالة المغربية حبيس هذا البعد الرمزي، بل اتخذ أشكالًا مؤسساتية وقانونية أسهمت في إدراج الماضي ضمن أفق الإصلاح وضمانات عدم التكرار. غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يكفي بمفرده لإنتاج ذاكرة ديمقراطية مستقرة، إذ يظل الانتقال من الاعتراف إلى بناء ذاكرة مشتركة رهينًا بقدرة مختلف الفاعلين على استيعاب مطالب الحق في الذاكرة ضمن منطق العدالة الانتقالية والمؤسسات.

    فالمشكلة، في هذا السياق، ليست في الذاكرة ذاتها ولا في مشروعية مطالبها، بل في فصلها عن مسار التراكم الديمقراطي، وتحميلها رهانات تتجاوز وظيفتها الأصلية باعتبارها رافعة للإنصاف والتعلّم الجماعي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من تدبير الذاكرة باعتبارها ملفًا حقوقيًا إلى حكامتها كسياسة عمومية مستدامة، قوامها التعليم، والإعلام العمومي، والسياسات الثقافية والترابية، بما في ذلك تفعيل توصية هيئة الإنصاف والمصالحة المتعلقة بتدريس ما اصطلح عليه بالتاريخ الراهن، وهو مسار أفرز اليوم أجيالًا من المتخصصين والخريجين المدعوين إلى الاضطلاع بأدوارهم بمسؤولية علمية ومنهجية، بما يعزّز إدماج الذاكرة في الفضاء العمومي على أسس معرفية رصينة، في أفق بناء إطار مشترك للذاكرة يحترم التعدد، ويُسهم في تعزيز الثقة، ويجعل من الذاكرة عنصرًا داعمًا للديمقراطية بدل أن تكون مجالًا للتوتر أو الانقسام.

    سابعًا: دولة العدالة الانتقالية ومعالجة الملفات الحقوقية الراهنة:

    في هذا الإطار، تبرز مسألة بالغة الدقة تتعلق بكيفية التعاطي مع الملفات الحقوقية التي يعتبر أصحابها أنها ما تزال تنطوي على تجاوزات قانونية أو قضائية أو سياسية. فاستمرار وجود مطالب أو ادعاءات من هذا القبيل لا يُعدّ، في حد ذاته، دليلًا على فشل العدالة الانتقالية، بل يعكس طبيعة هذا المسار بوصفه منهجية دولة ممتدة لمعالجة التوترات والاختلالات داخل منطق المؤسسات.

    غير أن معالجة هذه الملفات لا تستقيم عبر الدعوة إلى إعادة إنتاج منطق الآليات الاستثنائية أو إحداث هيئات موازية جديدة للإنصاف والمصالحة، لأن من شأن ذلك إفراغ العدالة الانتقالية من بعدها البنيوي وتحويلها إلى مسار دائري لا ينتهي. فالدولة التي اختارت العدالة الانتقالية كإطار مرجعي، مدعوة إلى إدراج هذه الملفات ضمن منطقها المؤسساتي العادي، عبر القضاء، ومؤسسات الحكامة، وآليات الإنصاف المتاحة، في أفق الإصلاح والتصحيح، لا في أفق الاستثناء الدائم.

    ومن هذا المنظور، لا تُقاس قوة دولة العدالة الانتقالية بعدد الهيئات التي تُنشئها، بل بقدرتها على استيعاب المطالب الحقوقية داخل بنيتها القانونية والمؤسساتية، وتحويلها من عناصر توتر إلى فرص لتعزيز الثقة وتكريس مبدأ عدم التكرار.

    ثامنًا: من زمن معالجة الماضي إلى زمن منهج تدبير المستقبل:

    ينشأ الالتباس حين يُنقل منطق الزمن الخاص بالمصالحة، بوصفها تدبيرًا سياسيًا محدّدًا زمنيًا، إلى العدالة الانتقالية باعتبارها منهجية ممتدة لبناء المستقبل الديمقراطي. فبينما تُدار المصالحة بمنطق البداية والنهاية، تُدار العدالة الانتقالية بمنطق الاستمرارية والتحول البنيوي، بما يجعلها إطارًا مرجعيًا مفتوحًا على التراكم والتصحيح وإعادة التثبيت.

    ومن هذا المنظور، فإن الإصلاحات، وتدبير الذاكرة، وتلبية الانتظارات الحقوقية تظل مسارات بطبيعتها غير مغلقة، تتطلب تفاعلًا هادئًا ومسؤولًا بين المجتمع ومؤسسات الدولة، بعيدًا عن منطق الإغلاق أو إعادة إنتاج الصراع. وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب الإشارات المرجعية الكبرى، وعلى رأسها الخطاب الملكي الموجَّه بمناسبة الذكرى العشرين لانطلاق تجربة العدالة الانتقالية، دلالة تتجاوز منطق الاستذكار الرمزي إلى منطق التثبيت المنهجي، بما يبرّر مقاربته والاحتفاء به بالروح نفسها التي وسمت خطاب التأسيس، لا بوصفه إعلانًا لنهاية مسار، بل تأكيدًا على استمراريته وأفقه المستقبلي.

    خاتمة :

    تُبيّن هذه القراءة أن العدالة الانتقالية في المغرب لا يمكن اختزالها في زمن مؤسساتي منتهٍ، ولا تثبيتها كمرحلة مكتملة أو محصّنة من النقد، بل ينبغي إدراكها بوصفها اختيارًا سياديًا تراكميًا تشكّل داخل شروط تاريخية وسياسية معقّدة، وانتقل من منطق الهيئة والآلية الاستثنائية إلى منطق المنهج والمرجعية المندمجة في هندسة الدولة الحديثة.

    فقوة هذه التجربة لا تكمن في الادّعاء بالكمال، ولا في إدامة هيئة أو مسار رمزي، بل في قدرتها على تحويل الماضي إلى مورد إصلاحي مستمر، يؤسّس للثقة، ويُحصّن المؤسسات، ويجعل العدالة الانتقالية إطارًا حيًا لتأطير المستقبل، لا مجرّد جواب عن الماضي.

    رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم،
    نائب رئيس سابق للمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف-المغرب

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب الصاعد في حاجة الى نخبة وزارية جديدة


    ذ: المنتصر السويني

    (نخب وزارية قادرة ومتمكنة تعبد الطريق فعليا للمغرب الصاعد وليس نخب وزارية تنسب عجزها وفشلها الى الدولة العميقة واللوبي الإداري والتماسيح والعفاريت)

    في كتابه –ما بعد الديمقراطية-يؤكد الأستاذ والباحث الفرنسي ايمانويل طود-ان الديمقراطية لا يمكنها أن تستغني عن النخب وبأن ما يميز الديمقراطية عن الشعبوية هو الحضور القوي للنخب-، لهذا يحتاج بناء المغرب الصاعد الى نخب نوعية نخب تملك رؤوس مكونة بشكل جيد، نخب الملفات نخب التحليل نخب الحساب نخب النتائج نخب تتقن لغة التواصل وقادرة على بناء المغرب الصاعد وفي نفس الوقت نخب قادرة على اقناع الجموع وقادرة على مواجهة الشعوبيين.

    بناء المغرب الصاعد يحتاج الى نوعية جديدة مما يطلق عليها النخب الأولى والنخب الأسمى كما سماها السياسي الفرنسي ميشيل دوبري أي النخب الوزارية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    بناء المغرب الصاعد يطرح من جهة أخرى السؤال المتعلق بنوعية النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب في المرحلة القادمة، مع العلم ان تحديد نوعية هذه النخب يبقى مرتبط بتحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم ومغرب المستقبل ،وهنا وجبت الإشارة إلى الاختلاف الكبير في تحديد نوعية المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم ، بين جزء من الطبقة السياسية والجزء الأكبر من الاعلام الرقمي ،والذي يعتبر ان مشاكل مغرب اليوم هي نفس المشاكل التي عرفها المغرب ما بعد الاستقلال والتي تتركز جلها في مربع الشرعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة ، بينما يرى المواطن المغربي ان المشاكل التي يعرفها مغرب اليوم هي ليست مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية المؤسساتية بل هي مشاكل مرتبطة بمربع الشرعية الشعبية ونوعية السياسات العمومية التي يقدمها مغرب المؤسسات للمواطن وبنوعية الخدمات والأثر الذي تتركه هذه السياسات على المواطنين والمرتفقين .

    علم التدبير الحديث ومنذ سنة 2018،لم يعد يتحدث عن التدبير من خلال النتائج بل صار يستعمل مصطلح الكيلومتر الأخير (وهو مصطلح استعمله أصحاب التجارة الرقمية للتعبير عن المشاكل المرتبطة بالوصول الى الزبون)، وبالتالي فان اول شيء مطلوب من النخب الوزارية القادمة، ان تكون نخب تثبت للمواطن المغربي انها نخب أنجزت بنجاح الانتقال من مربع الكيلومتر الأول وهو المربع المرتبط بمربع المشروعية المؤسساتية ومربع اقتسام السلطة ، الى مربع -الكيلومتر الأخير-وهو المربع المرتبط بالمواطن والاثر الذي تتركه السياسات العمومية على مستوى عيشه .

    تحديد طبيعة المشاكل التي يعيشها مغرب اليوم باعتبارها مشاكل مرتبطة بالكيلومتر الأخير، تفرض على العقل الرسمي المغربي الاقتناع بان النخب التي من المفروض ان تفرزها الاستحقاقات القادمة (على المستوى الحكومي)لا تتطلب فقط تغييرا يمس أشخاص النخب الوزارية فقط ، بل تتطلب الشجاعة في البحث عن نخب وزارية جديدة بحقيبة أفكار جديدة وعقليات جديدة وبالتالي التركيز على تغيير يمس العقل الوزاري الذي يحكم والعقل الوزاري الذي يفكر والعقل الوزاري الذي يقرر والعقل الوزاري الذي يقيم ،مونتسكيو أكد على ذلك منذ القدم ،عندما قال-كل نظام يعتمد على عقل عام ومجموعة من المعتقدات والعادات ،والاعتقادات الجماعية التي تمكن من جعله قادر على الحياة-.

    مما يعني أن بناء المغرب الصاعد الذي ينشده المغاربة لا يتطلب فقط تغيير الأشخاص التي تؤثث المشهد الحكومي بل يتطلب أكثر من ذلك، يتطلب امتلاك الإرادة والشجاعة للانتقال من مربع النخب الوزارية التي ميزت المغرب القديم الى مربع النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد.

    أولا) -المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية جديدة تمتلك ثقافة تدبيرية جديدة

    النخب الوزارية التي يحتاجها المغرب الصاعد عليها ان تدرك انها دستوريا هي نخب التنفيذ (الحكومة -الإدارة) وبالتالي تعتبر النخب المسؤولة عن النتائج وعن الأثر الذي تتركه السياسات العمومية على المواطنين ، مما يعني أنها المسؤولة الفعلية عن نقل السياسات العمومية من الكيلومتر الأول وهو كيلومتر المؤسسات (المؤسسة الملكية-البرلمان -المؤسسة الحكومية) الى مربع الكيلومتر الأخير وهو مربع المواطنين وبالتالي مربع النتائج والأثر وهو المربع الأهم والمربع الأساس بالنسبة لمغرب المواطنين .

    المغرب الصاعد يفرض على الطبقة السياسية المغربية ليس فقط العمل على تجديد نخبها في افق استحقاقات 2026، من خلال استبدال الوجوه القديمة بوجوه جديدة ، بل يفرض عليها ترشيح نخب وزارية تمتلك عقلية تدبيرية حداثية وتمتلك قيم وأفكار جديدة (الفعالية-المردودية-التقييم-ثقافة النتائج وثقافة الأثر وثقافة دولة الجهوية المتقدمة وثقافة القرب ).

    المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية بعقل جديد وحقيبة أفكار جديدة تمكنها من النجاح في تنزيل خريطة الطريق المرتبطة بالكيلومتر الأخير. مما يعني ان المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية تخضع لقانون الجاذبية (نيوتن) أي نخب تنزل من برجها العاجي الى الواقع على الأرض عند المواطنين من خلال القدرة على الانتقال من البرنامج الحكومي العمومي الى ما أطلق عليه علم التدبير الحديث -برنامج أدوات ووسائل الحياة اليومية للمواطنين –أي اين يمس فعليا البرنامج الحكومي الحياة اليومية للمواطنين بشكل دقيق ومفصل؟ وكيف؟ وماهي النتائج المتوقعة؟.

    الاشتغال من داخل مربع الكيلومتر الأخير يتطلب نظرة جديدة للمبدئ الدستوري المتعلق ب-استمرارية المرفق العمومي – خصوصا بعد ان اكدت احتجاجات الشارع التي قادها المواطن المرتفق ، أن استمرارية المرفق لا تتمثل في وجود مدارس ومستشفيات مفتوحة لتقديم الخدمات ،بل يتطلب ان تقدم هذه المدارس والمستشفيات خدمات مستمرة ونوعية وفعالة للمواطنين ، لهذا طالب المواطن المرتفق ضمنيا بنخب وزارية جديدة ،قادرة على إعادة ربط المبدئ الدستوري المتعلق باستمرارية المرفق العمومي بمبدئ التدبير الحديث المرتبط بفعالية الفعل العمومي .

    كما ان فعالية الفعل العمومي كانت تتطلب تفسير جديد لمفهوم القيام بالواجب المطلوب من الموظفين العموميين، من خلال إدماج أولوية خدمة المرتفقين بشكل خاص والمواطنين بشكل عام، وفي حالة العكس تحريك المسطرة التأديبية ،مما يعني إعادة توجيه عقل الإدارة المغربية الذي ينظر الى الأعلى أي الى المؤسسات من خلال احترام الأمر الرئاسي ،الى عقل اداري ينظر الى تحت أي الى المواطنين وخدمتهم والتواجد المستمر بالقرب منهم (احتجاجات اكادير وتطوان على الخدمات المقدمة للمواطن المرتفق وغياب الأطر العامة وغياب التجهيزات) .

    كما ان بناء المغرب الصاعد يتطلب كذلك تنزيل الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الدستور والتي تنص على ان التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، مما يفرض على النخب الوزارية القادمة ان تمتلك عقلا قانونيا مرنا يسهل عملية تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بزمن الكيلومتر الأخير أي عقلا قانونيا يدمج فكرة الطوارئ واللحظوية والفئوية والجغرافية بدل العقل القانوني للدولة المركزية وبالتالي عقلا قانونيا صاعدا مرتبط بالمواطنين وليس عقلا قانونيا نازل أي عقل قانوني مرتبط بالمؤسسات السياسية (الذي يهمل دراسة الأثر) .

    ثانيا) -تعزيز النخب الوزارية التي يتطلبها بناء المغرب الصاعد تتطلب التنزيل الفعلي لمؤسسة الوزير الجماعي (الوزير-الديوان)

    تؤكد المادة التاسعة والعشرين من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير اشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على ان كل عضو من أعضاء الحكومة يتوفر على ديوان خاص ،يختار أعضاءه من الأشخاص الذين تتوافر فيهم الكفاءة والخبرة والنزاهة وتناط بهم مهمة القيام لحساب الحكومة بالدراسات وتسوية المسائل التي تكتسي طابعا سياسيا أو خاصا ، مما يثبت ان المغرب قد جدد التأكيد على ان منصب الوزير هو منصب جماعي يتشكل من الوزير بالإضافة الى أعضاء ديوانه ،أستاذ القانون بالجامعات الفرنسية -جاي كاركسون-،سيؤكد أن مهمة الوزير لا يمكن ابدا ان تكون مهمة فردية ،ولا وجود لوزير الا كوزير جماعي وبالتالي فان الوزير هو دائما مؤسسة جماعية .

    المشكلة الكبيرة للوزراء بالمغرب انهم في غالبيتهم وزراء فرديين ويرفضون بالتالي الاشتغال ضمن مربع الوزراء الجماعيين، بالإضافة الى كونهم وزراء عموديين ولا يستطيعون الانتقال الى مربع الوزراء الأفقيين.

    النخب الوزارية من المفروض ان تكون نخب استراتيجية تضيء الظلمات تعمل على تدوير الزوايا تصنع الاتفاقات، الفيلسوف ديكارت سيؤكد ان النظام يفرض من خلال العقل، اعتبار منصب الوزير كمؤسسة جماعية يعني انها تشتغل من خلال -نحن- وليس -الانا- وبالتالي فان ترسيخ الحكامة الوزارية الجماعية تعد شرطا اساسيا لامتلاك القدرة على تقريب المسافات ما بين النية والفعل والهدف.

    العقل الدستوري المغربي من خلال الدستور والقانون التنظيمي أراد خلق الوزير الجماعي من اجل منحه قوة على مستوى التصور والتفكير، قبل الانتقال الى مرحلة التنفيذ وفي هذه المرحلة وضع العقل التنظيمي المغربي هيكلة تنظيمية عمودية مفروض فيها الانضباط وتنفيذ الأوامر لخدمة المصلحة العامة .

    الحكومات التي جاءت ما بعد دستور 2011، كانت كلها تملك ثقافة عمودية وكانت عاجزة عن الانتقال الى مربع الاشتغال من داخل الثقافة الافقية وثقافة الشبكات ،وبالتالي كانت تفضل الاشتغال من داخل الهيكلة المكونة من (الوزير-الكاتب العام-المدير -رئيس القسم-رئيس المصلحة)، والدليل على ذلك ان هذه الحكومات لم تهتم اطلاقا بإخراج النص التنظيمي المنصوص عليه في الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة التاسعة والعشرين من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها والتي تنص على -يحدد بنص تنظيمي تأليف دواوين أعضاء الحكومة والمهام المنوطة بهم والالتزامات الملقاة على عاتقهم والمعايير المعتمدة لاختيارهم والمنافع الممنوحة لهم من خلال مزاولة مهامهم(واستمرت في الاعتماد على النص المعتمد قبل دستور 2011).

    مما يعني أن بناء المغرب الصاعد يتطلب عاجلا تعزيز وتفعيل منصب الوزير من خلال تعزيز وتفعيل موقع الوزير الجماعي، من خلال اصدار المرسوم المتعلق بتشكيل الدواوين ونوعية الأشخاص المطلوبين والذين من المفروض ان يرسخوا سمو المنصب الوزاري وان يؤخذوا بعين الاعتبار عالم الذكاء الاصطناعي وشروط بناء المغرب الصاعد.

    بناء المغرب الصاعد لا يفرض على النخب الوزارية القادمة ان تكون نخب تشتغل من داخل مربع الوزير باعتباره مؤسسة جماعية بل المطلوب منها كذلك ان تعمل على نقل الهيكلة الوزارية العمودية الى هيكلة وزارية اقرب الى العمل الجماعي من خلال خلق المزيد من المناصب الافقية بدل التركيز على تعزيز بنية الهيكلة العمودية المرتبطة بالمغرب القديم .

    ابان ازمة المديونية وسياسة التقويم الهيكلي عمد الملك الراحل الحسن الثاني الى خلق هيئة المكلفين بالدراسات للمساعدة على تجويد التصور والتفكير الخاص بعقل الوزارات وذلك سنة 1983 ، وفي سنة 2016اصدرت الحكومة المغربية مرسوما يتعلق بتوظيف من خلال عقود خبراء لإنجاز مشاريع او دراسات او تقديم استشارات او خبرات او القيام بمهام محددة يتعذر القيام بها من قبل الإدارة بإمكاناتها الذاتية(للأسف لم يرى ولم يسمع المغاربة اية إضافة قدمها هؤلاء الخبراء في مغرب الأزمات، كوفيد ازمة التعليم والصحة ،ازمة فاس ،وأزمة، اسفي ولم يترك هؤلاء الخبراء اية بصمة نوعية على أداء الوزارات بالمغرب ما بعد 2016).

    بينما كان المطلوب امتلاك تصور أولا عن المهام التي مطلوب من الدواوين القيام بها في القرن الواحد والعشرين وبعد ذلك العمل على إصدار النص الخاص بالدواوين الوزارية والعمل في مرحلة لاحقة على تحديث جذري للنص المتعلق بالمكلفين بالدراسات بعد تقييم العمل المنجز من طرفهم والقيام بنفس الشيء بالنسبة للنص المتعلق بالخبراء.

    بناء المغرب الصاعد في عصر الذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي يفرض لزاما على النخب الوزارية القادمة التفكير بشكل جدي في الاعتماد على نوعية جديدة من التراتبية الإدارية (خلية الأفكار الجديدة-مكلف بالبحث -مكلف بمهمة -المطورين-مدراء المشاريع-المكلفين بالشراء الرقمي -المصممين،…)كما هو معمول به في التجارب الدولية الرائدة ، تميل في اشتغالها اكثر الى مربع الثقافة الافقية وقادرة على خلق الجسور للانتقال الى العالم الجديد والمغرب الصاعد ، من اجل اغلاق الباب امام المغرب القديم وتراتبيته النوعية الإدارية (المتصرفين-المهندسين -التقنيين-أعوان اداريين -أعوان تقنيين) الموروثة عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ومرحلة ما بعد الاستقلال ،عالم الوزارة القديمة بتنظيمها العمودي الذي يخنق الابداع والتفكير والاستقلالية .

    ثالثا)ترسيخ المغرب الصاعد يتطلب الاعتماد على نخب وزارية قادرة على تفعيل اليد المعلومة الوزارية في مواجهة اليد الخفية للإدارة

    المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية في مستوى-سمو المنصب الوزاري -،سمو المنصب الوزاري بمعنى سمو الأفكار التي يمتلكها هذا العقل وسمو الحلول و سمو الأهداف لأن النخب الوزارية ليس مطلوب منها فقط التوفر على سلطة سياسية تمكنها من الانتصار على جمود البيروقراطية الإدارية ،بل عليها كذلك ان تثبت انها قادرة على فرض خريطة الطريق الخاصة بها ،لان الحكامة الوزارية هي شيء معقد ويتطلب تقنية عالية وتجربة طويلة والمام كبير بالتجارب الدولية .

    النخب الوزارية مطلوب منها التوفر على كفاءة عالية وامتلاك القدرة على الفهم السريع والقدرة على الحكم والقرار والقدرة على تقييم المشاكل واقتراح الحلول، والقدرة على الابداع من خلال ملكات القول(بدل وزراء الشفوي ووزراء الصراخ والسب والوزراء الذين يختبئون في مكاتبهم) ووضوح التعبير والقدرة على التواصل ،خصوصا وان الوزير لا يتوفر على الوقت الكافي ولا على التجربة المطلوبة من اجل ترك بصمته ولو على جزء صغير مما يهيئ وينفذ باسمه وتحت مسؤوليته داخل الوزارة، وبالتالي من المفروض على النخب الوزارية ان تمتلك القدرة على جعل الاخرين ينفذون بشكل جيد وبشكل نوعي البرنامج الحكومي .

    مباشرة بعد تعيينها في المناصب الوزارية وانتقالها من المربع السياسي الى المربع الإداري، يحدث اللقاء الأول بين الوزير الجماعي (لهذا من المستحب ان يكون الوزير مصحوبا بديوانه المشكل من العنصر البشري ذو الوزن الثقيل) واللوبي الإداري الذي يشتغل بالوزارة والمكون من نخب إدارية متمرسة وتملك جذور قوية داخل التنظيمات الوزارية، هذه النخب الإدارية ستحكم على نوعية النخب الوزارية من خلال طبيعة ونوعية اللقاء الأول .

    لهذا يعتبر اللقاء الأول ، لقاء مهم وحاسم في العلاقة التي ستطبع المستوى السياسي والمستوى الإداري بالوزارة ، فريديرك لالو الخبير في علم التدبير والمتعاون السابق مع شركة ماكنيزي سيؤكد ان القاعدة العامة تؤكد ان مستوى وعي التنظيمات لا يمكن ان يتجاوز مستوى وعي قائدها ، وبالتالي فان أول رد فعل للوبي الإداري العامل بالوزارة هو العمل على ضبط مستوى تفكيره ومستوى أدائه تحت سقف مستوى وأداء الوزير كمؤسسة جماعية.

    مما يثبت أن الفكرة التي سوقها السوسيولوجي الألماني ماكس فبير من ان الحكومة تقرر والإدارة تنفذ والتي عمل المشرع الدستوري المغربي على تبنيها في الفصل التاسع والثمانون من الدستور من خلال صيغة (تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها ،على تنفيذ البرنامج الحكومي و على ضمان تنفيذ القوانين والإدارة موضوع رهن تصرفها) ، هي فكرة صعبة التطبيق في الواقع، وتفترض لإمكانية تطبيقها وجود نخب وزارية نوعية تمتلك التكوين الاكاديمي وتمتلك تجربة كبيرة ومتمرسة على تدبير التعقيد لأنه عكس ذلك سيتحول الفصل التاسع والثمانون من الدستور الى (تعمل النخب الإدارية على تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين والحكومة موضوعة رهن تصرفها).

    النخب الوزارية العادية والنخب الوزارية الضعيفة هي نخب تقف عاجزة امام اللوبي الإداري وامام السوق من خلال صفقات الدراسات حيث تدبر الوزارة فعليا من طرف النخب الإدارية ومكاتب الدراسات وبعد خروج هذه النخب من مربع المسؤولية الوزارية بحصيلة سلبية وغير مشرفة تتحجج بانها واجهت التماسيح والعفاريت والدولة العميقة واللوبي الإداري لتبرير عجزها وفشلها .

    عندما نجح فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 1981، اقدم على تعيين لجنة من اجل دراسة تحديث الدولة ، وقد اكدت هذه الدراسة أن هناك يد خفية داخل الإدارة(ولم تتحجج هذه الدراسة بوجود العفاريت والتماسيح والدولة العميقة ومقاومة الإدارة) تتكون من المكاتب الإدارية ومحرري المشاريع و التقنيين تعمل من خلال مجموعة من الإجراءات (نفس المكاتب هي التي تهيء مشاريع النصوص القانونية وتقدمها للسلطة المخولة من الدستور بسلطة القرار ،مما يوضح ان المشرع اليوم تم نزع سلاحه من طرف التقنيين – وحتى اذا مررت السلطة السياسية مقتضيات ضد إرادة اليد الخفية ،فان هذه الأخيرة تعمل على تطبيق جزئي للقانون ، وتعمد الى ممارسات إدارية تستهدف التعطيل او الالتفاف على الحلول- توقيف عقارب الساعة السياسية والإدارية من خلال فرملة الأداء عن المرحلة السابقة- تعمل على مضاعفة عدد الملفات المرتبطة بالنزاعات -اغراق النخب الوزارية بالملفات التافهة مع حجب الملفات المهمة والاساسية للوزارة-توتير العلاقة مع المواطنين والمرتفقين ) هذه اليد الخفية اقترح التقرير مواجهتها من خلال تعزيز اليد المعلومة القوية (تشريع النصوص او تحديثها من اجل ترسيخ التوازن ما بين الإدارة والمواطنين -تفعيل المسؤولية الشخصية لموظفي الدولة -إعادة الثقة في نوعية من المسؤولين الحكماء والنزهاء-الابداع من خلال ابتكار نوع جديد من التنظيم للنشاط الإداري بشكل عاجل )، وبالتالي اوصت اللجنة بضرورة وضع اللوبي الإداري تحت ضغط الفعالية وضغط تلبية مطالب المرتفقين من خلال الحضور وجودة الخدمات وفي حالة العكس تفعيل المسؤولية الشخصية للوبي الإداري .

    كما ان اللجنة دعت الوزير الى تقوية اليد المعلومة للوزراء والمكونة من الوزير السياسي والديوان المحترف والذي يضم شخصيات الوزن الثقيل والخبراء من اجل توفير الإمكانات الأولوية لمواجهة اليد الخفية للإدارة ودمجها في استراتيجية النخب الوزارية (يحكي احد الإداريين المغاربة المحال على التقاعد والذي اشتغل الى جانب مجموعة من الوزراء، ان واحد منهم فقط حسب رأيه كان وزيرا خبيرا ويملك رأسا مكونة بشكل جيد ومحاط بديوان وازن ونوعي ،مما مكنه من جعل الإدارة في خدمة الاجندة الوزارية وليس العكس وهو المرحوم مزيان بلفقيه).

    رابعا)-المغرب الصاعد في حاجة الى نخب وزارية تملك جسد واحد وليس جسدين (الجسد الرسمي والعلني الذي من المفروض ان يخدم المصلحة العامة والجسد الغير الرسمي والمخفي الذي يخدم المصالح الشخصية والمصالح الفئوية ومصالح الرأسمال ).

    الباحث ميشيل فوكو سيؤكد ان السلطة تحمل في طياتها الوجهين، الوجه الرسمي والوجه الغير رسمي ،الوجه الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل تحت سقف المضلة القانونية والشرعية والمصلحة العامة والفعالية والنتائج ، والوجه الغير الرسمي للنخب الوزارية هو الوجه الذي يشتغل خدمة للمصالح المخفية والغير شرعية والتي لا تخدم المصلحة العامة وبالتالي فان النخب الوزارية قد تجد نفسها موزعة بين وجهتين متناقضتين.

    وهنا نستحضر نظرية ارنست كانتوروفيتش حول توفر الملكية في اوروبا على جسدين ، جسد مادي (الشخص) وجسد رمزي (الدولة أو الأمة)، الباحث الفرنسي ليك بولتونسكي سيطبق هذه النظرية كذلك على شخصيات السلطة ومنهم الشخصيات الحكومية وسيستنتج ان الشخصيات الوزارية هي كذلك تمتلك الجسدين ،جسد الوزير العلني والشرعي والقانوني وجسد الوزير المخفي والغير العلني والغير الشرعي ، وبالتالي فان النخب الوزارية لا تمتلك فقط الجسد الشرعي المحدد في الوثيقة الدستورية والقوانين والمراسيم بل وكذلك جسد خارج المضلة القانونية .

    مقاومة الجسد الغير العلني والغير الشرعي والغير القانوني ابتكر له القانونيين مفهوم -تضارب المصالح – ، والتي مفادها ان النخب الوزارية التي تمتلك مهمة رسمية محددة هدفها خدمة المصلحة العامة ،تحتل في مواقع أخرى عالم الاقتصاد والمال وعالم المصالح وحتى عالم الفساد موقع غير رسمي تمتلك فيه مصالح خاصة مرتبطة بالمصلحة الشخصية او مرتبطة بخدمة مصالح فئوية وزبونية غير مرتبطة بالمصلحة العامة وقد يتفوق الجسد الوزاري الغير رسمي على الجسد الوزاري الرسمي والذي يخدم المصلحة العامة ،والخطر الكبير يتمثل في إمكانية تحول الجسد الرسمي والشرعي والقانوني إلى خدمة الجسد الغير الشرعي والغير القانوني والمخفي وهنا تكمن الخطورة الكبرى التي تجعل النخب الحكومية في خدمة المصالح الخاصة بدل خدمة المصلحة العامة ،بينما المفروض ان يخدم الجسد الغير الرسمي والغير العلني للنخبة الوزارية الجسد الوزاري العلني والذي يكون في خدمة المصلحة العامة .

    (وهنا وجب التأكيد، ان القوة السياسية التي تصدرت انتخابات ما بعد دستور 2011، توفرت لها كل الظروف لبناء ركائز الدولة القانونية التي تكبل جسد السلطة(النخب الوزارية) الغير الرسمي والغير القانوني من خلال اشرافها على تنزيل دستور 2011 وقوانينه التنظيمية وترسانته القانونية ولكنها افتقدت للقدرة والإرادة النوعية لترسيخ الانتقال من مربع القوة الشعبية الى مربع القوة الفكرية القوية القادرة على التنزيل القانوني الفعلي للدستور2011).

    الخلاصة

    النخب الوزارية التي يفرضها المغرب الصاعد هي نخب وزارية تملك طرق جديدة للفعل السياسي وقادرة على تحويل الفعل السياسي من مربع الكيلومتر الأول الى مربع الفعالية والكيلومتر الأخير .النخب الوزارية التي يتطلبها تنزيل وبناء المغرب الصاعد هي نخب بحقيبة أفكار جديدة ، تركز قوتها على أفكار واضحة وتركز جهودها كذلك على تنفيذ أهداف محددة مرتبطة بالكيلومتر الأخير ومن خلال ذلك فقط قد يستطيع الوزير الفعلي والحقيقي مواجهة اللوبي الإداري الذي يتقن ببراعة خنق النخب الوزارية من خلال اشغالهم بالملفات والاهداف التافهة حتى يوهمهم بانهم يحكمون وزارتهم فعليا ولا يستشعرون ذلك الا بعد مغادرتهم الوزارة وعند ذلك يتحججون بأنهم واجهوا الدولة العميقة واللوبي الإداري والتماسيح والعفاريت ، ولكن الحقيقة المرة هو ما سبق واكد عليه احد الحكماء القدامى عندما قال -كنت اظن انني اواجه عدوا حقيقيا ،ولكن اتضح لي في الأخير ان العدو كان هو انا -العاجز والفاشل- .

    باحث في العلوم السياسية والمالية العامة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بنعبد الله: نجاح الحكم الذاتي رهين بتحصين الجبهة الداخلية وإطلاق جيل جديد من الإصلاحات

    سفيان رازق

    أكد الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، أن مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية لا يمكن اختزاله في كونه حلاً سياسياً لنزاع إقليمي مفتعل، بل يتعين أن يندرج ضمن نهوض وطني شامل ونموذج وطني جديد ديمقراطي وتنموي، تكون فيه بلورة الحكم الذاتي مرتبطة عضوياً بمقاربة إصلاحية ديمقراطية عميقة، كما وردت في وثيقة النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية وفي مجمل المرجعيات الوطنية المؤطرة لمسار الإصلاح بالمغرب.

    وأبرز بنعبد الله، في تقريره السياسي المقدم خلال أشغال اللجنة المركزية لحزبه صباح السبت، أن المغرب يوجد اليوم أمام أفق جديد وغير مسبوق لطي الملف النهائي لقضية الصحراء المغربية، بعد أن فُتحت نافذة تاريخية حقيقية ينبغي استثمارها بكامل الوعي والمسؤولية، في أعقاب اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، معتبراً أن هذا التاريخ يشكل منعطفاً مصيرياً وإنجازاً تاريخياً للشعب المغربي بعد خمسين سنة من الكفاح والتضحيات في سبيل قضيته الوطنية العادلة.

    وأوضح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن القرار الأممي كرّس بوضوح كون مقترح الحكم الذاتي في كنف السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق، والأساس الوحيد لتسوية هذا النزاع المفتعل، في انتصار صريح للشرعية الدولية وحقائق التاريخ والعدل، ومؤشراً على تحول جذري في التعاطي الأممي مع هذا الملف، بما يضع المغرب أمام مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من منطق الدفاع والترافع إلى منطق التفعيل والبناء على أرض الواقع.

    وفي هذا السياق، نوّه بنعبد الله بنجاعة الدبلوماسية الوطنية الرسمية، بقيادة ملكية حازمة ومبادِرة، في حصد اعترافات وازنة وواسعة بمغربية الصحراء وبمصداقية وجاهة مقترح الحكم الذاتي، مشيراً إلى أن عدد الدول الداعمة لهذا التوجه تجاوز 120 دولة، من بينها قوى دولية وازنة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والبرتغال وهولندا، معتبراً أن القرار الأخير للبرلمان الأوروبي الذي كرّس الاتفاق الفلاحي مع المغرب بكامل ترابه الوطني يندرج بدوره ضمن هذا المنحى الإيجابي المتنامي للاعتراف الدولي بسيادة المغرب على صحرائه.

    وفي الوقت نفسه، شدد الأمين العام للحزب على الأدوار المهمة التي اضطلعت بها الدبلوماسية الموازية، ولا سيما الحزبية منها، في مواكبة هذا المجهود الوطني الجماعي، موجهاً تحية خاصة لمغاربة العالم على مساهماتهم الفاعلة في الدفاع عن القضايا الأساسية للوطن، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، كما استحضر بإجلال أرواح شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم فداء لهذه القضية.

    وأكد بنعبد الله أن المغرب، بفتح صفحة جديدة في مسار بناء الدولة الموحدة الصاعدة، عبر مشروع الحكم الذاتي بجهة الصحراء المغربية، مطالب بمواصلة تحصين الجبهة الداخلية وجعلها صمام الأمان الأكثر موثوقية، والارتكاز على نهج الإصلاح والبناء وتوطيد المسار الديمقراطي من أجل رفع تحديات المرحلة وإنجاح تفعيل هذا الحل التاريخي على أرض الواقع.

    وفي هذا الإطار، ذكّر بأن حزب التقدم والاشتراكية، منذ تأسيسه قبل أزيد من 82 سنة، دأب على الربط الجدلي بين أولوية الدفاع عن الوحدة الترابية ومعركة بناء الديمقراطية وإقرار العدالة الاجتماعية، مؤكداً أن الحزب مؤهل اليوم للمساهمة البناءة في بلورة مشروع الحكم الذاتي وإنجاح مسلسل احتضان المواطنات والمواطنين الموجودين حالياً بمخيمات تندوف، في أفق طي نهائي لهذا الملف في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية.

    وأعرب الأمين العام للحزب عن أمله في أن يفتح هذا التطور التاريخي صفحة جديدة في العلاقات بين المغرب والجزائر، بما يخدم قيام فضاء مغاربي موحد ومزدهر وقوي، مشيراً إلى أن حزب التقدم والاشتراكية أسهم، في إطار المجهود الوطني الجماعي، بمذكرة تتعلق بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها تعبيراً عن إجماع وطني راسخ لمختلف مكونات الشعب المغربي.

    واعتبر بنعبد الله أن المرحلة الجديدة بطبيعتها وتحدياتها تتيح فرصة مواتية لإطلاق جيل جديد من الإصلاحات العميقة، المتلائمة مع هذا التحول التاريخي، وذلك في إطار بلورة متقدمة وفعلية لمقتضيات دستور 2011، داعياً إلى بناء مغرب ما بعد 31 أكتوبر 2025 على أسس ديمقراطية وتنموية واضحة، تشمل مواصلة تفعيل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية مع ضمان التوزيع العادل لثماره، وضخ نفس ديمقراطي جديد في الحياة السياسية، والارتقاء بمكانة المؤسسات المنتخبة وأدوارها، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللامركزية واللاتمركز.

    كما شدد على ضرورة اعتماد انفراج سياسي وحقوقي ملموس، من خلال إلغاء المتابعات والاعتقالات المرتبطة بممارسة الحق في التظاهر السلمي المسؤول، واتخاذ خطوات جادة في اتجاه طي الملفات المتصلة بحرية التعبير والاحتجاج السلمي، بالتوازي مع تعزيز القدرات الاقتصادية الوطنية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، والقطع مع واقع “مغرب السرعتين”.

    وفي هذا السياق، أكد بنعبد الله أن مشروع الحكم الذاتي ينبغي أن يشكل رافعة لإعادة بناء النموذج الوطني برمته، وأن يرتبط بمقاربة إصلاحية ديمقراطية شاملة، كما نصت عليها وثيقة النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وأن يكون مدخلاً لإعادة تشكيل فضاءات المغرب الكبير والساحل والأطلسي الإفريقي على أسس التنمية المشتركة والديمقراطية والأمن والازدهار.

    وختم الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بالتأكيد على أن التفعيل الملموس لمشروع الحكم الذاتي يمثل بداية مرحلة جديدة مليئة بالتحديات، وفي مقدمتها ترسيخ السيادة الوطنية وتحصين الوحدة الترابية وضمان عدم القابلية لأي تراجع عن هذا الحل تحت أي مبرر.

    وشدد على أن إنجاح هذا الورش التاريخي يمر حتماً عبر المضي قدماً في نهج الإصلاح، وتفعيل مختلف الوثائق المرجعية التي راكمها المغرب، من تقارير التنمية البشرية وهيئة الإنصاف والمصالحة، إلى وثائق الجهوية المتقدمة ودستور 2011 والنموذج التنموي الجديد، مع توسيع حقيقي للجهوية في كل جهات المملكة، والانتقال بها من منطق الوصاية إلى منطق التدبير الحر، بما يضمن معالجة الاختلالات المجالية وتحقيق تنمية متوازنة وشاملة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ماء العينين يعيد تفكيك قضية الصحراء

    هسبريس – توفيق بوفرتيح

    صدر للباحث محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، كتاب جديد بعنوان “الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.. نحو نموذج مغربي للسيادة المرِنة”، سعى من خلاله إلى إعادة ترتيب النقاش حول ملف النزاع المفتعل بشأن قضية الأقاليم الجنوبية للمملكة، من زاوية تطور الدولة المغربية نفسها؛ بما في ذلك ما يتصل بتدبيرها لمجالها الترابي.

    هذا المؤلَّف الجديد لا يتعامل مع قضية الصحراء المغربية من زاوية النزاع الحدودي، بل باعتبارها ملفا تاريخيا وسياسيا شديد التعقيد، أعاد، حسب الكاتب، صياغة مفاهيم أساسية؛ منها مفهوم الشرعية والهوية والسيادة، منطلقا من فرضية مركزية مفادها أن “النزاع لم يكن في جوهره صراعا على الأرض بقدر ما كان صراعا على الشرعية، أي شرعية التاريخ والقرار والمستقبل”.

    ويتطرق الكتاب، في مقدمته، إلى مجمل التحولات التي عرفتها المقاربة المغربية منذ استرجاع المملكة لأقاليمها الجنوبية سنة 1975، مرورا بمرحلة إدارة النزاع على المستوى الأممي، مسلطا الضوء على الانتقال النوعي الذي دشَّنه خطاب الملك محمد السادس في السادس من نونبر من عام 2005؛ وهو الخطاب ذاته الذي شكَّل “منعطفا حاسما في الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى أفق الحل السياسي، وصولا إلى بلورة مقترح الحكم الذاتي سنة 2007، وما تلاه من تراكمات دستورية وتنموية ومؤسساتية”.

    ويعتبر الكاتب أن “الحكم الذاتي ليس تنازلا سياديا بقدر ما هو صيغة مغربية مبتكرة لإعادة تنظيم ممارسة السيادة داخل الدولة الواحدة، تحت قيادة المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لوحدة الدولة واستمرارية خياراتها الاستراتيجية”.

    وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، قال محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن “الكتاب يميّز نفسه أيضا بمنهجه النسقي، حيث يجمع بين التحليل التاريخي والحقوقي والمفاهيمي والتطبيقي. ويتعامل مع الحكم الذاتي ليس كحل تقني لنزاع؛ بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة بناء المواطنة الترابية، وتطوير الجهوية المتقدمة، وإدماج التعدد الثقافي والاجتماعي في بنية الدولة دون المساس بوحدتها”.

    وتابع ماء العينين: “يولي المؤلِّف أهمية خاصة لمسألة الهوية، إذ يبرز أن فشل مسلسل تحديد الهوية الأممي لم يكن تقنيا بقدر ما كان نتيجة سوء فهم لبنية الانتماء السياسي في الصحراء المغربية، حيث تتأسس الهوية على رابطة البيعة والولاء التاريخي، لا على معايير إثنية أو قبلية ضيقة”.

    إلى ذلك، اعتبر مؤلف الكتاب أن “الخطاب الدولي حول قضية الصحراء المغربية عرف تحولا مهما بعد القرار الأممي الأخير 2797؛ وهو القرار الذي لا يشكّل بالضرورة قطيعة مع الماضي بقدر ما يعكس نجاح المغرب في إقناع المنتظم الدولي بخيار اشتغل عليه داخليا وبشكل تراكمي”، مشيرا إلى أن “الخطاب الملكي المؤرخ في 31 أكتوبر الماضي أعاد تأطير هذا المكسب الأممي ضمن رؤية مغربية شاملة لمرحلة ما بعد الحسم الدولي، إذ إن الرهان المغربي اليوم لم يعد ينحصر في تثبيت مشروعية المقترح؛ بل في التفكير الهادئ في شروط تنزيله وهندسته السياسية والمؤسساتية”.

    ويطرح الكتاب مفهوم “السيادة المرِنة” بوصفه، حسب الكاتب، “إطارا تحليليا لفهم هذا التحول، أي سيادة لا تتخلى عن مركزيتها، ولا تمس بوحدة القرار، لكنها تعيد توزيع وظائفها داخل المجال الوطني بما يعزز الفعالية، ويستوعب التعدد، ويؤمّن الاندماج الترابي في إطار الدولة الموحدة”.

    وأطر الكاتب مختلف هذه التحولات في سياقها الدستوري، إذ أكد أن “هذا التصور يجد سنده في روح دستور 2011، وفي التأويل الديمقراطي للدستور الذي أكدت عليه المؤسسة الملكية، باعتباره أفقا مفتوحا لتطوير الجهوية دون المساس بالثوابت”، مبرزا أن عمله “لا يبدو مجرد مساهمة في النقاش الوطني حول ملف الصحراء؛ بل محاولة لفهم التحول العميق الذي تعرفه الدولة المغربية، وهي تنتقل، تحت قيادة ملكية واضحة الرؤية، من منطق إدارة النزاع إلى منطق هندسة الحل، ومن الدفاع عن الشرعية إلى تفعيلها في شكل مؤسساتي جديد”.

    إقرأ الخبر من مصدره