Étiquette : 2016

  • منتدى التعاون الهندي-العربي يشيد بدور لجنة القدس بقيادة الملك محمد السادس

    الخط : A- A+

    سلط الاجتماع الوزاري الثاني لمنتدى التعاون الهندي-العربي، المنعقد السبت في نيودلهي، الضوء على الجهود المتواصلة التي تقودها لجنة القدس، برئاسة الملك محمد السادس، في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.

    وأكد الوزراء العرب والهنود، في “إعلان نيودلهي” الصادر عقب اختتام أشغال الاجتماع، أهمية المبادرات التي تضطلع بها وكالة بيت مال القدس الشريف التابعة للجنة القدس، معتبرين إياها ركيزة أساسية في دعم المدينة المقدسة وساكنتها.

    ويجسد هذا الموقف اعترافا دوليا بالدور المحوري الذي تقوم به لجنة القدس، وبالمبادرات الموثوقة التي يقودها الملك محمد السادس من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، قائم على مبدأ حل الدولتين، بما يعزز فرص السلم والاستقرار على المستوى الإقليمي.

    كما يبرز هذا التقدير الدولي الدور المركزي للجنة القدس في صون الهوية التاريخية والدينية للقدس الشريف، ويعكس الجهود الميدانية الملموسة التي تبذلها وكالة بيت مال القدس الشريف لدعم صمود المقدسيين، عبر برامج اجتماعية وإنسانية وتنموية تستهدف تحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار داخل المدينة.

    وانعقد هذا الاجتماع الوزاري، الذي ترأسته الهند ودولة الإمارات العربية المتحدة بصفتها الرئيس الحالي لجامعة الدول العربية، بعد توقف دام عشر سنوات منذ انعقاد الدورة الأولى سنة 2016 بمملكة البحرين. ويعد المنتدى أعلى إطار مؤسساتي لتوجيه الشراكة الهندية-العربية، التي أُرست سنة 2002 بموجب مذكرة تفاهم بين الهند وجامعة الدول العربية.

    وشارك المغرب في هذا اللقاء بوفد ترأسه سفير المملكة بمصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية محمد آيت وعلي، وضم كلا من سفير الملك محمد السادس بنيودلهي محمد مالكي، ومدير الشؤون الآسيوية وأوقيانوسيا بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج عمر قادري.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عن عمر يناهز 91 سنة.. الفنانة صفية الزياني في ذمة الله

    انتقلت إلى عفو الله الفنانة القديرة صفية الزياني، اليوم السبت، عن عمر ناهز 91 سنة.

    وعلم لدى الاتحاد المغربي لمهن الدراما، أن الراحلة أسلمت الروح لباريها بالمركز الاستشفائي مولاي يوسف بالرباط بعد معاناة مع المرض.

    وتعد الفنانة الراحلة من الأسماء البارزة في مجال التمثيل الكوميدي بالمغرب، حيث تميزت بمسيرة فنية غنية شملت المسرح والسينما والتلفزيون، وساهمت باقتدار في إغناء الريبرتوار الوطني من خلال مشاركتها في عدة أفلام، إضافة إلى ظهورها في إنتاجات سينمائية أجنبية.

    وأدت هذه الممثلة القديرة منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، أدوارا متنوعة بالمسرح والسينما والتلفزيون. ومن بين الأفلام الروائية الطويلة التي شاركت فيها: “لالة شافية” (1982) للراحل محمد التازي بن عبد الواحد، “بامو” (1983) لإدريس المريني، “شاطىء الأطفال الضائعين” (1991) للجيلالي فرحاتي، “ليلة القدر” (1993) للفرنسي نيكولا كلوتس، “ذاكرة معتقلة” (2004) للجيلالي فرحاتي، “ليالي جهنم” (2016) لحميد بناني.

    كما شاركت في مجموعة من المسرحيات من تأليف كبار المسرح العالمي كموليير وشيكسبير وغيرهما، إلى جانب مسرحيات من إبداع كبار المسرحيين المغاربة كالطيب الصديقي والطيب لعلج والكنفاوي وواعزيز وآخرين.

    وشاركت أيضا في السنوات الأخيرة في العديد من الأعمال التلفزيونية، من بينها مسلسلات “الوصية” (1999) و”حديدان” (2009) و”جحا يا جحا” (2009- ج1) و”دور بها يا الشيباني” (2013).

    ظهرت المقالة عن عمر يناهز 91 سنة.. الفنانة صفية الزياني في ذمة الله أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صفقات « كوب 22 ».. القضاء يدين عمدة مراكش السابق ونائبه بالحبس النافذ

    أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في جرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بمراكش، اليوم الجمعة، أحكامها في الملف المعروف باسم « صفقات كوب 22″، الذي توبع فيه كل من القيادي في حزب العدالة والتنمية وعمدة مراكش السابق، محمد العربي بلقايد، ونائبه الأول آنذاك، البرلماني يونس بنسليمان، الذي اختار في وقت لاحق مغادرة سفينة « المصباح » ليلتحق بحزب التجمع الوطني للأحرار.

    وفيما يخص منطوق الحكم، قضت الهيئة القضائية بإدانة المتهمين الرئيسيين، بالعقوبة السالبة للحرية محددة إياها في سنتين حبسا نافذا لكل واحد منهما، مع أداء غرامة مالية نافذة قدرها 20.000 درهم لكل منهما، وإلزام المدانين بأداء تعويض مالي لفائدة الدولة المغربية، بصفتها الطرف المطالب بالحق المدني، قدره أربعة ملايين درهم.

    وتعود جذور هذا الملف المثقل بالتفاصيل إلى مطلع سنة 2017، حين فجرت شكاية حقوقية « شبهات » فساد وتبديد أموال عامة في مشاريع تم تغليفها بصبغة الاستعجال تزامنا مع احتضان المدينة الحمراء لقمة المناخ العالمية (COP22) في نونبر 2016.

    وتتمحور القضية بالأساس حول 50 صفقة تفاوضية كلفت ميزانية الدولة حوالي 280 مليون درهم، أي ما يعادل 28 مليار سنتيم، حيث حامت الشكوك حول قانونية إبرامها خارج مساطر طلبات العروض العادية.

    وشهد المسار القضائي لهذا الملف محطات ماراثونية امتدت لتسع سنوات، بدأت بمرحلة التحقيقات التفصيلية بين سنتي 2017 و2021 التي قادتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، وانتهت بإحالة المتهمين في حالة سراح على العدالة.

    وفي أكتوبر 2022، صدر الحكم الابتدائي الذي قضى ببراءة بلقايد وإدانة نائبه بنسليمان بسنة حبسا موقوف التنفيذ مع غرامة مالية ومصادرة مبالغ من حساباته البنكية، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في ماي 2024.

    إلا أن القضية أخذت منحى جديدا بعدما قررت محكمة النقض في يوليوز 2025، نقض الحكم وإعادة الملف إلى الرفوف القضائية أمام هيئة مغايرة، بسبب ما اعتبرته قصورا في التعليل.

    وتظل التهم الموجهة للمتهمين ثقيلة، حيث يواجه محمد العربي بلقايد جناية تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، بينما يلاحق يونس بنسليمان بجناية المشاركة في تبديد أموال عامة وجنحة استغلال النفوذ والحصول على فائدة في مؤسسة يتولى إدارتها أو الإشراف عليها.

    ولم يخل المسار الأخير للمحاكمة من شد وجذب تقني، خاصة بعدما أمرت المحكمة بإجراء خبرة حسابية تكميلية، كانت محط نقاش حاد بين الدفاع والنيابة العامة، في محاولة لتدقيق الفوارق المالية بين ما أنجز واقعيا وما صرف من اعتمادات، وهو التقرير الذي قد يشكل حجر الزاوية في الحكم المرتقب.

    ومما زاد من تعقيد موقف الدفاع، ما تضمنته التقارير الرقابية حول استمرار صرف اعتمادات مخصصة لـ »كوب 22″ في مشاريع لم تكتمل أو لم تبدأ إلا بعد رحيل الوفود الدولية عن مراكش، مما أضعف مبرر « الاستعجال » الذي استخدم لتفادي طلبات العروض التنافسية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دراسة: أضرار البلاستيك الصحية قد تتضاعف عالمياً بحلول 2040

    كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة لانسيت الطبية أن التأثيرات الصحية الناتجة عن منظومة البلاستيك العالمية مرشحة للتفاقم بشكل حاد بحلول عام 2040، في حال استمر الإنتاج والاستهلاك على نفس الوتيرة الحالية، ضمن ما وصفه الباحثون بسيناريو « العمل كالمعتاد ».

    وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة بالتعاون مع جامعتي تولوز وإكستر، أن الانبعاثات الناجمة عن دورة حياة البلاستيك — بدءاً من استخراج الوقود الأحفوري المستخدم في إنتاجه، مروراً بتصنيعه واستخدامه، وصولاً إلى التخلص منه وتسربه في البيئة — تتسبب في أضرار صحية واسعة تشمل أمراض الجهاز التنفسي، بعض أنواع السرطان، والأمراض المرتبطة بالتغير المناخي.

    واستند الفريق البحثي إلى نماذج تحاكي مستقبل صناعة البلاستيك بين عامي 2016 و2040، لقياس حجم المخاطر الصحية في ظل عدة سيناريوهات محتملة. وفي ظل غياب تدخلات سياسية أو اقتصادية كبرى، تُشير النتائج إلى أن هذه الأضرار قد تتضاعف خلال أقل من عقدين.

    وتعكس هذه الدراسة قلقاً متزايداً من أن المشكلة لا تقتصر على التلوث البيئي أو النفايات البلاستيكية المنتشرة في المحيطات، بل تمتد إلى الصحة العامة في العالم أجمع، مما يتطلب تحركاً عالمياً لتقليل الاعتماد على البلاستيك، وتحسين إدارة نفاياته، وتشجيع البدائل المستدامة.

    ويؤكد الباحثون أن المسألة لم تعد بيئية فقط، بل أصبحت أزمة صحية ذات أبعاد خطيرة تستدعي سياسات صارمة وتغييرات جذرية في أنماط الإنتاج والاستهلاك قبل فوات الأوان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هيرفي رونار: لا داعي للقلق بشأن الأمة المغربية، فالمنتخب المغربي سيفوز بـ »الكان » قريبا لهذا السبب

    عاد اسم الإطار الفرنسي هيرفي رونار ليطفو من جديد في النقاش الكروي المرتبط بالمنتخب المغربي، ليس من باب الحنين إلى فترة إشرافه على “أسود الأطلس”، وإنما من خلال تصريحات واضحة حملت الكثير من الثقة والإشادة بمسار الكرة المغربية، مؤكدا أن التتويج القاري بات مسألة وقت لا غير.

    واعتبر رونار، الذي راكم تجربة طويلة في القارة الإفريقية رفقة عدة منتخبات، من بينها المغرب بين 2016 و2019، أن ما يعيشه المنتخب الوطني في السنوات الأخيرة يعكس دينامية استثنائية، سواء على مستوى النتائج أو الاستقرار التقني والبشري، مشددا على أن الإخفاق في التتويج بكأس أمم إفريقيا الأخيرة لا يجب أن يقرأ بمنطق الفشل، بل في إطار مسار تصاعدي طبيعي تمر منه كبريات المنتخبات قبل اعتلاء منصات التتويج.

    وأوضح المدرب الفرنسي أن المنتخب المغربي قدم بطولة قوية، وبلغ مراحل متقدمة بأداء مقنع، قبل أن يتوقف المشوار في تفاصيل صغيرة تحسم عادة النهائيات الكبرى، مذكرا بأن عددا من المنتخبات الإفريقية احتاجت إلى سنوات طويلة وتجارب قاسية قبل تحقيق لقبها الأول، وعلى رأسها منتخب السنغال الذي لم ينل “نجمته الأولى” إلا بعد محاولات متعددة وخسارات مؤلمة في النهائيات.

    وفي حديثه عن المغرب، شدد رونار على أن الحديث عن خمسين سنة دون لقب قاري يجب ألا يحجب الحقيقة الأساسية، وهي أن الكرة المغربية اليوم ليست كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر نضجا وقوة، بفضل جيل موهوب، وإطار تقني كفء، وبنية كروية تعرف تطورا ملحوظا، سواء على مستوى التكوين أو الاحتراف أو الحضور القوي للاعبين المغاربة في أكبر الدوريات الأوروبية.

    واعتبر المتحدث أن المنتخب المغربي يسير في الاتجاه الصحيح، وأن ما حدث في آخر “كان” لا يعدو كونه عثرة عابرة في مسار ناجح، مؤكدا أن الاستمرارية هي العامل الحاسم، وأن الحفاظ على نفس النهج سيجعل التتويج القاري أمرا حتميا في المستقبل القريب.

    وتأتي تصريحات هيرفي رونار، الصادرة عن مدرب يعرف جيدا خبايا الكرة الإفريقية والمنتخب المغربي من الداخل، لتمنح جرعة إضافية من الثقة للجماهير الوطنية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها الاستعداد لكأس العالم 2026، الذي يشكل بدوره محطة مفصلية في مشروع كروي يبدو أنه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

    وبين التفاؤل الواقعي والقراءة الهادئة للنتائج، يخلص رونار إلى خلاصة واحدة مفادها أنه؛ « لا داعي للقلق بشأن الأمة المغربية، فالمنتخب الوطني يتقدم بثبات، والتتويج بكأس أمم إفريقيا لم يعد حلما مؤجلا، بل هدفا قريبا ينتظر فقط لحظة النضج الكاملة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • « سينما المقاهي » .. حين تتحول الطاولة الصغيرة إلى مرآة لوجود الإنسان


    عبدالله الساورة

    تتفتح سينما المقاهي كجرح مفتوح في قلب العالم، كمساحة صغيرة تضيق بجسدها لكنها تتسع بأحمال النفوس التي تتعثر على طاولاتها، وتترك وراءها بقايا كلمات تشبه قطرات دمٍ تتساقط بصمت. وتنهض هذه السينما من عمق إنسانيّ يخلط بين الرائحة والذاكرة، بين الكرسي الخالي والروح المثقلة، بين ضجيج الأكواب وارتطام الأسئلة التي لا تجد لها مخرجاً إلا عبر حوار مكسور أو نظرة معلّقة في الفراغ. وتُحاصر المقاهي أبطالها كما لو أنها حضن دافئ وجرح في الوقت نفسه، جرح يذكّرهم أنهم أحياء بما يكفي ليشعروا، وبما يكفي لينزفوا. وتأتي إشكاليات هذه السينما وهي تدفع بروح شخصياتها نحو فضاءات من القلق واليأس والرجاء، حيث يصبح المكان مرصداً لارتباكات النفس، ولحكايات لا تكمل شهيقها الأخير.

    ويقول جيسي في فيلم Before Sunset / ” قبل الغروب” للمخرج ريتشارد لينكليتر 2004:” أخاف من المقاهي… لأنها تُظهر لي وجهي الحقيقي حين أحاول أن أتهرّب من ظلي”. ويمنح هذا الاعتراف نافذة يرى منها القارئ جوهر هذا العالم الذي لا يرحم، لكنه يشبهنا إلى حدٍ يجعلنا نرتجف أمام أبسط مشهد فيه.

    المقهى كبديل: كائن حي يحمل تاريخ روّاده

    تتحوّل سينما المقاهي، في جوهرها، إلى فضاء بصريّ وفكريّ يكثّف حضور الإنسان داخل مكان يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه في عمقه شديد الثراء. وتنهض هذه السينما على فكرة أن المقهى ليس مجرد خلفية أو ديكور، فهي محرّك سرديّ وبيئة دلالية تُنتج خطاباً بصرياً خاصاً. وتتّخذ المقاهي في الأفلام هوية هجينة تجمع بين الواقعية والرمزية، بين اليوميّ والعميق، بين الضجيج الخارجيّ والبوح الداخليّ، بحيث يصبح الجلوس على الطاولة مساحة للقول والاعتراف والتصادم والتفاهم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتستمد سينما المقاهي ماهيتها من بقائها قريباً من الإنسان العاديّ، ومن تفاصيل حياته الصغيرة التي تتراكم لتصنع حكايات كبرى. وتستثمر الأفلام المتمحورة حول المقاهي نوعية سينمائية تمزج بين الدراما الاجتماعية والواقعية الشعرية، وتتيح للمكان أن ينطق بلسانه الخاص من خلال الإضاءة الخافتة، وحركة الأكواب، وحركية نادلي ونادلات المقهى ورائحة القهوة التي تُحسّ رغم أنها غير مرئية واعتيادية زبائن المقهى. ويصبح المقهى هنا بديلاً عن الشارع مرة، وعن البيت مرة أخرى، وعن الوطن في حالات كثيرة، فيغدو فضاءً انتقالياً يعبر من خلاله الأبطال من حالة إلى أخرى.

    وتغذّي علاقة هذه السينما بالمكان منطقها السرديّ، إذ يتجاوز المقهى حدود كونه مكاناً ثابتاً ليصبح كائناً حياً يحمل تاريخ روّاده وأصواتهم. وتتيح الأفلام التي تدور داخل المقاهي فرصة لطرح قضايا حادة مثل الاغتراب والهوية والوحدة والشلل الاجتماعي، إضافة إلى قضايا الحبّ العابر والصداقة الهشة والأحلام المؤجلة. ويأتي الخطاب السينمائي ليستخدم طقوس الجلوس وشرب القهوة كوسيلة لقراءة النفس البشرية، كما تفعل الشخصيات حين تتبادل حوارات قصيرة لكنها ذات عمق كبير، من قبيل عبارة ريكس في فيلم Before Sunset: ” أحيانا لا نحتاج إلا طاولة صغيرة لنواجه أنفسنا”، أو جملة لورنا في فيلم Café de Flore :” تشبه القهوة الحياة… مرة أحياناً، لكنها تمنحنا الدفء”.

    مسرح الانفعالات

    تسهم “سينما المقاهي” في كشف طبيعة العلاقات الإنسانية داخل فضاء يبدو محايداً لكنه في الحقيقة مسرح للانفعالات. وتدفع الحكايات التي تولد من المقاهي المتفرج إلى إعادة النظر في تفاصيل اعتادها؛ فالمشهد الذي يبدأ بكوب قهوة قد ينتهي باعتراف أو مواجهة أو مصالحة. وتستعمل الأفلام هذا التوتر الناعم لتوليد طاقة سردية عالية، من خلال بنية تعتمد الحوار أكثر من الفعل، والبوح أكثر من الحركة. وتتجلّى هذه السرديات في قصص تُبنى على التدرّج الهادئ والانتقالات النفسية الدقيقة، كما في فيلم Coffee and Cigarettes للمخرج جيم جارموش الصادر عام 2003، حيث تتكئ الحكايات القصيرة على جلسات عابرة تُقال فيها جمُل بالغة البساطة لكنها مشحونة بالدلالة، مثل قول أحد الشخصيات

    ” نحن لا ندخّن… نحن نتنفس الوقت “.

    وتتخذ الهوية الخطابية لهذه السينما شكلاً لغوياً وجمالياً يتّسم بالاقتصاد والشفافية، إذ تميل الحوارات إلى نبرة هادئة، بينما تتقدّم الصورة لتقول ما لا يُقال. وتستخدم الأفلام الإضاءة الصفراء والظلال الخفيفة لخلق شعور بالحميمية، كما تعتمد زوايا تصوير منخفضة أو قريبة لالتقاط تفاصيل الوجه وحركة الأيدي حول الفنجان. ويبرز هذا الأسلوب جلياً في فيلم Amélie للمخرج جان-بيير جونيه (2001)، حيث يغدو مقهى “الشيطانين” في حي مونمارتر فضاءً بصرياً يمتزج فيه الخيال بالواقع، وتبوح شخصياته بخفوت ينسجم مع الجو العام، كقول البطلة: ” كل شيء يبدأ من طاولة صغيرة… حتى الهروب من الوحدة “.

    وتنبثق الخلفيات الثقافية والاجتماعية والفلسفية لسينما المقاهي من ارتباطها الوثيق بوعي الجمهور. فالمقهى، في المخيال الجمعي، فضاء للتأمل والتعرف والانتظار والاختلاط، ولذلك تنجح الأفلام التي تستفيد منه في لمس الجمهور بشكل مباشر. وتكشف هذه السينما عن طبقات المجتمع، حيث يجلس الأغنياء والفقراء في المكان نفسه، وتختلط أصوات المثقفين بضحكات العابرين. ويظهر هذا التنوّع في أفلام مثل The Lunchbox للمخرج ريتيش باترا (2013) الذي يعرض مقهى شعبيّاً في مومباي يتحوّل إلى مكان لتواصل روحيّ بين شخصيتين وحيدتين، تقول البطلة فيه:” في المقهى، لا أحد يسأل لماذا تجلس، بل يسألون فقط: ماذا تشرب؟”.

    مسرح الحكايات والثورة الهادئة ومساحة للاعتراض

    وتتألّق مقاهي السينما بفضل قدرتها على أن تكون مسرحاً للحكايات، وهو ما يظهر في عشرة من أشهر الأفلام العالمية التي جعلت المقهى بطلاً لا يقل أهمية عن الشخصيات، ففي فيلم ” قبل شروق الشمس” للمخرج ريتشارد لينكليتر / 1995، حيث يصبح المقهى المحطة الأولى للحوار الوجودي بين جيسي وسيلين. وفي فيلم ” قبل الغروب ” لنفس المخرج 2004، حيث يغدو المقهى مساحة للاعتراف واستعادة الزمن. وفي فيلم “إميلي ” للمخرج جان بيير جونيه/ 2001، الذي يروي سحر اليوميات داخل مقهى مونمارتر. وفي فيلم ” قهوة وسجائر ” (2003) للمخرج جيم جارموش، الذي يبني سيناريوه على جلسات في مقاهٍ متعددة. وفي فيلم The Lunchbox / (2013)، يصبح علبة الطعام” لريتيش باترا ، حيث يصبح المقهى محطة للبوح الهادئ. ويقدم فيلم ” المواجهة ” /Heat للمخرج مايكل مان 1995، مشهد المقهى الأشهر بين روبرت دي نيرو وآل باتشينو، وفيه يقول البطل ” لا تنظر خلفك إلا حين تفقد الطريق”. وفي الفيلم الشهير ” كازابلانكا ” (1942) للمخرج مايكل كورتيز، حيث يتحول مقهى ريك إلى مسرح سياسي وعاطفي. وتتداخل المقاهي مع التاريخ والفن والحنين في فيلم ” منتصف الليل في باريس ” (2011). وفي فيلم once/ / ” مرة” (2007) للمخرج جون كارني والذي يجعل المقهى محطة ولادة أغنية وحب. ويصبح المقهى مساحة للخذلان والأمل معا في فيلم ” داخل لويس ديفيس ” (2013) للأخوين كوين.

    وتساهم هذه النماذج الفيلمية في إبراز التنويعات الجمالية والفكرية لسينما المقاهي، فهي تارة مكان للثورة الهادئة، وتارة أخرى مساحة للاعتراض أو الحلم، وفي كل الحالات فضاء يتيح للشخصيات أن تواجه ذاتها. وتبني هذه الأفلام سرديات تتسلل من اليوميّ إلى الفلسفي، ومن الواقعي إلى الشاعري، بينما تحافظ على لغة خطابية تقوم على الهدوء وتيارات الوعي وتدفّق المشاعر دون افتعال.

    وتشهد سينما المقاهي على شغف الجمهور بالأماكن التي تجمع البشر دون شروط مسبقة. ولعلّ سحر هذه السينما يكمن في قدرتها على تحويل لحظة شرب قهوة إلى حدث سينمائي، وتحويل طاولة إلى مسرح، وتحويل بضع كلمات إلى حكاية تستحق أن تُروى. وهكذا تبقى المقاهي، في السينما كما في الحياة، فضاءً يلتقي فيه الناس ليقولوا شيئاً عن أنفسهم، أو ليصمتوا معاً، أو ليمرّوا مثل مشهد لا يكتمل إلا إذا شاركت فيه كل الوجوه العابرة.

    مشاهد المقهى: اللحظات الصغيرة وشغف الذاكرة

    تتوالى المشاهد في سينما المقاهي لتؤكد قدرة المكان على احتضان التحولات الداخلية للشخصيات، ولتكشف كيف يمكن لطاولة صغيرة أن تتحول إلى محور دراميّ تتقاطع عنده القصص وتتشكّل عبره المصائر. وتنهض جمالية هذه المشاهد من بساطتها الظاهرة وعمقها الخفيّ، حيث تتقدم التفاصيل اليومية لتصبح لغة بصرية تنحت ملامح الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة. وتستمد هذه المشاهد قوتها من مفارقة فريدة تجمع الهدوء بالحركة، والبوح بالصمت، والضيق المكاني بالاتساع الدرامي، فتغدو المقاهي مسارح للضوء والظلال، ومساحات يواجه فيها الأبطال أنفسهم بقدر ما يواجهون الآخرين.

    وتصنع السينما تلك اللحظات حين تتيح للمشهد أن يتنفس ببطء، كما يحدث في المشهد الشهير من فيلم Heat (1995)، حيث يجلس نيل ماكولي وفينسنت هانا في مقهى متواضع ليخوضا حواراً يتقاطع فيه الإجرامي بالبوليسي، ويقول نيل في لحظة يتجاوز فيها القناع: ” أحياناً، لا يختبئ الإنسان وراء الجريمة، بل وراء الخوف من أن يبقى وحيداً “. ويكشف هذا المشهد كيف تتخلق الدراما العميقة من صمت ثقيل أكثر مما تتخلق من الحركة، وكيف تستخدم الكاميرا ثباتها لالتقاط التوتر بين عينين لا تشبهان بعضهما لكنهما تدركان المصير نفسه.

    وتتوهج جماليات المقاهي في المشهد الساحر من فيلم Before Sunset / “قبل الغروب ” / 2004، حين تجلس سيلين وجيسي في مقهى باريسي صغير، فتستعيد الذاكرة حقها في الظهور، وتقول سيلين بصوت خافت:” نخاف من إعادة اللقاء، لأن اللقاء يعيد إلينا ما حاولنا نسيانه “. ويؤكد هذا المشهد أن المقهى ليس مجرد موقع رومانسية عابرة، فهو مساحة لاختبار الزمن نفسه، ولقياس المسافة بين ما كان وما صار. وتعيد الكاميرا تشكيل العلاقة بين الشخصيتين من خلال التقدم البطيء للّقطة، كأنها تحتمي بظل الطاولة لتسمع ما لا يستطيع الشارع تحمّله.

    وتتبرعم القصص في مقهى آخر، كما في فيلم Inside Llewyn Davis / ” داخل لوين ديفيس” / 2013، حين يجلس المغني المتعثر في مقهى شاحب الضوء ويقول لنفسه قبل أن يقول لغيره: “لا أحد يسمع الأغاني الحزينة حقاً… الناس يسمعون ما يناسب يومهم “. ويبرز المشهد قدرة المقهى على احتضان الخيبة، وعلى جعل الانكسار يبدو جزءاً من طقوس الشرب والانتظار والتنهيدة الطويلة. وتلتقط السينما هشاشة البطل عبر انعكاس وجهه على نافذة المقهى، في إشارة بصرية إلى انقسامه بين ما يريد وما يستطيع.

    فضاءً للخيال والمراقبة والاكتشاف

    تتمدد إشكاليات المقاهي حين تصبح فضاءً سياسياً وثقافياً، كما فيلم ” كازابلانكا (1942)، حيث ينهض مقهى ريك بوصفه ساحة صراع ناعم بين الاحتلال والأمل والهروب، وتقول إيلسا لريك في لحظة مواجهة: ” بعض المقاهي لا تُشرب فيها القهوة… تُشرب فيها القرارات الصعبة “. ويظهر هذا المشهد كيف يمكن للمقهى أن يكون رمزاً لعصر كامل، وأن يتحول إلى ذاكرة جماعية تمزج الحب بالمقاومة، والصداقة بالغربة، والحلم بالهزيمة.

    وتتفتح الجماليات الرمزية في فيلم Amélie “/ (2001)، حين تجلس أميلي في مقهى مونمارتر تراقب الزبائن وتنسج قصصهم بخيالها الطفوليّ، وتقول وهي تبتسم: ” في المقهى، يصبح الغرباء مثل صفحات مفتوحة… نقرأها دون أن نقلبها”. ويُظهر هذه العبارة الوجه الآخر للمقاهي، ذلك الوجه الذي يجعلها فضاءً للخيال والمراقبة والاكتشاف. وتمنح الألوان الدافئة والإضاءة الغامرة للمشهد لمسة شاعرية، تجعل من المقهى عالم أميلي السريّ الذي تُعيد منه ترتيب حياتها وحياة الآخرين.

    وتحتدم الأسئلة الوجودية في مشاهد أخرى، كما في فيلم Coffee and Cigarettes / ” قهوة وسجائر” (2003)، حيث تجلس الشخصيات في مقاهٍ متعددة لتدير حوارات تبدو عابرة لكنها تحمل طبقات من المعاني. ويقول أحدهم في لحظة تأمل: ” لا نأتي إلى المقهى كي نتحدث… نأتي كي نسمع فراغنا جيداً” ، وتدل هذه العبارة على قدرة المقاهي على كشف العزلة المتخفية تحت ركام الضوضاء، وعلى توليد تأملات لا يمكن لفضاءات أخرى احتضانها.

    وتسهم جماليات سينما المقاهي في جعل المشاهد أكثر تعلقاً بالذاكرة، لأنها تمنح الإنسان فرصة لرؤية نفسه في التفاصيل الصغيرة. وتستمد هذه الجماليات بريقها من قدرة الضوء على رسم الحميمية، ومن إيقاع الحوارات الذي يمزج البساطة بالتوتر، ومن العلاقة العضوية بين الشخصية والمكان، حيث لا تكون الطاولة مجرد سطح، بل نافذة صغيرة على الأعماق.

    وتظل مشاهد المقهى جزءاً من بنية سردية أوسع تعيد للسينما قدرتها على التكثيف، وعلى تحويل اللحظة العابرة إلى حدث تتردد أصداؤه طويلاً. وهكذا تبقى المقاهي في الأفلام أكثر من مجرد أماكن، لأنها تختزن القصص التي لم تُقل بعد، وتمنح الشخصيات فرصة للبوح، وتجعل المشاهد يعيش لحظاتٍ لا تُنسى، لحظات تثبت أن الجمال قد يختبئ في فنجان، وأن العالم قد يتغيّر من حديث عابر على طاولة لا يعرفها أحد.

    تقاطع الجغرافيات

    تتحول سينما المقاهي، في امتدادها الأعمق، إلى مختبر دراميّ يتجلّى فيه التفاعل العضوي داخلها لتفتح أفقاً جمالياً وفلسفياً واسعاً. وينهض هذه التفاعل على مبدأ أن الإنسان لا يتحرك داخل المكان فقط، وإنما يتحرك المكان داخله أيضاً، وأن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة احتواء فحسب، فهي علاقة تأثير متبادل يعيد تشكيل البنية النفسية ويغذي السرد ويكشف طبقات البطل. وتغدو المقاهي في هذا السياق حقلاً رمزياً تتشابك فيه التجربة الداخلية مع الظاهر الخارجي، وتُقرأ من خلاله العزلة والحنين والانكسار والبحث عن الذات.

    وتُفعّل السينما هذا البعد حين تجعل البطل يقف في مواجهة المكان كما يقف في مواجهة نفسه، كما يحدث في فيلم Lost in Translation ضائع/ ” ضائع في الترجمة ” (2003)، حيث يجلس بوب في حانة فندق يعجّ بالوجوه الغريبة، ويقول وهو يحدّق في فنجانه: ” أحياناً، يبدو العالم مزدحماً جداً… ما عدا داخلي الذي صار فارغاً مثل كوب بارد”. وتكشف هذه العبارة كيف يمكن للمكان أن يعمّق الشعور بالوحدة، وأن يتخذ دور المرآة التي تعكس هشاشة البطل. وتمنح الإضاءة الخافتة في المشهد مستوى آخر من القراءة، إذ تضع الشخصية بين عالمين: عالم خارجي حافل بالحركة، وآخر داخلي ساكن، كأن البطل محاصر بين ضجيج لا يسمعه وصمت لا يستطيع الهروب منه.

    وتستثمر هذه السينما، العلاقة بين البطل والمكان بوصفها وسيلة لقياس التحولات النفسية، كما في فيلم Her / ” هي ” (2013)”، حيث يجلس ثيودور في مقهى عصري ويبوح لصديقته قائلاً: ” أخاف أن يكون قلبي أبطأ من العالم… وأخاف أكثر أن يسبقني العالم إلى حيث لا أستطيع اللحاق”. ويكشف هذا الاعتراف أن المقهى ليس مجرد نقطة لقاء، فهو فضاء يتواصل فيه الإنسان مع خوفه من الزمن، ومع شعوره بأنه غريب حتى داخل الأماكن المألوفة. ويستدعي هذا المشهد وعياً جديداً بأن المكان لا يجعل الإنسان أقل وحدة، وإنما يجعله يعي وحدته بشكل مختلف.

    المقهى كمساحة للعلاج

    تتوغل سينما المقاهي في هذا التفاعل عبر بناء سرديات تجعل الشخصيات رهائن للمكان ومتحدّين له في آن واحد، كما في فيلم The French Dispatch / ” المراسلة الفرنسية” (2021)، حيث يجلس الكاتب العجوز في مقهى أزهار ويقول في لحظة بوح: ” بعض الأماكن لا نعيش فيها… بل نعيش منها”. وتكشف العبارة أن المكان يمكن أن يصبح مورداً عاطفياً ونفسياً، وأن المقاهي تحديداً تعمل كخزّانات للذاكرة، تعطي البطل القدرة على إعادة صياغة ماضيه أو مواجهة صورته الحقيقية. وتعتمد السينما هنا على حيوية التفاصيل الصغيرة مثل حركة الملاعق وصوت الأكواب، لتجعل من المشهد نسيجاً نفسياً متكاملاً.

    وتُبرز الأفلام أيضاً صراع البطل بين الرغبة في البقاء والهروب من المكان ذاته، كما في فيلم Manchester by the Sea / ” مانشستر على البحر” (2016)، حين يجلس لي تشاندلر في مقهى هادئ ويتأمل البحر عبر النافذة، ثم يقول وهو يكتم ارتجافة صوته: ” لا أهرب من المدينة… أنا أهرب من نفسي التي وُلدت هنا”. ويعكس هذا القول مستوى عميقاً من البعد النفسي، إذ يصبح المكان ذاكرة مؤلمة لا يمكن التعايش معها ولا الانفصال عنها. وتوظف الكاميرا المساحة الزجاجية كحدّ فاصل بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، لتشير إلى الهوة التي تفصل البطل عن محيطه رغم قربه الجسدي منه.

    وتعيد السينما تشكيل التفاعل عبر جعل المكان محفّزاً لاكتشاف الذات، كما في فيلم Good Will Hunting “ / ” الصيد التقليدي” (1997)، حين يجلس ويل مع معالجه شون في مقهى متواضع، ويقول شون في جملة أصبحت مرجعاً: ” أنت تقرأ الكتب جيداً… لكنك لم تجلس يوماً في مكان يجعل قلبك يرى قبل أن يفهم”. وتدل هذه الجملة على أن المقهى يتحول إلى مساحة علاج نفسيّ غير معلن، يعمل فيه الحوار على نزع الأقنعة وفتح أبواب الوعي.

    وتُضيء المشاهد التي تجمع البطل بالمكان بُعداً نفسياً آخر يقوم على المقاومة، كما في فيلم Inside Out / ” من الداخل للخارج” (2015)، حين تجلس رايلي في مقهى المدرسة الجديد وتهمس: ” أخاف ألا يحبني المكان… قبل أن أتعلم حبّه”. وتُظهر العبارة كيف يتجسد المكان ككيان حيّ له قابلية التفاعل العاطفي.

    وتتعمّق السينما في رسم هذا التفاعل حين تمنح البطل قدرة على صياغة ذاته داخل الفضاء، أو الانكسار فيه، أو إعادة اكتشاف معنى وجوده عبره. وتتمدد العلاقة بين الشخصيات والمقاهي لتغدو ساحة اختبار نفسيّ، حيث تُبنى القرارات الصعبة، وتُصاغ الاعترافات، وتُعاد كتابة المصائر بطريقة هادئة لكنها مؤثرة. وهكذا يتحول هذا البطل والمكان والبعد النفسي إلى حجر الزاوية في سينما المقاهي، وإلى بوابة تتداخل فيها المشاعر بالمعمار والسرد بالفراغ والإنسان بالمشهد الذي يضيئه ويكشفه في آن واحد.

    تتوارى سينما المقاهي في نهايتها كما تبدأ، كهمسة تتسلل من بين بخار الفناجين لتكشف هشاشة الإنسان وأسئلته العارية. وتبقى إشكالياتها الكبرى معلّقة بين العزلة والرغبة في الانتماء، بين الحاجة إلى الاعتراف والخوف من البوح، وبين ضيق المكان واتساع الجرح الداخلي. وتظل المقاهي مسارح للقلق اليوميّ، ومرايا يرى فيها الأبطال ملامحهم الأكثر صدقاً. ويقول ريكس في فيلم Café de Flore “مقهى العطر” (2011): ” كل مقهى يخبئ حياة لم نجرؤ على عيشها”، وهي عبارة تلخص عمق هذا العالم الذي لا ينتهي، لأنه ببساطة يشبهنا أكثر مما نظن واكثر مما نتصور.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جهود نقابية تقود إلى تسوية ملف الرتب العالقة لأساتذة وأطر أفواج 2016 فما فوق

    موسى حمنكاري

    بعد سنوات طويلة من الانتظار والتسويف، تم أخيرا طيّ ملف تسوية الرتب العالقة لفائدة فئة واسعة من الأساتذة والأطر المختصة أفواج 2016 فما فوق، في خطوة اعتُبرت مكسبا مهما لجبر الضرر الذي لحق نساء ورجال التعليم، وإنصافا لوضعيات إدارية ومالية ظلت مجمّدة لسنوات دون مبرر.

    وحسب عدد من رجال ونساء التعليم، فقد جاء هذا التطور الإيجابي نتيجة ضغط نقابي متواصل قادته الجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، التي ترافعت على الملف، معتبرة أن تجميد الرتب يشكل مساسا بحقوق مكتسبة وضربا لمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص.

    وعرف الملف ضغطا وترافعا نقابيا تُوّج بحوار بين المكتب الجهوي للجامعة الوطنية للتعليم (UMT) ومصالح الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، أفضى إلى تسوية الرتب العالقة، والطي النهائي لملف عمر طويلا وأرهق المعنيين به نفسيا ومهنيا، بحسب تعبير مصادر “العمق”.

    وفي هذا السياق، قال الكاتب الإقليمي للإتحاد المغربي للشغل بورزازات، سعيد أقرقاب، إن الجامعة الوطنية للتعليم بدرعة تافيلالت زفّت لعموم الأساتذة والأطر المختصة أفواج 2016 فما فوق خبر الإفراج عن رتبهم المجمّدة لسنوات، وذلك عقب لقاء للجنة عن المكتب الجهوي للنقابة مع مصالح الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، يوم الجمعة 23 يناير 2026.

    وأوضح، في تصريح لـ”العمق”، أن هذا المستجد جاء بعد سلسلة من المراسلات والترافع على المستويين الوطني والجهوي حول هذا الملف الضاغط، الذي تعتبره النقابة سلوكا غير مبرر، وأقرب إلى تصفية حسابات بين الوزارة والأساتذة المفروض عليهم التعاقد، بسبب نضالاتهم السابقة من أجل إسقاط مخطط التعاقد، رغم أن اتفاق 26 دجنبر 2023، ولا سيما المادة 13 منه، نص على ضرورة الطي النهائي لهذا الملف عبر التسوية الإدارية والمالية للرتب المجمّدة.

    كما أكد أقرقاب أن تجميد الوضعية الإدارية والمالية للأساتذة والأطر المختصة لسنوات أمر غير مقبول، وكان ضمن أولويات النقابة وطنيا وجهويا، مشيرا إلى أن وفدا نقابيا زار مصالح الأكاديمية خصيصا للترافع عن هذا الملف وملفات أخرى، وأن النقابة كانت عازمة على تسطير برامج نضالية تصعيدية من أجل الطي النهائي لملف طال أمده ووضع الجميع في موقع لا يُحسد عليه، بحسب تعبيره.

    وقال إن الإنجاز شكل دفعة معنوية قوية للأسرة التعليمية، وعزز الثقة في العمل النقابي الجاد والمسؤول، مشيرا إلى أن نقابته تأمل استكمال باقي الملفات العالقة، بما يضمن كرامة الأستاذ ويحسّن أوضاعه المهنية والاجتماعية، ويكرّس مدرسة عمومية قائمة على الاستقرار والإنصاف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في موكب الخالدين


    نجاة المريني

    أستاذي الدكتور عباس الجراري

    لا أعرف إن كان القلم سيجيدُ الحديث عنك وإليك، إذ يصعبُ عليَّ أنْ أخَطَّ كلماتٍ في لحظاتٍ قاسية عنك رائدا كبيرا، وأستاذا ناجحا، وباحثا قديرا، ومفكرا كـفئـا، ومثقـفا لامعا، وعالما رصينا، وخطيبا مفـوَّها، وموسوعـيا متألقا. أنت ممَّنْ يعجِزُ القلمُ عن توْفِـيَـتِـكَ ما تستحقُّه من الأوصاف والنـعـوت.

    تهـيَّبَ القلم أنْ يخُطَّ كلماتٍ ليشارك في تأبينـك في هذا الفضاء الأكاديمي “مدرج الشريف الإدريسي” بكلية الآداب، والذي عرفـك أستاذا محاضرا ومناقشا فـيشهدَ لك بالتفوق والتمـيُّز. لَـوْ تحدثتْ حيطانُه وكـراسـيُّ مُدَرَّجه منذ أن تربَّعْتَ منصَّتَه السنواتِ ذاتِ العدد، لأفصحَ الجميعُ اللحظةَ عـما يُـكـنُّوهُ لك من إعجاب وتقدير. كما تشهد لك قاعاتُ الدروس بهذه الكلية وبملحقها بمدينة العرفان بالسويسي بجديتِك وعطائِك، وبالتزامِك دائما باحترام مواعيد دروسك وانضباطك بذلك، سواءٌ في دروسك الصباحية أو مع الطلبة الذين تُـشرف على رسائلهم وأطاريحهم الجامعية.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كانت هذه الكليةُ تسكنُ أعماقَـك وتُـؤَرِّق فـكرَك. يشغلُـكَ واقـعُهـا ومستـقـبلُها باستمرار. فكـلَّما زرتُـكَ إلاَّ وكان السؤالُ عن الجديد من الإصدارات المغربية في المكتبات التي أزورها، عن الكلية والطلبة، وعن الشعبة وعن الجديد من أخبارها. وكنتُ أردِّدُ مع نفسي: لِـمَ لا يسألُ عنها؟ ألـمْ يعـشْ فيها أزهى سنواتِ عمره: شبابِه ونضجِه وكهولـتِه؟ متطلعا إلى أخبارها، مـتـشوفا إلى جديدها. إنه الوفاءُ الذي يملأ كيانه ويـملأُ مشاعره. وهنا أقـترحُ تسميةَ إحدى القاعات باسم الدكتور عباس الجراري تأريخا لمسار أستاذ علاَّمة في رحاب هذه الكلية العامرة. وفي هذا الإطار، أقـتـرحُ أيضا تسمية إحدى قاعات الكلية لأستاذي وصديقه العلامة الدكتور محمد بن شريفة رحمهما الله.

    يدعوني رحيلُـكَ أستاذي إلى تـدبُّـر قول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: “وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون”. صدق الله العظيم.

    إنها فاجعة الموت التي لا نـقـوى على ردِّها ولا على مساءلَـتِها. عجَـزَ الطب عن فـكِّ لغـزها مهما فعـل، وليس لنا إلاَّ أنْ نتدبَّـرَ ما ورد في الحديث النبوي الشريف: “من أثـنـيـتـمْ عليه خيرا وجبتْ له الجنة”. وأنتَ أيها الراحلُ العزيزُ ممَّن يذكـرُهُـمُ الجميع بالخير ويشهدون بأفضاله ومكارمه وجميل خصاله، فـوجبتْ لك الجنة.

    رحيلُكَ أستاذي وصديقي الدكتور عباس الجراري فاجعةٌ أخرستِ الألسنَ وأدمتْ شغافَ القلوب. نترقبُ كل الأخبار المزعجة، لكننا لا نترقبُ مصيبةَ الموت. دائما تستغـفـلنا في لحظات الأمل، وتسلُـبُنَا العزيزَ من الأهل والأساتذة والأصدقاء، وتَـلُـفُّـنَا سحـبُ الإيمان بقضاء الله وقدره، وتغمرُنا مشاعـرُ الأسى العميق ومرارةُ الفـقـد الأليم لمن كانتْ حياتُـهُ دفْـقاً من العطاء وحضورُه بهاءً في بهاء.

    وقديما قـال المتنبي في الرثاء:

    ما كنتُ أحسَـبُ قبل دفنِـكَ في الثري أنَّ الكـواكـبَ في الـتـراب تـغـور
    ما كنتُ آمُـلُ قبل نعــشـِـك أنْ أرى رضوى على أيدي الرجـال تـسيــر

    أو كما قال الشاعر ابن رازكـة الشنقيطي:

    هُـوَ الموتُ عَـضْبٌ لا تخونُ مـضاربُهْ وحـوضٌ زُعَـاقٌ كلُّ منْ عاشَ شَـاربُهْ

    دنيا غيرُ آمنة، تُـشعـرُنا بالاطمئنان إليها، تُــغـرينا بملذاتها، وتُطْـمِعُـنَا برهاناتها. تجودُ لتسلب، وتُعطي لتأخذ، تَـفْجـؤنا بحقيقة المآل، ومرارةِ الفقد والغياب. فما على المرء إلَّا أن يرضى بقضاء الله وقدره ويؤمنَ بحقيقة الموت في كل وقت وحين.

    كانت مفاجأةً غيرَ سارة. إذ يبقى الأملُ دائما في الإفلات من سطوة الموت يدغدغ المشاعـرَ ويُلهبُ العواطف لحظاتٍ ولحظاتٍ. لكن، وكما قال أبو فراس الحمداني:
    ولكن إذا حُـمَّ القـضاء على امرئ فليس له بَــرٌّ يـقيه ولا بحــر

    كنت أستعـدُ كغيري لحضور حفل تكريمي يقـيـمُه معهد كونفوشيوس لـتقـديم ترجمة كتابك “بين التنمية والثقافة” إلى اللغة الصينية يوم الإثنين 8 يناير 2024. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. تأجّـلَ اللقاء، وكان استفسارُ أرملته عن السبب فقالتْ: إنَّ وضعَهُ الصحي يستدعـي نقـله إلى المستشفى. ونزل الخبرُ عليَّ كالصاعقة. لكن الطمعَ في رحمة الله كان مُسَكِّـنا لانزعاجي من الخبر، وكان الأملُ أنْ يمـرَّ من هذه الأزمة الصحية المفاجئة بخير، وأنْ يتغلبَ عليها كما عـوَّدنا على الانتصار على المرض والمستشفى. لكنه غُـلِـبَ على أمره هذه المرة، إذ انـتـزعَـه الموتُ منا انتزاعا وسقانا جميعا مرارةَ الفـقـد وجراحَ الـفـراق. لم أصدقِ الخـبـرَ إلا بعد أن رأيـتُـه مُسْجَى تُـتْـلى عليه آياتُ الذكر الحكيم استعـدادا لنـقـله إلى مقَـرٍّ سَكَـنِـيٍّ ارتضاه الخالقُ له، رحمه الله.

    ويرحـل الأستاذ الدكتور عباس الجراري عن هذه الدنيا الفانية بعد حياةٍ حافلة بالعطاء، ومسارٍ مشرق بجليلِ الأعمال، وبَديع الإصدارات، وبهيّ المؤلفات. يبهرك بما يمجُّه قلمُه من حين لآخر حول موضوعاتٍ أرهقه التفكيرُ فيها زمنا، وداوم على البحث فيها بأناةٍ وتبصُّر. يحلل ويناقش ويَبْسطُ آراءَه وتصوراتِه حول ما يشغلُه ويؤرقُ فكره: في الثقافة، في الدراسات المغربية أدبا وفكرا، في الفكر الإسلامي، في الثقافة الشعبية، في ثقافة الصحراء. كما شغلته الظواهرُ الاجتماعية والاقتصادية فشارك كمفكر في الحديث عنها وطَرْحِ بعض وسائل العلاج، كأهمية الماء من منظور إسلامي، ومفهومِ التعايش في الإسلام، والحوار من منظور إسلامي. إلى غـيرها من المؤلفات التي لا يستغـني عـنها أيُّ باحثٍ أو طالبٍ، فـيغـرفَ من عذب زلالها ما يُعينُه على الدرس والبحث مطمـئـنا إلى ذلكم الزادِ المعرفي الذي أنار له الطريق وعبـَّـد له المسار. فلا نملك جميعا غيرَ أن نـعـتـرفَ بفضله وجميل صنيعه في المجالس والمنتديات واللقاءات والندوات.

    ولعلي أجد العزاءَ فيما خـلَّـفَـه أستاذُنَا من مؤلفاتٍ ودراساتٍ لتحَمُّل وقْـع الخبر غير السار الذي حمله الهاتف في مساء يوم رحيله. وإن لم يستوعِـبْه السمع ساعَـتَها، لأن الأستاذَ كان قويا في لحظاتِ أزماتٍ صحية عاشها، واستطاع أن يتغلبَ عليها بإيمان الصابر المحتسب، ويعيشَ بعدها في صحة وعافية، ويتابعَ مشوار حياته بأمن وأمان. يحاضرُ في الملتقيات العلمية في المغرب والمشرق. تـتهلل أساريرُه كلما التقى بجمع العلماء والأدباء والطلبة النجباء، ويناقشُ الرسائل الجامعية التي كان يشرفُ عليها في كليات المغرب المتعددة: في الرباط، والبيضاء، وأكادير، وفاس، ومكناس، ووجـدة، ومراكش وغيرها. لا يتأفـفُ ولا يتذمـرُ لبعد المسافة وتعبِ الطريق، بـل ينـشرحُ صدرُه ويتجددُ نشاطه. وألمسُ عنده روحَ الشابَ النشيط وسطَ زملائه وأصدقائه وطلبته.

    عباس الجراري نسيجُ وحدِه: خُـلُـقا وعلما، بشاشة وانشراحا، ابتهاجا وحبورا، تأليفا وتصنيفا، حضورا وتألـقا. مُجَـالـسٌ مٌـجَانـسٌ. كلما جالستُه إلا وأتحفـني بالجديد من الكتابات والدراسات. تأكد لي ذلك عندما شاركتُ معه رفـقةَ أرملـته في سفـرياتٍ علميةٍ لحضور ندوات تكريمية أقيمتْ له. أكونُ من المشاركاتِ فيها بالرباط ومراكش وشفشاون وبرشيد وآسفي وتطوان والعيون وغيرها. كنت أنـبهـر بتـلك الذاكرةِ الـقـويةِ المستوعبة. فهو حاضرُ البديهة، فصيحُ اللسان، بليغُ الحجـة والبيان. قدرةٌ فائقةٌ على الارتجال يَـبُـزُّ بها غيرَه من الأساتذة الزملاء؛ وهي ميزة أعتبرها هـبة من الله تعالى، مستشهدا بمحـفـوظه من الأشعار كلما كان النقاش يستدعي ذلك. ذاكرةٌ حافظةٌ قوية تُـسْعِـفُه كلما دعاها، لا تبخل عليه بذلك المحفوظ من الأشعار. وكثيرا ما كنتُ أدعوه إلى أن يسجلَ لي بخط يمينه ما يفاجئني باستشهاده بالمحفوظ من الأشعار. من ذلك ما حدث ذاتَ مرة ونحن نُـنْصِتُ إلى شاعٍـر يتحدثُ عن ليلاه وعن شقائِه بِحبِّـها وعن الحرقة التي اكـتَـوَى بها وقـد هَـجَـرتْـهُ ورفـضتْ وصـالـهُ في ندوة علمية بالعيون. فـفعـلَ وكتبَ لي في ورقةٍ بخـطِّه، وما زلتُ أحتفظ بهذه الوثيقة، وكان ذلك بالضبط يوم 5 نونبر 2016. بيتان شعريان من محفوظ الأستاذ الجراري، فهو يجيد الإنصات ويستحضر ما خطر بفكره لحظتها:

    فـكـرتُ ليلةَ وصْلها في هـجْـرها فـجرتْ مـدامع مقـلـتي كـالـعـنـدم
    فطفِـقْتُ أمسح ناظري في جيدهـا من عـادة الـكـافـور إمساكُ الــدَّم

    بحثت عن صاحب البيتين فوجدتهما للشاعـر ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العـمـدة. فالراحل الجراري القـدوةُ ممَّنْ أكـرمهم الله بهذه الذاكرة القوية، يستدعيها فـتُجيبه ملبيةً في حَلِّـه وترحاله. يستدعي تلقائيا ما لم يطوه النسيانُ في ذاكرته، وهذه نقطة من بــحـر من غزيـر عطائه.

    كما حضرت معه مهرجان المربد ببغداد بالعراق سنة 1989، وكانت جلساته تستـقطب أسماع المشاركين في المهرجان من أدباء الوطن العربي، يتحلقون حوله وينصتون إلى أحاديثه المختلفة الموضوعات. كما حضرت إلى جانبه ندوة علمية بمدينة عمان بالأردن في إطار المؤتمر الإسلامي الدولي نظمتها مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بموضوع عنوانه “تأملات في حقوق الإنسان في الإسلام”، وذلك سنة 2005. وكان اللقاء تجمّعا للعديد من العلماء والأدباء على اختلاف تـوجهاتهم رغبة في محاولة لجمع رؤى وتصورات المشاركين والمشاركات في موضوع حقوق الإنسان في الإسلام.

    عباس الجراري أستاذي الذي أشرفَ على متابعةِ تحضيري لرسالتيَّ الجامعيتين بكلية آداب الرباط: دبلوم الدراسات العليا في موضوع شعر عبد العزيز الفشتالي مؤرخ أحمد المنصور السعدي، وأطروحة دكتوراه الدولة عن الشعر المغربي في عصر المنصور السعدي. وتمتْ مناقشتهما بهذا الفضاء الجامعي: مدرج الشريف الإدريسي. ومن ثَـمَّ كان احتكاكي بالنصوص الشعرية المغربية القديمة في العصر السعدي من خلال مخطوطات تصعب قراءتها إلا بعد حصول الألفة بيني وبينها سنوات. فتحقيق المخطوط ليس بالأمر الهيِّن السهل، ومع ذلك حرصتُ على الاشتغال بالمخطوطات بل وعشقتُ ذلك. وهكذا عملتُ على تحقيق كثير من هذه النصوص التي استخرجتها من بطون الكناشات والمصادر التاريخية والجغرافية وغيرها، ثم سعيت إلى إخراجها من دائرة النسيان إلى التعريف بها وبشعراء الفترة ثم نشرها دواوين شعرية مغربية. وكان الأستاذ الجراري يشعر بالاطمئنان لمثابرتي على إخراج هذه النصوص. ومن هذه الدواوين ديـوان مؤرخ الدولة السعدية كما ذكرت عبد العزيز الفشتالي، وشعـر أبي العباس بن القاضي، وشعر محمد الوجدي الغماد، وشعر محمد بن علي الفشتالي، وشعر عـلي بن منصور الشياظمي وغيرهم.

    وبعد أن كنت أستاذة زائرة بكلية آداب الرباط سنة 1980، وإثر التحاقي بالـتعليم الجامعي سنة 1987 أصبحت زميلةً له برحاب هذه الكلية العامرة. أشاركه محطاتٍ عديدةً في تدريس الأدب المغربي في سنوات الإجازة وفي سنوات استكمال الدروس، وفي مناقشة الرسائل الجامعية التي كان يشرف عليها في الأدب المغربي، سواء تعلق بعضها بالدراسة أو تحقيق النصوص الشعرية المغربية في عصور مغربية مختلفة، لتأكيد ما كان للأدباء المغاربة من حضور شعري في الساحة الثقافية منذ العصر المرابطي؛ وذلك دحضا للمقولة التي تنفي شاعرية المغاربة. وفي مثل هذه التحقيقات إحياء للتراث الشعري المغربي القديم.

    وفي إطار الإصلاح الجامعي الجديد سنة 1997 ورئاسته “لوحدة أساليب الكتابة في أدب الغرب الإسلامي”، كنتُ ضمن فريق أساتذة الوحدة التي حَـرَصتْ على تكوين النخبة من الطلبة الحاصلين على الإجازة في اللغة العربية خلال سنتين جامعيتين تُـتَـوَّجُ بحصولهم على درجة “دبلوم الدراسات العليا المعمقة في اللغة العربية وآدابها”. وكنتُ أجد في تكليفه لي بمتابعة أعمال طلبة الوحدة وتنسيقِ أنشطتهم صورةً لعلاقـتي العلمية به. أستشيره في كثير من القضايا الأدبية والأبحاث التي تخص الطلبة وهم يستعدون لمناقشة بحوثهم. فكانتْ لقاءاتي معه، سواءٌ في الجامعة أو في بيته، ترتـقي بعلاقـتي معه من مستوى الزمالة إلى مستوى الصداقة والأخوة.

    أستاذي عباس الجراري: تقديري لك واعتزازي بأخوتك وصداقـتـك، كلُّ ذلك دعاني إلى تأليف كتاب عنك وعن أعمالك جَـمعْتُ فيه ما كتبتُ عنك وعن مؤلفاتك فور صدورها، وكذلك ما استخرجتُه من موضوعاتٍ مًـرْتَجَـلَـةٍ شاركْـتَ بها في ندوات علمية من شرائط التسجيلات المتوفرة. إضافةً إلى أنني استكتـبْتُ بعض رجال الفكر والأدب للحديث عنك في شهادات تقديرية منهم؛ الأساتذة محمد بن شريفة، علي القاسمي، محمد الإدريسي العلمي، نجيب العوفي. كما تضمن هذا الكتاب التوثيقي نبذة عن حياتك ومسارك الأكاديمي، وكلماتِـك التي كنْتَ تُـلْـقـيها في مناسبات تكريمك بمراكش وفاس والرباط وغيرها.

    وأنا في آخر مرحلة طبع الكتاب زرتُـك لأطلب منك صورتَـك الشخصية. استغربْتَ الطلبَ وجُـرْأتي في الطلب، فأنتَ لا تـعرفُ سبـبَه. لكنك أمْدَدْتَـنِي بالصورة مبتسما منشرحا ومستغـربا في نفس الآن. فلما صدر الكتاب سنة 1999، زرتُـك لتقديم نُـسَخ الكتاب، وكانتِ المفاجأةُ التي انبسِطَتْ لها أساريرُك شكرا وتقديرا؛ فالصورةُ الشخصية تـتـصدرُ غلافَ الكتاب، وعنوانُه: “عباس الجراري: سيرة وأعمال”.

    وهبكَ اللهُ أستاذي خلالاً حميدةً وصفاتٍ خلقيةً نبيلة: تواضعا وحلما، برورا وصدقا، وفاءً ونصحا، وصفاءَ سريرة. تـتسابق شرائحُ المجتمع على اختلاف طبقاتها لحضور مجالسك والارتـشافِ من معين دَفْـقِـك العلمي. وأنتَ في كل أحوالك سيِّدُ المجلس في أبهى حلله، وأشرفِ رُتبه؛ حفاوةً وترحيبا، تعليما وتوجيها، فكاهةً وترويحا. فـيُحتَـفى بك في مجلـسك احتفاءَ العلماء، وتُـكَـرَّم في بيتك تكريمَ الفضلاء.

    عـباس الجراري رمز من رموز الثقافة والفكر في وطننا، وفي الوطن العربي. قامةٌ شامخةٌ وعلامةٌ مضيئة في تاريخنا المغربي وفي كليـتـنا العامرة. جمع المجـدَ من أطرافه: نسبا وثقافة وخلقا وعلما وكرما وتواضعا.

    عباس الجراري: كنتَ فريدَ عصرك في علاقاتِـك العامة. معدنٌ رفيع، وحسبٌ أصيل، وجوهـرٌ نفيس. تواضعٌ ورفعةٌ، شهامةٌ ومـودّةٌ. حـرَصْتَ على التعرف إلى أسرتي بمدينة سلا رفقةَ أرملـتـك. كـنتما تـشـدّان الرحلةَ إلى بيتـنا تأكيدا لأواصر علاقة ودية بيننا، مُهئِّـئيْن للخبر المفرح ومواسيَيْن للخبر الأليم المحزن. كانت مواساتـُكُما لأسرتي برحيل الكثير من أفرادها: ابنِ عمي أبي بكر المريني، وعمِّي الفقيه الحاج محمد المريني، أخوالي من آل زنيبر، ووالدي الحاج عمر المريني، ووالدتي الحاجة السعدية زنيبر، رحم الله الجميع. كانت هذه المواساةُ بلسما لجراح الفراق وتخفيفا من معاناة الأسرة في الرحيل. فلا ازدادُ إلا تقديرا لك واعتزازا بك، وتشريفا لمَقَامك. في خطواتِكَ ما تـُـؤْجّـرُ عليه عند الله سبحانه وتعالى. فلله دَرُّك حياًّ وراحلا. فمثلكَ لا يمكن أن يغيب عنا، فأنْتَ حـيٌّ بيننا. رحمك الله وأحسن إليك، وجازاك على جميل صُنْعك وحميد ذكرك.

    وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: “إذا ماتَ ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدِ صالح يدعو له”. وأنتَ استوفيتَ هذه الشروط. فرحمك الله تعالى، ورزقنا جميعا أسرةً وعلماءَ وأصدقاءَ الصبرَ الجميل والذكـرَ العطـرَ كلما ذكرناك وترحمنا عليك.

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    -أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس / أكدال / الرباط نص الكلمة التأبينية التي شاركت بها في كلية آداب الرباط يوم 13 شعبان 1445 / 23 فبراير 2024.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عسكرة الوجدان


    رشيد الكشرادي

    لا يمكن اعتبار التربية مجالاً محايداً بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي تُنتَج فيه، فهي واحدة من أقوى أدوات السلطة في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه العواطف وتحديد ما يُسمَح بحبه أو كرهه. وعندما تتحول المدرسة من فضاء للتنوير وبناء العقل النقدي إلى أداة للتلقين الإيديولوجي، فإنها تكشف حقيقة النظام بشكل أعمق مما تستطيع الخطب الرسمية أو البيانات السياسية.

    فالتعليم يتعامل مع العقول في لحظات التكوين الأولى، حيث تكون الكلمة أسبق من النقد، وحيث يُزرع المعنى قبل أن تتشكل أدوات المساءلة. لذلك، حين تتكرر الانزلاقات داخل المؤسسة التعليمية، وتتطابق الأساليب، وتتشابه الرسائل، يصبح من المشروع، بل من الواجب، الانتقال من منطق التخفيف والتبرير إلى منطق التحليل وتحميل المسؤولية. في هذا المستوى تحديداً، لا يعود الخلل تربوياً محضاً، بل سياسياً بامتياز، تتحمل تبعاته سلطة عسكرية اختارت، بوعي أو بصمت، توظيف المدرسة في خدمة بئيسة عدائية، وجعلها امتداداً لمنطق الضبط لا فضاءً لبناء المواطن الحر.

    ما شاهدناه من تلقين أطفال في المرحلة الابتدائية خطاباً عدائياً موجهاً ضد المغرب من شخص يُفترض أن يكون مربية، وما سبقه من مشهد موثق بالصوت والصورة لأستاذ يمارس تنمّراً علنياً على تلميذ مراهق يُدعى عبيدة فقط لأنه عبّر عن تمن صادق بفوز المغرب في مباراة كرة قدم، لا يمكن قراءته كوقائع منفصلة أو زلات فردية معزولة. نحن لسنا أمام انفعال لحظي ولا خلاف رياضي عابر، بل أمام عقاب رمزي داخل المؤسسة التعليمية بسبب موقف وجداني بسيط. وهذا ينقل المسألة من مستوى الخطأ الفردي إلى مستوى النسق المتكرر، حيث تتجلى المدرسة كفضاء غير محايد، يُكافَأ فيه الامتثال وتُعاقَب فيه المخالفة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في المشهدين معاً تتكرر العناصر نفسها: سلطة تربوية منحازة، أطفال ومراهقون في وضعية هشاشة نفسية، خطاب إقصائي أو تنمّري، ورسالة واحدة واضحة مفادها أن التفكير أو الشعور خارج السياق المفروض يُواجَه بالعقاب. وحين يُسمَح لأستاذ بأن يضع تلميذاً في موضع السخرية الجماعية لأنه لم ينسجم مع “الاختيار العاطفي الصحيح”، فهذا يعني أن المدرسة لم تعد فضاءً لحماية التنوع، بل تحولت إلى جهاز ضبط إيديولوجي، تُؤمَّم فيه المشاعر قبل الأفكار، ويُحدَّد للتلميذ مسبقاً من يحق له أن يفرح له، ولمن، وضد من يجب أن يشعر بالعداء.

    الأخطر في هذا المسار ليس فقط ما يُقال صراحة بل ما يُفترض ضمنياً، إذ يُقدَّم العداء كأمر طبيعي وبديهي لا يحتاج إلى تفسير أو نقاش. الطفل لا يُمنح سبباً واضحاً أو إطاراً تاريخياً أو أدوات عقلانية للفهم، بل يُطالب فقط بأن يكره. والعداء الذي لا يستند إلى سبب مفهوم هو أخطر أشكال العداء، لأنه لا يُناقش ولا يُراجع، بل يتحول إلى شعور غريزي يمكن استدعاؤه في أي لحظة. وعندما تصل التربية إلى حد مصادرة المشاعر والوجدان، تكون قد انحرفت جذرياً عن وظيفتها الحقيقية، كما يظهر في النظرات الملطخة بالسادية والوزرة الملطخة ببقع حمراء، حيث عجزت المعلمة عن تقديم نظافة الهندام قبل نظافة الفكر.

    أوضح مثال على ذلك هو سؤال المعلمة للتلاميذ عن سبب عدم شعورهم بالفرح لفوز المغرب، فكان الجواب صمتاً جماعياً – “الحكرة” – وكأن العداء أصبح جزءاً من الهواء الذي يتنفسونه. تكشف هذه اللحظة عن دورة مفرغة من الإقصاء النفسي والاجتماعي، حيث يُزرع الشعور بالظلم منذ الصغر ويُدمج في الهوية الجماعية. وفق هذا المنطق، ستنشأ أجيال تفتقر إلى الإبداع، عاجزة عن النقد المستقل، ومحكومة بمزاج الجماعة، حيث يصبح كل ما هو خارج السيطرة مبرراً بالكراهية أو بالخضوع.

    التلميذ الذي عبر عن تمن رياضي لم يعلن موقفاً سياسياً، ولم يمارس استفزازاً، ولم يعتد على أحد، ومع ذلك عوقب رمزياً لا لأنه أخطأ بل لأنه لم يكره كما ينبغي. هذا النوع من العنف الرمزي، كما يصفه علم الاجتماع التربوي، أخطر من العنف المباشر؛ لأنه يمارس باسم التربية وبغطاء الشرعية الأخلاقية. هنا لا تُقمع الأجساد بل تُدجن العقول. وبهذا المعنى، نحن أمام سلسلة متكاملة: تلقين مبكر للعداء في الابتدائي، ضبط وتأديب في المراحل اللاحقة، ثم تطبيع مع فكرة العدو الدائم دون مساءلة أو نقاش.

    وفي هذا الصدد، كنت قد أشرت في مقال نشر سنة 2016 بعنوان «أكاديميو النظام… أكاديميو الجزائر» إلى أن توظيف النخب الأكاديمية في ترسيخ خطاب عدائي تجاه المغرب ليس ممارسة عشوائية، بل خياراً سياسياً واضحاً. وبهذا المنطق، لا يقتصر نسق العداء على التعليم الابتدائي أو الثانوي، بل يمتد إلى الجامعة حيث تفرغ المؤسسات الأكاديمية من دورها النقدي وتتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الإيديولوجيا. وحين يُقمع التفكير منذ الطفولة، ويعاد تشكيله في المراهقة، ويستكمل تدجينه في الجامعة، فإن أثر هذه البرمجة قد يلازم الفرد طوال حياته.

    وبالتالي، فإن هذا التلقين لا يبقى محصوراً داخل جدران المدرسة، بل يظهر لاحقاً في السلوك الاجتماعي والفضاء العام، خاصة في لحظات الانفعال الجماعي. لذلك لا يمكن فصل ما يحدث داخل الأقسام عن بعض السلوكيات التي صدرت عن مشجعين وإعلاميين ولاعبين جزائريين خلال الدورة الأخيرة لكأس إفريقيا بالمغرب.

    فتمزيق مشجع راشد لأوراق نقدية داخل بلد مستضيف، أو قيام مراهق بالتلفظ وتصوير أفعال مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية في ملعب يعج بالناس، أو سخرية لاعب محترف – يُفترض أنه قدوة – من رموز دول أخرى، أو اختيار صحفي مكان القمامة لإجراء حوار، كلها تعبيرات رمزية عن عداء مشبع ومطبّع معه بنفسياً قبل أن يمارس سلوكياً. والمفارقة اللافتة أن الشخص الأكثر اتزاناً وموضوعية كان المدرب؛ لأنه ببساطة خارج منظومة التنشئة الإيديولوجية المحلية، ما يؤكد أن الخلل ليس في الأفراد بل في النسق الذي ينتجهم.

    الأمر نفسه ينطبق على مشاهد الاحتفال الجماعي بهزيمة المغرب، لا حباً في الفريق الفائز، بل كرهاً في الآخر. من منظور التحليل النفسي لفرويد، يمكن تفسير هذا السلوك على أنه آلية دفاعية جماعية: فالفرح بهزيمة الغير يعمل كإسقاط لمكبوتات الفرد والجماعة، حيث يسعى الشخص والجماعة إلى تعويض شعورهم بالنقص أو العجز الداخلي عبر توجيه العداء خارجياً. حين تعجز الدولة عن صناعة الفرح الحقيقي، يصبح الفرح مشروطاً بهزيمة الغير لا بإنجاز الذات، وهو مؤشر على خلل عميق في بناء الهوية الجماعية. وقد ينجح هذا المنطق مؤقتاً في خلق تعبئة عدائية، لكنه في العمق يزرع قنبلة موقوتة من المكبوتات الجماعية التي قد تنفجر داخلياً في أي لحظة.

    كان يفترض أن تتحول مأساة العشرية السوداء إلى ذاكرة تربوية تحصّن الأجيال من العنف الإيديولوجي، لا إلى صدمة صامتة يُعاد إنتاج آلياتها بوسائل ناعمة. ففي التربية النقدية، يُعدّ نقل الصراع إلى المدرسة أخطر أشكال الانحراف؛ لأنه يُدرّب الطفل على الطاعة قبل الفهم، وعلى الاصطفاف قبل التفكير، وعلى الخوف قبل العقل. والأسوأ أن العداء غير المؤسس لا يعرف وجهة ثابتة؛ فهو طاقة قابلة لإعادة التوجيه، وغالباً ما ينقلب في لحظة ما إلى الداخل، كما يعلّمنا التاريخ.

    لا نحتاج إلى وثيقة رسمية أو قرار مكتوب لإثبات الطابع الممنهج لهذا المسار. يكفي التكرار، ويكفي التسامح المؤسسي، ويكفي صمت الهياكل الرقابية، حتى يتحول الانحراف إلى قاعدة غير معلنة. وهنا تحديداً تتجلى مسؤولية النظام ذي الطابع العسكري، الذي لم يكتف بإدارة الصراع سياسياً، بل نقله إلى المدرسة، وحوّل التعليم إلى أداة تعبئة وعداء، تعويضاً عن عجز مزمن في إنتاج شرعية قائمة على الحرية والإنجاز، وخوفاً من المقارنات التي تشكل تهديداً حقيقياً لشرعيته.

    هكذا يتحول المجتمع إلى امتداد لمنطق الثكنة: أطفال يلقنون العداء، ومراهقون يدربون على الانضباط العقلي، ومدارس وجامعات تتحول إلى غرف عمليات رمزية، وأساتذة يدفعون، عن وعي أو عن غير وعي، إلى أداء دور ضباط بمشاعر سادية في انتظار الثناء. وبهذا تزرع الكراهية، ويُقمع التفكير، ويُفرغ الفرد من مناعته النقدية، ليصبح قابلاً للتوجيه أو للانفجار، وغالباً ما يكون هذا الانفجار داخلياً، عند أول تحول في الظروف.

    وبوصفي أستاذاً ومربياً، كان الألم أعمق حين رأيت كيف تسرق براءة الأطفال، وكيف يمارس القمع الرمزي على الفكر باسم التربية. فالهزيمة الرياضية حدث عابر، أما تدمير وظيفة المدرسة فخسارة استراتيجية. لطالما دار النقاش، في جلسات فكرية مع باحثين جزائريين خلال ملتقيات دولية، حول طبيعة المشاعر بين الشعبين المغربي والجزائري. كنت أؤمن أن المحبة والأخوة هما الأصل، وأن العداء استثناء. غير أن ما كشفته الدورة الأخيرة من الكأس الإفريقية، التي نظمها المغرب باحتراف ورقي إنساني كبير، يوحي بأن العكس هو ما يزرع منهجياً..

    -أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي جامعة القاضي عياض، مراكش

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انفجار قاتل في مختبر سري بكولومبيا


    هسبريس – و.م.ع

    لقي تسعة أشخاص مصرعهم وأصيب ثمانية آخرون بجروح خطيرة، إثر انفجار وقع أمس الجمعة في مختبر سري لتصنيع الكوكايين بمقاطعة “نارينيو” جنوب غربي كولومبيا، حسبما أعلنت السلطات المحلية.

    ووقع الحادث عند الفجر في منطقة قروية تقع ضمن أراضي شعب “أوا” الأصلي القريبة من الحدود مع الإكوادور، وهي منطقة تشهد انتشارا مكثفا للجماعات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات.

    وأوضح العقيد في الشرطة، جون جايرو أوريا، في مقطع فيديو، أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الانفجار نجم عن قنينة غاز أثناء عملية تصنيع المادة المخدرة، مما أدى إلى اندلاع حريق هائل التهم المختبر التقليدي في ثوان معدودة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وأفادت التقارير بأن الضحايا كانوا يعملون لصالح مجموعة منشقة عن القوات المسلحة الثورية الكولومبية السابقة (فارك)، وهي جماعة رفضت الانخراط في اتفاق السلام الموقع عام 2016 وتواصل أنشطتها غير القانونية. وأقرت المجموعة في بيان بأن الانفجار نتج عن “خطأ بشري” أثناء التعامل مع أسطوانات الغاز.

    وتعد منطقة “نارينيو”، المتاخمة للإكوادور والمطلة على المحيط الهادي، مركزا استراتيجيا لإنتاج وشحن الكوكايين نحو الأسواق الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، كما تشهد صراعات دامية بين الكارتلات والجماعات المسلحة للسيطرة على طرق التهريب.

    من جانبه، ندد الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، خلال زيارته لمدينة توماكو أمس الجمعة، بوجود مثل هذه المنشآت في منطقة يسعى لجعلها “منطقة سلام”، مؤكدا التزام حكومته بمكافحة الزراعات غير المشروعة والعنف المرتبط بتهريب المخدرات.

    ويأتي هذا الحادث في ظل توترات دبلوماسية متصاعدة بين كولومبيا والإكوادور بشأن تأمين الحدود المشتركة؛ حيث فرضت كيتو هذا الأسبوع ضريبة إضافية بنسبة 30 في المائة على المنتجات الكولومبية، متهمة بوغوتا بالتقصير في كبح جماح التهريب، وهو ما ردت عليه كولومبيا بإجراءات مماثلة.

    يذكر أن التحديات الأمنية في كولومبيا ستكون محور مباحثات مرتقبة بين الرئيس بيترو ونظيره الأمريكي في واشنطن مطلع فبراير المقبل، لمناقشة استراتيجيات مكافحة الجريمة العابرة للحدود وتهريب المخدرات.

    إقرأ الخبر من مصدره