Étiquette : 32

  • وزير الصحة: ميزانية القطاع تتضاعف وتغطية صحية شاملة لجميع المغاربة في أفق 2026

    أكد أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أن الإصلاحات التي يشهدها قطاع الصحة في المرحلة الحالية تمثل تحولا جذريا وغير مسبوق في تاريخ المؤسسات ببلادنا، مشيرا إلى أن هذا العمل التأسيسي يجسد الرؤية الملكية السامية لبناء دولة اجتماعية تحفظ حقوق وكرامة المواطنين. وأوضح الوزير، في معرض مداخلته بالصخيرات، أن الحكومة جعلت من القطاع الاجتماعي أولوية قصوى، مما مكن من إرساء دعائم السيادة الصحية الوطنية وضمان الولوج العادل للعلاج لجميع الفئات، مشيدا بالدور المحوري لمهنيي الصحة الذين ظلوا دائما في الصفوف الأمامية لخدمة الوطن.

    وعلى مستوى الحصيلة الرقمية والتشريعية، كشف التهراوي أن الإصلاح انطلق بورش قانوني كثيف أثمر إصدار أربعمئة وسبعة وتسعين نصا تشريعيا وتنظيميا، شملت 17 قانونا و5 مراسيم، مما سمح بإحداث هياكل جديدة كالهيئة العليا للصحة ووكالات الأدوية والدم والمجموعات الصحية الترابية. وأبرز الوزير أن المغرب حقق تعميما تاريخيا للحماية الاجتماعية، حيث بلغت نسبة التغطية الصحية مئة في المئة من الساكنة سنة 2025، وهو ما يمثل أزيد من 32 مليون مستفيد، بمن فيهم 11,3 مليون مواطن في إطار نظام “أمو تضامن” الذي تتحمل الدولة تكاليفه بالكامل.

    وفيما يخص الموارد المالية والبنيات التحتية، أوضح الوزير، خلال كلمة بأشغال ملتقى منظمة مهنيي الصحة التجمعيين في الصخيرات، اليوم السبت، أن ميزانية قطاع الصحة شهدت قفزة نوعية بزيادة فاقت 115 في المئة، حيث انتقلت من عشرين مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 42 مليار درهم في أفق سنة 2026. وقد مكنت هذه الاعتمادات من رفع الطاقة السريرية بنسبة 15 في المئة، وافتتاح مستشفيات جامعية كبرى بطنجة وأكادير، مع مواصلة الأشغال في مراكز الرباط والعيون والراشدية وبني ملال، بالإضافة إلى إعادة تأهيل 1400 مركز صحي أولي بمعايير حديثة، يتواجد 70 في المئة منها في المناطق القروية والنائية.

    أما بخصوص الموارد البشرية والرقمنة، فقد أكد التهراوي أن الوزارة تعمل على استراتيجية متكاملة تشمل التكوين والتحفيز، حيث تم إحداث كليات جديدة للطب والصيدلة بكل من العيون وبني ملال والداخلة وكلميم، ليصل العدد الإجمالي إلى تسع كليات وطنية. وأشار إلى أن عدد المهنيين انتقل من 45 ألفا إلى تسعة وخمسين ألفا، مع إقرار زيادات مهمة في الأجور تراوحت بين ألفين و7 آلاف درهم. وبالتوازي مع ذلك، قطعت الوزارة أشواطا كبيرة في رقمنة المنظومة وتوحيد الأنظمة المعلوماتية لتدبير الملف الطبي المشترك، مما سيضمن نجاعة أكبر في تتبع مسار علاج المواطنين وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

    ومن جهة أخرى، أكد رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، أن اختيار قطاع الصحة كأولى محطات “مسار المستقبل” كان قرارا مسؤولا لكونه ركيزة الدولة الاجتماعية، مشددا على أن الحزب لا يبيع الأوهام بل يقدم حلولا واقعية منبثقة من الإنصات للمهنيين. وفي ذات السياق، اعتبرت نبيلة الرميلي وعثمان الهرموشي أن نجاح هذا الإصلاح يمر عبر إشراك أهل الميدان ومصالحة الأطر الصحية مع العمل السياسي، مؤكدين أن منظمة مهنيي الصحة ستظل قوة اقتراحية تساهم في صياغة السياسات العمومية، لضمان استمرارية هذا المسار التنموي الذي يضع رضا المواطن المغربي كهدف أسمى ووحيد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير: استمرار الحرب في إيران و”الفراقشية” يهددان برفع أسعار أضاحي العيد

    هبة بريس – لبنى أبروك

    شهران ونصف قبل عيد الأضحى، بدأت تتداول في الأسواق أخبار تفيد بإمكانية ارتفاع أسعار الأضاحي هذه السنة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أسعار الأعلاف وسلاسل التوريد العالمية.

    وفي هذا السياق، أكد الخبير في الاقتصاد الاجتماعي عبد العزيز الرماني في تصريح لـ”هبة بريس” أن المنطق العددي يشير إلى أن الأسعار ينبغي أن تكون مناسبة وفي متناول المواطنين، بالنظر إلى أن القطيع الوطني من الأغنام تجاوز عتبة 32 مليون رأس، وهو رقم يفترض أن يضمن وفرة في العرض خلال الموسم.

    وأضاف الرماني أن “المنطق الطبيعي” يدعم بدوره هذا التوجه، خاصة بعد التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها عدة مناطق خلال الموسم الفلاحي الحالي، وهو ما ساهم في توفير المراعي والكلأ للماشية وخفف من كلفة تغذيتها لدى المربين.

    ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يضيف الرماني، تبقى قراءة السوق مختلفة في كثير من الأحيان عن المعطيات النظرية، إذ أن الأسعار قد تتأثر بعوامل أخرى، من بينها المضاربة ودور الوسطاء والسماسرة وما يعرف بـ“الفراقشية”، إضافة إلى بعض الممارسات غير المنظمة داخل الأسواق، وهي عوامل قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع وتجعل الأضاحي بعيدة عن قدرة المواطن البسيط.

    كما تلقي الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها على مختلف القطاعات، في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، خصوصا مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتأثر حركة الملاحة التجارية والنفطية، إلى جانب تراجع إنتاج الغاز في قطر وتقليص الإنتاج النفطي في بعض دول الخليج، هذه التحولات ، يضيف ذات المتحدث، تنعكس بشكل مباشر على تكاليف الشحن والنقل، وهو ما قد يساهم في ارتفاع أسعار الأعلاف وكلفة المعيشة عموما.

    وبناء على هذه المعطيات، يرجح الرماني، أن تكون أسعار الأضاحي هذه السنة في حدود أسعار السنة الماضية على الأقل، مع احتمال ارتفاعها في حال استمرار الحرب لفترة أطول أو تفاقم المضاربات والاحتكار داخل الأسواق، لافتا إلى ضرورة إحداث آلية يقظة أو لجنة مختصة لمراقبة الأسعار والتدخل عند الضرورة لضمان استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد استفحال الظاهرة.. مقترح قانون في الجزائر لسجن كل شخص رمى والديه المسنين في الشارع

    شهد البرلمان الجزائري خلال الأيام الأخيرة طرح عدد من المبادرات التشريعية ذات الطابع الاجتماعي والأخلاقي، تروم مواجهة بعض الظواهر المجتمعية المتنامية وحماية الفئات الهشة، وعلى رأسها كبار السن والأطفال؛ حيث تأتي هذه المقترحات في سياق نقاش متزايد حول آثار التحولات الرقمية والاجتماعية داخل المجتمع الجزائري، وما تفرضه من تحديات تتطلب أطرا قانونية جديدة لضبطها.

    وفي هذا السياق، تقدمت عضوة المجلس الشعبي الوطني اليازيدي ليلى بمقترح قانون يقضي بتعديل النصوص المتعلقة بحماية الأشخاص المسنين، بهدف تجريم تخلي الأبناء عن آبائهم المسنين وإيداعهم في دور الرعاية دون تحمل مسؤولية التكفل بهم؛ حيث ووفق ما أوردته صحيفة “القدس العربي”، فإن المقترح يسعى إلى سد ما وصفته النائبة بـ“الفراغ القانوني”، خاصة وأن القانون الحالي لا يتضمن نصوصا صريحة تعاقب على هذا السلوك ما دام المسن غير معرض لخطر مباشر.

    ويقترح النص استحداث مادة قانونية جديدة تحت رقم “32 مكرر”، تنص على معاقبة كل من يخل بواجب رعاية أحد أصوله المسنين بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين خمسين ألفا وثلاثمائة ألف دينار جزائري، مع إسقاط المتابعة القضائية في حال عودة المسن إلى الرعاية الأسرية داخل محيطه العائلي.

    وبالتوازي مع ذلك، طرح نواب آخرون مقترحات قوانين إضافية، من بينها مشروع لتنظيم استخدام الهواتف الذكية لدى الأطفال دون سن السادسة عشرة، يقضي بمنع الاستعمال الشخصي الدائم لها مع السماح باستخدامها لأغراض تعليمية وتحت إشراف الأولياء، إلى جانب مقترح آخر يهدف إلى حجب المواقع ذات المحتوى الإباحي داخل الجزائر وإلزام مزودي خدمة الإنترنت بتنفيذ قرارات الحجب، في إطار مساع لتعزيز حماية الأطفال والحفاظ على القيم الاجتماعية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحرس المدني يوقف مغربيا احتجز زوجته ومنعها من تعلم اللغة الإسبانية

    أوقفت مصالح الحرس المدني الإسباني مهاجرا مغربيا يبلغ من العمر 32 سنة بإقليم زامورا شمال غرب إسبانيا، وذلك للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالعنف الأسري واحتجاز زوجته البالغة من العمر 25 سنة داخل المنزل لأسابيع. ووجهت إليه تهم متعددة من بينها الاحتجاز غير القانوني والتهديد والإكراه، إضافة إلى سوء المعاملة الجسدية والنفسية.

    وتفجرت القضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، بعد توصل السلطات الأمنية بإشعار يفيد بوجود امرأة في وضعية خطيرة داخل مسكنها بمنطقة “لا غواريينا”، حيث تمكنت الضحية بصعوبة من الاتصال بخدمات الطوارئ عبر وسيط، بسبب عدم إتقانها اللغة…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الولاية المشتركة ضرورة لا مغالبة

    إن الاجتهاد المستبصر لازال مطلوبا على مستوى مجموعة من القوانين ببلادنا، ومن بينها نجد موضوع الولاية القانونية الذي تنص عليه مدونة الأسرة بالمواد:230-231، والذي يجعل من الولاية مسألة حصرية للأب، ونقاش الموضوع في رأيي لن يسير في اتجاه إقصاء وجود الأب وأهميته البالغة داخل الأسرة، كما أنه لن يتوافق والتصورات الداعية لخلق نموذج أسري أميسي أو ما شابه، لكنه بالمقابل سيتجه نحو تطوير التشريعات والقضاء الأسري، وترسيخ بصمته الاجتماعية ومواكبتها للتغيرات والمستجدات، والعمل على تعديل المواد بما ينأى عن تعقيد الحياة مهما كانت الأوضاع وطبيعة العلاقات.

    ففلسفة الأسرة تقوم على ذلك التوازن القائم بين الأب والأم، وتكامل الأدوار والوظائف بينهما لضمان نوع من الاستقرار، والولاية القانونية هدفها الأساس هو حفظ مصلحة الأبناء وتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، وهو ما يحيلنا على القوامة كصفة لصيقة بالأب داخل كنف الأسرة وأثناء قيام العلاقة الزوجية ، لكننا عندما نتحدث عن انحلال ميثاق الزوجية، فنحن نتحدث عن طرفين استقل كل منهما بأسرته وحياته، ما يجمعهما هو الأبناء إن وجدوا، وبالتالي وجب العمل على أداء وظائفهما تجاههم بنفس الدرجة، بما يضمن تنشئة وظروف سليمة للمحضون، فتدبير الحياة والأبناء سواء داخل العلاقة الزوجية أو بعد انحلالها، يجب أن يتسم بالإنصاف أكثر، دون ترسيخ لمبدأ الدونية في حق المرأة، وسلبها الحق في المشاركة الفعالة في تربية الأبناء وإدارة شؤونهم، وتصويرها على أنها غير قادرة على اتخاذ القرارات.

    في شق آخر نجد أن الأم تتحمل مسؤولية جانب كبير من التربية والرعاية، والإعداد والاهتمام وهذا يسري مع طبيعة دورها ووظيفتها الاجتماعية، ما يمنحها هالة من التقدير والامتنان لدورها، فلطالما تم تلقيننا أن الأم مدرسة… وأن المرأة نصف المجتمع… فكيف لنصف المجتمع ألا يملك الحق في إجراء إداري يخص أبناءه ومصلحتهم؟

    ومن المفارقات أيضا نجد أن القانون يمنح الأفضلية للأم بالدرجة الأولى في موضوع الحضانة، لكن في نفس الوقت ينزع منها أحقية الولاية القانونية المشتركة، فكيف للحاضن ألا يقضي مآرب أبنائه؟

    هذه المقارنات لا ينبغي أن يفهم منها أنها من باب الندية، أو الصراع العقيم المفتعل بين الرجل والمرأة، بل يجب أن نطل من خلالها على حجم الإشكالات الواقعية، التي أدت إلى طرح هذا الموضوع وإثارته، وأبرزها عدم قدرة الأم على تنقيل الأبناء من المدرسة، وعدم التمكن من إنجاز الوثائق الإدارية الخاصة بهم مثل البطاقة الوطنية، وفتح الحسابات البنكية لهم أو السفر بالمحضون…

    هي مسائل عادية لكن قانونيا لا يمكنها الإقدام عليها بمفردها وبسلاسة، دون اللجوء إلى مجموعة من الإجراءات القانونية، بل حتى أنه في بعض الحالات يغيب أو ينعدم الدور الأصيل للأب تجاه أبناءه، من مسؤوليات والتزامات مادية ومعنوية، لكن لا تغيب أفضليته القانونية عند أي خطوة تخصهم كبيرة أو صغيرة.

    فمن غير المعقول أن تضطر الأم لمكابدة العناء، والتنقل بين أروقة الإدارات من أجل قضاء مصلحة إدارية لأبنائها، فالأصل في الموضوع هو تيسير الحياة لا تعقيدها، خصوصا في الوقت الذي يجب إمدادها بسبل التخفيف من حدة المسؤوليات الملقاة عليها بعد الطلاق، وتعبيد الطرق أمامها شريطة ألا يضر هذا التيسير بحقوق الأب، بصفته وليا أيضا وشريكا في التربية والرعاية.

    ولعل الممارسين في مجموعة من الإدارات العمومية، يعون جيدا العراقيل المطروحة على أرض الواقع، خصوصا قبل امتحانات الباكالوريا أو في فترة الدخول المدرسي الخ.

    مما يحتم على الأمهات اللجوء إلى المحاكم، ونذكر هنا القضاء الاستعجالي ومساهمته في البث في مجموعة من القضايا، من بينها طلبات تدخل في مجال القضاء الأسري كالسفر بالمحضون خارج البلد وغيرها، بالإضافة إلى اجتهادات النيابة العامة خصوصا فيما يتعلق بالانتقالات المدرسية، ويأتي ذلك استنادا لمبدأ الحفاظ على المصلحة الفضلى للطفل، وتماشيا مع مقتضيات مدونة الأسرة كالمادة 54 والدستور المغربي في مادته 19 الذي يقر بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، وحق التمدرس في الذي تنص عليه الفصول 31 و32، وهو ما تكفله أيضا المواثيق والاتفاقيات الدولية.

    فالعلاقات الزوجية في مجتمعنا، غالبا ما تنتهي بالرغبة في الانتقام والتضييق والشد والجزم، مما يجعل مصلحة الأبناء على المحك، وخاضعة لمزاجية الطرفين وهو ما يستدعي تدخل القانون لحماية الحقوق وتصويب المسارات، وهذا من باب مسايرة التغيير والشمولية في مجموعة من القضايا، و الأوضاع والحالات المستجدة، لأن المجتمع في حركية وتطور متواصل، يتحتم معه الإصلاح المستمر للقانون، وتعديل ما يمكن تعديله وفقا للاختلالات التي أظهرها الواقع العملي والميداني اليوم، وهو ما نأمله في التعديلات المقبلة لمدونة الأسرة بعد مرور 22 سنة من العمل بها.

    وموازاة مع اليوم العالمي للمرأة فالاحتفال قد لا يكون مجديا بالورود والشعارات المستهلكة، أكثر من أن يمس جانبا حقوقيا يترجم على أرض الواقع إلى قوانين منصفة، وحياة اجتماعية مستقرة والتي تنعكس إيجابا على الأسرة والمجتمع، بل هو فرصة لاستقراء حصيلة الانجازات والمكتسبات والتحديات التي لا تزال قائمة.

    أخصائية اجتماعية ومدونة-

    إقرأ الخبر من مصدره

  • وصوركم فأحسن صوركم

    بقلم: خالص جلبي

     

    نتساءل عن تلك الدقة العجيبة، والروعة المدهشة في فعل المسرعات وتنظيمها في خلق الإنسان وبعث الحياة فيه. إن منحى المسرعات يمشي كما يلي: الأيام العشرة الأولى انقسام رهيب سريع في الخلية الإنسانية الأولى، مع المحافظة على الحجم كما هو، ولا يحدث شيء سوى الانقسام. وهكذا يحدث ما يقرب من خمسين انقسام أو يزيد في الخلية الأولى، ريثما تصل إلى الرحم لتعشش فيه[1].

    ولنتصور تسلسل الأرقام (1، 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128، 256، 512، 1024، 2048، 4096 إلخ)، ثم ينعطف المسرع في تخصص الخلايا وتشكل الأعضاء. وهكذا يتخلق الإنسان وتتشكل أعضاؤه، وأجهزته في الأشهر الثلاثة الأولى، وكأننا أمام ورشة عمل من أدق ما تكون، فهذه المجموعة تخلق العين، وتلك الأحشاء وثالثة للأطراف. ثم إن الورشة نفسها لها مهندسون عقلاء وعمال فنيون من أدق ما يكون، لأن اجتماع الخلايا يُوجِدُ النسيج، واجتماع الأنسجة يوجد العضو، واجتماع الأعضاء يوجد الجهاز، فمثلا المعدة مكونة من أربع طبقات، والطبقة الداخلية المخاطية تقوم بعدة وظائف، فهي تنتج حمض كلور الماء (HCL) لتهيئة الطعام للهضم، وبنسبة مركزة حوالي 4 بالألف، كما أنها تفرز خميرة (الببسين) لهضم الطعام. وبالإضافة إلى ذلك، تفرز العامل الداخلي الذي يعتبر أشبه بمصلحة (إدارة الهجرة والجوازات)، التي تعطي (تأشيرة الدخول) للفيتامين (B12)، وإذا لم يحصل على تأشيرة الدخول هذه لم يمتص، وبالتالي حصل فقر الدم الخبيث الذي يعتبر مميتا، إذا لم يعالج.

    والعين مثلا مكونة من ثلاث كرات تغلف بعضها البعض؛ ففي الخارج الطبقة الصلبة الحامية وهي التي ترى من تبارز العين الأمامي بالشكل الأبيض Sclera، وتغلف من الداخل طبقة أولى غنية بالأوعية الدموية هي طبقة المشيمية، ومن أقصى الداخل نرى نصف كرة مسؤولة عن الإبصار وفيها عشر طبقات منضدة فوق بعضها البعض وإحدى تلك الطبقات هي المستقبلة للنور، وفيها نوعان من مستقبلات الضوء، الأول مختص بالنور العالي والضعيف وهي العصيات Rods، والثاني مختص بالنور المركز والألوان وهي مجتمعة في المركز وهي المخاريط Cons، وعدد هذه المستقبلات في العين الواحدة حوالي ((140)) (مائة وأربعون مليون) عصاة و(7) ملايين مخروط.

    ولنطلق العنان لتصورنا لنرى التعاون الوثيق في إيجاد كل نوع من الخلايا وبتخصص محدد، ثم تعاون هذه الخلايا مع بعضها لتكوين النسيج، ثم تضافر عمل الأنسجة لتكوين الأعضاء، ثم تعاون الأعضاء مع بعضها لتكوين الجهاز، كما في جهاز الهضم الممتد من الفم إلى الشرج، ثم تعاون هذه الأجهزة مع بعضها لتكوين الإنسان السوي، وأي خلل بسيط في العمل معناه تشوها مرعبا.

    ولنتصور لو أن طائفة من الخلايا أخطأت فوضعت الفم في موضع الشرج، أو العينين في الصدر، أو الدماغ في البطن، ثم ينعطف المسرع في اتجاه ثالث، حيث يسير الجنين في زيادة الوزن حتى يصل إلى رقم مقدر هو وسطيا (3250) غراما، بعد أن كان وزن النطفة واحد من مليار من الغرام (1/1000.000.000)، وهكذا ازداد وزن الإنسان ما بين مرحلة النطفة إلى مرحلة التخلق الإنساني الأخيرة (3000) مليار مرة.

    ثم ينزل الإنسان إلى حياة جديدة، ويبدأ انعطاف جديد في حياة الإنسان وهو تكوين المشاعر والأفكار، وبناء النفس الإنسانية، ويتدرج الإنسان في معرفة العالم من عالم (الأشياء) إلى عالم (الأفكار)، وكأن الحياة الجنينية هي مرحلة إعداد الأجهزة التي ستعمل ومرحلة الحياة هي استخدام هذا الجهاز، وكأن الآخرة هي مرحلة إصلاح هذا الجهاز وإرجاعه إلى أصله الثابت، أي الصلاح والاستقامة! (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة).

    نتساءل هنا كيف سارت هذه المفاعلات والمسرعات في هذا الاتجاه؟ وتنعطف بين الحين والآخر في اتجاه جديد؟ كيف رسم لها الطريق؟ وخططت لها الحياة؟… والجواب (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ثم تمشي الحياة كالنهر تماما، فهو هو لم يتغير، وهو هو يتغير في كل لحظة، فعملية الهدم والبناء مستمرة، فالكريات الحمراء تتولد من مصنع الكريات الحمراء، وهي نقي العظام، والمقبرة الموحشة الكئيبة التي تستقبل طوابير النعوش هي الطحال الكائن في أعلى وأيسر البطن، ويكفي أن نعلم أن ما يموت ويتجدد مثلها من الكريات الحمراء هو عشرة مليارات كرية حمراء في الساعة الواحدة، أي 240 مليار كرية في مدى اليوم والليلة، فيا أيها الإنسان الذي ينام ويستيقظ تذكر أنك تفارق هذه المليارات من خلاياك وكأنها تذكرك بالموت، كما أن تجدد مثيلها يذكر بالنشور…(كذلك النشور) والعظام تهدم وتبنى في كل لحظة بواسطة خلايا خاصة مولدة للعظم Osteoblast وخلايا مضادة خاصة بكسر العظم (الخلايا الكاسرة للعظم) Osteoclast، وكأننا أمام ورشة عمل لبناء عمارة سكنية، حيث العمال هم هذه الخلايا، وموادها الأولية هي البروتين والكلس وباقي المواد التي تأتي عبر الدم، والمتعهد المشرف على تنظيم الكلس ومقداره بين العظام والدم هو هورمون لغدة في العنق ضئيلة جدا يبلغ وزنها حوالي 100 ملغ موزعة في أربع عقد، ولكن الحرمان من هذه الغدة، أو ما تسمى (غديدات مجاورات الدرق)، يعني الموت، فلنعلم من هنا دقة التنظيم، وروعة البناء، ورحمة الله الواسعة لخلقه. (كتب على نفسه الرحمة…).

    وحلقة الاتصال الخارجية لهذه الورشة، أي المنظم الاقتصادي، هو الفيتامين (D)، لأنه يتصل بالعالم الخارجي عن طريق الأمعاء والكلية، فهو ينظم ورود الكلس أو تصريفه من خلال هذه الأعضاء، حقا إنها ورشة عقلاء متفاهمة إلى أبعد الحدود!

    كل شيء يتجدد ويتغير، إلا منطقة واحدة في الجسم هي خلايا الجهاز العصبي المركزي، حيث نرى حوالي 86 مليار خلية عصبية مستندة إلى 100 مليار من الخلايا الاستنادية، هذه الخلايا العصبية تحتفظ بديمومتها فلا تنقص كما لا تزداد، وهذا من رحمة الله على الإنسان، إذ لو تجددت الخلايا العصبية كما في باقي خلايا الجسم، لكان معناه أن يتعلم الإنسان اللغة من جديد كل ستة أشهر!

     

    نافذة:

    يتخلق الإنسان وتتشكل أعضاؤه وأجهزته في الأشهر الثلاثة الأولى وكأننا أمام ورشة عمل من أدق ما تكون

    [1] يحصل لقاء البويضة مع الحيوان المنوي ـ كما ذكرنا ـ في الثلث الوحشي من البوق، أي الثلث البعيد، ثم تمشي هذه البيضة الملقحة من البوق إلى الرحم وتستغرق هذه الرحلة عدة أيام، وعلى أبعد حد عشرة أيام، لتنغرس بعدها في بطانة الرحم، وفي خلال هذه الأيام يحصل الانقسام السريع وهو أشبه بالانقسام الذري الرهيب!

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بميزانية 32 مليون درهم.. السعدي يتفاعل مع مطالب حرفيي أكادير

    تم توقيع الملحق التعديلي رقم 4 لاتفاقية الشراكة الخاصة بتأهيل مجمع الصناعة التقليدية بمدينة أكادير، وذلك بهدف تحيين مضامين الاتفاقية الأصلية وتسريع وتيرة تنفيذ هذا المشروع المهيكل لفائدة الحرفيين، في خطوة تعكس التفاعل مع مطالب مهنيي قطاع الصناعة التقليدية بمدينة أكادير.

    ويأتي هذا التعديل في سياق الجهود الرامية إلى تحسين البنيات التحتية المخصصة للصناعة التقليدية وتوفير فضاءات مناسبة للعمل والإنتاج، حيث تم رفع الكلفة الإجمالية للمشروع إلى حوالي 32.6 مليون درهم بعد إضافة غلاف مالي جديد قدره 15 مليون درهم لتغطية أشغال البناء والدراسات التقنية والهندسية والمراقبة المرتبطة بإنجاز المشروع. 

    كما تضمن الملحق التعديلي إدراج مؤسسة دار الصانع كشريك جديد ضمن المشروع، إلى جانب كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وولاية جهة سوس ماسة، ومجلس الجهة، وجماعة أكادير، وغرفة الصناعة التقليدية لجهة سوس ماسة، في خطوة تروم تعزيز التنسيق المؤسساتي وضمان مواكبة أفضل لتنزيل المشروع. 

    ويمتد مشروع تأهيل مجمع الصناعة التقليدية بأكادير على مساحة تقارب 7241 متراً مربعاً، ويهدف إلى إحداث فضاء مهني متكامل لفائدة الحرفيين، من خلال إحداث ورشات ومحلات حرفية جديدة، وبناء معهد متخصص في فنون الصناعة التقليدية، إضافة إلى إعادة تهيئة مرافق المجمع وتحسين واجهته والبنيات الخارجية المرتبطة به. 

    ويستهدف المشروع عدداً من الحرف التقليدية التي تشكل جزءاً من الهوية الحرفية المغربية، من بينها النحت على الخشب، والنسج التقليدي، والنجارة الفنية، والطرز، والحدادة الفنية، وصناعة الجلد، والزليج، والفخار والخزف، إلى جانب حرف إنتاجية أخرى. 

    ويُرتقب أن يساهم هذا المشروع في إعادة تأهيل مجمع الصناعة التقليدية بأكادير وتعزيز دوره الاقتصادي والتكويني، بما ينعكس إيجاباً على ظروف اشتغال الحرفيين ويعزز مكانة الصناعة التقليدية كرافعة للتنمية المحلية بجهة سوس ما

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حال التربية والتعليم


    بناصر أحوجيل
    التعليم أو الأزمة التي لا تنتهي:

    قد لا يبالغ من يصف شأن التربية والتعليم عندنا بـ “الرجل المريض”. لكن الفارق بين مرضٍ عابر ومرضٍ مزمن، أن الأول تُداويه فتتعافى، والثاني يُنهكك لأنه يتعوّد على “العمليات الجراحية” دون أن يلتئم الجرح. ولهذا لا يغضبني التشبيه بقدر ما يغضبني ما وراءه: أن تتحول المدرسة إلى سؤالٍ يوميٍّ داخل بيوت المغاربة، وأن يصبح القلق على مستقبل الأبناء واقعا مريراً.

    وأكتب هذه الكلمات لا لأجل النقد من أجل النقد، ولا لأجل “ذرّ الرماد في العيون” بكلامٍ مُنمّق. أكتبها كمواطنٍ عاش المدرسة العمومية في زمنٍ كان للمدرسة فيه مذاقٌ وهيبة، ثم دخل القسم أستاذًا في بداية مساره، وعرف الإدارة التربوية من الداخل حين تحمّل مسؤولية الكتابة العامة للمدرسة العليا للأساتذة بالرباط. وأكتب اليوم أيضًا كجدٍّ يرى أحفاده يحملون حقائب تكاد تقصم ظهورهم الصغيرة… بينما ما يرسخ في الأذهان من تعلُّماتٍ أساسية يبدو أخفَّ من تلك الحقائب. فالكم موجود والكيف مفقود… وهذا تشخيصٌ يفرض نفسه، لا لأنه “حنينٌ مجاني”، بل لأنه وجعٌ يوميٌّ مشترك.

    ولعل أول ما يذكّرنا بقداسة العلم أن أول ما نزل من الوحي كان أمرًا بالقراءة: “اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم.” هذه الآيات حجة على أمّة تضع “اقرأ” في صدر رسالتها ثم تتعثر في تعليم القراءة نفسها… أليس في الأمر مفارقة محبطة؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} بين الميزانية والنتيجة

    ومن الطبيعي أن يستفزنا مشكل التعليم، نظرا لأهميته وخطورته في حياة الإنسان بصفة عامة، وفي حياة الشعوب التي تتوق إلى الرقي والازدهار بصفة خاصة.

    لذلك، من حق المواطن أن يسأل: كيف يمكن لقطاعٍ تُرصد له اعتمادات ضخمة أن يظل عاجزًا عن تحويل الإنفاق إلى أثرٍ ملموس داخل الفصل؟ فوفق معطيات مشروع قانون المالية لسنة 2026 تُقدَّم ميزانية التربية الوطنية كإحدى أكبر ميزانيات الدولة، حيث تناهز حوالي 97 مليار درهم كما نُشرت في الوثائق المرافقة.

    والسؤال هنا ليس: “هل أنفقنا؟” بل: “هل أنفقنا بذكاء؟” ما معنى أن نرفع الاعتمادات ثم نرى طفلًا في سنٍّ مبكرة يتعثر في قراءة جملة بسيطة، أو يرتبك أمام أبسط مسائل الحساب؟

    ثم هناك مرآة لا تعرف المجاملة: سوق الشغل. حين تقول المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة استقر في حدود 13% خلال سنة 2025، وأن بطالة الشباب (ما بين 15–24 سنة) ما تزال هي الأعلى، فهذا ليس رقمًا محايدًا؛ إنه رسالة قاسية تقول أن المدرسة لا تزال تُخرج، في حالات كثيرة، من لا يجد مكانه في الاقتصاد ولا في المجتمع.

    فهل الخلل في المناهج وحدها؟ أم في التوجيه؟ أم في علاقة المدرسة بالمحيط الإنتاجي؟ أم في الحكامة التي تجعل المشاريع تتناسل بينما الأثر يتأخر؟

    ولأن الكلام لا ينبغي أن يبقى عاطفةً فقط، تكفي مرآتان إضافيتان لا تجاملان أحدًا:

    الأولى مرآة الرقابة والمساءلة. وخير مثال هو تجربة “البرنامج الاستعجالي” 2009–2012 التي عُبئت لها اعتمادات كبيرة، ثم خلصت تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى اختلالات في الحكامة والتتبع والبرمجة.

    والسؤال الذي يردده المغاربة بلسانٍ بسيط لكنه عميق: أين تتسرب النفقات حين لا يتحول الإنفاق إلى أثر؟

    والثانية مرآة المقارنة الدولية، حيث أبرزت نتائج PISA 2022 فجوةً مقلقة في التعلمات الأساسية، بأداءٍ أدنى بكثير من متوسط دول OCDE. كما تداولت تقارير صحفية، استنادًا إلى نتائج مؤشر المعرفة العالمي، أن تموقع المغرب يظل ضمن مراتب متأخرة قياسًا بحجم الانتظارات والإمكانات. هذه المؤشرات لا ينبغي النظر إليها بإحباط، بل لقياس المسافة بين “مدرسة نريدها” ومدرسة نعيشها.

    إرادة في القمة… وتعثر في التنزيل

    إن صاحب الجلالة، نصره الله وأيده، يقر صراحة في أكثر من مناسبة بأزمة التعليم في المغرب مؤكدا أن المنظومة التربوية لم تعد تلبي طموحات المغاربة وتواجه تحديات كبرى وفي مقدمتها جودة التعليم، وملاءمة التكوين لسوق الشغل، والاختلالات المنهجية. فلقد أكد في خطاباته بشكل واضح على أن “إصلاح التعليم هو قضية المجتمع بمختلف مكوناته، من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ومجالس استشارية ومؤسسات وطنية وفاعلين جمعويين ومثقفين ومفكرين..”.

    وهذا ما يستوجب ضرورة إحداث ورش حقيقي، جدي وفعال للإصلاح يستهدف بناء مدرسة منتجة للكفاءات من أجل تحقيق تنمية شاملة.. مدرسة حديثة مع الحفاظ على مقومات البلاد وثوابتها، عوض الخوض في تجارب ارتجالية لا تؤدي سوى إلى تراكم الإخفاقات وهدر المال العام..

    المشكلة إذن ليست في غياب الوعي أو الإرادة في أعلى الهرم، بل في تعثر ترجمة التوجيهات إلى نتائج. وهنا يبدأ النقاش الحقيقي: أين تنقطع السلسلة؟ في التخطيط؟ في التنفيذ؟ في الموارد البشرية؟ في التتبع؟ في تضارب الاختصاصات؟ أم في “منطق المواسم” الذي يجعل كل إصلاح يبدأ بصفحة بيضاء وكأن ما قبله لم يكن؟

    حلقة الإصلاح المفرغة

    بيت القصيد أن العطب ليس “تقنيًا” فقط، بل هو مؤسساتيّ وسياسي في جوهره: تتبدّل البرامج بتبدّل الوجوه، وتُطوى مشاريع بمجرد تغير الحكومة أو الوزير، لا لأنها فاشلة بالضرورة، بل لأنها لا تحمل توقيع الفريق الجديد. فنبدأ كل مرة من الصفر، ويتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى: عناوين براقة، قاموس حديث، عروض منمقة… ثم يعود الواقع فيُحرج الورق.

    فلقد تعاقب على وزارة التعليم أكثر من 30 وزيرا منذ بداية الاستقلال إلى الآن بمختلف ألوانهم وانتماءاتهم.. وكل وزير رحل، يترك لخلفه إرثا ثقيلا.. كما خضعت الوزارة إلى العديد من التغييرات في تسمياتها وصلاحياتها، كان آخرها “وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة”.. ما قدو فيل زدناه فيلة…

    ولقد اعتاد عموم الناس على تحميل مسؤولية النجاح أو الفشل للوزير وحده في تدبير وزارة معينة، علما بأن الوزير ما هو إلا عضو يخضع للسياسة العامة للدولة وللبرنامج الحكومي، والحكومة نفسها تخضع للرقابة البرلمانية.. لكن الوزير يمكن أن تكون له بصمة إيجابية في حسن التسيير والتدبير إذا كان مؤهلا وشجاعا في اتخاذ القرارات..

    الإصلاح لا يدبَّر بعقلية “الموسم السياسي”. الإصلاح نفس طويل: استمرار، تصحيح تدريجي، بناء على المعطيات، لا بناء على الرغبة في إعلان “ولادة جديدة” كل خمس أو ست سنوات.

    وهنا يأتي السؤال الذي لا بد منه: من يملك الشجاعة ليقول للناس “لن نبدأ من جديد… سنُكمل ونُحسن ونُصلح ما انكسر” بدل أن نهدر الزمن في تغيير اللافتات؟

    ثم يتعقد الأمر حين تتحول الحكامة إلى هرم إداري ضخم: مديريات، مصالح، أكاديميات، لجان، مجالس، وكالات، هيئات تخصص لها ميزانيات ضخمة دون أثر حقيقي على أرض الواقع… فلا يشعر المواطن أن هذا التضخم الإداري يترجم إلى حل ملموس داخل القسم. فينطق المثل الشعبي: “ألمزوق من برا… آش خبارك من داخل؟”

    وهنا يحقّ لنا أن نُصعّد السؤال درجة أخرى، لا بدافع التشكيك، بل بدافع الإنصاف: حين يتعدد المتدخلون وتتقاطع الاختصاصات، من يملك سلطة الحسم؟ ومن يملك سلطة إيقاف العبث إذا تعارضت المصالح، أو إذا تاهت المسؤوليات بين المكاتب واللجان والتوقيعات؟

    والأخطر من التضخم: المساءلة. الإصلاح الحقيقي لا يكتفي بترتيب الوثائق، بل يربط كل خطوة بسؤال قاسٍ: من المسؤول عن التعثر؟ من الذي يُحاسَب؟ ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ ولماذا؟ وكيف نصحح دون أن نكسر ما يعمل؟ لأن غياب هذا السؤال يحول التقويم إلى “أرقام بلا أثر” و”تقارير بلا قرار”.

    دعونا نتفق على شيءٍ بسيط: الإصلاح ليس بيانًا صحفيًا ولا عرضًا جميلًا في شاشة. الإصلاح تفاصيل يومية تُقاس ولا تُخمن: من يحضر فعلا إلى القسم؟ من يدرّس؟ كيف يُدرّس؟ من يواكب؟ من يقيّم؟ ومن يصحح المسار حين يختلّ؟ لأن أي إصلاح لا يهبط إلى هذه التفاصيل، يبقى معلّقًا في الهواء… ويظل الطفل وحده يدفع ثمن التجريب.

    مرآة الزمن

    حتى تكون لنا نظرة شاملة على الموضوع، لابد من استعمال مرآة الرؤية الخلفية للإطلالة على جانب من الماضي وربطه بالحاضر لكي تتوفر لدينا صورة واضحة على المستقبل..

    حين أستحضر المدرسة القديمة لا أفعل ذلك هربًا إلى الماضي، ولا تمجيدًا لكل ما كان فيه. نعم، كانت هناك صرامة مفرطة أحيانًا وصلت إلى عقوبات جسدية نرفضها اليوم لأنها تمس كرامة الطفل وتشوّه معنى التربية. لكن لا يمكن أيضًا أن نكذب على أنفسنا: كان هناك احترام للقسم، واعتراف بقيمة الأستاذ، وضبط للزمن المدرسي، ووضوح في الأساسيات.

    حين كنا نلتحق بالمدرسة الابتدائية لأول مرة، فإن أول ما كان يثير انتباهنا هو ذلك الشعار المكتوب على الجدار الأمامي للمؤسسة بخط ساطع، وبحروف غليظة تجلب الأنظار: العلم نور والجهل عار. إنها كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، تلازمها طقوس تغذي نفس المتعلم منذ الوهلة الأولى وتنمي لديه الشعور بالمسؤولية وتزرع فيه الروح الوطنية، كاصطفاف التلاميذ مثلا أمام الأقسام بنظام وانتظام، وترديدهم للنشيد الوطني في كثير من المؤسسات.. ومباشرة بعد ولوجهم إلى القسم، يجدون المعلم في انتظارهم، بشخصيته المهيبة، وببذلته الأنيقة، حليق الذقن ومرتب الشعر؛ فيقفون احتراما وتبجيلا للمعلم، ولا يجلسون إلا بعد أن يأمرهم بالجلوس… فهكذا كانت تصنع الأسس التربوية المتينة من أجل تحصين الأجيال من الانزلاقات..

    كانت المقررات تستجيب لمتطلبات الأمة التي تعتمد أساسا على التربية موازاة بالتعليم، فالتربية تعتبر هي الإناء، والعلم محتوى..

    أتذكر كتاب العربية “اقرأ”، وأتذكر كتاب الفرنسية بعنوانه المحفور بذاكرتنا الجمعية: Bonjour Ali, Bonjour Fatima. … كنا نحتفظ بهذين الكتابين مع دفترين داخل خزانة القسم في آخر النهار حتى لا نثقل بها كاهلنا ذهابا وإيابا بين المنزل والمدرسة، وكنا نكتفي بالدروس التي نتلقاها في الأقسام دون الحاجة إلى دروس التقوية أو دروس إضافية.

    وحتى في زمنٍ كانت فيه ظلال الحماية الثقافية حاضرة، ظل في تفاصيل المدرسة شيء من المغرب: أسماء مغربية، وملامح محلية، وإحساس بأن التعلم لا يعني أن نفقد أنفسنا. كان التعليم يومها أقل تضخمًا في الورق، وأكثر تركيزًا على الأساس.

    واليوم نرى مفارقة جارحة: حقيبة أثقل، وجدول زمني أطول، ومقررات متشعبة… ثم تلميذ يتعثر في القراءة، ويهرب من الحساب، ويخجل من التعبير. كأننا نعطيه أحمالًا أكثر مما نعطيه أدوات.

    صحيح أن لكل زمان جيله الذي يخضع لبيئة وظروف خاصة به. وقد سبقنا إلى هذه الحقيقة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بقوله:” لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم”. لكن كل جيل مطالب بالاجتهاد والابتكار والعمل الصالح من أجل تطوير حياته والرقي بها إلى الأفضل لا العكس. ولن يتأتى له ذلك إلا عبر التعليم الجيد القائم على أسس التربية والمعرفة الصحيحة كوسيلة أساسية لتحصيل العلم النافع الذي يخدم الفرد والمجتمع بدل العلم من أجل تحصيل معارف عقيمة.

    الهجرة القروية… مدرسة تُهجِّر الناس

    ينص دستور المملكة المغربية لعام 2011 في فصليه 31 و32 على مجانية التعليم، خاصة في مراحله الأساسية. فإذا كان المبدأ هو المجانية بالنسبة للتعليم العمومي، فإن الآباء يتحملون وزر المصاريف الخاصة بالتسجيل، وشراء الكتب وجميع اللوازم المدرسية، بالإضافة إلى مصاريف النقل المدرسي وغيرها..

    إن قصة المصاريف الدراسية ترجع بنا إلى بداية الاستقلال، وخاصة بعد التعميم والمغربة. حين أصبح المغاربة واعين بأهمية التعليم.

    فمن زوايا الأزمة التي لا ينبغي أن تُختزل في “المنهاج” وحده: الهجرة القروية منذ الاستقلال. كثير من الأسر باعت أرضها أو شدّت الرحال نحو هوامش المدن لأن المدرسة كانت ولا تزال بوابة الأمل الوحيدة، حيث أن الدراسة آنذاك كانت تضمن الترقية الاجتماعية بالتوظيف في مناصب إدارية وسياسية وعسكرية محترمة أعطت أفواجا من الأطر العليا ساهمت في بناء المغرب الحديث.. كما كانت هناك هجرة عكسية من نوع آخر: هجرة رأس المال التجاري والعقاري من المدن للاستثمار الفلاحي بالعالم القروي كلفته قليلة بفضل الإعفاء الضريبي.

    لكن هذه الهجرة صنعت مفارقة مزدوجة: قرى تُفرَّغ من شبابها وخدماتها تدريجيًا، ومدن تنتفخ بأحياء هامشية تضغط على المدرسة وتخلق اكتظاظًا وتفاوتًا في الولوج والجودة. تقارير المندوبية السامية للتخطيط نفسها تشير إلى دينامية قوية للهجرة الداخلية وآثارها الاجتماعية.

    فكيف نصلح المدرسة دون أن نصلح شروط العيش التي تجعل المدرسة سببًا للهجرة بدل أن تكون رافعة للاستقرار في المجال القروي؟

    العالم القروي… والقسم البعيد

    من عاش العمل الجماعي في العالم القروي يعرف أن المدرسة ليست جدرانًا فقط. هي طريق، ونقل، وطقس، ومسافة، وكلفة صامتة، وخوف أمٍّ على طفلها وهو يقطع العراء. لهذا لا يكفي أن نتكلم عن “منهاج” دون أن نتكلم عن شروط الوصول إلى المدرسة، وعن الإنصاف بين طفل يخرج من باب بيته إلى باب مدرسته، وطفل يبدأ “الدرس” قبل أن يصل إلى القسم بساعتين من المشي أو الترحال.

    وفي موضوع الهدر المدرسي تحديدًا، لا معنى للإنكار… حيث تُظهر المعطيات الرسمية المتداولة في السنوات الأخيرة حجمًا مقلقًا للانقطاع السنوي، مع تباينات مجالية واجتماعية واضحة.

    نعم، توجد مجهودات وتحسنات في بعض البرامج، لكنها تظل غير كافية ما دامت المشكلة “منظومية”: فالهدر ليس قرار تلميذ فقط، بل نتيجة فقر، وبعد، وتكرار تعثر، وضعف دعم، ومدرسة لا تلتقط الإشارة في الوقت المناسب.

    التعليم الخاص… السوق الذي يبتلع المدرسة

    والآن إلى الملف الذي لا يحب كثيرون الاقتراب منه: التعليم الخصوصي، شأنه شأن المصحات الخاصة، والتي تستدعي مقالا آخر بدورها.

    لقد بدأت بوادر تدهور التعليم العمومي تطفو على السطح منذ أن بدأ المعلمون والأساتذة يحثون التلاميذ، جهرا أو إشارة، على اللجوء إلى دروس التقوية، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى العمل بالمدارس الخصوصية خارج جداولهم الزمنية على حساب الجودة والمردودية في عملهم الأصلي، وذلك أمام أعين المسؤولين على شؤون التربية والتعليم والصمت السلبي للمؤسسات النقابية والسياسية والمجتمع المدني.. مما أعطى فرصة للتعليم الخصوصي في كسب سمعة خاصة بالجودة والتفوق للمتمدرسين به على مستوى النتائج بفضل نسب النجاح التي يحققونها. وهذا ما دفع كثيرا من آباء وأولياء التلاميذ إلى التهافت على تسجيل أبنائهم بالمدارس الخصوصية رغم ما يتطلبه الأمر من تضحيات مالية، ورغم كون أغلب الآباء لا يحققون الدخل الكافي لذلك؛ مما قد يدفع البعض إلى البحث عن وسائل أخرى كيفما كان مصدرها لتحقيق هذا الغرض. فلا نستغرب إذا أصبح الفساد منتشرا في البلاد على أكثر من صعيد، حيث “كاد الفقر أن يكون كفرا”..

    صحيح أن الدولة أصبحت غير قادرة لوحدها على تحمل العبء الثقيل للإنفاق على قطاع حساس وكبير مثل قطاع التربية والتعليم، لذلك من حقها أن تلجأ إلى حلول أخرى، وأسهلها هي خوصصته تدريجيا..

    فلسنا ضد مبدأ الخوصصة إذا كان مبنيا على أسس موضوعية، قائمة على دراسات معمقة وعلى شروط معقولة، تأخذ بعين الاعتبار الحاضر والمستقبل القريب والبعيد للبلاد؛ وذلك بتوسيع رقعة نطاق التشاور على جميع المستويات، بشكل يجمع الخبراء وممثلي الأمة وكل من يعنيهم الأمر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجال حيوي ومصيري كالتعليم.

    لا أهاجم القطاع الخاص لأنه “خاص”. ولكنني أرفض أن يتحول إلى قدر اجتماعي: من استطاع دفع الثمن اشترى تعليمًا أفضل، ومن لم يستطع اكتفى بما يتبقى. وحين يتوسع هذا المنطق، تتحول المدرسة العمومية إلى مدرسة “الضرورة”، وتتحول العدالة إلى حكاية قديمة.

    ثم إن المشكلة ليست تربوية فقط، بل تنظيمية واقتصادية أيضًا. مجلس المنافسة أصدر رأيًا مفصلاً حول وضع المنافسة في قطاع التعليم المدرسي الخصوصي، ونبّه إلى أعطاب السوق والحاجة إلى تقوية التأطير والشفافية والمراقبة، لأن القطاع لم يعد هامشيًا.

    وهنا تخرج أسئلة من قلب الواقع لا من “كلام المقاهي”:

    هل يُعقل أن نشتكي من ضعف المدرسة العمومية ثم نترك سوق التعليم الخاص يتوسع دون قواعد صارمة وشفافة للحقوق والواجبات والجودة؟

    هل نملك “عقدًا اجتماعيًا” واضحًا مع هذا القطاع: بأي مقابل نُيسّر له الاستثمار؟ ما التزاماته تجاه الجودة؟ ما حدود الربح حين يتعلق الأمر بخدمة مصيرية؟ ما حقوق الأسرة؟ وما آليات التظلم والإنصاف؟

    ثم سؤال آخر يحسّه المواطن البسيط قبل الخبير: هل السياسات الجبائية والتحفيزية منسجمة مع فكرة “تكافؤ الفرص”؟ حين تُطرح في النقاش العمومي أخبار عن إعفاءات أو تحفيزات هنا وهناك، وحين تقارن الأسرة بين ما تدفعه في العمومي وما يقال عن تسهيلات في الخاص، تتولد فجوة ثقة. المواطن البسيط يطالب فقط بما هو بديهي في دولة حديثة: وضوح القواعد، نشر المعطيات، وتفسير الاختيارات للناس بلغة بسيطة.
    والأخطر من الضرائب هو سؤال تضارب المصالح. في كل البلدان توجد لوبيات ضغط. لكن في قطاع حساس كالتعليم، يصبح الصمت خطيرًا حين تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القرار التنظيمي. لا أريد أن ألجأ إلى لغة “المؤامرة”. لكنني أود أن أطرح السؤال الذي يهمس به الناس: لماذا يبدو هذا الملف عصيًا على التنظيم الصارم كلما اقتربت منه إرادة الإصلاح؟ ولماذا تتوقف محاولات الضبط عند حدود معينة؟

    هذه أسئلة مشروعة، حيث يكفي أن ترى حجم السوق وأن تقرأ توصيات الهيئات الرسمية لتفهم أن المسألة أكبر من “مدرسة هنا ومدرسة هناك”.

    ثم لا ننسى آفة الدروس الخصوصية التي صارت في حالات كثيرة “تعليمًا موازيًا” يبتز زمن القسم ويستنزف جيب الأسرة. هنا يتحول التلميذ إلى زبون، والأب إلى ممول، والمدرسة إلى واجهة. وإذا لم نواجه هذه الظاهرة بحزمٍ ذكيٍّ وعادل، فسنظل ندور في الحلقة نفسها: مدرسة عمومية تضعف ثم يقال إنها فشلت، فيقوى السوق الموازي والخاص… فتتسع الفجوة.

    التعليم العالي… حين يشتكي السقف من الأساس

    إذا كان التعليم المدرسي هو الأساس، فإن التعليم العالي هو السقف الذي يُفترض أن يحمينا من المطر… لكن ماذا لو كان السقف نفسه مُثقّبًا؟
    ليس غرضي هنا هو جلد الجامعة العمومية، ولا إنكار ما فيها من كفاءات وأطر تشتغل في ظروف صعبة. لكنني، كمواطنٍ يرى أبناء هذا البلد يتخرجون ثم يتعثرون في أول امتحان اسمه “الواقع”، أجد نفسي مضطرًا لطرح السؤال الذي يتفاداه كثيرون: ما فائدة شهادةٍ لا تُترجم إلى مهارة، وما قيمة بحثٍ لا يلامس حاجة الوطن؟

    ثم لننظر إلى المرآة التي لا تُجامِل. في تصنيفات دولية واسعة الانتشار مثل QS World University Rankings 2026، وTimes Higher Education، تظهر الجامعات المغربية في شرائح متأخرة. قد يقول قائل: “التصنيفات ليست قرآنًا منزلا.” صحيح. لكنها جرس إنذار حول مشكلة مركبة: حكامة، تمويل بحث، إنتاج علمي، شراكات، جاذبية، وربط ضعيف بين الجامعة والاقتصاد.

    والإشكالية ليست في البرامج وحدها، بل في الأسئلة التالية: ماذا نُدرّس؟ ولماذا؟ ولمن؟ وكيف نُحدّث هذا كله في زمنٍ أصبحت فيه المهن تتبدّل أسرع من تبدّل الفصول، وأصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي تُعيد تعريف المعرفة والعمل؟

    ثم هناك ما هو أخطر من ضعف الترتيب: ضعف الثقة. فحين تهتز صورة الجامعة بسبب فضائح تمسّ النزاهة، من قبيل قضايا “الجنس مقابل النقط” التي وصلت إلى القضاء، أو ملفات أُثير حولها جدل واسع بخصوص الولوج إلى بعض المسالك، فإن الضرر لا يصيب مؤسسة بعينها فقط، بل يصيب فكرة الجامعة نفسها.

    لا أخلط بين حالات معزولة وأغلبية شريفة. لكنني أتساءل، وهذا حق المواطن: كيف نَحمي الشهادة من أن تتحول إلى سلعة، وكيف نحمي الأستاذ النزيه من أن يدفع ثمن صمت المنظومة عن القلة التي تُفسد؟

    وفي قلب هذا كله تعود كلمة واحدة: الحكامة. حكامة الجامعة تعني استقلالا فعليا مقرونا بالمحاسبة، وتقييما شفافا للمسارات، وربطًا حقيقيًا بين التمويل والنتائج، ومنظومة نزاهة لا تكتفي بالشعارات: مساطر واضحة، تضارب مصالح مُعلن، عقوبات رادعة، وحماية للمبلّغين والضحايا.

    ثم تعني كذلك إعادة بناء الجسر بين الجامعة وسوق الشغل: شراكات فعلية لا صورا، تكوينا بالتناوب، مسالك مهنية محترمة لا “درجة ثانية”، ومراهنة على البحث التطبيقي في قضايا وطنية واضحة: الماء، الفلاحة الذكية، الصحة، الصناعة، الطاقات، والرقمنة…

    والأهم أن نفهم أن الجامعة لا تُصلح بعقلية ردّ الفعل وإطفاء الحرائق: قرار هنا لتسكين أزمة، وتوجيه هناك لاحتواء جدل… ثم نعود إلى نقطة البداية. الجامعة بطبيعتها مشروع طويل النفس، وإصلاحها يحتاج استقرارا في الاختيارات، وجرأة في التقييم، واستثمارا في البحث، قبل الاستثمار في الشعارات.

    وإذا كانت المدرسة تُؤسِّس للمواطن، فالجامعة تُؤسِّس للدولة الحديثة: دولة الكفاءة والمعرفة. لذلك لا معنى لإصلاح يشتغل على حلقة ويترك الأخرى تتآكل؛ فالتعليم عندنا سلسلة قيمة واحدة، إذا انقطع منها رابط تعطّل الأثر كله.

    من الحكامة إلى الثقة

    إذا كانت كلمة واحدة تفسر نزيف الإصلاح فهي: الثقة. والثقة لا تُستدعى بالخطب، بل تُبنى بالحكامة. والحكامة في التعليم ليست شعارًا؛ هي نظامُ التزام ومحاسبة: أن نثبت على الأولويات بدل أن نبدلها كل موسم، وأن نقيس التعلّمات بصرامة ونعلن النتائج كما هي، وأن نُحاسِب بذكاء: فلا نجلد الأستاذ، ولا نُبرّئ الإدارة، ولا ندفن الأخطاء تحت لغة الخشب.

    لكن اسمحوا لي أن أطرح السؤال بصيغته العارية: كيف نقنع أسرة تُرهقها المصاريف وتخنقها الدروس الخصوصية أن المدرسة العمومية ما زالت “فرصة للإنصاف”؟ وكيف نقنع شابا يحمل شهادة ولا يحمل مهارات بأن الخلل ليس قدرا؟

    الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفصل قبل العناوين، ومن الأستاذ قبل البلاغات، ومن الطفل قبل المذكرات… الإصلاح الحقيقي لا يقوم على إعلان برامج جديدة بقدر ما يقوم على فهمٍ عميق لتعقيد المنظومة التعليمية وتشابكها مع باقي السياسات العمومية، اعتمادا على خمس حقائق:

    أول هذه الحقائق: أن التعليم لا يُصلَح داخل أسوار المدرسة وحدها. فسياسات النقل والتجهيز والتنمية القروية والحماية الاجتماعية والتشغيل وغيرها كلها تتقاطع مع المدرسة بشكل مباشر. حين تغيب الرؤية المشتركة بين القطاعات، تتحول الاستراتيجيات إلى جهود متوازية لا تلتقي. لذلك فإن الإصلاح الجاد يقتضي تنسيقًا قبليًا في التخطيط، وتعاونًا فعليًا أثناء التنفيذ، وتقييمًا مشتركًا للأثر.

    الحقيقة الثانية: أن الإصلاح الذي لا ينطلق من الميدان يظل إصلاحًا نظريًا. فالمدرسة في التقارير ليست هي المدرسة في الواقع. هناك مسافات طويلة في القرى، وطرق وعرة، وأسر تخشى على بناتها من الإقامة بعيدًا عن البيت، وأساتذة يعملون في ظروف صعبة. لذلك فإن الإصلاح الناجح هو الذي يُصغي إلى من يعيشون المدرسة يوميًا: الأساتذة، المديرون، المفتشون، والأسر.

    الحقيقة الثالثة: أنه يجب أن نُفكَّر في البرامج الداعمة للتمدرس كمنظومة متكاملة لا كبرامج متفرقة. فالنقل المدرسي، والداخليات، والمطاعم المدرسية، والدعم المالي المباشر، والمدارس الجماعاتية… كلها أدوات لهدف واحد: إبقاء الطفل في المدرسة. غير أن النجاعة تتحقق حين يُوجَّه كل تدخل حيث يكون أكثر أثرًا، بناءً على معطيات دقيقة، لا على تقديرات عشوائية أو اعتبارات انتخابية.

    الحقيقة الرابعة: أن وضوح المسؤوليات وربطها بالمحاسبة شرط لأي إصلاح جاد. فحين يتعدد المتدخلون وتتداخل الاختصاصات دون تحديد واضح للمسؤوليات، يصعب معرفة من يملك القرار ومن يتحمل تبعاته. لذلك فإن الحكامة الجيدة لا تقوم فقط على التخطيط، بل على التتبع الصارم والتقييم المنتظم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

    الحقيقة الخامسة: أن المدرسة يجب أن تبقى فضاءً للصالح العام لا مجالاً لتضارب المصالح. سواء تعلق الأمر بتوجيه بعض الخدمات أو بتدبير بعض الموارد، فإن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى قدر كبير من الشفافية والنزاهة، حتى تظل المدرسة مؤسسة للإنصاف لا ساحة لتقاطع الحسابات الضيقة.

    وأقولها بصراحة المواطن الذي يحب بلده: لا نريد سوادا مجانيًا، ولا تلميعا زائفا. نريد مدرسة تُعلّم فعلًا، وجامعة تُنتج معرفة وكفاءة ونزاهة. لذلك، حين نسأل: ماذا نريد من التعليم؟ لا نريد جواب “اكحل وابيض واهَا”… بل نريد جوابا يليق ببلد يريد أن ينهض: تعليم يحمي العدالة، ويصنع الكفاءة، ويعيد للمدرسة معناها.

    -كاتب وسياسي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مطالب برلمانية للتحقيق في تبديد أموال تشجير الغابات

    محمد اليوبي

    علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن فرقا برلمانية من الأغلبية والمعارضة شرعت في إجراءات للمطالبة بفتح تحقيق حول تبديد أموال عمومية في صفقات توريد الشتائل الغابوية من طرف الوكالة الوطنية للمياه والغابات، وذلك بعدما كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي قدمته رئيسة المجلس، زينب العدوي، أمام مجلسي البرلمان، عن ضياع ما يقارب 43,74 مليون شتلة غابوية كلف إنتاجها 92,44 مليون درهم.

    اختلالات بنيوية خطيرة

    وجهت المجموعة النيابة لحزب العدالة والتنمية سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، حول الإجراءات العملية التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتدارك هذه الاختلالات البنيوية في تدبير عمليات تشجير الشتائل، وضمان ملاءمة إنتاجها مع الحاجيات الفعلية بما يحقق أهداف الاستراتيجية الوطنية للغابات ويعزز الثقة في السياسات العمومية.

    وأكدت المجموعة النيابية أن المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات تطرح إشكاليات جدية حول الحكامة والنجاعة في تدبير الموارد المالية والطبيعية من طرف الوكالة الوطنية للمياه والغابات، وأوضحت أن التقرير كشف عن اختلالات خطيرة في تدبير وتنفيذ عمليات غرس الأشجار الغابوية، حيث تم تسجيل عدم استعمال ما يقارب 43,74 مليون شتلة خلال الفترة 2014–2023، بكلفة قاربت 92,44 مليون درهم، وهو ما يعادل تشجير حوالي 87.500 هكتار، وبلغ عدد الشتائل غير المستعملة، في الفترة ما بين 2021 و2023، ما مجموعه 19,23 مليون شتلة، أي ما يعادل 37 في المائة من إجمالي الإنتاج خلال هذه السنوات الثلاث، بكلفة إنتاج تناهز 50 مليون درهم. وأشار التقرير، كذلك، إلى غياب آليات فعالة لإدارة المخاطر المرتبطة ببرمجة محيطات التشجير، وضعف التنسيق في إنتاج الشتائل.

    وأوضح التقرير أن استراتيجية «غابات المغرب» تهدف إلى تشجير مساحة إجمالية تبلغ 600 ألف هكتار في أفق سنة 2030، وهو ما يمثل ارتفاعا ملحوظا في وتيرة التشجير مقارنة بالسنوات السابقة (حوالي 30 ألف هكتار سنويا)، غير أن هذه الاستراتيجية لم توضح الأهداف الوظيفية لهذا التشجير، سواء كانت وقائية أو إنتاجية أو ترفيهية، فضلا عن أنها لم تحدد المساحات المستهدفة لكل من هذه الأهداف.

    ضياع ملايين الشتائل

    سجل تقرير زينب العدوي أن المساحات المشجرة منذ إحداث الوكالة، أي ما بين 2022 و2024، بلغت حوالي 57.546 هكتارا من أصل 139.860 هكتارا مستهدفة في إطار استراتيجية «غابات المغرب» خلال هذه الفترة، وهو ما يعادل نسبة إنجاز تقدر بـ41 بالمائة فقط. وتشمل هذه الحصيلة محيطات التشجير الجديدة التي تم غرسها لأول مرة، بالإضافة إلى محيطات التشجير التي أعيدت برمجتها من جديد بعد فشل عمليات الغرس السابقة. وخلص تقرير المجلس إلى أن هذه الحصيلة لا تعكس المساحة المشجرة فعليا، حيث تتطلب بعض مناطق التشجير تدخلات متكررة في حال عدم نجاح عمليات غرس سابقة.

    وكشف المجلس أن المساحات المبرمجة للتشجير لا يتم إنجازها كليا، ما يؤدي إلى عدم استعمال الشتائل الغابوية التي يتم إنتاجها مسبقا. وفي هذا السياق، وخلال الفترة من 2014 إلى 2023، سجل المجلس عدم استعمال ما يقارب 43,74 مليون شتلة غابوية كلف إنتاجها 92,44 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 22 بالمائة من إجمالي الإنتاج الذي بلغ 203,77 ملايين شتلة بكلفة إجمالية تقدر بـ389,82 مليون درهم.

    وحسب التقرير، يمثل عدد الشتائل غير المستعملة الكمية اللازمة لتشجير مساحة تُقدّر بنحو 87.500 هكتار، وبالنسبة للفترة الأخيرة الممتدة بين سنتي 2021 و2023، لا تزال 19,23 مليون شتلة غابوية غير مستعملة في المشاتل (37 بالمائة من إجمالي إنتاج الشتائل خلال هذه السنوات الثلاث)، بلغت كلفة إنتاجها حوالي 50 مليون درهم، ويعزى ذلك لعدة عوامل، أبرزها عدم إسناد بعض صفقات الغرس، وتعرض الساكنة المحلية على أشغال التشجير، حيث قدرت المساحات التي تم التعرض بشأنها خلال الفترة ما بين سنتي 2014 و2024 بحوالي 32.981 هكتارا من المساحات المبرمجة، بالإضافة إلى تأجيل أشغال التشجير من سنة إلى أخرى بسبب الظروف المناخية غير الملائمة، سيما خلال فترات الجفاف.

    شبهة تبديد المال العام

    أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن الوكالة الوطنية للمياه والغابات تتحمل مسؤولية تبديد أموال عمومية في توريد شتائل لا يتم غرسها. وأوضح التقرير أن الوكالة لم تقم بتطوير آليات فعالة لإدارة المخاطر المرتبطة ببرمجة محيطات التشجير، وذلك لضمان برمجة فعالة لإنتاج الشتائل وتقليص الخسائر الناجمة عن ذلك، ناهيك عن أن الوكالة لم تعتمد إجراءات تقنية وعملية من شأنها ضمان وترشيد استعمال فائض الشتائل الغابوية لتفادي إتلافها أو تراكمها في المشاتل.

    وأكد التقرير أن الشتائل غير المستعملة، والمتواجدة بالمشاتل التي تمت زيارتها من طرف قضاة المجلس، لا تتم رعايتها في ظروف تقنية مناسبة، إضافة إلى كونها غير صالحة للغرس بعد مرور ما يقارب سنتين على إنتاجها، وذلك نظرا لعدم تناسب نمو جذورها مع أغصانها، إضافة إلى تعرضها للعديد من الأمراض، وهو ما يؤثر بشكل كبير على قدرتها على النمو بشكل طبيعي في حال غرسها في محيطات التشجير.

    وكشف تقرير المجلس عن وجه آخر من أوجه تبديد المال العام بالوكالة، يتجلى في فشل عمليات الغرس. وفي هذا الصدد، أفاد التقرير بأن معدل نجاح عمليات التشجير بلغ 51 بالمائة في موسم 2022-2023 (نجاح تشجير 9.991 هكتارا من أصل 19.475 هكتارا مغروسة).

    وفي إطار تنفيذ استراتيجية «غابات المغرب»، حددت خطة العمل المتعلقة بإنتاج الشتائل حاجيات الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025 في ما يقارب 40 مليون شتلة سنويا، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الحاجيات تدريجياً لتصل إلى حوالي 75 مليون شتلة غابوية في أفق سنة 2030، غير أن هذه الحاجيات المتوقعة لم يواكبها الرفع من القدرات الإنتاجية الفعلية للمشاتل الغابوية.

    وأبرز التقرير أن الوكالة تتوفر على 62 مشتلا غابويا بقدرة إنتاجية إجمالية محتملة تبلغ 64,7 مليون شتلة، غير أنه لا يتم حاليا استغلال سوى 26 مشتلا لا تتجاوز قدرتها الإنتاجية الفعلية 36,45 مليون شتلة، وأظهر تحليل المعطيات المتعلقة بهذه المشاتل أنها تواجه عدة تحديات، تتمثل أساسا في تجهيزاتها المتقادمة (5 مشاتل من بين المشاتل المشغّلة تعرف ضعفا في التجهيز، و13 منها تتوفر على تجهيزات في حالة متوسطة)، وصعوبة تعبئة موارد مياه السقي، فضلا عن محدودية الابتكار وضعف استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة، وهو ما قد يعيق تحقيق الأهداف المسطرة ضمن استراتيجية «غابات المغرب».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تراجع حاد في مبيعات BYD وإرجاع الآلاف من السيارات للمصنع بسبب أعطاب تقنية

    هبة بريس – الدار البيضاء

    تواجه BYD “باي واي دي” إحدى أبرز الشركات الصاعدة في سوق السيارات الكهربائية والهجينة، مرحلة صعبة في مسارها الصناعي، بعدما كشفت تقارير حديثة عن تراجع ملحوظ في أدائها التجاري بالتزامن مع سلسلة من الأعطال التقنية التي طالت عددا من مركباتها.

    وتشير المعطيات إلى انخفاض مبيعات الشركة بنحو 30 في المائة خلال فبراير 2026، في مؤشر يعكس بداية فتور في الطلب داخل السوق الصينية، خاصة بعد تقليص الدعم الحكومي الذي كان يشجع اقتناء هذا النوع من المركبات.

    وفي الوقت نفسه، اضطرت الشركة إلى استدعاء أكثر من 88 ألف سيارة هجينة قابلة للشحن من طراز BYD Qin PLUS DM-i، بسبب خلل محتمل في اتساق مجموعات البطاريات أثناء عملية الإنتاج، وهو عيب قد يؤدي إلى ضعف في قوة الدفع أو فقدان القدرة على السير في النمط الكهربائي بالكامل.

    ويثير هذا الخلل تساؤلات بشأن معايير المراقبة التقنية داخل مصانع الشركة، خصوصا وأن البطارية تعد من أكثر المكونات حساسية في السيارات الكهربائية والهجينة.

    ولا يبدو هذا الأمر حادثا معزولا، إذ يأتي ضمن سلسلة من حملات الاسترجاع التي شهدتها الشركة خلال الفترة الأخيرة، حيث سبق لها أن استدعت مئات الآلاف من المركبات بسبب أعطال مختلفة مرتبطة بالبطاريات أو أنظمة التوجيه.

    وبالتوازي مع هذه التطورات، سجلت أرباح الشركة تراجعا ملحوظا، إذ انخفض صافي أرباحها بنحو 32 في المائة في أحد الفصول المالية الأخيرة، كما تعرضت بعض الطرازات لانتقادات تتعلق بجودة الخامات الداخلية، من بينها BYD F3 2025 التي أثيرت حولها ملاحظات بشأن استخدام مواد بلاستيكية صلبة منخفضة الجودة داخل المقصورة.

    إقرأ الخبر من مصدره