Étiquette : 2018

  • بنشماش: السياسة تقاس بالأثر في حياة المواطنين لا بطقوس الانتخابات

    حكيم بن شماش

    في بيان “مغرب السرعة الواحدة” وردت فكرة يبدو ـ من خلال الردود التي أثارتها ـ أنها ولّدت قدرا من الالتباس. وسنسعى، في هذه المقالة، إلى تبديده قدر الإمكان: ثنائية “ديمقراطية النتائج” في مقابل “ديمقراطية الأشكال”، والدعوة إلى تثبيت “شرعية الإنجاز” بوصفها شرطا عمليا لتحرير الزمن الوطني من أن يظل رهينة الشرعية الإجرائية وديمقراطية النتائج وحدها.

    ليس المقصود هنا تقديم “الأثر” كبديل عن المسار الدستوري أو كترخيص لتجاوز المؤسسات؛ بل المقصود نقل سؤال الشرعية من لحظة الاقتراع وحدها إلى ما يليها: ماذا تنتج صناديق الاقتراع في حياة المغاربة؟ وهل تتحول الشرعية الانتخابية إلى أثر يومي محسوس في كرامة المواطن، أم تبقى السياسة طقسا منتظما بينما يظل الأثر معلقا؟

    وما تسعى هذه المفاهيم ـ وهي ليست جديدة في النقاش حول جودة الديمقراطية ـ إلى تأكيده هو التالي: شرعية الإنجاز لا تنفي الشرعية الإجرائية ولا تعاديها؛ بل تختبر جدواها وتُكملها. فالانتخابات والمؤسسات شرط للشرعية، لأنها تمنع الاحتكار وتضمن التداول؛ لكن النتائج والآثار الذي تحدثه شرط لجدواها لأنها تُجسر الفجوة بين ما نراه في المشاريع وبين ما نلمسه في المدرسة والمستشفى والإدارة والشغل. لذلك، نقولها بوضوح يمنع الالتباس: نحن لا نقايض الأشكال بالنتائج؛ الأشكال شرط الشرعية، والنتائج شرط جدواها.

    وبهذا المعنى، فديمقراطية النتائج ليست بديلا عن المؤسسات ولا دعوة لتجاوزها؛ إنها معيارها العملي: ماذا تنتج بعد الصندوق؟ وهل تصل نتائجها وآثارها إلى الناس وتغيّر حياتهم بشكل إيجابي وبالطريقة التي يمكن التحقق منها بواسطة أدوات القياس؟

    وما نحن بصدد الحديث عنه يشتبك، في سياقنا الوطني، مع أحد أبعاد النقاش حول “الانتقال الديمقراطي”، لا من موقع الصدام معه أو من موقع الاختزال، بل من موقع إغنائه. فالانتقال الديمقراطي ـ كما تنازعته التيارات الفكرية والسياسية في المغرب ـ مفهوم متشعب. وقد ارتبط تاريخيا تارة بقضايا الحقوق والحريات وتوازن السلط وبناء المؤسسات، وتارة أخرى بأدبيات العدالة الانتقالية والتناوب على الحكم. وما نضيفه هنا ليس نفيا لهذا الرصيد؛ بل إدخال سؤال مكمل صار اليوم، سياسيا وبراغماتيا، حاسما: كيف ننتقل من ديمقراطية صحيحة في الشكل إلى ديمقراطية تشتغل في الأثر؟ فالانتقال قد ينجح في تثبيت المواعيد وإرساء قواعد مؤسساتية، وهذا الأمر حسم في المغرب إلى حد بعيد مع إقرار الاختيار الديمقراطي كأحد الثوابت التي لا رجعة فيها؛ لكنه لا يكتمل إذا بقي انتقالا في الشكل دون أن يصير انتقالا في الوظيفة. هنا يظهر معنى “جودة الديمقراطية” أو “شرعية الأداء/الأثر”: أن تصبح السياسة قادرة ومؤهلة على تحويل القرار العمومي إلى خدمة وفرصة وحق يصان ويناله المواطن بلا تسويف أو إذلال، لا إلى مجرد وعد أو إعادة تدوير للمواقع. وهذا النقاش ليس ترفا فكريا؛ بل هو الجسر الضروري لفهم مفارقة “مغرب السرعتين”: بلد ينجح في إنجاز المشاريع الكبرى، وبلد يتعثر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين حيث تُختبر الكرامة في الانتظار.

    ولكي لا يُفهم حديثنا عن شرعية الإنجاز كأنه تبخيس للتراكم الذي يتحقق، ينبغي القول بوضوح إن الدولة قامت ـ ولا تزال ـ بجهد حقيقي لإدخال ثقافة النتائج والقياس والتقييم في وضع البرامج وتنفيذها. ومنذ وقت مبكر، دعا جلالة الملك، وفي مناسبات مختلفة، إلى جعل “الأثر الملموس” و”المعيار الدقيق” معيارا لنجاعة السياسات العمومية. وشدد أيضا، غير ما مرة، على وجوب ربط المسؤولية بالمحاسبة.

    ولم يبق هذا التوجه في مستوى الإسناد القيمي؛ بل تُرجم ـ على مستوى مختلفة ومنها مستوى المالية العمومية ـ إلى إصلاحات مؤطرة منذ 2018 في اتجاه “الميزانية المرتكزة على الأداء” و”التدبير المرتكز على النتائج”، مع تعميم وثائق الأداء وربطها بآليات التحكم في التدبير داخل القطاعات، بما يجعل الميزانية ـ نظريا ـ أداة قيادة وربط بين الموارد والنتائج، وبالتالي أداة مساءلة. وبالتوازي مع ذلك، وداخل هندسة الحكومة نفسها، أُسندت وظيفة التقائية وتقييم السياسات العمومية إلى وزارة قائمة بذاتها يؤطر اختصاصاتها مرسوم تنظيمي معروف صدر في صيغته المحينة بتاريخ 15 ماي 2025.

    غير أن استحضار هذا التراكم لا يهدف إلى تزيين الصورة؛ بل إلى تشخيص موضع التعثر بين “وجود الأداة/ المعيار” و”تحقق الأثر”. وهنا نسجل ـ باستحضار الممارسات الفضلى ـ ثلاث ملاحظات مركزة: أن الإطار/ المرسوم يثبت مهام التنسيق والتقييم دون أن يبلور بما يكفي آلية تحكيم مُلزمة عند تعارض السياسات؛ وأنه يتحدث عن تتبع تفعيل التوصيات دون بيان كلفة عدم الامتثال أو آجال وإجراءات تجعل التقييم التزاما قابلا للمساءلة؛ وأنه لا يُفصل بما يكفي في النشر العمومي المنتظم للوحات الأثر وفي كيفية استعمال البرلمان والمجتمع لهذه المعطيات للمساءلة، لأن القياس غير المنشور يبقى معرفة داخلية لا تتحول إلى ثقة ولا إلى ضغط إصلاحي.

    ومن هنا، نصل إلى لب فكرتنا: ليس المطلوب إنكار المجهود الوطني؛ بل اختبار ما إذا كان قد تحول، عمليا، إلى ممارسة إنفاذ ومساءلة وأثر؛ أي هل أصبحت “ديمقراطية النتائج” ثقافة تشغيلية داخل القرار العمومي، أم بقيت إطارا معياريا يعقبه تطبيق متعثر وغير مكتمل؟

    ولهذا، بدل البقاء في العموميات، نضع المفهوم على محك أفقي كاف وحده لإضاءة جوهر المسألة: ورش الدولة الاجتماعية على اعتبار أنه ورش مؤطر بسقف زمني، ويمس جوهر الكرامة اليومية، ويكشف بسرعة ما إذا كانت الأحزاب ـ حين تمسك أدوات القرار العمومي في الحكومة والبرلمان والإدارة ـ قادرة على تحويل الشرعية إلى أثر، أم أنها تُبقي الأثر معلقا وتحول الأدوات إلى وثائق.

    الدولة الاجتماعية بوصفها امتحان الكرامة والإنصاف

    مشروع الدولة الاجتماعية كما نعرفه جميعا هو ورش ملكي استراتيجي يهدف إلى تصحيح الفجوات في منظومة العدالة الاجتماعية عبر تعميم الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية الشاملة، والدعم الاجتماعي المباشر للأسر، مع إصلاح منظومات الصحة والتعليم، ومحاربة الهشاشة وتحقيق التنمية المستدامة؛ وهو ورش مؤطر بسقف واضح (2021-2026)، وبمضامين تلامس صلب الكرامة اليومية. لكن قيمته ـ بالنسبة لما نناقشه هنا ـ لا تقاس بكونه ورشا للدولة في العموم؛ بل بكونه امتحانا للوساطة الحزبية وهي تمسك أدوات القرار العمومي فعلا: الحكومة في التنفيذ والتنسيق والتمويل، البرلمان في التشريع والرقابة والتقييم، ثم الإدارة والقطاعات في تحويل الحق إلى خدمة. هنا بالضبط تُختبر “ديمقراطية النتائج”: هل تحولت الشرعية الانتخابية بما تفرزها من خرائط سياسية إلى قدرة على الإنفاذ داخل أجل محدد، أم بقيت تنتج لغة جميلة بينما الأثر يتأخر؟

    ولكي لا نبقى في مقام التشخيص العام، لا بد من فتح نافذة تقييمية على أداء الحكومة وهي تدبر تنزيل هذا الورش. فمن جهة، قدمت الحكومة أمام البرلمان روايتها الرسمية حول حصيلة “الدولة الاجتماعية” باعتبارها مشروعا في طور التحقق، وربطت تقدم الورش بتوسيع التغطية وببرامج الاستهداف وبالتتبع المنتظم. ومن جهة ثانية، تظهر قرائن مؤسساتية على وجود مسار تتبع وتنسيق عبر اجتماعات رسمية حول تعميم الحماية الاجتماعية وتفعيل الأدوات المرتبطة بها، بما يعني أن الورش قد غادر فعلا منطقة النوايا والتخطيط إلى محك التفعيل والتنزيل. لكن معيار “ديمقراطية النتائج” لا يقف عند إعلان التتبع ولا عند توسعة الحق؛ بل عند تحويل السقف الزمني إلى برنامج إنفاذ قابل للقياس: مراحل واضحة، أهداف مرحلية، مؤشرات أثر منشورة، وآجال تُراجع بانتظام، حتى يصبح سؤال “ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ ومن المسؤول عن ذلك؟” سؤالا مؤسسيا لا سجاليا. وهنا تكتسب القراءة المؤسساتية والرقابية وزنها: ففي رأيه حول التأمين الإجباري عن المرض بعد التعميم، يذكر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بأن التحدي هو جودة الخدمة والحكامة والاستدامة لا الاتساع العددي وحده. ثم تأتي خلاصات المجلس الأعلى للحسابات لتضع الإصبع على مناطق الهشاشة والاختلالات التي قد تضعف أثر التعميم إذا لم تعالج بمنطق الإنفاذ والمساءلة.

    ليس الغرض من هذه النافذة تسفيه الجهد ولا تحويل الورش إلى مزايدة سياسية؛ بل تثبيت جوهر الفكرة التي يناقشها البيان الذي نشرناه: أن الوساطة الحزبية تُقاس ـ حين تحكم وتدبر الشأن العام ـ بقدرتها على جعل “النتائج” آلية عمل، لا شعارا؛ وبقدرتها على أن تجعل للمحاسبة كلفة منتظمة، حتى يتحول الحق الاجتماعي من وعد كبير إلى أثر يومي محسوس.

    ولكي لا يبقى السؤال عاما، يمكن تلخيص الاختبار في ثلاث نقاط لا تقبل المناورة:

    أولا: هل حوّلت الحكومة السقف الزمني للمشروع كما حدده جلالة الملك إلى “برنامج إنفاذ Programme de mise en œuvre” واضح ـ مراحل، أهداف مرحلية، مؤشرات منشورة ـ أم ظل السقف عنوانا واسعا؟

    ثانيا: هل مارس البرلمان رقابة مؤشراتية، أي رقابة تُقاس بالأثر لا بالخطابة: ماذا تحقق؟ ما الفجوات؟ من المسؤول؟ ما كلفة التأخر؟ أم اكتفى بتقييمات سياسوية عامة لا تلزم أحدا؟

    ثالثا: هل ظهرت المحاسبة كفعل منتظم ـ لا كحدث استثنائي ـ كلما اتسعت الفجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم إنجازه ميدانيا؟

    وعند هذا الحد، لا نحتاج إلى جدل طويل. فالوثائق الرسمية المرتبطة بالمالية العمومية تشير- على سبيل المثال – إلى أن التغطية الصحية عبر التأمين الإجباري الأساسي عن المرض تشمل أكثر من 32 مليون مستفيد في 2025. هذا رقم مهم، لكنه لا يحسم شرعية الإنجاز وحده؛ لأن الشرعية هنا تُقاس بما إذا كانت التغطية تحولت إلى خدمة محترمة تقلص زمن الانتظار وتعيد الكرامة، أم بقيت توسعة في الحق دون تعزيز ملموس لقدرة المستشفيات على الاستقبال وعلى تقديم الخدمة.

    وبالمعنى نفسه نستشهد بتقرير التنمية المستدامة 2025 الذي يضع المغرب في الرتبة الـ68 من أصل 167 دولة، ليس لتوزيع التنقيط السياسي، بل لأنه يقدم مرآة مؤشراتية في المجالات التي تشكل قلب الدولة الاجتماعية (الصحة، التعليم، الفوارق…). معنى هذا الترتيب أنه نقطة قياس: هل سيترجم السقف الزمني إلى صعود ملموس في المؤشرات، أم سيظل الورش كبيرا بأثر محدود؟ هكذا يصبح التقرير درسا عمليا في ديمقراطية النتائج: السياسة تُقاس بما تُحدثه، لا بما تعلنه.

    غير أن بيت القصيد هو ما يكشفه فحص التنفيذ نفسه: فعلى الرغم من أن الدولة بذلت كما قلنا مجهودا لإدخال معايير وميكانيزمات الأثر في التدبير وفي النسيج المؤسساتي، فإن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024–2025 يسجل، بالأرقام، أن تنفيذ برنامج “تعزيز وتأهيل والحفاظ على البنيات التحتية والتجهيزات الصحية” لم يتجاوز 46,8 في المائة، ويسجل أيضا أن مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة (SEGMA) تتركز بقوة في الصحة (91 مرفقا)، ومع ذلك لم يتجاوز تنفيذ اعتماداتها 57 في المائة على مستوى الاستغلال و24 في المائة على مستوى الاستثمار ـ وهي نسب يعتبرها التقرير غير كافية.

    والسؤال الذي لا يصح القفز عليه: إذا كان الإصلاح الرامي إلى اعتماد ثقافة التدبير المرتكز على النتائج والأثر قد انطلق منذ 2018، فما معنى أن نكون- بعد نحو ثماني سنوات- ما زلنا نقرأ ـ في وثيقة رقابية رسمية ـ مثل هذه النسب داخل قلب ورش اجتماعي ملكي مؤطر بسقف زمني؟ أليس ذلك هدرا لزمن الإصلاح نفسه، ودليلا على أن المشكلة لم تعد في “وجود المعيار والأداة” بل في تفعيلهما كإنفاذ ومحاسبة؟ ألا يعد ذلك دليلا ينضاف الي الأدلة التي بسطناها في المقال الأول عن كيف أصبحت مؤسسات الوساطة الحزبية مفرملة ومعطلة (بتشديد الطاء مع كسرها ونصبها معا)؟.

    كلفة الامتثال لديمقراطية الأشكال دون إدماج ميكانيزمات الأثر

    في ضوء ما سبق بيانه، يصبح الاكتفاء بديمقراطية الأشكال ـ أي الاكتفاء بانتظام المواعيد وبسلامة الإجراءات ـ دون إدماج ميكانيزمات الأثر والنتائج والمحاسبة في نظام اشتغالها أمرا مكلفا للغاية. والكلفة التي نتحدث عنها ليست نظرية ولا سياسية فقط؛ بل كلفة زمن وطني يُهدر، وثقة تتآكل، وحقوق تتأخر عن أصحابها. ودليل ذلك ليس الانطباع وحده، بل ما تقوله تقارير المؤسسات الوطنية، وما تؤكده أيضا أدوات القياس الدولية حين تقرأ ما وراء الخطاب.

    لنأخذ مثالا أوليا من أدوات القياس الشاملة: تقارير التنمية المستدامة (ODD) تضع أمامنا حقيقة بسيطة: مواقع الدول تُقاس بتقدمها في مؤشرات تمس جوهر الدولة الاجتماعية. وإذا كان ترتيب المغرب في 2025 هو المرتبة الـ68 من أصل 167 دولة، فالمعنى العملي ليس “تنقيطا سياسيا”، بل إشارة إلى أن الطريق ما زال طويلا، وأن الارتقاء لن يتحقق بالنية وحدها؛ بل بتحسين مؤشرات الأثر. ولتعزيز هذا المعنى دون إغراق المقال بالتقارير، تكفي مرآتان دوليتان أخريان تلتقطان جوهر الدولة الاجتماعية بلغة المؤشرات: فمؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD–IDH)، يضع المغرب في الرتبة الـ120 من أصل 193 دولة، بينما يقدر مؤشر رأس المال البشري للبنك الدولي (World Bank–ICH)، أن الطفل المولود في المغرب لن يحقق عند البلوغ سوى نحو 50 في المائة من إمكانه الإنتاجي الممكن إذا قورن بتعليم وصحة كاملين، أي أن نصف ما يمكن أن يحققه من دخل وإنتاج في حياته العملية يُفقد بسبب اختلالات تراكمية في جودة التعليم والصحة والتغذية منذ الطفولة.

    ومرة أخرى فإن القصد من التذكير بهذه الأرقام ليس التشهير؛ بل التذكير بأن أثر السياسات لا يقاس بالوعود بل بمحصلة قابلة للمقارنة الدولية. وفي التجارب التي نجحت، لم تُترك المؤشرات حبيسة التقارير؛ ولكنها تُنشر في صيغة لوحات أثر مختصرة بانتظام، ويُسائل البرلمان الحكومة عليها في آجال مضبوطة، وتصحح البرامج أثناء التنفيذ لا بعد فوات الأوان.

    ثم إن هناك – بالإضافة إلى مؤشرات الأثر- شرطا سابقا على الأثر نفسه يتمثل في قدرة الدولة على إنفاذ القواعد. فمؤشر سيادة القانون الصادر عن (World Justice Project) لا يقيس “الخطاب”؛ بل ما إذا كانت القاعدة تعمل، وما إذا كان المواطن يثق أن بمقدوره أن ينال حقه بالقانون لا بالوساطة. وفي نسخة 2024 من هذا المؤشر، احتل المغرب الرتبة الـ92 من أصل 142 دولة، ثم تحسن بشكل طفيف في 2025 إلى الرتبة الـ91 من أصل 143. ودلالة هذا المعطى في سياقنا مرة أخرى ليست الإحراج أو التشهير؛ بل التذكير بأن “ديمقراطية النتائج” تحتاج أرضية إنفاذ: حين تضعف قابلية تطبيق القاعدة، يصبح الأثر هشا حتى لو كانت النوايا والبرامج سليمة، وهذا هو تحديدا التجلي الأبرز لما دعوناه بجودة الديمقراطية.

    وأخيرا، حين نتحدث عن تحويل المحاسبة إلى “كلفة” لا إلى شعار، فإن مؤشرات النزاهة العمومية (OCDE- Indicateurs d’intégrité publique) تُذكرنا بأن المسألة ليست أخلاقا عامة؛ بل منظومة: تضارب مصالح، شفافية، رقابة داخلية، إشراف خارجي، ومسارات مساءلة. كلما ضعفت هذه المنظومة، بقيت “ديمقراطية الأشكال” قائمة؛ لكن جدواها تتآكل لأن المواطن لا يرى في النهاية إلا فجوة بين ما يتم الإعلان عنه وما يتم إنجازه على أرض الواقع.

    بهذا المعنى، تصبح الدولة الاجتماعية محكا أفقيا حاسما: ليس لأنها أجمل ورش، بل لأنها الورش الذي يفضح بسرعة ما إذا كانت الوساطة الحزبية ـ حين تمسك القرار ـ قادرة على تحويل الشرعية إلى أثر، أم أنها تعيد إنتاج الشرعية كطقسٍ منتظم بينما يبقى الأثر رهين الانتظار.

    وسواء تعلق الأمر بورش الدولة الاجتماعية كمحك لاختبار قدرة أحزابنا في إعمال وترسيخ منطق شرعية الإنجاز في فلسفة تدبير الشأن العام، أو بغيره من الأوراش التي لا يتسع المجال لعرضها، فإن ما يظهر من كل ما سبق ذكره هو شيء واحد: أن أعطاب الوساطة التي انتقدناها في المقال / الحلقة الأولى ليست توصيفا ولا تهويلا؛ بل تتحول ـ حين تمسك المؤسسات المنتخبة بصيغتها الراهنة بأدوات القرار ـ إلى فرامل تنفيذ وفرامل أثر: يتسع الحق في النص، ويضيق في الخدمة؛ يُعلن السقف الزمني، ويتعثر الإنفاذ؛ تُروى الحصيلة، لكن المؤشرات لا تُنشر بما يكفي لتصبح المحاسبة كلفة منتظمة. لذلك، لم يكن نقدنا للأحزاب رغبة في تجريحها؛ بل دفاعا عن وظيفتها: أن تكون جسرا للأثر لا قنطرة للانتظار.

    ومن هنا، نفهم أيضا لماذا لا يكفي ـ في لحظة ضيق الزمن الوطني ـ الاعتماد على الوعظ أو انتظار أن تُصلح الوساطة الحزبية نفسها بالوتيرة المطلوبة. فإذا كانت “ديمقراطية النتائج” تعني مؤشرات منشورة ومساءلة بكلفة، فمن يرفع كلفة الفرملة والتعطيل حين يتحولان إلى نمط؟ هنا يندرج ما سميناه “التدخل السيادي” داخل سقف الدستور: لا باعتباره بديلا عن السياسة ولا قفزا فوق المؤسسات؛ بل باعتباره تفعيلا صارما لأدوات الإنفاذ والمساءلة، وضبطا للآجال، وربطا للمسؤوليات بالنتائج، حتى لا يتحول السقف الزمني للأوراش الكبرى إلى مجرد عنوان، ولا يبقى الحق الاجتماعي وعدا كبيرا بلا أثر أو بأثر محدود.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جرح الساعة الإضافية ينزف من جديد تحت قبة البرلمان

    0

    يتجه ملف التوقيت الصيفي المعتمد طيلة السنة إلى استعادة حضوره في صدارة النقاش العمومي، بعد تحرك برلماني جديد قادته عائشة الكوط، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، التي دعت الحكومة إلى مراجعة هذا النظام على الأقل خلال فصل الشتاء، على خلفية ما وصفته بتداعياته المقلقة على الصحة والرفاه اليومي للمواطنين.

    وأعادت الكوط هذا الملف المثير للجدل إلى واجهة النقاش السياسي من خلال سؤال شفوي وجهته إلى الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، شددت فيه على أن تقارير ودراسات حديثة، من بينها مذكرة تحليلية صادرة عن “المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة”، تشير إلى أن مواصلة العمل بتوقيت GMT+1 على مدار السنة أفرزت حالة اضطراب دائم لدى فئات واسعة من المغاربة.

    وأكدت البرلمانية أن الفارق بين التوقيت القانوني والتوقيت الشمسي، خاصة خلال فصل الشتاء، لا يقف عند حدود الجدل النظري أو النقاش التقني، بل ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال اختلالات بيولوجية واضحة تمس جودة النوم والقدرة على التركيز والتوازن اليومي، وهو ما يضع شرائح واسعة من التلاميذ والعمال والموظفين أمام ضغط متواصل منذ الساعات الأولى من الصباح.

    وسجلت المتحدثة أن هذا الوضع يزداد حدة مع اضطرار آلاف التلاميذ والعمال إلى التنقل في ظروف يسودها الظلام خلال الفترة الصباحية، بما يرافق ذلك من مخاطر أمنية وصحية متزايدة، في وقت يفترض فيه أن تسهم السياسات العمومية في تحسين شروط العيش اليومي وتخفيف أعباء الزمن المدرسي والمهني، لا في تعميقها.

    واعتبرت الكوط أن المبررات الاقتصادية والطاقية التي تم اعتمادها في مراحل سابقة فقدت قدرا كبيرا من قوتها الإقناعية، خاصة مع التحولات التي يعرفها العالم في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والتي خففت، بحسب تعبيرها، من أهمية التزامن الزمني الصارم مع الشركاء الأوروبيين، وفتحت المجال أمام إعادة تقييم هذا الاختيار على أساس المصلحة الاجتماعية والصحية للمواطنين.

    وطالبت البرلمانية بالكشف عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها من أجل مراجعة نظام التوقيت الحالي في ضوء المعطيات العلمية والاجتماعية التي وصفتها بالمقلقة، مع إثارة سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بمصير الدراسات التقييمية التي أنجزت منذ سنة 2018، ومدى استعداد الحكومة لنشر نتائجها وفتح نقاش عمومي واضح ومسؤول بشأنها.

    ويؤشر عودة هذا الملف إلى البرلمان على أن الساعة الإضافية ما تزال واحدة من أكثر القرارات العمومية إثارة للاحتقان داخل المجتمع، بعدما تحولت من خيار إداري إلى عبء يومي يثقل تفاصيل العيش والعمل والدراسة.

    وفي ظل تصاعد المطالب بالمراجعة، تجد الحكومة نفسها أمام ضغط متزايد لتبرير استمرار هذا التوقيت أو فتح الباب أمام تصحيح ينتظره كثير من المغاربة مع كل شتاء.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لجوء إنساني

    حسن البصري

    كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منصته الإلكترونية: «منتخب إيران لكرة القدم مرحب به في كأس العالم، لكني لا أعتقد أنه من المناسب أن يكون هناك، حرصا على حياتهم وسلامتهم».

    من جهته، قال جياني إنفانتينو، رئيس «الفيفا»: «مرحبا بالإيرانيين في مونديال 2026»، وأضاف أنه يسعى جاهدا إلى أن تكون الكرة رسول سلام بين الشعوب.

    وحسم أحمد دنيا مالي، وزير الرياضة الإيراني، السجال وصرح بأن إيران ⁠لا يمكنها المشاركة في البطولة، بعد ⁠أن شنت الولايات المتحدة غارات ​جوية ضدها. «من غير الممكن لنا قطعا المشاركة في كأس العالم».

    أما رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم، المهدي تاج، فقال إنه مشغول بمصير الفريق النسوي الإيراني العالق في أستراليا.

    ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد طلبت ست لاعبات لمنتخب السيدات الإيراني من السلطات الأسترالية تمكينهن من اللجوء السياسي، خلال مشاركتهن في بطولة كأس آسيا للسيدات التي احتضنتها أستراليا.

    ولأن رب ضارة نافعة، فقد تلقى العرب خبر اعتذار إيران عن المشاركة في المونديال، بسعادة غامرة، حيث لاحت الفرصة أمام العراق والإمارات لتعويض منتخب إيران.

    رئيس «الفيفا» مشغول من رأسه إلى قدميه بملف إيران الكروي وأمريكا بملف إيران النووي، وسفارة دولة الفرس في أستراليا تحاول إقناع اللاعبات الإيرانيات بالعدول عن ملتمس اللجوء الإنساني، والعودة إلى إيران عبر مضيق هرمز الملغوم.

    وليست هذه المرة الأولى التي يستبعد فيها منتخب من حضور فعاليات المونديال، بسبب السياسة، فقد غابت روسيا عن دورة قطر 2022، وحرم منتخبها من خوض آخر محطة إقصائية، لأن جيوشها غزت أوكرانيا، دون علم الاتحاد الدولي لكرة القدم.

    وأدى المنتخب الروسي ضريبة قرار سياسي، وخلال المونديال كان اللاعبون يتابعون مباريات كأس العالم، ولا يلتفتون لتغطية حرب «الديربي» بين الجارين.

    وغضبت طهران من لاعبات المنتخب النسوي، حين التزمن الصمت، خلال عزف النشيد الوطني الإيراني، قبيل مواجهة كوريا الجنوبية، في خطوة فسرها مراقبون بأنها احتجاج صامت.

    وتوقف نبض الكرة في إيران، وانضم الجمهور إلى المحتجين وانتقلت شعارات الملاعب إلى الشارع، وطالب أهالي اللاعبات الحكومة بالتدخل لاسترجاع فلذات أكبادهن.

    في عهد الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، تم السماح للنساء بمشاهدة مباريات كرة القدم، لكن في التلفزيون. وهو من أصدر قرارا رئاسيا بمنع حارس المرمى محسن فروزان من اللعب لمدة ثلاثة أشهر، وذلك على خلفية نشره صورة على موقع التواصل الاجتماعي «إنستغرام» تظهر فيها خطيبته عارية الرأس، ومنذ ذلك الحين وضع الحارس غطاء على رأسه تضامنا مع خطيبته.

    ونحن أيضا لنا نصيب من اللجوء في أستراليا، فقد استغل صحافيان مغربيان دورة كأس العالم للسيدات سنة 2023، وأعلنا الإقامة السرية في بلد الكنغر.

    لكن علاقة الرياضة المغربية بإيران لا تتعدى مباريات في الكرة المصغرة والمكبرة والمصارعة والملاكمة.

    نذكر جميعا القذيفة التي أرسلها لاعب منتخبنا الوطني بوهدوز، في مرمى حارسنا، خلال المواجهة الإيرانية والمغربية بمونديال روسيا 2018. وكيف انهزمنا بنيران صديقة، فخرجنا مكسوري الوجدان.

    وظلت العلاقات الرياضية بين المغرب وإيران مقطوعة، إلى أن قررت جامعة المصارعة استقطاب مدرب إيراني اسمه حسن رنجراز.

    وافق حسن، ولكنه اشترط أن يدرب المنتخب المغربي في طهران، فقضى مصارعونا عاما كاملا في إيران يصارعون الفكر الشيعي. وعادوا إلى المغرب وانطلقوا صوب البرازيل، حيث شاركوا في أولمبياد ريو دي جانيرو، وهناك سقطت وصفة الإيراني على بساط التباري.

    قال اللاعب البرازيلي ريتشاليسون:

    ‏«أرفض خوض مباريات كأس العالم بالولايات المتحدة، إذا لم يوقفوا الحرب ضد إيران».

    ورد عليه أنشيلوتي:

    «إنك غير مستدعى أصلا للمنتخب».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • إضافة ساعة إلى التوقيت الرسمي للمملكة ابتداء من يوم الأحد

    العرائش نيوز:

    يستعد المغرب للعودة إلى توقيته الرسمي (GMT+1) مع ساعات صباح يوم الأحد 22 مارس 2026، بعد فترة استثنائية اعتمد خلالها توقيت غرينتش (GMT) خلال شهر رمضان.وبحسب القوانين المعمول بها، سيتم تقديم عقارب الساعة بمقدار 60 دقيقة عند الساعة الثانية صباحا، إيذانا بانتهاء الفترة الخاصة بالشهر الفضيل واستئناف التوقيت الصيفي المعتاد.ويأتي هذا التغيير السنوي ضمن الترتيبات التي يفرضها المرسوم رقم 2.18.855 الصادر عام 2018، والذي اعتمد بموجبه المغرب التوقيت الصيفي طيلة السنة، مع استثناء وحيد لشهر رمضان لضمان انسجام أفضل بين مواقيت الصلاة والنشاط اليومي للمواطنين خلال…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الساعة الإضافية.. بين الحق في الصحة وجودة الحياة وضغط المجتمع المدني

    شهدت السنوات الأخيرة جدلا متزايدا حول اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم منذ سنة 2018، وهو القرار الذي أثار اهتمام الرأي العام وأعاد قضية التوقيت القانوني إلى واجهة النقاش الوطني. هذا الجدل يعكس مخاوف متنامية لدى المواطنين حول انعكاسات التوقيت المعتمد على حياتهم اليومية، من حيث الصحة العامة، والنوم، والأداء الدراسي والمهني، فضلا عن التأثيرات الاجتماعية […]

    ظهرت المقالة الساعة الإضافية.. بين الحق في الصحة وجودة الحياة وضغط المجتمع المدني أولاً على Bladna24.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جامعة الركبي السباعي تختار الارجنتيني ايمهوف لتدريب المنتخب المغربي..

    العلم الالكتروني/ محمد الورضي
      استعدادا للمنافسات الدولية القادمة، أعلنت الجامعة الملكية المغربية للركبي في بيان لها عن تعيين الاطار الدولي الأرجنتيني السابق خوان خوسيه إيمهوف مدربا جديدا للمنتخب المغربي لركبي السباعي رجال .
        ويأتي هذا التعيين في وقت يستعد فيه المنتخب الوطني للمشاركة في الاستحقاقات المقبلة ،في مقدمتها بطولة أفريقيا للركبي السباعي، التي ستُقام السنة الجارية بجزيرة موريس. وتهدف جامعة الركبي إلى اعداد منتخب بإمكانه تشريف الركبي المغربي السباعي في هذه النسخة من البطولة الإفريقية، المؤهلة لأولمبيات 2028 بلوس أنجلوس.
        وسبق لخوان خوسيه إيمهوف المزداد في 11 مايو 1988 في روساريو بالأرجنتين، أن لعب على أعلى مستوى في رياضة الركبي الدولية لأكثر من عقد من الزمن، كما مارس كلاعب جناح سابق في المنتخب الأرجنتيني للركبي، ويمتلك أكثر من أربعين مباراة دولية في جعبته، بالضافة إلى مشاركته في بطولتي كأس العالم للركبي عامي 2011 و2015.
         خلال مسيرته الاحترافية، برز بشكل خاص مع نادي راسينغ 92 الفرنسي، حيث فاز معه ببطولة دوري الدرجة الأولى الفرنسي بتسجيله ضمن (توب 14) في العام 2016، كما لعب في عدة نهائيات لكأس أوروبا أعوام 2016 و2018 و2020. 
         وبعد اعتزاله اللعب الاحترافي عام 2024، كرس خوان خوسيه إيمهوف نفسه لمشاركة خبرته في رياضة الركبي الاحترافية. وكان له دور بارز في مشروع الركبي السباعي لنادي راسينغ 92 ضمن بطولة سوبر سيفنز، حيث ساهم في تطوير ودعم الفريق المشارك في هذه البطولة.
      و الموازات مع ذلك، ظهر بانتظام كمستشار ومحلل في برنامج « نادي الرجبي » على قناة Canal+، حيث عمل على تقاسم خبرته الطويلة في هذا المجال مع مختلف المهتمين بتطوير هذه الرياضة عبر العالم.
       وبناء على ذلك تنتظر الجامعة من خلال التعاقد معه بناء منتخب مغربي للركبي السباعي، ودعمه بمختلف الوسائل لتطوير اللاعبين، لاشراكهم في المنافسات الأفريقية والدولية القادمة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب… عندما تتحول اليقظة الأمنية إلى معركة جيوسياسية ضد التغلغل الإيراني

    منذ سنوات ونحن نتحدث عن هذا الملف، بل إننا تناولناه منذ سنة 2024، وقبل ذلك منذ قرار المغرب قطع علاقاته مع إيران سنة 2018، حين كانت مؤشرات التغلغل الإيراني في شمال إفريقيا قد بدأت تتضح لمن يقرأ التحولات الاستراتيجية في المنطقة. يومها قلنا بوضوح إن ما يجري ليس مجرد توتر دبلوماسي عابر، بل هو مشروع نفوذ إقليمي تحاول طهران بناءه على حدود المغرب.

    لقد كنا من السباقين إلى التنبيه إلى هذه المعطيات الأمنية والاستراتيجية، لأن المسألة لم تكن مرتبطة فقط بملف الصحراء، بل بمخطط أوسع يروم تحويل شمال غرب إفريقيا إلى مجال تمدد إيراني جديد.

    خلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تصاعدا ملحوظا في محاولات التغلغل الإيراني، التي تعتمد في الغالب على أذرع غير رسمية مثل تنظيم حزب الله، وشبكات التمويل غير المشروع، ومسارات الاختراق المذهبي والثقافي، إضافة إلى العمل الاستخباراتي السري.

    هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد جُرّبت في العراق وسوريا واليمن ولبنان، لكن المغرب كان من الدول القليلة التي قرأت مبكرا هذا المخطط وتعاملت معه بصرامة سيادية واضحة.

    في يناير 2024، أعادت حادثة توقيف مواطن لبناني ينتمي إلى حزب الله دخل المغرب بجوازات سفر مزورة طرح الأسئلة مجددا حول الأهداف الحقيقية لهذه الشبكات، فحزب الله معروف تاريخيا باستخدام أساليب التزوير والتمويه وبناء خلايا غير تقليدية في مناطق بعيدة عن ساحات الصراع المباشر.

    لكن المسألة لا تتوقف عند عمليات التسلل الفردي، فالمؤشرات التي كشفتها التحقيقات المغربية خلال السنوات الماضية تؤكد وجود استراتيجية إيرانية متعددة الأبعاد في المنطقة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية.

    ︎ أولا، الاختراق المذهبي والثقافي عبر نشر التشيع في شمال إفريقيا.

    وقد حققت هذه المحاولات بعض التغلغل المحدود في دول المنطقة، خصوصا في الجزائر، بينما واجهت مقاومة قوية في المغرب الذي ظل متشبثا بهويته الدينية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني تحت إمارة المؤمنين.

    ︎ ثانيا، الاختراق السياسي والمالي، كما ظهر في محاولات سابقة مرتبطة بشخصيات وشبكات تمويل مرتبطة بإيران، من بينها قضية رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين سنة 2017، وهي القضية التي كشفت جانبا من شبكات التمويل المرتبطة بحزب الله.

    ︎ ثالثا، وهو الأخطر، البعد العسكري والأمني.

    فالمغرب كشف سنة 2018 عن تورط إيران وحزب الله في تدريب وتسليح عناصر من جبهة البوليساريو، عبر قنوات تمتد بين بيروت والجزائر ومخيمات تندوف. وقد أكدت التحقيقات آنذاك وجود خبراء من حزب الله قدموا تدريبات عسكرية على استخدام الأسلحة المتطورة.

    هذه المعطيات لم تكن مجرد اتهامات سياسية، بل قرائن استخباراتية دفعت الرباط إلى اتخاذ قرار سيادي حاسم بقطع العلاقات مع طهران.

    ووفق شهادات من داخل دوائر التحليل الإيراني نفسها، فإن طهران كانت ترى في المغرب بوابة استراتيجية للوصول إلى مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى جانب مضيق هرمز.

    الفكرة لم تكن دعما سياسيا لما يسمى « القضية الصحراوية »، بل محاولة بناء نقطة نفوذ جيوسياسية قرب أوروبا، شبيهة بما فعلته إيران في باب المندب عبر الحوثيين.

    التقارير الأمنية تحدثت عن سيناريو خطير، توريد طائرات مسيّرة انتحارية، تدريب عناصر في معسكرات حزب الله، نقل صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وتحويل جنوب المغرب إلى قاعدة ضغط جيوسياسي يمكن استخدامها ضد المصالح الغربية أو الخليجية عند الحاجة.

    بمعنى آخر، كان المخطط يقوم على تحويل الصحراء إلى منصة نفوذ إيراني على تخوم أوروبا.

    لكن ما لم تحسب له طهران حسابا هو يقظة الدولة المغربية، فالمغرب لم يتعامل مع التهديد بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الاستباق الاستراتيجي.

    خلال السنوات الأخيرة، عززت الرباط شراكاتها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وطورت قدراتها الاستخباراتية والدفاعية، كما رفعت مستوى التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

    كما أن المغرب نجح في إحباط محاولات تسليح البوليساريو، وطور منظومات دفاع جوي متقدمة، ما جعل أي سيناريو لتحويل المنطقة إلى قاعدة نفوذ إيراني مغامرة عسكرية خاسرة مسبقا.

    اليوم، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن المعركة لم تكن فقط دفاعا عن وحدة المغرب الترابية، بل كانت أيضا معركة لحماية التوازن الجيوسياسي في شمال غرب إفريقيا.

    فالمغرب لا يدافع فقط عن حدوده، بل يقف أيضا كسد استراتيجي أمام مشروع توسع إيراني كان يسعى للوصول إلى ضفاف الأطلسي.

    ولهذا السبب تحديدا، فإن دعم المغرب لا يجب أن يُقرأ في إطار علاقات ثنائية تقليدية، بل في إطار معادلة أمنية أوسع تتعلق باستقرار المتوسط وأمن الملاحة الدولية.

    إن ما كشفته السنوات الأخيرة يؤكد حقيقة واضحة، المغرب لم يكن يبالغ عندما دق ناقوس الخطر مبكرا.

    بل كان ببساطة يقرأ الخريطة الاستراتيجية للمنطقة قبل الآخرين.

    واليوم، بعد أن تكشفت خيوط كثيرة من هذا الملف، يتضح أن الرباط لم تكن فقط تدافع عن مصالحها الوطنية، بل كانت تحمي توازنا إقليميا كاملا من مشروع نفوذ عابر للقارات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • من إيران إلى الجزائر… كيف اختار المغرب المواجهة الدبلوماسية مع خصومه؟

    الدار/ سارة الوكيلي

    على مدى السنوات الماضية، اختار المغرب نهجاً دبلوماسياً واضح المعالم يقوم على الدفاع الصارم عن مصالحه الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وهو ما دفع الرباط إلى اتخاذ مواقف حازمة تجاه عدد من الدول التي ترى أنها تدعم خصومها أو تتورط في أنشطة تهدد أمنها القومي. وفي هذا السياق، برزت مواقف قوية للمملكة تجاه دول مثل إيران والجزائر وكوبا وفنزويلا، التي ارتبطت في الخطاب السياسي المغربي بمواقف مناوئة للوحدة الترابية للمملكة أو بدعم جبهة البوليساريو.

    ففي ما يتعلق بإيران، قرر المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع طهران سنة 2018 بعد اتهامات رسمية وجهتها الرباط للنظام الإيراني بتقديم دعم عسكري ولوجستي لجبهة البوليساريو عبر شبكات مرتبطة بحزب الله اللبناني. وأكدت وزارة الخارجية المغربية حينها أن عناصر من الجبهة تلقوا تدريبات عسكرية وأن أسلحة متطورة تم نقلها إليهم عبر قنوات مرتبطة بإيران، وهو ما اعتبرته الرباط تهديداً مباشراً لأمنها القومي واستقرار المنطقة. ولم تكن تلك القطيعة الأولى من نوعها، إذ سبق للمغرب أن قطع علاقاته مع طهران سنة 2009 بسبب ما اعتبره تدخلات إيرانية في الشؤون الدينية ومحاولات للتأثير على الهوية الدينية للمملكة، قبل أن تعود العلاقات لفترة قصيرة ثم تتجدد القطيعة لاحقاً.

    أما العلاقة مع الجزائر فتعد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الدبلوماسية المغاربية. فالتوتر بين البلدين يعود إلى عقود طويلة، ويتغذى أساساً من الخلاف حول قضية الصحراء، حيث تعتبر الرباط أن الجزائر هي الطرف الرئيسي الداعم والممول لجبهة البوليساريو. وقد بلغ التوتر ذروته في أغسطس 2021 عندما أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بشكل رسمي، متهمة الرباط بأعمال عدائية. غير أن هذا القرار لم يأت من فراغ، إذ سبقه سنوات طويلة من التوتر السياسي والقطيعة غير المعلنة، فضلاً عن إغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ سنة 1994، وهو ما جعل العلاقات الثنائية شبه مجمدة لأكثر من ربع قرن.

    وفي أمريكا اللاتينية، ارتبط اسم كل من كوبا وفنزويلا تاريخياً بدعم جبهة البوليساريو، في إطار التوازنات الأيديولوجية التي سادت خلال الحرب الباردة. فقد كانت هاتان الدولتان من أبرز المدافعين عن أطروحة “تقرير المصير” داخل المنظمات الدولية، ووفرتا دعماً سياسياً ودبلوماسياً للجبهة الانفصالية لعقود طويلة. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة أدت إلى تراجع هذا الدعم نسبياً، خصوصاً مع تغير موازين القوى داخل أمريكا اللاتينية وازدياد الحضور الدبلوماسي المغربي في القارة.

    في المقابل، اعتمد المغرب خلال العقد الأخير استراتيجية دبلوماسية هجومية نسبياً، تقوم على توسيع شبكة تحالفاته الدولية وتعزيز حضوره الاقتصادي والسياسي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وقد أثمرت هذه السياسة عن مكاسب دبلوماسية مهمة، أبرزها تزايد عدد الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل للنزاع في الصحراء تحت السيادة المغربية، إضافة إلى افتتاح عشرات القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما اعتبرته الرباط اعترافاً عملياً بمغربية الصحراء.

    السياسة الخارجية المغربية باتت تعتمد بشكل متزايد على مزيج من الانفتاح الدبلوماسي والحزم السياسي، حيث تسعى الرباط إلى بناء شراكات اقتصادية واستراتيجية واسعة مع القوى الدولية، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد في اتخاذ مواقف صارمة تجاه الدول التي تعتبرها داعمة لخصومها أو متورطة في تهديد أمنها القومي.

    وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبدو هذه المقاربة جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع المغرب كفاعل إقليمي مؤثر في شمال إفريقيا وإفريقيا عموماً، مع الحفاظ على خط أحمر واضح يتعلق بوحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تقرير رسمي: فراغ تنظيمي يعيق استغلال وتسيير المؤسسات الثقافية الكبرى بجهة طنجة

    أظهر تقرير رسمي أن ضعف المردودية الميدانية للمرافق الثقافية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لا يرتبط بنقص في الاعتمادات المالية، بل يعود لاختلالات في التوزيع وإنجاز المشاريع ومناهج التدبير.

    وأفاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، برسم 2024-2025، أن الجهة استحوذت على حصة رئيسية من التمويلات العمومية المخصصة لقطاع الثقافة على المستوى الترابي.

    وصنف التقرير جهة طنجة-تطوان-الحسيمة ضمن أربع جهات ترابية استأثرت بغلاف مالي بلغ حوالي 1,77 مليار درهم.

    وأوضح المجلس أن هذا المبلغ اقتطع من أصل 2,95 مليار درهم خصصت لتنمية وتدبير البنيات التحتية الثقافية على الصعيد الوطني.

    وشملت هذه الاعتمادات المالية المرصودة للجهات المستفيدة الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي 2018 و2024.

    ويمثل هذا الغلاف المالي المذكور ما يعادل 60 بالمئة من إجمالي الموارد العمومية المرصودة ترابيا لفائدة القطاع.

    وسجلت المؤسسة الدستورية المكلفة بالرقابة المالية أن التوزيع الجهوي لهذه الاعتمادات لا يعكس المعطيات الواقعية على الأرض.

    وأشار التقرير إلى أن برمجة النفقات لم تراع دائما مؤشرات الولوج إلى الخدمات، ومعدلات الكثافة السكانية، والحاجيات الثقافية الفعلية للساكنة المحلية.

    ولم يوجه المجلس ملاحظاته إلى حجم الإنفاق العمومي، بل انصب افتحاصه على محدودية الأثر العملي والميداني لهذه الاستثمارات.

    وأوردت الوثيقة إحصائيات رسمية تبين أن الشبكة الثقافية النشيطة وطنيا توفر تغطية ديموغرافية ومجالية محدودة جدا.

    وحدد التقرير هذه التغطية في معدل لا يتجاوز 3,2 منشأة ثقافية لكل 100 ألف نسمة في عموم التراب الوطني.

    واعتبر المجلس أن هذا المؤشر الرقمي يترجم استمرار فجوة واسعة بين المجهود الاستثماري للدولة، وواقع ولوج المواطنين إلى الخدمات.

    وأكد التقرير أن هذه المفارقة تتجلى بوضوح أكبر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، نظرا لوزنها الحضري والديمغرافي ضمن التقسيم الجهوي للمملكة.

    وأضاف أن الدينامية الاقتصادية للجهة كانت تفترض مواكبتها بعرض ثقافي أكثر تماسكا واستجابة للتطور المجالي والاقتصادي.

    وربط قضاة المجلس الأعلى للحسابات هذا التعثر التنموي في البنيات الثقافية بغياب معايير مرجعية دقيقة لتوجيه برمجة المشاريع سلفا.

    كما رصد التقرير تسجيل نواقص إدارية وتقنية متعددة في عمليات التتبع الخاصة بالمشاريع المبرمجة والتي توجد قيد الإنجاز.

    وسجل المجلس تأخرا واضحا في إنجاز نظام معلوماتي وطني مخصص لتتبع مشاريع البنيات التحتية الثقافية وتقييم مسارها التنفيذي.

    وكشفت الوثيقة أن السلطات المختصة لجأت إلى آلية فسخ الصفقة العمومية المرتبطة بهذا النظام المعلوماتي خلال سنة 2024.

    وعزا التقرير قرار الفسخ إلى أسباب تقنية وإدارية، في مقدمتها التأخر المسجل في وتيرة التنفيذ من قبل الشركة نائلة الطلبية.

    كما شملت أسباب فسخ الصفقة عدم احترام الشركة للمعايير التقنية المنصوص عليها، فضلا عن غياب جودة الإنجاز المحددة في دفاتر التحملات.

    وإلى جانب اختلالات البرمجة والإنجاز، خصص التقرير حيزا لمرحلة ما بعد الإنجاز والتسليم، المتعلقة بالاستغلال والتدبير.

    وسجل التقرير غياب إطار تنظيمي ومرجعي واضح وموحد يؤطر كيفية إنشاء وتسيير واستغلال المؤسسات الثقافية الأساسية.

    ويشمل هذا الفراغ التنظيمي، وفق التقرير، مراكز ودور الثقافة، والخزانات الوسائطية، والفضاءات المخصصة للعروض الفنية والأنشطة المختلفة.

    وأورد التقرير “دار الفنون” بمدينة طنجة كنموذج مباشر للبنيات الثقافية التي طالتها الملاحظات الرقابية بخصوص غياب إطار التدبير.

    وخلص التقرير إلى أن الإشكال المطروح حول المرافق الثقافية بالجهة لم يعد يقتصر على سؤال الموارد المالية والاعتمادات الميزانياتية.

    وبات السؤال المركزي، وفق المجلس، يتعلق بمدى الإدارة الفعلية لتحويل هذه الموارد إلى مرافق تشتغل بانتظام وتؤدي خدمة عمومية.

    وشددت الخلاصات على ضرورة ضمان وصول هذه المرافق للجمهور المستهدف، وإخضاعها لتوزيع عادل يراعي مبدأ النجاعة والإنصاف المجالي.

    ووضع المجلس ملف تدبير الثقافة بجهة الشمال داخل ما أسماه “اختبار الأثر”، معتبرا إياه المعيار الحقيقي لتجاوز منطق الأرقام المجردة في السياسات العمومية.

    وتندرج هذه الملاحظات ضمن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي يعرض تقييما شاملا لتدبير المالية العامة والسياسات العمومية بالمغرب.

    ويشكل التقرير وثيقة مرجعية ترصد مدى التزام القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بمبادئ الحكامة الجيدة والمحاسبة والمردودية.

    ويعتمد المجلس في صياغة تقاريره على مهام رقابية ميدانية تبحث في نجاعة الأداء ومدى تحقيق المشاريع للأهداف المحددة لها قانونيا.

    ظهرت المقالة تقرير رسمي: فراغ تنظيمي يعيق استغلال وتسيير المؤسسات الثقافية الكبرى بجهة طنجة أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وهبي: الإفراج المُقيّد بلغ مستوى غير مسبوق في ولايتنا الحكومية

    أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن تفعيل آلية الإفراج المقيد بشروط عرف خلال الولاية الحكومية الحالية تطورا غير مسبوق، مشيرا إلى أن عدد المستفيدين منها ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأربع الأخيرة، في إطار توجه يروم تحقيق التوازن بين إعادة إدماج السجناء وضمان حماية المجتمع.

    وجاء ذلك في جواب كتابي للوزير على سؤال وجهه النائب البرلماني أحمد التويزي، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، حول حصيلة تفعيل هذه الآلية القانونية ضمن السياسة الجنائية بالمغرب.

    وأوضح وهبي أن نظام الإفراج المقيد بشروط يعد آلية قانونية واجتماعية تقوم على فلسفة مزدوجة، تروم من جهة تحقيق تحرير تدريجي للمحكوم عليهم، ومن جهة أخرى ضمان ضبط مؤسساتي للمخاطر. وقال في هذا السياق إن هذا النظام “ليس تنازلا عن العقوبة المقررة من طرف السلطة القضائية، بل أداة عقلانية لإدارة نهاية العقوبة بما يضمن تحقيق توازن بين مطلب الإدماج ومقتضيات حماية المجتمع”.

    وأشار الوزير إلى أن المعطيات الإحصائية الرسمية تؤكد تحقيق قفزة كبيرة في عدد المستفيدين خلال الولاية الحكومية الحالية، حيث انتقل العدد من 160 حالة سنة 2022 إلى 204 حالات سنة 2023، ثم 371 حالة سنة 2024، ليبلغ 835 مستفيدا خلال سنة 2025.

    وبحسب المعطيات التي قدمها وهبي، فقد استفاد من هذه الآلية حوالي 1570 شخصا خلال أربع سنوات فقط، مقابل 113 حالة فقط خلال ثماني سنوات سابقة، وهو ما اعتبره مؤشرا على تفعيل قوي لهذه الآلية في عهد الحكومة الحالية.

    ولإبراز حجم هذا التطور، استعرض وزير العدل أرقام السنوات السابقة، حيث لم يتجاوز عدد الحالات خمس حالات في سنتي 2014 و2015، و48 حالة سنة 2016، وست حالات سنة 2017، و12 حالة سنة 2018، و31 حالة سنة 2019، فيما لم تسجل أي حالة سنة 2020، مقابل 13 حالة فقط سنة 2021.

    وشدد وهبي على أن الاستفادة من الإفراج المقيد بشروط تظل خاضعة لشروط قانونية دقيقة، وتتم بناء على طلبات يتقدم بها المعنيون بالأمر أو ذووهم، مؤكدا أن هذه الآلية أصبحت اليوم معيارا معتمدا في السياسات العقابية الحديثة، في سياق الانتقال من منطق “العقوبة-الانغلاق” إلى “العقوبة-التدبير” التي تعزز الصلة بين المؤسسة السجنية والمجتمع.

    وأضاف الوزير، ضمن الجواب الذي اطلعت عليه جريدة “مدار21″، أن هذه الآلية تساهم في الحد من ظاهرة العود إلى الإجرام والتخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، فضلا عن دعم تنزيل المواثيق الدولية المتعلقة بالمعاملة الإنسانية للسجناء.

    وفي سياق تطوير الإطار القانوني، أوضح وهبي أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية المغربي مكنت من إدخال عدد من التعديلات الرامية إلى تجويد آليات الإفراج المقيد بشروط، من بينها توسيع قاعدة الاستفادة وتخفيف شروطها بالنسبة للفئات الهشة مثل المصابين بأمراض مستعصية والمسنين والأحداث والنساء الحوامل والمرفقات.

    كما شملت الإصلاحات إعطاء الأولوية للحالات الإنسانية عند دراسة الطلبات، وتفعيل دور لجان مراقبة السجون، والرفع من عدد دورات لجنة الإفراج، إضافة إلى توسيع اختصاصات قاضي تطبيق العقوبة لتشمل المتابعة البعدية للمفرج عنهم.

    وأشار الوزير أيضا إلى إحداث منصة رقمية خاصة بطلبات الإفراج المقيد بشروط، مرفوقة بحملة تحسيسية عبر وسائل الإعلام الرسمية، حيث بلغ عدد الطلبات الواردة عبر هذه التطبيقية 2486 طلبا خلال سنة 2025.

    وفي السياق نفسه، كشف وهبي عن توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة العدل ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، تروم تمكين هذه المؤسسة من مواكبة المستفيدين من الإفراج المقيد بشروط عبر برامج الرعاية اللاحقة وإعادة الإدماج.

    وعلى مستوى النتائج، أفاد وزير العدل بأن حالات العدول عن الإفراج بسبب ارتكاب جرائم جديدة خلال فترة الاختبار ظلت محدودة للغاية، حيث لم تتجاوز 16 حالة فقط، أي ما يعادل نسبة 0.9 في المئة من مجموع المستفيدين.

    وختم وهبي بالتأكيد على أن تقييم فعالية هذه الآلية ينبغي أن يتم في إطار مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الإكراهات القانونية والمؤسساتية والاجتماعية، مبرزا أن نجاح الإفراج المقيد بشروط “يبقى رهينا أيضا بوجود بيئة استقبال ملائمة تشمل برامج إعادة الإدماج ودور المجتمع المدني ومساهمة القطاع الخاص وسوق الشغل”.

    إقرأ الخبر من مصدره