Étiquette : 2024

  • إسرائيليون يريدون الاستيطان في جنوب لبنان: “وُعدنا به”

    تتطلّع آنا سلوتسكين من منزلها في مستوطنة كارني شومرون في الضفة الغربية إلى توسيع حدود الدولة العبرية والانتقال يوما ما للعيش في جنوب لبنان، وهو “حلم” يتحدّث عنه مستوطنون ينتمون الى اليمين المتطرّف في إسرائيل.

    ونزح مئات آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان خلال الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله منذ الثاني من مارس على خلفية الحرب في إيران، فلم يتردّد التيار اليميني المتطرف بين المستوطنين في إسرائيل بالمجاهرة برغبتهم بتوسيع الحدود من جهة الحدود الشمالية.

    وتقول سلوتسكين (37 عاما)، وهي عالمة أحياء، إنها شاركت في العام 2024 في إنشاء مجموعة “عوري تسافون” أو “استيقظ أيها الشمال” التي تضمّ عشرات العائلات، وتتوسّع شيئا فشيئا.

    وتقول المجموعة إنها تؤيد أن تمتد حدود إسرائيل الشمالية حتى نهر الليطاني أي على بعد 30 كيلومترا داخل الحدود اللبنانية، وتهدف للتأسيس الى تواجد مدني إسرائيلي دائم في المنطقة.

    وتضيف “الفكرة هي أن يفرّ معظم السكان، فتنتقل الحدود، ولا نسمح لهم بالعودة، لتصبح المنطقة ووفقا لإعلان رسمي جزءا من دولة إسرائيل”.

    وليس هناك موقف معلن دعما لهذا التيار من الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتينايهو والتي تعتبر الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، والتي تكثفت في خلال سنوات حكمها حركة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين.

    وتقول سلوتسكين إنها أسست الحركة تخليدا لذكرى شقيقها يسرائيل سوكول، وهو جندي إسرائيلي قُتل في قطاع غزة في العام 2024.

    وتضيف بينما تقف عند نقطة مراقبة على تلة باسمه قرب مستوطنة كارني شومرون في شمال الضفة الغربية، “كان يحلم بالاستيطان في لبنان”.

    وتوضح “كان يقول إنه يريد العيش في مكان أخضر في الصيف وأبيض في الشتاء”.

    وتعتبر سلوتسكين أن الاستيطان اليهودي في جنوب لبنان ضروري لأمن إسرائيل ولإنهاء دائرة النزاع مع حزب الله المدعوم من إيران.

    وتقول “ما يفعله الجيش الإسرائيلي حاليا ما هو إلا المرحلة الأولى”.

    وترى أن ما يحدث في جنوب لبنان يتمثّل في أن “الجيش يدخل، ويحتل ويُخلي المنطقة. بعد ذلك يجب ألا ننسحب، بل أن نستوطن”.

    وأعلن الجيش الإسرائيلي بعد اجتياح أجزاء واسعة من جنوب لبنان خلال الحرب، إن قواته قد تبقى في المنطقة دون تحديد مدة زمنية.

    ويسري منذ منتصف نيسان/أبريل اتفاقا معلنا لوقف إطلاق النار فيما يتواصل القصف والمواجهات يوميا، فيما يجري مفاوضون إسرائيليون ولبنانيون جولة جديدة من المحادثات في واشنطن الخميس في محاولة لوضع حد نهائي للحرب وتحديد العلاقات بين البلدين في المستقبل.

    “من النيل إلى الفرات”
    على قناة على تطبيق واتساب تضم أكثر من 600 عضو، تنشر مجموعة “أوري تسافون” دعوات إلى اجتماعات عبر الإنترنت وخرائط لما تقول إنها مستوطنات يهودية قديمة في جنوب لبنان.

    على تطبيق تلغرام، يتجاوز عدد متابعي المجموعة 900 شخص.

    ويقول المزارع أوري بلاس إنه انضم إلى المجموعة في بداياتها، بعدما كان ناشطا في الاستيطان في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

    ويقول بلاس (51 عاما) الذي هاجر من مانهاتن في الولايات المتحدة في تسعينات القرن الماضي لوكالة فرانس برس، إنه ومجموعة أخرى قادوا سياراتهم إلى داخل لبنان عبر بوابة حدودية مفتوحة قبل عام ونصف.

    وكان حزب الله وإسرائيل في حرب أيضا بين أكتوبر 2023 وشتنبر 2024.

    ويتابع بلاس أن الهدف من التجربة “المذهلة” كان نصب خيمة، وغرس أشجار، و”البدء بشيء يمكن أن يكتسب زخما” لاحقا.

    لكنه يقول إن جنودا إسرائيليين أخرجوه من المنطقة.

    ويضيف من منزله في تجمّع سديه يعقوب في شمال إسرائيل “تشعر وكأنك في بيتك، وتشعر أن هذا بلدك”.

    في فبراير، نظمّت “أوري تسافون” رحلة لغرس الأشجار قرب الحدود، ونشرت صورا لأطفال يبتسمون إلى جانب أعلام إسرائيلية ولافتات نُصبت بمحاذاة الجدار.

    حينها، دان الجيش الإسرائيلي ما حصل، وقال إن مدنيين اثنين عبرا السياج، في ما يشكّل مخالفة جنائية تعرّض المدنيين والجنود للخطر.

    في حديقته، يفتح بلاس بحماس حاوية شحن قديمة تحتوي على مستلزمات بناء مستوطنات، من بينها فرشات وأكياس نوم وأغطية بلاستيكية.

    في داخلها، قلّب صفحات كتاب يضم خرائط تُظهر حدود إسرائيل ممتدة من أجزاء من مصر الحالية إلى العراق.

    ويقول “أي شخص يقرأ العهد القديم… ينبغي أن يعلم أننا وُعِدنا بأرض إسرائيل”.

    “دعم من تحت الطاولة”
    مع اقتراب الانتخابات التشريعية في إسرائيل، يقول بلاس إن مجموعة “أوري تسافون” ستسعى للحصول على دعم من سياسيين، لكنه يقرّ بأن الردود التي تلقّوها حتى الآن كان يشوبها “الغموض”.

    أما آنا سلوتسكين فتؤكد أن هناك بالفعل دعما من بعض النواب وحتى من وزراء.

    وتضيف “بعضهم يقول ذلك علنا، وبعضهم يقولها من تحت الطاولة، لكن هناك بالتأكيد دعم”.

    ونشرت المجموعة الشهر الماضي صورة لسلوتسكين وهي تلتقي وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان، مرفقة بتعليق جاء فيه “خلال اللقاء مع الوزيرة، طُرح موضوع السيطرة على الأرض”.

    ويعتقد سلوتسكين وبلاس أن أفكارهما التي تقتصر اليوم على شريحة من اليمني الإسرائيلي المتطرف ستكتسب زخما وتصبح أكثر انتشارا مع الوقت.

    ووسّعت الحكومة الإسرائيلية اليمينية نطاق الاستيطان في الضفة الغربية، والذي يُعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي، فيما بدأ عدد من الوزراء يدعون علنا إلى ضمّها.

    في منزله المتواضع، يشير بلاس بفخر الى شهادة تقدير لنشطاء استيطاني في غزة، موقّعة من وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير ونائبة رئيس الكنيست ليمور سون هار-ميلخ.

    وتقول سلوتسكين “في نهاية المطاف، يجب أن يكون الأمر بيد من يريد ذلك. يجب أن تكون القيادة للشعب”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كيف تحولت “بالانتير” للاعب رئيسي بالحروب الحديثة من غزة لإيران؟

    تواصل شركة “بالانتير” الأمريكية توسيع حضورها داخل قطاع الصناعات الدفاعية، وسط ازدياد الانتقادات لاستخدام تقنياتها في العمليات العسكرية الإسرائيلية، خصوصا في قطاع غزة ولبنان وإيران.

    و”بالانتير” (Palantir) هي شركة برمجيات متخصصة في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، أسست عام 2003، وتعمل بشكل وثيق مع الحكومات ووكالات الاستخبارات والشركات التجارية الكبرى.

    في ما اعتبرت خبيرة دولية في حديث للأناضول، أن إدماج الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال غيّر طبيعة الحروب بشكل كبير، وساهم في طمس الحدود بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للتكنولوجيا.

    وتشير تقارير إعلامية وتقييمات حقوقية إلى أن التكنولوجيا التي تطورها “بالانتير” استُخدمت في عمليات تحديد الأهداف وتحليل البيانات خلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، إلى جانب استخدامها في هجمات مرتبطة بإيران ولبنان.

    وفي يناير/ كانون الثاني 2024، أعلنت الشركة توسيع تعاونها مع إسرائيل عبر تقديم دعم تقني لجيشها قائم على الذكاء الاصطناعي، يركز على تحليل البيانات وتحديد الأهداف في العمليات العسكرية.

    توسع في صناعات الدفاع

    وتعزز “بالانتير” حضورها في الصناعات العسكرية عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الأنظمة الدفاعية والاستخبارية، مستفيدة من عقود كبيرة مع المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية.

    وتوفر أنظمة مثل “غوثام”، ومنصة الذكاء الاصطناعي “إيه آي بي”، و”فاوندري”، و”سكاي كيت”، وهي أنظمة قادرة على دمج مجموعات ضخمة من البيانات وتحليلها، وربط نماذج الذكاء الاصطناعي بالأنظمة العملياتية والعسكرية، إضافة إلى جمع ومعالجة البيانات ميدانيا عبر منصات متنقلة.

    وفي عام 2025، وقعت الشركة اتفاقية بقيمة 10 مليارات دولار مع الجيش الأمريكي، فضلًا عن كونها شريكا رئيسيا في برنامج “مافن” التابع لوزارة الدفاع “بنتاغون”، والذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في عمليات تحديد الأهداف وتحليل الصور والبيانات العسكرية.

    وتشارك “بالانتير” أيضا في تطوير برنامج “تايتان”، الذي يهدف إلى إنشاء محطات استخبارات برية متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بينما تستخدم منصة “آرمي فانتدج” منذ عام 2018، لتسريع عمليات اتخاذ القرار داخل الجيش الأمريكي اعتمادا على تحليل البيانات.

    شراكة مع الجيش الإسرائيلي

    وفي يناير 2024، التقى المؤسسان المشاركان للشركة أليكس كارب، وبيتر ثيل، الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ومسؤولين بوزارة الدفاع في تل أبيب.

    وحينها، أعلنت الشركة التوصل إلى تفاهم بشأن شراكة استراتيجية مع الجيش الإسرائيلي، تشمل تقديم تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاستخدامها في “المهام المرتبطة بالحرب”، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بخصوص طبيعة الخدمات المقدمة.

    وقال كارب خلال وجوده في تل أبيب إن الطلب الإسرائيلي على خدمات الشركة ازداد بشكل ملحوظ، مضيفًا أن “بالانتير” بدأت تقديم منتجات مختلفة عما كانت توفره لإسرائيل قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

    وفي بيان عام 2024، قالت منظمة “مركز الأعمال وحقوق الإنسان”، إن الدعم التكنولوجي الذي توفره “بالانتير” للجيش الإسرائيلي يتم استخدامه بشكل مباشر في العمليات العسكرية بغزة.

    في المقابل، رفضت الشركة هذه الاتهامات، مؤكدة أن تعاونها مع إسرائيل بدأ قبل أحداث 7 أكتوبر، وأنه يندرج ضمن الدعم الذي تقدمه لحلفاء الولايات المتحدة بالعالم.

    تقنيات استخدمت في لبنان وإيران وفنزويلا

    ووفقًا لكتاب “الفيلسوف في الوادي: أليكس كارب، بالانتير وصعود دولة المراقبة”، للكاتب مايكل شتاينبرغر، فإن إسرائيل استعانت بتقنيات الشركة الأمريكية خلال استهداف قادة في “حزب الله” بلبنان عام 2024.

    وأشار الكتاب إلى استخدام تقنيات الشركة أيضا في “عملية البيجر” التي فجرت فيها إسرائيل أجهزة اتصالات لدى عناصر “حزب الله”.

    وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن البنتاغون استعان خلال التخطيط لهجمات على إيران، بنظام “مافن” الذكي المطور من “بالانتير”، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى استخدام النظام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف محتملة داخل إيران وتعيين مواقعها بدقة.

    ولفتت التقارير إلى استخدام نظام “مافن” في الهجوم الذي نفذه الجيش الأمريكي في فنزويلا في يناير الماضي، وأسفر عن قتلى واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة.

    تحويل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح

    وفي أبريل/ نيسان 2025، قالت المهندسة المغربية ابتهال أبو السعد، التي احتجت على تعاون “مايكروسوفت”، التي تعمل لديها، مع إسرائيل خلال فعالية الذكرى الخمسين لتأسيس الشركة، إن أنظمة تحليل البيانات التي تطورها “بالانتير” تؤدي دورا محوريا في العمليات العسكرية الإسرائيلية.

    وأوضحت في تصريح للأناضول، أن الشركة تجمع بيانات من منصات متعددة وتستخدمها ضمن عمليات تحديد الأهداف.

    وأضافت: “بالانتير تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح، وتستخدم تحليل البيانات لاتخاذ قرارات قاتلة”.

    وأشارت إلى أن التكنولوجيا نفسها يجري استخدامها في غزة عبر تحليل بيانات مستمدة من تطبيقات التواصل والمحادثات الهاتفية ومعلومات المواقع الجغرافية الخاصة بالفلسطينيين، ثم دمجها بأنظمة الطائرات المسيّرة لتحديد الأهداف.

    ولفتت إلى أن الاعتماد على هذه الأنظمة قد يسمح للمسؤولين العسكريين بالتنصل من المسؤولية القانونية عبر إلقاء اللوم على التكنولوجيا، معتبرة أن “بالانتير” تمثل “درعا” يحمي الولايات المتحدة وإسرائيل من المساءلة القانونية.

    وذكرت أن البنية التكنولوجية التي توفرها الشركة تُستخدم أيضا ضمن أنظمة إسرائيلية مثل “لافندر”، و”ويرز دادي”، التي تعتمد في تحديد الأهداف داخل غزة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

    وأضافت: “أتردد حتى في وصف هذه الأنظمة بأنها مجرد برمجيات، لأنها صُممت بوضوح للمراقبة والحرب والقتل”.

    **الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الحروب

    من جهتها، قالت خبيرة حوكمة الذكاء الاصطناعي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لورا برون، إن إدماج الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال غيّر طبيعة الحروب بشكل كبير من حيث السرعة وحجم العمليات، خصوصا في ما يتعلق بتحديد الأهداف.

    وأوضحت أن استخدام هذه التقنيات في المراقبة الجماعية يثير مخاطر جدية تتعلق بحقوق الإنسان والخصوصية، مضيفة أن الخدمات التي تقدمها شركات مثل “بالانتير” تساهم في طمس الحدود بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للتكنولوجيا.

    وأكدت أن الأبحاث الحالية تشير إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية قد يزيد من احتمالات الخطأ والمخاطر مقارنة بالأنظمة التقليدية.

    وفي ما يتعلق بالمسؤولية القانونية، شددت برون على أن الدول تبقى مسؤولة عن الأخطاء الناتجة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الحروب، خصوصا إذا لم تتخذ الإجراءات الكافية لمنع حدوث تلك الأخطاء.

    وأضافت أن تحديد ما إذا كانت المشكلات في ساحات القتال ناتجة عن الذكاء الاصطناعي أم عن عوامل بشرية لا يزال أمرا بالغ الصعوبة بسبب الطبيعة المعقدة لهذه الأنظمة.

    وختمت حديثها بالقول: “حتى الآن، لا يوجد تصور عملي واضح بالكامل بشأن كيفية استخدام الدول للذكاء الاصطناعي بطريقة قانونية ومسؤولة في الحروب”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دلالات إعادة انتخاب المالك


    المحجوب بنسعيد

    في ختام أعماله في مدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان، قرّر المؤتمر العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في دورته الخامسة عشرة، إعادة انتخاب الدكتور سالم بن محمد المالك مديراً عاماً للإيسيسكو لفترة ثانية تمتد من 2026 إلى 2029. وقد تم اتخاذ هذا القرار بإجماع الدول الأعضاء، ودون تسجيل أي اعتراض أو وجود مرشح منافس.

    دلالات الاختيار وركائزه:

    لاختيار الدكتور سالم المالك مديراً عاماً للإيسيسكو لولاية ثانية دلالات عديدة، تستند جميعها على ركيزتين أساسيتين:

    الركيزة الأولى: وتتجسد في ثقة بلده المملكة العربية السعودية التي بادرت بإعادة ترشيحه، تقديراً لدوره في تطوير الإيسيسكو وتحويلها إلى منارة إشعاع دولي، واعترافاً بمساهمته البناءة في النهوض بالعمل الإسلامي المشترك.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    الركيزة الثانية: وتجسدها ثقة الدول الأعضاء في شخص الدكتور سالم المالك، قيادياً استراتيجياً مبتكراً ومجدّداً، ولذلك حظي ترشيحه بتأييد جميع هذه الدول البالغ عددها 53 دولة، وهو إجماع يعكس الرضا العام عن الأداء المؤسسي والمالي للإيسيسكو.

    وبناءً عليه، فإن إعادة انتخابه لولاية ثانية بالإجماع على رأس منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، تعد من جهة محطةً لافتة تعكس حجم الثقة التي باتت تحظى بها الإيسيسكو في مرحلتها الجديدة، وتؤكد من جهة ثانية المكانة الكبيرة التي تتبوؤها المملكة العربية السعودية داخل محيطها الإسلامي والدولي، وقدرتها على تقديم نماذج قيادية ناجحة في المؤسسات متعددة الأطراف.

    ويحمل هذا التأييد الواسع في مضمونه تقديراً للدعم الكبير الذي تحظى به الإيسيسكو من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وحرص المملكة العربية السعودية على تعزيز العمل الإسلامي المشترك، ودعم المؤسسات الفكرية والثقافية التي تسهم في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً للعالم الإسلامي.

    لا يجب أن ينظر إلى إعادة انتخاب الدكتور سالم المالك لفترة ثانية على أنه انتصار شخصي أو ضربة حظ، بل هو قرار موضوعي ومنطقي يستند إلى قناعة جماعية بأن المشروع الذي تتبناه الإيسيسكو اليوم، بقيادته مع فريق الخبراء المتعاون معه، أصبح مشروعاً واعداً، وأن الإيسيسكو أصبحت تمتلك رؤية أكثر وضوحاً، وحضوراً أكثر تأثيراً، وقدرة أكبر على ملامسة أولويات الدول الأعضاء وتطلعات شعوبها.

    لقد حققت الإيسيسكو خلال الفترة 2019-2025 عدداً مهماً من الإنجازات النوعية في إطار رؤية استشرافية مبتكرة، جعلت الدول الأعضاء تلمس تحولاً جذرياً في عمل الإيسيسكو، وانتقالاً سريعاً من الأماني المثالية إلى الإنجازات الواقعية، ومن الأدوار التقليدية التي استنفذت مهامها إلى أدوار جديدة مواكبة للتحولات الدولية، وأكثر انفتاحاً وديناميكية، من خلال رقمنة الإدارة، واعتماد سياسة الشفافية، وتحديث الهياكل التنظيمية.

    من جهة أخرى، يمكن القول بأن من دلالات إعادة انتخاب الدكتور سالم المالك مديراً عاماً للإيسيسكو: الاعتراف بالاستقرار المؤسسي والاستمرارية، والموافقة من الدول الأعضاء باستكمال المشاريع الكبرى التي شرعت الإيسيسكو في تنفيذها في الولاية الأولى للمدير العام.

    ويعني ذلك: مواصلة دعم الابتكار والذكاء الاصطناعي في النظم التعليمية لدول العالم الإسلامي، ومواصلة تنفيذ استراتيجية الحفاظ على التراث وتسجيل المواقع التاريخية في العالم الإسلامي على قائمة التراث العالمي، وتعزيز الحضور الدولي والاندماج العالمي، والعناية بقضايا الشباب والنساء، وجعل الاستثمار في الرأسمال البشري هو المحرك الأساسي لبرامج الإيسيسكو.

    تحديات الولاية الثانية:

    من دون شك، سيواجه المدير العام المنتخب تحديات كثيرة، بالنظر إلى التحولات والمستجدات الدولية ذات الصلة بمجالات اختصاصات الإيسيسكو التربوية والعلمية والثقافية، وبضرورة تطوير أساليب التدبير المالي والإداري، وتوفير متطلبات مواكبة متغيرات الحوكمة والشفافية، وتأثير الذكاء الاصطناعي على تدبير الموارد البشرية. بخلاصة، يمكن أن نقول إن شعار المرحلة المقبلة في الإيسيسكو هو: “من إعادة الهيكلة إلى التمكين والاستدامة”.

    لقد كان الدكتور سالم بن محمد المالك واعياً بهذه التحديات، حين قال في كلمته خلال افتتاح أعمال الدورة الأخيرة للمجلس التنفيذي للإيسيسكو: “إن المنظمة ماضية في نهجها التجديدي والتحديثي، بما يجعلها ذات توجه عملي متكامل، ويعزز موقعها ضمن المنظمات الدولية المرموقة”. وأكد أن الإيسيسكو تتطلع في السنوات المقبلة إلى تفاعل استثنائي من الدول الأعضاء، موضحاً أن الدورة المقبلة ستشهد وضع استراتيجية لا تكتفي بالتخطيط المرحلي، بل تستشرف كذلك متطلبات ما بعد عام 2030. وأشار إلى أن الإيسيسكو بادرت إلى إدماج أهداف التنمية المستدامة في صميم استراتيجيتها للفترة 2026-2029، وربطها مباشرة بمنظومة الحوكمة المؤسسية وآليات اتخاذ القرار.

    وبعد انتخابه مديراً عاماً للإيسيسكو، ألقى الدكتور سالم المالك كلمة في جلسة حضرها رئيس جمهورية تاتارستان السيد رستم مينخانون، قال فيها: “نحن اليوم شهود على ميلاد حقبة زمنية جديدة، لا لعلو صوت طبول الحروب والصراعات العالمية التي شغلت الناس، ولكن نعم لعلو صوت التحولات الحضارية البنيوية التي تفتح في كل يوم للدنيا صفحة جديدة من مزيج الدهشة والحيرة والقلق والتلهف والأمنيات”. وأكد أننا اليوم في عالم بات الذكاء الاصطناعي يقلب أفكاره وتصوراته وتوقعاته، وعالم تبدلت خيارات الاستثمار فيه وتحولت أنماط الوظائف والأعمال، بات يشهد صعود قوى جديدة إلى منصة التأثير الدولي بفضل تبنيها نهج الصناعات المؤثرة والقيادة الواعية.

    يُفهم من هذا التصريح أن الإيسيسكو مقبلة على الانتقال من مرحلة “إعادة الهيكلة” التي ميزت الولاية الأولى، إلى مرحلة “التمكين وحصاد النتائج” في الولاية الثانية، لترسيخ مكانتها بيت خبرة رائد في مجالات اختصاصها. كما يُفهم منه أن الإيسيسكو ستواجه تحديات كيفية تحقيق الاستشراف الاستراتيجي لما بعد 2030، خاصة وأن التخطيط لم يعد يقتصر على المدى القريب، وبالتالي أصبح لازماً على الإيسيسكو وضع خطط استباقية لما بعد عام 2030، تضمن جاهزية دول العالم الإسلامي لمواجهة التحولات الكبرى في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. كما سيكون من الضروري تعزيز القدرة على التكيف مع مختلف الأزمات الطارئة من خلال نماذج حوكمة مرنة.

    رهانات استراتيجية:

    سيتعين على الإيسيسكو تطوير أساليب الريادة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من خلال تفعيل الدبلوماسية الرقمية بواسطة تدريب الأطر في الدول الأعضاء على استخدام الأدوات الرقمية في العمل الدولي. كما ستواصل من دون شك الاهتمام بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي من خلال وضع أطر قانونية وأخلاقية تتوافق مع قيم العالم الإسلامي، وتضمن الاستفادة الآمنة من التكنولوجيا. وستكون الإيسيسكو مطالبة بالموازنة بين الهوية والانفتاح بواسطة تربية الأجيال القادمة على الاعتزاز بجذورهم الإسلامية مع تملك أدوات الحوار الواعي مع الثقافات الأخرى. إضافة إلى مواصلة تنفيذ برامج حماية التراث ومواجهة التغير المناخي، وبرامج تمكين الشباب والنساء، وتقليص الفجوة المعرفية. وسيكون على الإيسيسكو الاستمرار في برنامج “الإيسيسكو التي نريد”، والعمل على مواصلة الفوز بالاعتمادات الدولية من خلال الحصول على المزيد من شهادات الجودة العالمية (ISO) في الإدارة والمالية لتعزيز ثقة المانحين والشركاء الدوليين، والانفتاح على القطاع الخاص من خلال تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم المشاريع التربوية والعلمية.

    مما لا شك فيه أن المرحلة القادمة للإيسيسكو هي مرحلة “التمكين والاستدامة”، حيث لن يكون المطلوب منها فقط أن تكون مجرد منظمة تنسيقية، بل “بيت خبرة” عالمي ينتج المعرفة ويقدم حلولاً عملية للتحديات التي تواجه المجتمعات المسلمة في ظل ثورة البيانات والتحولات الجيوسياسية. إن ما يبعث على الثقة والأمل في أن الإيسيسكو بقيادة مديرها العام الدكتور سالم المالك قادرة على كسب الرهان والتغلب على هذه التحديات ومواصلة الانتقال إلى آفاق جديدة، هو في المقام الأول الدعم المالي والمعنوي المتواصل والمنتظم للدول الأعضاء قاطبة، بواسطة الالتزام بسداد المساهمات المالية بانتظام. من شأن ذلك أن يمكن الإيسيسكو من تنفيذ برامجها الطموحة، والمشاركة الفعالة في مؤشر الإيسيسكو للذكاء الاصطناعي لقياس وتقوية جاهزيتها الرقمية، والتعاون في مجال الدبلوماسية الرقمية لتعزيز حضور العالم الإسلامي في المحافل الدولية.

    سيتعين على الإيسيسكو مواصلة جهودها في مجال رقمنة التراث والمخطوطات لحمايتها من الاندثار أو التخريب، وتسجيل المزيد من المواقع التاريخية والعناصر الثقافية على قائمة التراث في العالم الإسلامي، وتعزيز الحوار الحضاري لمكافحة خطاب الكراهية وتقديم الصورة الحقيقية والقيم السمحة للثقافة الإسلامية. إن تظافر جهود الدول الأعضاء مع رؤية الإيسيسكو الجديدة في الفترة القادمة سيسهم بلا شك في بناء مجتمعات معرفية في العالم الإسلامي قادرة على الصمود والازدهار في القرن الحادي والعشرين. تلك الرؤية التي تتمثل في خطة عمل استراتيجية مستشرفة، اعتمدها المؤتمر العام ووافق على تنفيذها خلال الفترة 2026-2029، بل وما بعد سنة 2030.

    وهي خطة أكد الدكتور سالم المالك في كلمته أمام أعضاء المؤتمر العام أنه تم إعدادها وفق آليات الاعتماد الدولي الذي حظيت به في مجال الحوكمة والإبداع، وهي شهادة الإطار ISO/UNDP PAS 53002:2024، لتكون إيسيسكو بذلك من أوائل المنظمات الدولية التي حققت مواءمة مستقلة معه، من خلال مسارات قابلة للقياس والتدقيق، تضمن تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى أثر حقيقي تنموي موثق.

    -الشبكة الدولية للصحافيين العرب والأفارقة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحكومة في قلب مساءلة ثقيلة حول الفساد والحماية الاجتماعية

    0

    وجهت المستشارة البرلمانية لبنى علوي، باسم الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، انتقادات قوية للحكومة خلال مناقشة عرض الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 بمجلس المستشارين، معتبرة أن عددا من الاختلالات التي سبق التنبيه إليها ما تزال قائمة دون معالجة حقيقية.

    وأكدت علوي أن ضعف التفاعل مع توصيات مؤسسات الرقابة، وتعطيل بعض المقتضيات القانونية المرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع، وجمود اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد على مستوى رئاسة الحكومة، كلها مؤشرات تطرح أسئلة جدية حول إرادة تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    وانتقدت المستشارة البرلمانية تراجع اهتمام المواطنين بتقارير المجلس الأعلى للحسابات، بسبب الاكتفاء بنشر خلاصات عامة، دون تمكين الرأي العام من الاطلاع على المعطيات الدقيقة والتقارير الكاملة، داعية إلى تعزيز الشفافية في تدبير نتائج الافتحاص والرقابة.

    وفي ملف الحماية الاجتماعية، اعتبرت علوي أن الحكومة لم تف بعدد من التزاماتها، خاصة ما يتعلق بإخراج “مدخول كرامة” لفائدة المسنين، وتعميم الولوج الفعلي إلى الخدمات الصحية، محذرة من استمرار اختلالات التمويل وتشتت الحكامة بين مختلف المتدخلين.

    وسجلت المتحدثة استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية رغم الوعود الحكومية، منتقدة بطء تنزيل اللاتمركز الإداري وبرامج التنمية الترابية، وضعف استهداف العالم القروي والفئات الهشة.

    كما شملت انتقاداتها ملفات الاستثمار والوظيفة العمومية والمؤسسات والمقاولات العمومية، حيث تحدثت عن تعقيد المساطر وضعف أثر الاستثمار على التشغيل، وبطء إصلاح المؤسسات العمومية، واستمرار الاعتماد الكبير على التمويل العمومي دون نتائج واضحة على التنمية وخلق فرص العمل.

    ونبهت علوي إلى اختلالات المنظومة المعلوماتية داخل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محذرة من ضعف التكامل الرقمي وجودة المعطيات.

    وشددت على أن محاربة الفساد وتسريع الإصلاحات وربط المسؤولية بالمحاسبة لم تعد مجرد شعارات سياسية، بل أصبحت شرطا أساسيا لاستعادة ثقة المغاربة في المؤسسات.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سوريا ما بعد الأسد أمام لحظة الحقيقة في قضية الصحراء

    0

    تستعد الرباط لاستقبال وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني، في زيارة تحمل أبعادا سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، وسط ترقب لإمكانية صدور موقف سوري جديد من قضية الصحراء المغربية، بعد عقود من تموقع دمشق السابقة إلى جانب الجزائر وجبهة “البوليساريو”.

    ومن المرتقب أن يعقد الشيباني مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، لبحث سبل تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي بين البلدين، في سياق إقليمي عرف تحولات كبيرة عقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية سنة 2024.

    وتأتي الزيارة في لحظة تسعى فيها سوريا الجديدة إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية ومراجعة تموقعات ارتبطت بالنظام السابق، خاصة في ما يتعلق بالموقف من الوحدة الترابية للمملكة، بعد سنوات من التقارب السوري مع “البوليساريو” والمحور الجزائري.

    وكانت العلاقات المغربية السورية قد عرفت توترا حادا منذ سنة 2011، عقب دعم المغرب للمعارضة السورية واحتضان مراكش سنة 2012 مؤتمر “أصدقاء الشعب السوري”، الذي شكل محطة دولية بارزة في دعم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

    وامتد الخلاف بين الرباط ودمشق السابقة إلى ملف الصحراء، حيث ظل نظام الأسد منخرطا في مواقف مناوئة للمغرب داخل عدد من المحافل، قبل أن تفتح التحولات الأخيرة الباب أمام قراءة جديدة للعلاقات بين البلدين.

    وتكتسي الزيارة الحالية أهمية خاصة، في ظل تقارير تحدثت عن علاقات سابقة بين “البوليساريو” والنظام السوري السابق، وعن تنسيق محتمل مع أطراف إقليمية مرتبطة بإيران، ما جعل الملف يحظى باهتمام متزايد داخل دوائر دولية، خصوصا في الولايات المتحدة.

    ويرى متتبعون أن أي موقف سوري واضح داعم للوحدة الترابية للمغرب سيشكل تحولا دبلوماسيا بارزا، ورسالة سياسية قوية بشأن نهاية مرحلة طويلة من الاصطفاف السوري مع الجزائر و”البوليساريو”، وبداية صفحة جديدة في علاقات الرباط ودمشق.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نادية تهامي تزلزل قبة البرلمان.. مداخلة نارية تكشف أعطاب تدبير المال العام وتضع الحكومة أمام مساءلة حقيقية

    قراءات برلمانية:

    نادية تهامي تزلزل قبة البرلمان.. مداخلة نارية تكشف أعطاب تدبير المال العام وتضع الحكومة أمام مساءلة حقيقية

    بقلم: عبد الهادي بريويك/ مهتم بالشأن السياسي

    شهدت الجلسة العمومية المنعقدة بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 12 ماي 2026، لحظة سياسية وبرلمانية قوية خلال مداخلة السيدة نادية تهامي، النائبة البرلمانية باسم فريق التقدم والاشتراكية، وذلك في إطار مناقشة عرض السيدة الرئيس الأول لـلمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المجلس برسم سنتي 2024-2025.

    وقد تميزت المداخلة بجرأة سياسية واضحة، وبطرح مسؤول وعميق لقضايا الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دعوة للمراجعة والمناظرة


    سمير عزو

    رغم مُضي واقعة “صلاة باب دكّالة” بمراكش، إلا أنه لا زالت “القَرْبالة” متواصلة، في صفّين: أحدهما يوالي “حفيذ” سعد بن عبادة، والآخر يناهض “الكوفيّين”(من الكوفيّة) الموالين لطروحات “أذْرع إيران”. الكلٌّ يهلّ بهلالِه، تماماً كما قال عبد الله بن العباس بالأمس لمعاوية: “أيُلْزِمُنا من في الشّام أن نصوم معه، ونحن في الحِجاز؟!”

    وبعد إقحام “مَفْتاحة” في الفاتح من ماي هذا العام، وبعد توالي ردود الناس، بخصوص ما شَجَر بين زعيم السّلفيّين و”حفيذ” الصّحابي الأنصاري الخَزْرَجي، بدا واضحاً للعيان مدى الضلّ المُلْقى على عقولنا من طرف الشّرق الشّقيق على كل حال. فهذه “بِنْت الصّالحين” وذاك “وليٌّ من أولياء الله”، ولا ندري غداً لناظِره قريب، ربّما يخرج علينا من يدّعي المَهْدوية، خصوصاً في هذه الأجواء التي لا زال البعض يعتقد أنّ “القرآن نزل على قريش”!

    وكأنّنا للأسف في خضمّ نُسخة جديدة من فيلم “الرّسالة”، بإخراج شَعْبوي باهت وتمويل من العبَث حيناً ومن التّفاهة والتّرف الفكري أحياناً أخرى. لقد طغى السِّباب وتاه الشّباب، وتمادت النُّعوت بعدما فَجَرت الخصومات. صار المرْء لا يُلقي بالا لذاك “البالِسْتي” الذي يُطلقه من منصّات التواصل، كما منصّة الفاتح من ماي، ولا لتلك “المُسيّرات” التي خلَفَت المَسيرات، تجول فوق أسْطح الأعْراض والحُرُمات.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لكنّ اللّوم هنا على كل حال، لا يقع على الأتباع، بقدر ما يقع على أصحاب المنابر والأقلام والمنصّات، أولئك الذين يُحوّرون الأسماء والمسمّيات، الواردة في الآيات المُحْكمات، يقولون: “حزب اللاّت” بدل “حزب الله”، والله يقول: “أولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (سورة المجادلة، 22). وِزْر هذا الخطأ قد يتحمّله ذاك الذي سمّى حزبَه بآيات قرآنية أو جزء منها، وقس على ذلك الذي سمّى فصيلَه بـ”العدل والإحسان”، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (سورة النّحل، 90).

    هذا التّضْمين يُحيلنا إلى الاستعمال الأوّل للدّين من طرف الخوارج، لآية “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ” (سورة يوسف، 40)، إبّان احتجاجهم على التّحكيم الذي هم فرضوه في الأوّل، فكان ذلك من قبيل “الحقّ الذي يُراد به باطل” كما قال الإمام علي بن أبي طالب. رجاءً دعوا القرآن الحكيم في سلام، لأنّه يجمع الجميع.

    في إطار هذه الفوْضى، صار بعض الفقهاء والمشايخ، ينعتون الإيرانيّين بـ”المجوس” ويحكمون على عقيدتهم بـ”الشّرْك”، كأنّما لهم وحدهم مفاتيح الجِنان؛ النّار و”صُكوك الغفران”. لا أدري من أيّ منطلق ينطلقون؟ ولماذا يَقْدحون في القوميّات؟

    فإن كان من جهة العلاقات الدولية، فـ”لا إكراه” قد قُطعت العلاقات، والسّياسة كجوّ الطّقس، ربّما يوماً ما تنْجلي الغيْمات. وإن كان من جهة كبار الأئمّة والمحدّثين، الذين يعتمدهم “أهل السنة والجماعة”، فأكثرهم كانوا فُرْساً من إيران: كالبخاري إمام المحدّثين، ولد في بخارى بأوزبكستان؛ والإمام مسلم صاحب كتاب “صحيح مسلم” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام أبو حنيفة النعمان ولد بالعراق؛ والإمام الترمذي صاحب كتاب “سنن الترمذي” ولد في ترمذ بأفغانستان؛ والإمام النّسائي صاحب كتاب “سنن النسائي” ولد في نسا بتركمانستان على حدود إيران؛ وابن ماجة صاحب كتاب “سنن ابن ماجة” ولد في قزوين بإيران؛ والحاكم النّيسابوري صاحب كتاب “المستدرك على الصحيحين” ولد في نيسابور شرق إيران؛ والإمام السّرَخْسي صاحب الكتاب “المبْسوط” و”الأصول” من سرَخْس في خراسان بتركمانستان؛ والإمام أبو حامد الغزالي صاحب كتاب “إحياء علوم الدين” و”تهافت الفلاسفة” ولد في طوس (مشهد) شرق إيران؛ والإمام أبو المعالي الجُوَيني ولد في جوين شرق إيران؛ والإمام الرّافعي الملقب بـ “شيخ الشافعية” وصاحب “الشرح الكبير” ولد بقزوين في إيران.

    سيبويه نفسه إمام النُّحاة ومؤسّس علم النّحو في اللغة العربية، وصاحب كتاب “الكتاب” ولد في شيراز بإيران؛ والإمام الطبري صاحب كتاب “تفسير الطبري” ولد بإقليم طبرستان شمال إيران؛ والإمام الرّازي صاحب كتاب “التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)” ولد في الرّيّ قرب طهران بإيران؛ والإمام البغوي صاحب كتاب “تفسير البغوي (معالم التنزيل)” ولد في خراسان شرق إيران؛ والجُرْجاني صاحب كتاب “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” ولد في جُرْجان شرق إيران؛ وغير هؤلاء كثير.

    وإن كان من جهة كثرتهم العددية، فالحقّ لا يُعرف بالكثرة، لأنّ الله تعالى مدح الأقلّية وذمّ سبحانه الكثرة (1)، كما أنّ سبب “كثْرتكم” قد يرجع إلى ما يسمّى بـ”الفتوحات”، التي شابتها جرائم مقترفة في حقّ الشّعوب (2)، وما “داعش” إلا نسخة من تلك الهوامش، التي طبعت على مرّ التاريخ جبين الأوائل (3).

    على ذكر هذه “الفتوحات” نتساءل بدورنا عن سبب تغطيتها للسّواحل فقط، ولماذا لم تتوغّل في أدغال إفريقيا مثلاً؟

    علاّل الفاسي نفسه كان يُعاتب هذه “الفتوحات”، يقول: “إنّ مشكلة اللغة العربية ليست اليوم، وإنّما تعود لقرون مضت، حيث أنّ أجدادنا العرب نُؤاخذهم على وقوفهم في فتوحاتهم عند السّهول وتركوا الجبال ولم يقتحموها، فضلّت معاقل للعُجْمَة البربرية، وها هي العربية مهددة اليوم من العُجْمَة الداخلية والخارجية (يقصد الأمازيغية والفرنسية)” (4).

    وإن كان من جهة المنهج الأصحّ في اتّباع روح القرآن الحكيم، فالإيرانيون يُعملون المذهب الجعفري فيعرضون الأحاديث على القرآن، ما وافقه فهو صحيح وما خالفه “فعرْض الحائط أوْلى به” (5).

    وإن كان من ناحية “الإسْتبدال” (6)، فقد اعترف القاصي والدّاني في خضمّ النّقاشات الدائرة “برَدْهات” وسائل التّواصل الاجتماعي، أنّ “الله قد استبدل قوماً بآخرين” إثر قصّة “إسناد فلسطين” (الآية 38 من سورة محمد: “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم”).

    وإن كان من ناحية الفِرْقة الإسلامية الأقرب لروح القرآن، وبالرّجوع إلى صريح القرآن الحكيم، تكونُ “الطّائفة الأقلّ” أي أتباع المذهب الجعفري، هي الأقرب للحَقّ، الذي “لا يكون إلاّ واحداً” (7).

    وإن كان من جهة “الأزْهر الشّريف” ورأيه فيهم، فقد اعترف الشيخ محمود شلْتوت في 1961 بالمذهب الجعفري، وأفتى بجواز “التّعبّد به كمذهب خامس”.

    وإن كان من جهة القِدَم تاريخياً، فتاريخ الوهّابية بدأ مع محمّد بن عبد الوهّاب، أي منذ مائة عام، بينما حضارة من تسمّونهم “مجوس” عمرها 6000 عام. “بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ” (سورة النّساء، 49).

    وبالتالي فإنّ العقلين: العُروبي المتمثّل في القومجيين، و”العقل الفِقْهي” الذي يتحرّك به الإسلامويّون، هما وجهان لعملة واحدة. الوهّابي في سنوات الثمانينات من القرن الماضي، حصر العقل المسلم في بوْتَقة الأصولية، والقومجي بدوره زرع بذور التّباهي بالسّلالة والنّسب والتّعصّب للقوميّة (8).

    وإذا كان العقل الفقهي، قد أفتى بـ “إعدام وإقبار ما شَجَر بين الصحابة”، فإنّ العقل العروبي بدوره، أوصى بـ “إماتة لغات أقوام آخرين”.

    ولذلك وجبت المراجعة، مثلما تراجع كثير من هؤلاء، عن أفكار سالفة عفا الله عنها، وكما دعا الشيخ محمد الفيزازي، صاحبَ قناة “فُلك” “للمُباهلة أو المناظرة أو التّوبة”، ندعوه نحن كمتابعين بدورنا، إلى الاستجابة لطلب مناظرة علماء الشّيعة المسلمين (الجعفرية)، بعدما مضى على دعوته من طرف هؤلاء (المجوس كما يقولون) عقد ونصف من الزّمن، على أن تكون علنيّة “وأن يُحشر الناس ضُحى” (الآية).

    الهوامش

    (1) الحقّ لا يُعرف بالعدد أو بالنّسبة كالأكثرية والقلّة، فقد ذمّ اللهُ تعالى الأكثرية فقال: “وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” (سورة الأنعام، 116)، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (سورة لقمان، 25)، وقال: “وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ” (سورة العنكبوت، 63)، وقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ” (سورة الأنعام، 119).

    في المقابل، مدَح عَزّ وجلّ الأقلّية فقال: “وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” (سورة سبأ، 13)، وقال: “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ” (سورة ص، 24)، وقال: “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ” (سورة غافر، 28)، وقال: “وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” (سورة هود، 40)، وقال: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ” (سورة يونس، 55)، وقال: “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ” (سورة النمل، 73).

    (2) أنظر مقالنا “الأمازيغ أخوال لأئمّة أهل البيت”، جريدة هسبريس، 9 مارس 2025.

    (3) حسن فرحان المالكي، “هاكم أصول الدواعش!”، موقع: حسن بن فرحان المالكي، 25 سبتمبر 2012.

    (4) علال الفاسي، “فعّالية العربية”، مجلّة اللّسان العربي، 1965.

    (5) هذا على اعتبار أنَّ منهجية “عِلم الرِّجال” قد تسقط في الخطأ، ما دام هؤلاء الرّجال غير معصومين، لكن في المقابل تبقى منهجية “العرض على القرآن” محدودة على اعتبار أنّ “القرآن حمّال أوجه” وأنّه، حسب البعض، لم يفصّل كلّ أمور العقائد والعبادات وأحكام الحياة، ودليلهم في ذلك، هو تفصيلُ السنّة النبويّة لعدد ركعات الصلوات وشعائر الحجّ ومقدار الزكاة. لكن هذا القول يتعارض مع قوله تعالى: “مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (سورة الأنعام، 38).

    وحيث أنَّ القرآن الكريم يتضمّن: الصريح والمُشْكَل، الظاهر والباطن، وكذا المنسوخ والمُحْكَم، فإنّنا سيراً على نهج العرض على القرآن، تكون عدة أحاديث من قبيل حديث “سِحْرِ النَّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)” ساقطة.

    (6) أنظر مقالنا “ضجّة الاستدلال على الإستبدال”، جريدة هسبريس، 26 يونيو 2025.

    (7) أنظر مقالنا “المُرافَعَة الكُبْرَى لفائدة الحَقّ ضِدَّ البَاطِل”، جريدة هسبريس، 21 مارس 2024.

    (8) محمد عابد الجابري مثلاً يقول: “إنّ عمليّة التّعريب الشّاملة لا يجب أن تستهدف فقط تصفية اللّغة الفرنسية كلغة حضارة وثقافة وتخاطب وتعامل، بل أيضاً ـ وهذا من الأهمية بمكان ـ العمل على إماتة اللهجات المحلية البربرية منها أو ‘العربية’ الدارجة. ولن يتأتى ذلك إلا بتركيز التعليم وتعميمه إلى أقصى حدّ في المناطق الجبلية والقروية، وتحريم استعمال أية لغة أو لهجة في المدرسة والإذاعة والتلفزة غير العربية الفصحى”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حصاد الترافع عن طنجة بالبرلمان.. تفكيك لدينامية المساءلة ومسارات التفاعل الحكومي

    في مقصورة هادئة بقطار “البراق” المتجه من طنجة إلى الرباط، تتجاور أحاديث مختلفة عن المدينة نفسها، فبينما يتحدث رجل أعمال بحماس عن فرص الاستثمار المتاحة ومشاريع التوسع، ينهمك نائب برلماني، على بعد مقاعد قليلة، في تقليب وثائق تتضمن شكاوى وأسئلة حول أزمات مرتبطة بالماء، الصحة، والنقل. لا شيء يوحي بوجود تناقض مباشر، فقط زاويتان مختلفتان لمدينة تتحرك بسرعة.

    رحلة لا تتجاوز ساعة ونصف، لكنها تختصر نقاشا أوسع حول طنجة، بين واجهتها اللامعة كمركز اقتصادي صاعد، وكواليسها المثقلة بانشغالات يومية تمس جودة العيش والخدمات الأساسية.

    هذه الانشغالات لا تبقى في حدود الأحاديث العابرة، بل تجد طريقها إلى مؤسسة البرلمان عبر آلية الأسئلة الكتابية، التي يوجهها النواب إلى مختلف القطاعات الحكومية. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأسئلة إلى أرشيف هام ومادة قابلة للقراءة والتحليل، ليس فقط من حيث مضامينها، بل أيضا من حيث حجمها وتوزيعها والجهات التي تقف وراءها.

    في هذا الإطار، تضم قاعدة البيانات التي قمنا في “طنجة 24” بتجميعها وتحليلها 472 سؤالا كتابيا، وردت في متونها إحالة صريحة ومباشرة على “مدينة طنجة”، أو “عمالة طنجة-أصيلة”، أو “جهة طنجة-تطوان-الحسيمة”، وذلك على امتداد الولاية التشريعية الحالية. ورغم أن هذا الأرشيف المكتوب لا يغطي مجمل الدينامية البرلمانية التي تتوزع أيضا على الجلسات الشفوية وأشغال اللجان، إلا أنه يوفر مسحا شاملا لآلية المساءلة الكتابية؛ مما يجعله مؤشرا دقيقا لرصد أولويات الترافع عن طنجة، استنادا إلى لغة الوثيقة الرسمية.

    وتفتح هذه المعطيات الباب أمام قراءة تحليلية متأنية لملامح هذا الترافع البرلماني. قراءة تنطلق أولا من استكشاف خريطة المواضيع المثارة عبر تتبع التوزيع القطاعي للأسئلة، لتحديد الوزارات الأكثر استهدافا بالمساءلة. وهو مسار يقودنا تباعا إلى تسليط الضوء على هوية الفاعلين السياسيين الذين يتصدرون واجهة هذا الترافع، قبل التوقف عند محطة حاسمة تتمثل في قياس مستوى التفاعل الحكومي؛ وذلك لرصد مدى التزام القطاعات المعنية بالرد ضمن الآجال القانونية، ومعرفة ما إذا كانت قضايا سكان طنجة تجد طريقها للحل، أم تظل معلقة في رفوف الانتظار.

    خريطة أولويات المدينة

    لم يكن مفاجئا أن تتصدر وزارة الداخلية واجهة المساءلة البرلمانية بـ 61 سؤالا، فمعظم القضايا الحساسة في طنجة تتقاطع مباشرة مع اختصاصات “أم الوزارات”. وبالغوص في تفاصيل هذه الأسئلة، نجدها تلامس مباشرة مكامن الخلل في التسيير المحلي للمدينة؛ بدءا من مساءلة الحكامة والشفافية عبر إثارة “شبهة تضارب المصالح” في منح دعم مالي لجمعية يرأسها عمدة المدينة، وصولا إلى التدخل لضمان الأمن العقاري للمواطنين في ملفات شائكة كقضية “14 هكتارا بحي بنكيران” (حومة الشوك). كما برزت التوترات بين التوسع العمراني والبيئة بقوة من خلال التساؤل عن مبررات الترخيص لمشروع سكني فاخر على حساب مساحة “غابة مديونة”.

    ولم تغب الأزمات اليومية الخانقة عن هذه المساءلة، حيث وثقت الأسئلة الإهمال الذي تعانيه المرافق الجماعية، وهو ما فضحته الحرائق المتتالية في “سوق بني مكادة” و”قيسارية الأزهر”، مع المطالبة بتعويض التجار المتضررين وفرض شروط السلامة. المشهد ذاته تكرر في قطاع التنقل، حيث استأثرت أزمة النقل العمومي الحضري بنصيب وافر من اهتمام النواب، سواء من حيث الفوضى التي تسببها في أوقات الذروة، أو غياب حافلات ولوجة للأشخاص في وضعية إعاقة. وامتدت اللائحة لتشمل قضايا الأمن والنظام العام، كالمطالبة بـتجويد المرفق الشرطي وإيجاد مقاربة لوضعية المهاجرين بمواقف السيارات.

    وإلى جانب القضايا التدبيرية، فرضت أعطاب البنية التحتية والخدمات الأساسية نفسها بقوة في أجندة المساءلة ؛ وهو ما تظهره حصيلة قطاع “التجهيز والماء” الذي حل ثانيا بـ 49 سؤالا، نقل عبرها النواب أزمات قروية خانقة، في مقدمتها الانقطاع التام للماء الصالح للشرب بعدة جماعات تابعة لعمالة طنجة-أصيلة كجماعة “المنزلة”، إلى جانب التنبيه المتكرر لـتضرر وانهيار أجزاء من الشبكة الطرقية جراء التساقطات، والوضعية المتردية لبعض محاور الطريق السيار.

    وبفارق سؤال واحد، يحل قطاع “الصحة والحماية الاجتماعية” ثالثا بـ 48 سؤالا. وهنا، لم تقتصر المساءلة على رصد أعطاب البنية التحتية وغياب أجهزة الفحص كالرنين المغناطيسي، بل لامست وقائع صادمة؛ حيث وثقت السجلات البرلمانية مطالبات مستعجلة بكشف ملابسات وفاة ثلاثة نزلاء واندلاع حريق بمستشفى “الرازي”، فضلا عن التحذير من الخطورة البالغة لـنفاد مخزون أدوية حيوية، كدواء داء “السل”، من مستوصفات المدينة.

    وتكتمل صورة هذه الأولويات بقطاع “الفلاحة والصيد البحري” الذي تلقى 41 سؤالا، تصدرتها الكارثة البيئية والاجتماعية لـحرائق الغابات، مع تساؤلات عن أسباب استثناء طنجة من خطة الدعم الموجهة للساكنة المتضررة، ناهيك عن إطلاق صفارات الإنذار لوقف زحف أشغال البناء على حساب المجال الغابوي بـ”الرميلات”. ويمتد حبل المساءلة ليشمل قطاعات أخرى بوتيرة أقل، منها النقل واللوجيستيك بـ 34 سؤالا، والتربية الوطنية بـ 31 سؤالا، بالإضافة إلى ملفات الإدماج الاقتصادي، والتعليم العالي، والسياحة، والشباب والثقافة، التي توزعت بينها باقي الأسئلة بنسب متفاوتة.

    مسار المساءلة

    باستثناء البداية الهادئة أواخر عام 2021 التي لم تتجاوز 20 سؤالا – وهو أمر طبيعي بحكم انطلاق الولاية التشريعية في أكتوبر من نفس العام – لم يحتج الترافع عن طنجة وقتا طويلا ليأخذ إيقاعه السريع؛ ففي غضون عام واحد، قفز العداد إلى 80 سؤالا خلال 2022، قبل أن يستقر فوق حاجز المائة لثلاث سنوات متتالية (113 في 2023، 111 في 2024، و116 في 2025 كأعلى ذروة)، في حين واصل هذا النسق تسجيل 32 سؤالا حتى شهر أبريل من العام الجاري (2026) .

    وعلى المستوى الجغرافي، تركزت أكثر من نصف الأسئلة (265 سؤالا) في الشأن “المحلي” الصرف، لتشمل تفاصيل الأحياء والمقاطعات والمشاريع داخل تراب العمالة. تلاه الإطار “الجهوي” بـ 190 سؤالا تناولت تدبير الموارد والمشاريع المشتركة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.

    في المقابل، اقتصرت القضايا ذات الصبغة “الوطنية” على 17 سؤالا فقط، شملت مساءلة الحكومة عن الربط الطرقي الكبير (كالحالة المقلقة للطريق السيار نحو الرباط والقنيطرة، وربط فاس بطنجة، وتثنية الطريق الساحلي نحو السعيدية)، وحركية النقل الوطني (كالرفع من رحلات “البراق” وتوفير الإنترنت على متنه، أو فتح خط جوي نحو مطار مولاي علي الشريف)، إلى جانب ملفات التوجيه الجامعي المتقاطعة مع مدن أخرى كإلحاق طلبة الصيدلة من الناظور ومقارنة رسوم الماستر مع مكناس.

    أما بالنسبة للتموقع السياسي للفرق البرلمانية، فقد تصدرت مكونات المعارضة حجم هذه المساءلة بتوجيهها لـ 281 سؤالا، وهو ما يمثل 60 في المائة من إجمالي الأسئلة المطروحة، في حين بلغت حصة فرق الأغلبية 191 سؤالا، لتشكل النسبة المتبقية البالغة 40 في المائة من هذه الحصيلة الرقابية.

    بورصة الأداء الحزبي والفردي

    وفي تفاصيل الفاعلين السياسيين الذين قادوا هذه الدينامية الرقابية، تبرز صدارة واضحة للفريق الاشتراكي المنتمي للمعارضة، الذي سجل وحده 144 سؤالا، محتفظا بفارق شاسع عن أقرب منافسيه، ليحل بعده في المرتبة الثانية، وبحصيلة متطابقة بلغت 74 سؤالا، كل من فريق الأصالة والمعاصرة (الأغلبية) والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية (المعارضة)، تلاهما الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بـ 70 سؤالا.

    وتوزعت باقي الحصيلة بشكل متفاوت، حيث وجه الفريق الحركي 50 سؤالا، متبوعا بفريق التجمع الوطني للأحرار بـ 46 سؤالا، في المقابل، اكتفت باقي المكونات بحضور محدود لم يتجاوز 5 أسئلة لكل من الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي وفريق التقدم والاشتراكية، وأربعة أسئلة لفيدرالية اليسار الديمقراطي.

    وعلى مستوى الأداء الفردي للنواب، كشفت لغة الأرقام عن تركز ملحوظ لأسئلة طنجة في رصيد أسماء محددة، حيث تصدر النائب عبد القادر الطاهر (الاتحاد الاشتراكي) المشهد بفارق كبير جدا بتوجيهه 106 أسئلة بمفرده، مفسرا بذلك الحصة المرتفعة التي نالها فريقه النيابي. وجاءت النائبة سلوى البردعي (العدالة والتنمية) في المرتبة الثانية بحصيلة بلغت 61 سؤالا، متبوعة بالنائب إدريس السنتيسي (الحركة الشعبية) بـ 45 سؤالا.

    وإلى جانب هذا الثلاثي المتصدر، ضمت قائمة النواب الأكثر نشاطا كلا من عادل الدفوف (29 سؤالا)، ومنصف الطوب (26 سؤالا)، ومليكة لحيان (24 سؤالا)، وقلوب فيطح (19 سؤالا)، والحسين بن الطيب (18 سؤالا)، في حين توزعت عشرات الأسئلة المتبقية بين برلمانيين آخرين تراوحت مساهماتهم بين سؤال واحد و14 سؤالا.

    حصاد الأجوبة الوزارية

    وإذا كانت الأرقام السابقة ترسم خريطة المساءلة، فإن الشق الأهم في هذه الدينامية لا يكمن في طرح الأسئلة، بل في الجواب الحكومي عليها. وفي اختبار التجاوب هذا، تفاعلت السلطة التنفيذية مع ثلثي الأسئلة المطروحة تقريبا؛ حيث تشير لغة البيانات إلى أنه من أصل الحصيلة الإجمالية البالغة 472 سؤالا، تلقت المؤسسة التشريعية 318 إجابة، لتبلغ نسبة التفاعل 67.4 في المائة، بينما بقي 154 سؤال (32.6 في المائة) خارج دائرة الرد.

    window.addEventListener(‘message’, function(e) {
    if (e.data && e.data.iframeHeight) {
    var frame = document.getElementById(‘kpi-frame’);
    if (frame) frame.style.height = (e.data.iframeHeight + 5) + ‘px’;
    }
    });

    وإذا كانت نسبة الاستجابة تبدو إيجابية من حيث العدد، فإن “الزمن الإداري” لهذه الردود يصطدم صراحة بمنطوق الفصل 100 من الدستور، الذي يلزم الحكومة بالإدلاء بجوابها “خلال العشرين يوما الموالية لإحالتها عليها”. ففي مواجهة هذا الأجل الدستوري الصارم، سجل التعاطي الحكومي متوسط وقت رد بلغ 137 يوما، مع وسيط زمني في حدود 92 يوما، ليصل أقصى تأخير مسجل إلى 849 يوما. وتبرز في هذا الرقم الأخير مفارقة لافتة؛ إذ إن السؤال الذي استغرق أطول مدة للإجابة عنه، كان موجها للوزارة المكلفة بـ”إصلاح الإدارة”، ويطالب في جوهره بـ”تسريع وتبسيط المساطر الإدارية” بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.”

    وبالغوص في تفاصيل الآجال الزمنية للأسئلة المجاب عنها، يتبين أن 16 سؤالا فقط حظيت بردود سريعة تقل عن 30 يوما، وهي العينة الوحيدة التي لامست روح الأجل الدستوري. في حين تطلب الرد على 79 سؤالا مدة تتراوح بين 31 و60 يوما، و63 سؤالا بين 61 و90 يوما. أما الشريحة الأكبر من الإجابات، فقد استغرقت بين ثلاثة وستة أشهر (86 سؤالا أجيب عنها بين 91 و180 يوما)، بينما انتظرت 51 سؤالا مدة تتراوح بين نصف سنة وسنة كاملة (181 – 365 يوما)، وتجاوزت 23 سؤالا حاجز السنة قبل أن تتلقى أي رد حكومي.

    وفي تعاملها مع مصدر هذه الأسئلة، تظهر البيانات تجردا حكوميا من أي تفضيل سياسي لصالح أغلبيتها، فقد بلغت نسبة التفاعل مع أسئلة المعارضة 68 في المائة (بإجابتها عن 191 سؤالا من أصل 281)، وهي نسبة تكاد تتطابق مع معدل تفاعلها مع أسئلة فرق الأغلبية الذي بلغ 66 في المائة (بالرد على 127 سؤالا من أصل 191).

    أما على مستوى الخريطة القطاعية، فقد تباينت نسبة الاستجابة بشكل لافت، حيث تصدرت وزارتا ” وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني ” و”العدل” المشهد بتحقيقهما للعلامة الكاملة (100 في المائة) بعد إجابتهما عن كافة الأسئلة الموجهة إليهما (21 و18 سؤالا على التوالي). وضمن لائحة القطاعات الأكثر تفاعلا، جاءت وزارة الداخلية بنسبة 82 في المائة (أجابت عن 50 من أصل 61 سؤالا)، متبوعة بوزارة الاقتصاد والمالية (79 في المائة)، ثم قطاعات النقل واللوجيستيك (74 في المائة)، والشباب والثقافة (74 في المائة)، والتضامن والإدماج (73 في المائة)، والفلاحة والصيد البحري (71 في المائة).

    وفي المقابل، سجلت وزارتا التجهيز والماء والتربية الوطنية والرياضة نسبة استجابة متوسطة بلغت 65 في المائة، تلتهما وزارتا الصحة والحماية الاجتماعية والصناعة والتجارة بـ 54 في المائة. بينما تقاسمت وزارتا الإدماج الاقتصادي وإعداد التراب الوطني عتبة الـ 50 في المائة، لتتذيل الترتيب قطاعات التعليم العالي (45 في المائة)، والانتقال الطاقي التي سجلت أضعف نسبة تفاعل بـ 44 في المائة مكتفية بالرد على 8 أسئلة فقط من أصل 18 سؤالا.

    في المحصلة، تشكل قاعدة البيانات هذه، بما تتضمنه من مئات الأسئلة ومآلاتها، أرشيفا تشريعيا يوثق لنبض مدينة طنجة تحت قبة البرلمان خلال هذه الولاية التشريعية. وبصرف النظر عن طبيعة الحلول التي تقدمها الردود الحكومية أو مدى انعكاسها المباشر على أرض الواقع، فإن لغة الأرقام والبيانات تضع بين يدي الرأي العام والمهتمين بالشأن المحلي وثيقة مرجعية دقيقة؛ وثيقة ترسم خريطة الانشغالات، وتحدد هويات الفاعلين السياسيين في إثارتها، وتضع الإيقاع الإداري للتفاعل معها في ميزان التوثيق، لتظل آلية الأسئلة الكتابية مرآة رقمية تعكس جزءا مهما من مسار الترافع عن قضايا عاصمة البوغاز.

    تستند جميع الأرقام والإحصائيات الواردة في هذا التقرير إلى قاعدة بيانات محينة إلى حدود 26 أبريل 2026، تم تجميعها وتصنيفها بالاعتماد حصريا على السجلات والوثائق الرسمية المنشورة عبر البوابة الإلكترونية لمجلس النواب

    ظهرت المقالة حصاد الترافع عن طنجة بالبرلمان.. تفكيك لدينامية المساءلة ومسارات التفاعل الحكومي أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وزارة التربية الوطنية تكشف نتائج ترقية الأساتذة برسم 2024 ـ رابط النتائج

    أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة اليوم الاثنين 11 ماي الجاري، عن صدور نتائج الترقية الخاصة بعدد من أطر التدريس بمختلف الأسلاك التعليمية برسم سنة 2024، في خطوة ينتظرها آلاف الأساتذة عبر مختلف جهات المملكة.

    وشملت النتائج المعلن عنها ترقية أساتذة التعليم الابتدائي من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى، إضافة إلى الترقية من الدرجة الأولى إلى الدرجة الممتازة، إلى جانب الإعلان عن نتائج ترقية أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي في الدرجتين نفسيهما.

    وأكدت الوزارة أن المعنيين بالأمر يمكنهم الاطلاع على النتائج الرسمية والتفاصيل…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • سعد المجرد يمثل أمام القضاء الفرنسي في قضية لورا بريول

    الخط : A- A+

    يمثل المغني المغربي سعد لمجرد، اعتبارا من اليوم الاثنين 11 ماي الجاري، أمام محكمة الجنايات في دراغينيان بجنوب شرق فرنسا، في قضية تتعلق بتهمة اغتصاب تعود وقائعها إلى عام 2018.

    ومن المتوقع صدور الحكم في هذا الملف يوم الجمعة المقبل، علما أن لمجرد يتابع في حالة سراح، وقد قررت المحكمة أن تكون الجلسات مغلقة بناءا على طلب المدعية.

    وتعود تفاصيل القضية إلى التاريخ المذكور، حين كانت المدعية تعمل نادلة والتقت بسعد لمجرد في ملهى ليلي، حيث صرحت بأنها رافقته لتناول مشروب في الفندق الذي يقيم فيه، لتتهمه لاحقا بوقوع حادثة اغتصاب داخل غرفته.

    وفي المقابل، ينفي لمجرد هذه التهمة متمسكا بأن العلاقة كانت برضى الطرفين، في حين أفادت صديقة المدعية بأنها وجدت الأخيرة في حالة صدمة وبشفتين متورمتين ونظرات شاردة عقب الحادثة.

    ويأتي هذا المثول الجديد في وقت حسم فيه القضاء بباريس ملفا مرتبطا، حيث أدان خمسة أشخاص من محيط لورا بريول، بينهم والدتها ومحامية ومؤثرة، بأحكام حبسية موقوفة التنفيذ لثبوت تورطهم في الضغط المالي على لمجرد خلال عامي 2024 و2025 مقابل التنازل عن شكايتها، في حين تمت تبرئة بريول من تهمة الابتزاز، وهو الملف الذي كان قد تسبب سابقا في إرجاء جلسة استئناف الحكم الصادر بحق الفنان.

    إقرأ الخبر من مصدره