Étiquette : des

  • حمودي: المواقف العربية لا تتناسب مع « محرقة » إسرائيل ضد الفلسطينيين


    حاوره: وائل بورشاشن

    في أحدث حوارات عالم الأنثروبولوجيا المغربي عبد الله حمودي، الأستاذ البارز في جامعة برينستون الأمريكية، يقدم قراءته للإبادة الجماعية للفلسطينيين التي يفسر سبب انتقالها إلى درجة “التجويع” و”الإبادة البيولوجية”، كما ينبه إلى التغيّر الجاري في قلب العالم وساحاته باختلاف لغاتها ومجالاتها بفضل القضية الفلسطينية، وما أبرزته الحرب “القيامية” الإسرائيلية الأمريكية ضد غزة وعموم الشعب الفلسطيني.

    المدير المؤسِّس لمعهد الدراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى بجامعة برينستون من بين الوجوه الأكاديمية التي قادت بجامعات أمريكية حملات مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية، بفعل تواطئها في دعم السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ويقدم في هذا الحوار رأيه في النقاشات الدائرة بالمنطقة الناطقة بالعربية، والمنطقة “الأوروبية”، ويقترح سبلا سلمية جديدة من أجل التشبث بحقوق الإنسان في فلسطين والعالم ووقف الإبادة، وعقد جديد يوصل مطالب مغاربةٍ إلى السياسات العمومية لبلدهم.

    وعبد الله حمودي من أبرز الوجوه البحثية الأكاديمية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وتقرأ أعماله بلغات من بينها العربية والإنجليزية والروسية والفرنسية والألمانية والإيطالية…

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ولا تقتصر بصماته الأكاديمية على الولايات المتحدة، بل تحضر على سبيل المثال في “المعهد الزراعي” بالرباط، و”جامعة السوربون” الفرنسية، “ومعهد الدراسات المتقدمة” في برلين، و”كرسي راجني كوثري للديمقراطية بمركز دراسة المجتمعات النامية” في نيودلهي، وقد ارتبط اسمه أكاديميا بكتب أبرزها “الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة”، وهذا نص حواره مع جريدة هسبريس الإلكترونية:

    -كيف تتابع الوضع الراهن المنتقل من الإبادة الجماعية إلى تجويع إسرائيل ساكنة غزة حيث يموت فلسطينيونَ جوعا؟.

    حرب الإبادة سائرة قبل التجويع، فقد شُنت على غزة والفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023. ونتذكر خطاب نتنياهو الذي تحدث فيه عن الانتقام، وجميع الوسائل الممكنة لأخذ الثأر، وحل مشكل غزة؛ فبدأت ماكينة الحرب، وشنت حربا على كل مستويات الحياة. والإبادة كانت مبرمجة منذ الأول، وبدأت في الخطاب الذي تحدث فيه عما يريد القيام به وجيشه، واتهم به الفلسطينيين، من قتل للأطفال… وصوّر خروجهم للهجوم على مهرجان موسيقي، على أنه هجوم على الثقافة، لا كما هو الأمر، وهو الهجوم على المستوطنات.

    منذ ذلك أتت الماكينة الإسرائيلية على الأخضر واليابس، واستعملت السلاح البري والبحري والجوي، والاغتيال في البيوت، والعمارات، دون أي تفرقة بين المدنيين ومسلحي المقاومة الفلسطينية. أي إنهم أعطوا لأنفسهم حرية ضرب الجميع، ومن بعد تبين طبعا أن ما سميت الحملة العسكرية كانت بمستوى “قيامي”، ولا يوجد أي تناسب بينها وبين ما قام به الفلسطينيون يوم 7 أكتوبر، وكأن القيامة قامت، وهو عدم تناسب بدرجة لم نكن نتصورها. وكان ظاهرا أنها حملة ليست للقضاء على حماس كما قيل، بل للقضاء على شعب بكامله.

    حماس هي شعب كله متضامن مع المقاومة، وشعب كله متضامن مع حريته، لا للقضاء على الإسرائيليين، فليست له إمكانات نتنياهو للحلم بذلك، بل هو يبحث عن حريته، في غزة المسيجة.

    دائما من جانب نتنياهو وحكومته وغالبية الرأي الإسرائيلي ما روجوا مقولات زائفة، وإشاعات من قبيل قتلِ الأطفال والعجزة. طبعا نقول إذا كانت هناك تجاوزات في قانون الحرب، قام بها من أسقطوا الجدار وخرجوا، عندما يتفق الناس على وقف الحرب يُنظر في مثل هذه القضايا. لكن المهم أن الجيش الإسرائيلي بكل مكوناته وأطره كان قائما للقضاء على الفلسطينيين، ورُوج أن كل فلسطيني هو “حماس”، وأقحمت الحاضنة الشعبية من الأول في ما يجب القضاء عليه عسكريا.

    رواية الجيش والحكومة الإسرائيلية تبدأ كل شيء من 7 أكتوبر، مثل خلق آدم، وكأن لا شيء قبل ذلك، لا 1948، لا النكبة، ولا الاستيطان، ولا ما كان الإنجليز يسمونه إرهاب المنظمات الصهيونية. هذا كلام يحاول منع ذكر ما فُعل بالفلسطينيين وفلسطين قبل 7 أكتوبر.

    التجويع مرحلة من مراحل الإبادة، وهو أقصاها، ووراءه تظهر محاولة قتل جماعي أو ترحيل أو … فالتجويع أفظع، ويضرب مكونات المجتمع الفلسطيني بكامله في غزة، ولا يستثني شيئا، وهو مختلف لكنه يتكامل مع الوسائل الأخرى التي جاءت قبله للقضاء على الشعب الفلسطيني.

    – بعد 7 أكتوبر 2023، في دجنبر وجهت رسالة مفتوحة للجميع، وخاصة لملك البلاد، لوقف الكارثة المسلطة على غزة بدعم أمريكي وأوروبي وتنفيذ إسرائيلي، لماذا اخترت وسيلة النداء؟.

    وسيلة النداء لها مبررات. أنا من دعاة الإصلاح، وهذا الإصلاح كما أقول دائما يبدأ بالمؤسسة المحورية التي هي المؤسسة الملكية. وخلافا لبعض التيارات، أؤمن بالملكية البرلمانية، وأؤمن بأن الملكية صنعها المغاربة والمغربيات، وهم رجال ونساء، لا غيرهم، ولا يمكن أن يفرض عليهم أحد من الخارج الإصلاحات، بل ينبغي أن تنبع منهم.

    هذه المؤسسة المحورية هي رمز وحدة البلاد، وبما أن رئيسها هو العاهل المغربي، وهو من يدافع عن حوزة الوطن، ويمثل الاستمرارية، وقد سبق أن كتبت هذا، فأنا واحد من الرعية أتوجه له باحترام، وأقول الأشياء التي يعرفها طبعا… وأطلب أن يسحبنا من كارثة التطبيع، ولا أعرف طبعا الإكراهات المحيطة، ولذلك قلت بتجميد التطبيع لا إلغاءه.

    لكن، اليوم يظهر أننا ينبغي أن نذهب إلى ما هو أبعد من التجميد؛ فالموقف الذي نحن فيه الآن غير مسبوق، موقف راديكالي من جهة حرب الإبادة، والتجويع، وقبله أشياء أخرى فظيعة. وأقول إن هذا ينبغي أن يناقش جهرا، لتُنقذ المؤسسة المحورية المغربيات والمغاربة من هذه الكارثة.

    -هل مواقف المنطقة الناطقة بالعربية متناسبة مع حجم ما يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد غزة بإسناد أمريكي، بما في ذلك “جامعة الدول العربية” ومواقف “السلطة الفلسطينية”؟.

    لا يوجد تناسب أبدا، ولنر الدول المطبعة مع إسرائيل. أضعف الإيمان هو أن هذا الصمت المطبق على حرب الإبادة والتجويع غير مفهوم لي؛ فلا يوجد تناسب. طبعا لم أتابع جميع الدول، لكنني مثلا أقرأ عن الجزائر، التي لها خطابٌ، وتشارك مراتٍ في مجلس الأمن، وتعضد ملف جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية؛ غير أني لم أتابع تصريحاتٍ في الجزائر. لكن أقول إن الموقف على كل حال في الدول العربية كلها ضعيف.

    لكل دولة إكراهاتها، لكن يظهر أنه يوجد هامش، كان يمكن أن يمكّن كل دولة بإكراهاتها من التعبير عن شيء، حول الجوع كوسيلة حرب ضد الفلسطينيين. هذا فظيع. وحتى الدول مثل المغرب، التي لها علاقات وثيقة مع أمريكا، وسبق أن قلتُ إن عندها هامش، لأن عندها شعب وجيش، وطبقة مثقفة، ورصيد جيو سياسي وإستراتيجي بفعل موقعها، ولها علاقات عريقة مع أوروبا…

    توجد عوامل عديدة تمكن الدول العربية من عدم التماهي أو عدم الصمت.

    -مجموعة من الدول الأوروبية وأمريكا، باستثناء إسبانيا وإيرلندا، ترى الحرب على غزة حرب مفاصَلة. كيف تقرأ هذه المواقف الأوروبية والأمريكية الرسمية، خاصة أنك تقطن بين الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب؟.

    الولايات المتحدة الأمريكية في تعاون وثيق مع إسرائيل. وكيفما كان الحال يلزم أن تحلل الخطابات التي تنشرها الولايات المتحدة ورئيسها وحكومتها. لكن في الحقيقة أنه من أيام جو بايدن (الرئيس الأمريكي السابق من الحزب الديمقراطي) ظلت الولايات المتحدة في تعاون وثيق مع إسرائيل، وتساعدها بأجَد الأسلحة وأقصاها فتكا.

    لكن مع الجمهوريين قاطبة، والرئاسة الجديدة للولايات المتحدة، كان هذا التحالف ظاهرا للكل في الولاية الأولى، حيث عينوا سفيرا صهيونيا بافتخار، واعترفت أمريكا لأول مرة بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل. وكان صهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، وهو رجل قوي، من زار الرباط من أجل الإعداد لاتفاق إبراهيم، المسمى أبراهام، وأرى صور لقاءاته.

    سياسة الحزب الجمهوري لا تحتاج مكبرا لرؤيتها. والآن تعمق هذا وزاد في جميع المجالات، وخاصة في وسائل الحرب والدعاية والتمويلات، التي بعد أي مطالعة للصحف العالمية، والأمريكية خاصة، مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”. وبادرت الرئاسة (دونالد ترامب) بتعيين سفير ينفي تماما وجود شعب فلسطيني؛ فالسفير هاكيبي كان له برنامج خاص، يقول فيه إن تلك أرض ميعاد، ولا توجد إلا يهودا والسامرة، فلا وجود بالنسبة له للضفة الغربية. ولم أسمع حكومة عربية أو رئيس دولة عربي، أو حتى مؤسسات شبه رسمية أو رسمية، قالت كلمة حول هذا.

    طبعا توجد الإكراهات والضعف، والعلاقات الاقتصادية الكبيرة، ويوجد تجذر العلاقات السياسية والاقتصادية في دول قوية بالمنطقة مثل السعودية، وتوجد طبعا القواعد العسكرية الأمريكية، والاتفاقيات المبرمة منذ زمن طويل، وتعميقها.

    لكن يمكن لكل شخص رغم هذه الإكراهات أن يقول إن معاملة الشعب الفلسطيني في هذه الحرب ينبغي أن تكون لها حدود.

    – في السياق نفسه أستاذ حمودي، خلال هذه الحرب على غزة تكرر مصطلح “ازدواجية المعايير” في التعامل الأوروبي الغربي، خاصة بين روسيا خلال حربها على أوكرانيا والحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين. لكن هناك من أجاب بأن هذه ليست “ازدواجية في المعايير”، بل هي “المعايير” في حد ذاتها؛ أي اعتبار قيمة الإنسان “الأوروبي” ومن مع المصالح “الأوروبية” ليست مثل قيمة باقي الناس، وهو ما ينسحب على استقلالية الإنسان، والدول، والحق في الرأي، بما في ذلك حرية الصحافة؛ فقبل 7 أكتوبر كنا نرى لاعتقال الصحافيين صدى عالميا كبيرا، وهو أمر ضروري، بينما اليوم قتلت إسرائيل أزيد من مائتي صحافي فلسطيني وصحافيين لبنانيين، وفق إحصاءات “منظمة مراسلون بلا حدود”، في رقم غير مسبوق، مع صمت عجيب جدا. هل نعاني من ازدواجية المعايير؟ أم إن المعايير أصلا هي عدم وجود مساواة بين الإنسان في ذهنية من يقودون مجموعة من الدول الأوروبية، وفي أمريكا ولو اختلفت القيادة الحزبية ‘ديمقراطية’ أو ‘جمهورية’؟.

    هذا سؤال مهم جدا. طبعا يوجد مستوى جواب يقول إن هناك كيلا ظاهرا بمكيالين. فالحرب الأوكرانية مع روسيا كانت منذ الأول من أولويات الحلف الأطلسي، وأوروبا الغربية. وسأحكي لك حكاية صغيرة في هذا السياق.

    جاءت للرباط امرأة من فرنسا أعرفها منذ القديم، وكانت تقدمية عاشت عائلتها في الرباط، لكن في عشائنا لم ترد الحديث إلا حول أوكرانيا، فقلتُ لها مع صديق آخر إن أوكرانيا بدأت حياتها المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفيها مصالح أوروبية، ومصالح “الناتو” الأمريكية الألمانية الفرنسية خاصة. كما قلت إنني لا أفهم لماذا بدأت روسيا الحرب، لكن السؤال هو كيف أن أوكرانيا لما استقلت قبلت توجيه صواريخ الناتو نحو روسيا؟ فأية دولة عظمى تتنافس مع أمريكا ستقبل هذا رغم الفروقات؟ وعلقتُ بأن هذا تقصير في الحذر.

    – (مقاطعا) شيء شبيه بهذا وقع في أزمة الصواريخ الكوبية مثلا، إبان الحرب الباردة الأمريكية السوفياتية…

    أجل. ولما قلنا لهم إن هناك فاجعة فلسطينية خلقتها إسرائيل، وماكينة مستمرة للسحق منذ ما قبل سنة 1948، وما سمي استقلال إسرائيل الذي هو النكبة، في قاموس فلسطين الذي أتفق معه؛ كما قلتُ لها أنا أتفق على توقيع شيء ما حول أوكرانيا، لكن على أوروبا أن توقع، وأن توقعوا معنا، على شيء حول فلسطين… لما قلتُ هذا نهض الضيوف من العشاء، وقالوا لنا، بمن فيهم السيدة التي أعرفها منذ وقت قديم: “Vous êtes des salauds”، أي “أنتم أوغاد”. وهذا شتم كبير من أصدقاء قدماء.

    جوابا عن سؤالك أقول إن هناك قيمة داخلية للإنسان الأوروبي، والإنسان الإسرائيلي الذي هو شبه أوروبي، وهي قيمة تعلي دائما من شأن الإنسان والإنسانة الأوروبيين الأمريكيين، وخاصة الإنسان الأبيض، والحضارة الأوروبية، والثقافة الأوروبية، ولكل هذا قيمة داخلية، لا يصل إليها الإنسان العربي أو الفلسطيني.

    -(متفاعلا) أولا، الصهيونية إيديولوجية أوروبية بامتياز، كما قال أبراهام السرفاتي. وثانيا التلقي الأوروبي للمحرقة، مقارنة بجرائم أوروبية أخرى ضد الدول الإفريقية والأمريكتين، ومنها تأسيس أمريكا على إبادة شعوبها الأصلية. وهنا أستلهم ما قاله إيمي سيزير، وهو أن اعتبار “الهولوكوست” الفاجعة الأكبر له علاقة بما قام به أوروبيون ضد أوروبيين آخرين، أي كيف مارس الأوروبيون هذا على من هم مثلهم. بينما الجرائم الأوروبية الأخرى، ولو تعددت وعبرت القرون وأودت بضحايا أكثر، فإنها تبقى في ظِلّ الجريمة التي طالت أوروبيين من طرف أوروبيين آخرين. ما رأيك؟.

    يظهر لي أني متفق تماما مع هذا، وسبق أن قرأت نص إيمي سيزير حول الأمر.

    بمعنى أن السؤال الأوروبي هو كيف وصلنا إلى ممارسة المحرقة ضد أوروبيين آخرين؟ والمبطن في هذا هو أن ممارسة هذا ممكنة ضد الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، حيث توجد الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعرضت لإبادة ومسح جسدي وثقافي، وهي إبادة صارت عادية، بل إن السينما الأمريكية التي هي ماكينة طبّعت الناس معها… والناس يتحدثون عن الجيش، ولا يتحدثون عن هوليوود التي هي ماكينة الحرب الثقافية ضد ثقافة وحضارة الشعب الأصلي الذي سموه هنديا، وما سموها أمريكا التي صيّروها “لاتينية”.

    لا توجد السينما فقط، بل الاستشراق كله. أحد أكبر المستشرقين زميلي الراحل برنارد لويس كان فيه دائما مشكل الدفاع الراديكالي البروباغاندي الانتقائي… ولو أنه عالم كبير له اطلاع كبير على تاريخ الشعوب العربية، لكن له انتقائية لا يمكن أن تنتبه لها دائما، لأن خطابه يظهر مبنيا علميا، وهذا خاطئ.

    هذا شائع، فمثلا الجمعيات العلمية التي لعبت دورا كبيرا حول الشرق الأوسط والإسلام كانت تسيطر عليها شبكة برنارد لويس وأصدقاؤه في جامعات أخرى؛ وظاهرها العلم، إلى درجة أن العرب وغيرهم ممن درسوا عنده تشربوها.

    كنت عضوا في بعض هذه الجمعيات، وكنت أرى هذا. والمشكل أنهم أعضاء جامعات عريقة، والناس من العالم الثالث يحبونهم، من عرب وغيرهم.

    منذ كتابات إدوارد سعيد وغيره كان هناك جديد، لأنه كانت فيه منهجية جديدة، لها خاصية البحث بوسائل لغوية أخرى الفرضيات المبطنة في خطابِ مستشرقين، والفرضية المبطنة هي التفوق الأوروبي.

    كنت أتحدث مع برنارد لويس، وكنا نجلس، مع فارق السن، وكان يسألني: قلي ميدانا تفوق فيه العرب؟ وعندما أقول له تفوقوا في الفلسفة والرياضيات والجغرافيا في وقت، وكانت الإنجليزية اللغة العالمية في وقتٍ… وأريه كتبا حيث كان البحث في الرياضيات، لم تكن بينها هوة وبين الرياضيات الأوروبية، لكنها زادت بعد ذلك، وكنت أقول له إن ما علينا البحث فيه هو هذه الهوة. ويوجد تاريخ الحروب بين أوروبا والبلدان العربية، والإمبريالية، فيقول لي هذا غير موجود.

    كان برنارد لويس يسألني: هل اخترع العرب شيئا يشابه أو يمكن أن ينافس الموسيقى الكلاسيكية مثل موزارت وبيتهوفن؟ فأجيبه: لقد اخترعوا موسيقى أخرى، ولماذا تريدهم أن يخترعوا ما اخترعه سيباستيان باخ في بيئته؟! لكنه لم يكن يريد أن ينصت، حتى لو تحدثت معه عما يُستوحى في موسيقات أوروبية من العود العربي، وأن عليه تعلم الموسيقى ليفهم الأمر. لم أكن أقول له إن العرب سبقوا في كل شيء، لا بل سبقَنا من سبقنا، وعندنا ما عندنا… لكنه كان يغضب ويبدل الموضوع، ويعود بسؤال في جلسة خاصة أخرى، لأنه كان يريد البحث عن حاجة خاصة في العقل الأوروبي ولم يستوعبها المسلمون والعرب. وكنا نفترق على الأمر نفسه. هذا هو التعالي المبطن في أوروبا كلها.

    بعد الحرب العالمية، والستينيات والسبعينيات، كانت هناك مناقشات، وتقدمات فلسفية، حاولت الدفع بشمول في زمن النضال ضد الاستعمار، ولكن بقي هذا الأمر مزروعا داخل العقل.

    طبعا توجد تيارات أخرى اليوم مثل “الووك”، والجندر… ويحاربها اليوم تيار “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا”، لأنها داخلة في ثقافة التعددية. ويدافَع ويطبق الكيل بمكيالين صراحة من طرف التيار الجديد، بينما كان يمارسه برنارد لويس مبطنا.

    في أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا، الفلسفة الأوروبية كلها تقريبا غرقت… وكبار الفلاسفة الألمان الذين أعرفهم مثل هابرماس يدافعون عن سكوت ألمانيا عن الإبادة، أو لا يتكلمون. صوت هابرماس مُسح، وقد كان يعد من كبار فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وجاء من سلالة تقدمية مثل هوركهايمر وأدورنو، وقد غرق الآن وولّى.

    يمكن أن نقول إن العقل الأوروبي أغرق نفسه، بازدواجية المعايير، أما في فرنسا فقد غرق أيضا، ولا يمكن أن نعدّ أمثال آلان فينكلكروت وبرنارد هنري ليفي فلاسفة، فليس لهم رصيد فلسفي، عكس الجيل الذي قبلهم مثل سارتر ودولوز. لكن هؤلاء هم الظاهرون تلفزيا، ويسيّرون الرأي، بما فيه الفلسفي، والآخرون باهتون، ومعهم معظم الإعلام، والأوساط التي استولت على الاقتصاد والسياسة، وهذه فاجعة.

    الفكر الأوروبي، فكر إنساني مثل باقي الفكر، وكانت له عطاءات، لكنها تلاشت، وولّت. من سيثق اليوم بالفلسفة الأخلاقية الأوروبية مع هذا الكيل بمكيالين؟ لقد ولّت الثقة.

    -اشتغلت، أستاذ حمودي، من داخل مؤسسات أكاديمية قلت إنه يطبَع العديد من مثقفيها حكمٌ مسبق حول مركزية مركزٍ وهامشية بقية العالم. لكن كانت لك من داخلها مبادرات مثل الدعوة للمقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وهو ما جاء في وقت لاحق لأنه بعد اتفاق أوسلو كان لك اتجاه أكبر نحو “التقريب” وما سمي سلاما دون حرمان الفلسطينيين من حقوق الإنسان. ما الذي قادك للدفاع عن المقاطعة المنهجية للمؤسسات الإسرائيلية بوصفها مؤسسات متورطة في المس المنهجي بحقوق الفلسطينيين من الحياة وصولا إلى الدولة المستقلة؟.

    في كل حياتي لم أقبل الاضطهاد ضد فلسطين، بتحالف وتعاون مع القوة العظمى في القرن التاسع عشر التي هي بريطانيا، وبعدها أمريكا. لم أكن أقبل هذا فلسفيا منذ كنت تلميذا في الثانوي.

    سؤالك مهم. عندما تعبت من الحياة الأكاديمية في المغرب، وقد كنت في المعهد الزراعي، وكان من المؤسسات التي تعتني بها الدولة أيام المرحوم الحسن الثاني، وتكونت فيه طبقة من الأساتذة، وكنا نشتغل بشكل جيد، عندما تقدم المعهد نفسه، وصار مثل جامعة لكل التخصصات المرتبطة بالزراعة، وتفوق. وفي زمن المدير عبد الله البقالي كان مديرا يفهم، ولم يكن يتكلم كثيرا، وكانت له مواقف تحترم الدولة، لكن تريد أن تقدم باتزان شيئا يخدم البلاد.

    من بعد تلاشى هذا، وبدأ التضييق. وبعدما جاء الراحل الحسن الثاني لتقديم الشهادات للطلبة، وتشجيعهم والأساتذة، في مبادرة رائعة، وجدت في السنين الأخيرة أنه بدأ التضييق، وبدل الكلام على الإصلاح الزراعي صار الأمر تقنيا بالحديث عن الإصلاح الفلاحي، ولم يعد النقاش هو الإصلاح الذي يمكن أن يعم ويمكن أن يستفيد منه عامة المغاربة والمغربيات. وكانت مناظرة كبيرة مفتوحة، ونادوا علينا وعلى برلمانيين، واشتغلنا، وكانت اختلافات، وحاولنا الخروج بشيء لتقديمه لجلالة الملك، واستقبلنا وخطب فينا، وقال إنه أمر القرض لتمويل المشاريع الناجحة للإصلاح الفلاحي.

    ثم بدأت المبادرات الموجهة، التي يشارك فيها مستثمرون في زراعات مثل الموز، وأتت شخصيات رسمية تحرص على زراعة معينة، وتغيرت علينا الأمور. وكانت لي علاقة مع جامعات أوروبية، وخاصة فرنسا وإسبانيا، وكانت لنا برامج مع بعثة أمريكية تسهر على برامج شابات وشباب يعدون أطاريح دكتوراهم. وكنت آتي لأمريكا، وتترجم دراساتي، وأستقبل دعوات في جامعة نيويورك وجامعة برينستون. في ذلك الوقت استقبلت دعوات من رؤساء شعب للتدريس بالولايات المتحدة، فقلت سأدرس فصلا معكم لأن أجرتي لا تكفيني، لكن أريد دائما العودة إلى المغرب، لأن هدفنا مع بول باسكون وآخرين كان تعليم المغاربة والمغربيات.

    لكن، مع الضغط، وعندما لم تعد منح البحث مع الوزارات، وصارت توجّه إلى أناس آخرين، رغم بحثي في مشاريع من بينها مشاريع الوزارة الوصية نفسها، صار من الصعب إطاقة التهميش مع الوقت. فدرّست لفصل، ثم مع إلحاح وصدفة، بتزامن مع أوسلو، قلت إن الأمور قد تسير في اتجاه آخر، ولو أني لم أكن مطمئنا تماما لـ”أوسلو”، لكن قلت سيكون هناك ثلثا حق، أو نصف حق يمكن أن يطوره الناس، وسُمّيت في شعبة الأنثروبولوجيا وشعبة الشرق الأوسط.

    بعد ذلك تبين أن “أوسلو” كانت مجرد مرحلة، وبدأ الاستيطان يتم باسمها؛ وجاء حزب الليكود، ثم بدأ ينقضي كل ما في أوسلو في واضحة النهار.

    في شعبة الشرق الأوسط كنت أحضر بعد هذه المرحلة مناقشة ملفات أساتذة وأستاذات متفوقين في جامعات أخرى، لكن في الاجتماع كان يكون التصويت قويا، وأي أحد كانوا يشمون فيه ولو رائحة طلب العدل بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يقبلونه، بوسائل شتى، فقدمت استقالتي من الشعبتين.

    عندما تبين أن أوسلو كانت بمثابة الخدعة المرحلية، لخدمة هدف القضاء على الفلسطينيين، وهي الفترة التي كان فيها إدوارد سعيد ضمن لجنة منظمة التحرير الفلسطينية، وقدم استقالته مع آخرين، وكان الدكتور المحترم عبد الشافي في مناقشات كامب ديفيد. وتبين أن لمنظمة التحرير خطين أحدهما سري لم يناقش مع الفلسطينيين المسمين رسميا من المنظمة بوصفهم المخاطب، مثل مناقشات إسرائيل اليوم حول غزة، أي فريق لا صلاحيات له، وفريق له قوة دولة إسرائيل، فيمكن بذلك التملص من الاتفاقات، بحجة أن أولئك مناقِشون دون صلاحية أخذ القرار.

    رئاسة الفلسطينيين، لأسباب ما لم تشعر، أو لا أدري… ولا أتهمهم بخيانة أو شيء لأن تلك هي السياسة. الأساس أن في “أوسلو” كانت بذرة الفشل، ولم نعٍ ذلك، لا أنا ولا أناس أكبر مني مثل إدوارد سعيد، ورأينا في البدايات أنه يمكن أن يكون خطوة أولى… لكنها كانت خطوة أولى لصالح خطوات أخرى إسرائيلية، والماكينة كانت مُعدة لطحن وبلع الفلسطينيين وأكثر ما يمكن من أراضيهم، والضغط عليهم، وسجنهم، وتعذيبهم، وخرق كرامتهم الإنسانية.

    لما عينت رئيسا للمعهد الإقليمي ببرينستون لمدة عشر سنوات أعطيت القضية الفلسطينية علنيا الأولوية، في المحاضرات واللقاءات المنظمة. ومثل المغرب، ما أفكر وأؤمن به أقوله علانية في أمريكا، فغيرت رأيي ولم أعد مع أوسلو، وهو ما ظهر في برامج المعهد عبر الإقليمي.

    – منذ بداية الحوار، أستاذ حمودي، تكرر حديثك عن “الإكراهات” وتفهمها. نرى في المغرب في السنة ونصف السنة الفارطة آلاف الاحتجاجات في مختلف المدن، وفي الوقت نفسه يُطرح سؤال الجدوى. من جهة، الرأي العام العالمي وصلته حقيقة الصراع على الأرض، لكن في الوقت نفسه يصطدم هذا بتجويع مستمر حاليا دون قدرة على إنقاذ أطفال عمرهم أيام يقتلون جوعا، ولا أحد يستطيع إنقاذهم ممن يرفعون أصواتهم ضد هذا. كيف ترون هذا التقابل بين الصوت المحلي المحتجّ في كل دولة من الدول والواقع المفروض من طرف القوى الكبرى للعالم، أو من لهم قدرة فرض رأيهم ورؤيتهم في العالم؟.

    أتفق معك، على استفسار ما بين القدرة والإكراهات. وفي مستوى العلاقة بين الدول طبعا الدول المهيمنة مازالت هي أمريكا وأوروبا. وهناك دول أخرى لها قوة، وصارت تتقاسم الهيمنة مع أمريكا، وهي الصين خصوصا، وقبلها روسيا، لكن الصين قوة شاملة. كما أن هناك دول البريكس ذات الوزن. لكن مازالت أعظم قوة عسكرية وأكبر سوق اقتصادية هي أمريكا، وفيها توجد الأموال التي تمكنها من شراء العالم بأكمله.

    سوق أوروبا وأمريكا هو الذي يسهم حتى في نمو الأسواق المناهضة مثل الصين، ومازال الدولار هو العملة.

    عندما أتحدث عن الإكراهات حول المغرب أو غيره فإن القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية مازالت الولايات المتحدة ولو تراجعت؛ وقد كانت قمة عزها في الخمسينيات والستينيات، ومن ثم يُفهَم شعار حملة ‘الجمهوريين’ “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”، هي نوستالجيا… لها الجو، والأرض، والبحر، لكن لا تستطيع القيام بالكثير في بحر الصين، أو البحار الآسيوية بين اليابان وسيبيريا.

    في المغارب مثلا لنا أمور تعطينا مكانة في التفاوض سياسيا واقتصاديا، وهو هامش يمكن استعماله، ويظهر لي أن استعماله بطيء أو أنه هامش غير مستعمل في أمور من بينها الموقف من فلسطين؛ فعاهلنا مثلا هو رئيس بيت مال القدس، والصندوق يقوم بأمور مثل التعاون والإعانات العلنية والسرية. لكن في مرحلة وصول الحرب إلى تجويع شعب بأكمله فإن الصمت كبير جدا. وتوجد مظاهرات، ما يعني أن هذا يتناقض مع مشاعر الشعب.

    أنا لا أبحث عن أي فرصة للتبخيس، فأنا أؤمن بأن المؤسسات ينبغي أن تساير شعور الشعب، وخصوصا في هذه القضية. أشعر بالإكراهات، ويمكن أن أتفهمها، وسبق أن كتبت تفهمي ما يقتضيه الحفاظ على الوحدة الترابية، ومحاولة المؤسسة خلق نوع من التكافؤ في التسليح بوسائل أخرى لأنه ليس لنا بترول، ولا يمكن أن نخترعه، ولا أقبل أن نهدد في وحدة بلادنا. لكن، أقول إن للشعب المغربي مكونات، وإنه سيتطوع كله للدفاع عن الحدود والوحدة الترابية إذا حدث ما يمسها. لكن توجد هوامش حتى لا يبقى هذا الصمت المطبق على ما يحدث في فلسطين، الذي له آفاق عالمية، لا محلية أو قطرية أو جهوية فقط، فهي قضية العالم الآن، ولو لم يرد البعض الاعتراف بها، ومنها يمكن أن تتفرع أمور خطيرة بالنسبة للحروب المقبلة، وفي ما يتعلق بانهيار المعايير الأخلاقية في الحروب، انطلاقا مما هو ظاهر في حرب إسرائيل على غزة. وهذا خطير على مستقبلنا، ومستقبل الشعوب الأخرى.

    – بمثل هذا النّبْرِ. يوجد ما يقود للأمل مثل اليقظة الكبيرة في الرأي العام العالمي في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا مثلا، من طلبة ومجتمع مدني. لكن، يوجد ما يقود لليأس مثل الهيمنة الفائقة التي تزيد وتلتهم حتى مساحات الحرية الداخلية في دولٍ غربية، وتلتهم حتى أبناءها وحقهم في الرأي والضمير والدفاع عن حقوق الإنسان. ما شعوركم تجاه هذا الواقع؟.

    توجد محاولة فرض واقع جديد يقتل الرأي، وباستعلاء وفي واضحة النهار: يقتل ويقول أنا أقتل، يجوّه ويقول أنا أجوّع.

    لكن، أريد أن أقول إن الشعوب والأنظمة في اختلافٍ، لا عندنا فقط، بل لدى الشعوب كلها التي تشعر بحاجة النضال ضد هذا الواقع الجديد، بالوسائل المشروعة. ولا ينبغي أن تتخطى المعايير الإيتقية (الأخلاقية) التي خطتها القوى العظمى وإسرائيل. فيوجد هذا التناقض الكبير بين شعوب ما كان يسمى العالم الثالث، ويسمونه الآن الجنوب العالمي.

    قضية فلسطين تظهر التناقض أيضا بين الشعوب العربية وأنظمتها. والهجرة العالمية بهذه الدرجة من كل الجهات إلى كل الجهات شيء جديد، ففرنسا مثلا صارت شَعبا عالميا، والفرنسيون يسافرون إلى أين أرادوا، وغير الفرنسيين رغم الفرق الاقتصادي يذهبون ويستقرون في أوروبا رغم القمع والحدود، ويرتبطون بالبلدان التي جاؤوا منها، وقضاياهم، ولا يمكن القضاء عليهم في باريس ولندن، وغيرها من العواصم، ومنهم من تعب من أوروبا وعاد، حتى في حالة المغرب رغم الصعوبات. وهذا مكون أساسي للعولمة.

    في أوروبا يظل هامش ديمقراطي، رغم محاولات القوى اليمينية والتسلطية؛ فالتسلط لم يعد كما كتبت عليه في المغرب، فقد تطور بدوره، ونحاول الآن فهم التسلط الجديد بأمريكا، مثل أن ترامب يكلف اليوم فقط مقربيه في مهام، مثل صديقه في الأعمال ويتكوف، الذي تفوق مهامه عمل وزارة الخارجية الأمريكية، وهذا أمر ليس مثل السلطوية المغربية أو الجزائرية، لكن هناك أمورا تتشابه.

    أكبر المظاهرات مع فلسطين نظمت في أوروبا، مثل مظاهرات لندن والدانمارك. وتابعت مظاهرات في برلين فيها ألمان ومجنّسون، ما يعني أنه خُرق المنع الذي كان يتَّهم بمعاداة السامية كل حديث عن كل ما فيه يهود وإسرائيليون. لكن، في لندن تابعت اعتقال إنجليز من أصل إنجليزي لحملهم علم فلسطين. وفي أسكتلندا عندما ذهب ترامب للغولف وجد نفسه وسط مظاهرات، بمشاركة أناس كثيرين، تطالبه بالرحيل.

    الاختلاف ما بين الشعوب وأنظمتها يوجد أيضا في أوروبا وأمريكا، حيث يتظاهر الناس، وتحضر الشرطة والعسكر، ويطالب أمريكيون بإنهاء الموقف الأمريكي إزاء الحرب، التي تفرضها إسرائيل بمساندة أمريكا، على الفلسطينيين.

    الواقع الجديد الذي يتبلور اليوم ينبغي أن نراه محليا وحول الكرة الأرضية، وفيه جوانب تفند التصنيفات المفروضة. ويمكن أن يأخذ المغاربة والمغربيات العبرة من هذا وأن ينتفعوا منه، دون قول إن هذا في ثقافةِ آخرين، وإن لنا واقعنا، فواقعنا وثقافتنا يتغيران أيضا من الداخل والخارج.

    توجد مرحلة جديدة من النضال والواقع والسياسي، وأقول في هذا الإطار إن مظاهرات الرباط لها شعارات أتفق معها لكنها ينبغي أن تخرج من العمومية، ولا تكتفي بقول “الشعب يريد إسقاط التطبيع”، بل أن تقول للمسؤولين ما تريده بالضبط، فَهُم مكون من المجتمع، ولا أقول إنهم كل المجتمع وكل قواه، لكن ينبغي أن يكون ما يصبو إليه النساء والرجال في مظاهراتٍ ضخمة مسموعا، وأن تبدأ المناقشة في إحقاق أشياء في الواقع، وأن يتحمل الناس مسؤوليتهم.

    قرأت تصريح محمد عبادي، الأمين العام للعدل والإحسان، الذي يتحدث فيه عن المسؤول عن التطبيع، وما أقوله هو إن الصمت ينبغي أن يكون له حد في حرب الإبادة والتجويع.

    وينبغي أن يتجاوب المسؤولون ويتناقشوا علنيا، وتكون نتائج في أرض الواقع تجاه التطبيع، لأن وجود الحرب الجديدة لا يطاق أخلاقيا وإنسانيا.

    أقول هذا دون أن أطلب نظاما آخر، بل أطلب الله أن يكون نوع جديد من التعاقد الاجتماعي، مع أن معنى الكلمة تقادم قليلا، حتى يجد الشعب بطبقاته قدرا من نفسه في السياسات العمومية، وخاصة الخطاب الرسمي والسياسات تجاه القضية الفلسطينية؛ لأنها قضية العالم اليوم.

    في هذا الوقت إٍسرائيل كدولة وكحزب حاكم تريد أن تشطب على وجودك. لا أقول كل اليهود، بل إسرائيل بوصفها دولة جديدة، حديثة، بآلياتها التي تأتي بتأويل خاص بها للديانة اليهودية، وهو ما يقوله لها يهود “ناطوري كارتا” مثلا، ومثقفون كبار في إسرائيل وضد إسرائيل، ومظاهرات يهود يقولون “ليس باسمنا” ضد ما تقترفه باسم ديانتهم إسرائيل. بل بلغنا أمرا جديدا كثيرا، حيث قرأت في “نيويورك تايمز” مقالا يقول إن اليهود ليسوا على فكرة واحدة اليوم.

    قرأت ما كتبه السيد علي بوعبيد وأحترم ما يكتبه، وقرأت تعليقك الرائع حوله، ولا أقول هذا مجاملة. لكن أقول على أي حال ينبغي أن تكون حرية الضمير للجميع، للمغاربة اليهود والمغاربة المسلمين والمغاربة العلمانيين أو من لهم قناعات فلسفية. ومن لا يريد أن يتكلم لن أقول له سندخل ذهنك، ولا بد أن تتحدث. فحتى المسلمون منهم من لا يتحدث، منهم فقهاءٌ ومنهم أناس من عامة الشعب، وغيرهم، ولن نهددهم بالسجن أو الإبعاد إذا لم يتحدثوا.

    المهم هو أن الناس الذين يدعون ضد المغاربة كمغاربة ينبغي أن نحاربهم بالقلم، وبالدعاية المشروعة، وبالأفكار، ما عدا من يتعامل مع دولة أجنبية مثل إسرائيل ضد مصالحنا وضد دولتنا. أما أن يتكلم أو لا يتكلم فأمر آخر.

    في النضال من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني علينا فتح القنوات مع التيارات اليهودية المناهضة للصهيونية، والحوار العلني والمفتوح دون محاكم تفتيش مع المغاربة اليهود القادمين من إسرائيل أو القاطنين بالمغرب.

    لا يمكن أن ترى مظاهرات اليهود في نيويورك، وأن لا تقابلهم وهم يطالبون بتقرير مصير الشعب الفلسطيني. ينبغي أن تفتح القنوات، لكن بشكل واضح.

    قرأت عريضة بالعربية لمثقفين مغاربة، وهذا أمر جيد؛ فكلما تعددت الأصوات فهي جيدة. المسألة الفلسطينية يتجاوز أفقها الانتماءات السياسية، لأن أفقها جديد، ومن أراد النضال مع حزب أو نواة حزب فلا إشكال. لكن القضية تتجاوز التصنيفات، وتهم مستقبل الكرة الأرضية كلها. فلا ينبغي أن ننسى أن إسرائيل مسلحة نوويا، وحظر السلاح النووي محتكَر، ويحفز دولا أخرى على امتلاك السلاح النووي، كما حدث مع الهند وباكستان وكوريا الشمالية، واليوم تحاول وستنجح في ذلك دول أخرى. وهذه خطورة كبيرة. كما رأينا أن الحرب الإسرائيلية على إيران لم تكن معلنة، ولم يكن نقاش حولها في الأمم المتحدة، في خرق للقانون الدولي، وواقع جديد.

    أعود إلى سؤالك الأول حول التجويع. قرأتُ في الصفحة الأولى من “نيويورك تايمز” أن عسكريين إسرائيليين يقولون إنه لا أساس لما تقوله الحكومة الإسرائيلية حول سرقة ‘حماس’ للإعانات، بل إنه تحت إشراف الأمم المتحدة كانت الإعانات معممة وآمنة وأحسن بكثير وتوزع في أماكن وجود الناس لا على بعد كيلومترات.

    أمام الآن فنحن أمام مصائد تقتل الفلسطينيين من البحر والجو والأرض ورصاصٍ أمام مؤسسات، بتعاون بين أمريكا وإسرائيل، تضع أماكن مخصصة للإعانة الإنسانية كما يسمونها، ولكنها في الحقيقة مصائد للجياع، فيها مرتزقة أمريكيون، وتحرسها قوات إسرائيلية، تقصف بالرصاص، فتصير فوضى، لتحمّل المسؤولية للفلسطينيين كذبا، وهذا كذب يبنى عليه كذب، وتبنى عليه منظومات تراجيدية تعدم الفلسطينيين في الأخير.

    هذا هو التجويع، الذي لا يطال الأطفال والنساء والرجال فقط، بل أطر المستشفيات أيضا، الذين لا يتعدون وجبة في اليوم إذا توفرت، وهذا مؤشر على الانهيار، فالمستشفيات كلها مخربة بالقصف الجوي، والعسكر الإسرائيلي على الأرض دمر الأدوية والأدوات الطبية، ويمنع دخول الإعانات الدولية. هذا قضاء بيولوجي على شعب بكامله، فإذا انهارت الأنظمة الصحية والأطر الصحية فلا أحد يمكنه إنقاذ الشعب الجائع ومداواته.

    ما أقوله هو: صور البحث عما يسد الرمق لا تحط من كرامة الفلسطينيين، بل تحط من كرامة من يسهرون على ذلك من أمريكا وإسرائيل. ومحاولةُ القضاء البيولوجي على الشعب الفلسطيني بغزة شيء جديد، ومحرقة عمومية بمعنى الكلمة، تطرح علينا سؤالا حول مواقفنا كلنا، لا موقفِ نظامٍ فحسب. وعلينا البحث عن طرق أخرى للتعبير اليومي السلمي عنه، في الشارع وغيره.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Évasion fiscale et rôle de l’intelligence artificielle dans sa lutte : approche analytique

    par Hani El Mokhtar

    Depuis l’Antiquité, les modes d’acquisition des ressources ont varié parmi les peuples et sociétés humaines, passant de l’agriculture et de l’élevage au commerce et à l’industrie. Avec le développement de ces activités et le besoin croissant de protection des biens, des personnes et des échanges commerciaux, s’est imposée la nécessité d’un cadre politique et institutionnel capable de fournir des services essentiels tels que la santé, le logement et les infrastructures. Cette organisation a conduit les États à diversifier leurs sources de revenus, notamment par l’élargissement de l’assiette fiscale et la multiplication des impôts, allant des taxes sur les récoltes et le bétail aux taxes foncières et sur les revenus.

    Au début du XXe siècle, les systèmes fiscaux se sont complexifiés, intégrant des impôts sur les revenus du capital, les bénéfices des entreprises, les investissements et les salaires. Cette complexité a poussé certains…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ابتسامة السيادة .. الصورة البروتوكولية تمثيل بلا مضمون وإيحاء بلا معنى

    عبد الفتاح لحجمري
    “Une bonne photographie consiste à savoir capturer la profondeur des sentiments, pas la profondeur du champ.” Peter Adams “La meilleure chose à propos d’une image est qu’elle ne change jamais, même lorsque les personnes qui y figurent changent.” Andy Warhol “Ce que j’aime dans les photographies, c’est qu’elles capturent un moment qui est parti pour toujours, impossible à reproduire.” Karl Lagerfeld بورتريه السلطة: عندما يُعاد تشكيلُ الواقع وُقوفاً

    لسْتُ مُتأكدًا تمامًا متى بدأ وَلَعي العجيب بالصّور البروتوكولية، لكنني أستطيع القول بثقة، هي صنف من الصّور التي تُثير في نفسي ما لا تُثيره اللّوحات الفنية، ولا الكتب الفلسفية، ولا حتى أحاديث المقاهي؛ إنها تحفٌ بشرية مُؤطرة بالإجبار، تشبه ضحكة موظف في عزّ التقشف.

    لماذا إذن أحبّ الصّور البروتوكولية؟ ربما لأنها تُقدّم لنا أعمق خطاب من دون أن تنطق بكلمة؛ صورة واحدة تكشف حجم الكذب البَصَري الذي نعيشه يوميًا، لكنها تفعل ذلك بربطة عنق مُتقنة، ونظرة بعيدة، وخلفية وطنية. ولماذا تثير انتباهي؟ لأن كل شيء فيها مدروس حدّ العبث: الكرسي ليس للجلوس، وإنما لتأكيد المقام؛ والوثيقة على الطاولة ليست للقراءة، وإنما للتوقيع الفوتوغرافي؛ وأما الابتسامة فلا تعكس السّرور، بقدر ما هي للضرورة البَصَرية. لماذا أتأملها بلهفة؟ لأنها اللحظة التي يمنح فيها الحضور الإنساني للسّلطة طابعًا شبه مقدّس؛ وربما لأنها معْمودية المسؤول: لا يُعترف به إلا حين يظهر محاطًا بجمهور واقف بعناية، وسجادٍ أحمر، وستارة توحي بوقار المؤسسة (حتى لو كانت مُفلسة). ولذلك فهي صورة تُلخّص كل شيء: اجتمعوا، تصافحوا، ناقشوا شيئًا ما، اتفقوا على شيء غير محدد… انصرفوا وكلّهم أمل في أن تُنشر الصورة قبل أن تُنسى المناسبة. لأجل ذلك كله تُضحكني الصّور البروتوكولية بقدر ما تُخيفني، تُريني وجهًا رسميًا للحياة شديد الهشاشة، كأنني أشاهد تمثيلية يؤديها الجميع باحتراف، ولا أحد يجرؤ على نسيان دوره، ولو لثانية. فمن يخطئ في وقفته، أو يضحك في غير أوانه… قد لا يظهر في الصّورة القادمة.

    احتفالٌ بالعَلامة حين تنفَصلُ عن المرجع

    من منظورٍ سيميائي ليست الصورة البروتوكولية مجرّد تمثيل لواقعة سياسية أو إدارية، بقدر ما هي نظام دلالي قائم بذاته، يصنع واقعه بدل أن يُحاكيه. من هذا المنظور فهي تُوثّق حدثًا، وتُنتجه رمزيًا في الآن ذاته؛ فالاجتماع ربما لم يكن مُثمرًا، والحوار قد يكون سطحيًا، لكنّ الصّورة تعلن نهاية ناجحة، مهما كانت البداية هزيلة. في هذا السياق تتحوّل الصورة إلى ما يُسميه رولان بارت “العلامة المجرّدة” وقد انفصلت عن مرجعها الواقعي، لتُصبح رمزًا مستقلًا بذاته، يُؤدّي وظيفة اجتماعية ومعرفية. فمن يُشاهد صورة لوزير يُصافح نظيره لا يسأل أبدًا: ماذا دار بينهما؟ لأنه يكتفي بما تقوله الصورة بصمتها السّاحر: “هناك علاقة، هناك تواصل، هناك سياسة قيد التشكل”. ولو لم يكن هناك شيء فالعَدسة كَفيلة باختلاق شيءٍ منه.

    بهذا المعنى، حين نُحلّل الصّورة البروتوكولية لا نحلّل وجه الوزير أو زاوية الالتقاط فحسب، بيد أننا نهتمّ أكثر بتحليل بنية خطابية كاملة: ملابس، ترتيب مكاني، خلفية، تعابير وجه، توقيت النّشر، والتعليق المُرفق. فكل عنصر في الصورة يُنتج معنى، ويُحيل على شيء “واقعي”، وعلى “السّلطة بصيغتها المثالية”. بهذا الخيار يتقاطعُ التحليل السيميائي مع رؤية جان بودريار التي يدافع فيها عن فكرة اعتبار الصورة مثالًا ناصعًا على “محاكاة المحاكاة”، حين لا تُحاكي واقعًا سياسيًا، وإنما تحاكي صورة مثالية سابقة عن “كيف يجب أن تبْدوَ السّلطة”.

    في الصورة البروتوكولية لا أحد يُدير ظهره لأحد. كل الأكتاف متجاورة، كل الرؤوس مُنتصبة، وكل العيون تنظر إلى عدسة المصوّر وكأنها تنتظر خَلاصها: رؤساء، وزراء، وفود رسمية، وحتى مُصافَحاتٌ لا أحد يذكر بعدها ما الذي اتُّفِق عليه. المهم أن الصورة وُثِّقت، والربطة مُنسَّقة، والبذلة خالية من التجاعيد. أحيانًا، يتفوّق المصوّر على الفيلسوف، فهو الوحيد القادر على جعل الوقت يبدو ثابتًا، والموقف واضحًا، رغم أن لا أحد يفهم ما الذي يحدث حقًا. خذْ أيَّ صورة لمؤتمر دوْلي سترى المشاركين يقفون مثل تماثيل شمْعٍ مُحترمة، لكنهم في الواقع يُفكّرون في أشياء شديدة الخصوصية: أحدهم يتمنى لو لم يأكل ثومًا في الفطور؛ والآخر لا يتذكر اسم الزميل الذي يقف بجانبه. لكن، هل تساءلنا يومًا: من يلتقط الصور للبؤساء؟ للفقراء؟ للمُعلّمين المُنهكين؟ للمُزارعين الذين لا يعرفون معنى كلمة “بروتوكول”؟ لا أحد؛ لأنهم ببساطة لا يرتدون بذلات رسمية، ولا يقفون على سجاد أحمر، ولا يهم إن كانت ربطات أعناقهم متناسقة.

    السُّلطة المَرْئية: حين يُصبحُ الظهور بديلاً عن الإنْجاز

    في أنظمة تُحب الطقوس أكثر مما تُحب النتائج تُصبح الصورة البروتوكولية دليلاً على الفعل، حتى وإن لم يحدث الفعل؛ إنها “دليل إثبات رمزي”، كأن الوزير لا ينجز شيئًا حتى تُلتقط له صورة، وكأن المؤسسة لا تُوجد إلا عندما تُعلن عن نفسها بصريًا. ولذلك تُنتج الصورة الرسمية شعورًا جماعيًا بـ”وجود الدولة”؛ إنها الطمأنينة البصرية التي نشتري بها القليل من المعنى في عالم تغيب فيه الفعالية. في النهاية، الصورة البروتوكولية ليست كذبًا، إنها صدقٌ من نوع خاص: صدق شكلاني، بارد، محسوب، يُرضي الحاجة إلى المعنى دون أن يُشبعها؛ هي قناعٌ فلسفي ترتديه السلطة حين لا تجد ما تُفصح به؛ تَعِد بكل شيء… دون أن تُلزِم نفسها بشيء.

    لست مفتونًا بالصورة البروتوكولية لأنّها جميلة، فهي نادرًا ما تكون كذلك، ولست مأخوذًا بها لأنها عفوية، فهي لا تعرف إلى العفوية سبيلاً؛ أفتتن بها لأنها تمثّل أسمى درجات “التمثيل”، وأقصى ما يمكن أن تبلغه الواجهة حين تنفصل عن الجوهر.

    يتحقّق في الصورة البروتوكولية شيء نادر الحدوث: تجمُّع بشري يتّفق فيه الجميع على الصّمْت، وعلى الظهور، دون أي التزام بالمحتوى؛ إنها لحظة تتجمّد فيها الحياة، لا من أجل التأمل، وإنما من أجل الإيحاء بأن شيئًا مهمًّا قد حدث؛ إنّها التجلّي البَصَري لإرادة الدولة في أن تقول دون أن تتكلّم، وأن تُعلن دون أن تُفكّر، وأن تُمسك الحقيقة من عنقها… ثم تُطلقها لاحقًا عبر بيان صحفي مكتوب بلغة مُحايدة.

    هل لاحظتَ كيف يقف الجميع في الصورة؟ الرؤوس مرفوعة، والأكتاف مصفوفة، والعيون تنظر نحو الأفق، كأنهم جنود في جيش لا يخوض حربًا، بيد أنه ينتصر فقط في ساحات الفلاش، كأنهم يُشاركون في طقسٍ حديثٍ من طقوس السلطة: حيث الرمزية تحلّ محلّ الفعل، والظهور محلّ الإنجاز، والبذلة محلّ الرؤية. المدهش أن هذه الصور تتكاثر، وتتناسخ، وتتشابه. لا تكاد تفرّق بين لقاء وزاري هنا، ووفد رسمي هناك، ومؤتمر دولي في قاعة مُكيّفة. الابتسامات هي ذاتها، الوثائق هي ذاتها، وحتى النوايا المُعلَنة… محفوظة ومتكررة، كأن الزمن لا يتقدّم، لكنه يدور حول عدَسة مُعلّقة فوق التاريخ. أكادُ أجزم أنّ الصور البروتوكوليةلا تُوثّق لما حدث، وإنما لما نُريد أن نُقنع به أنفسنا بأنه حدث؛ من ثمة فهي لا تُخاطب الحاضر، لأنها تُصمَّم خصيصًا للمُستقبل:كي نقول، ذات يوم، “كنا هناك” حتى لو لم يكن هناك شيء.

    المقعد الجانبي الذي صنع التاريخ

    في كل صورة بروتوكولية هناك مقعد جانبي يُحشر فيه موظف لا يعرف لماذا جِيء به، ولا متى يُفترض أن يغادر. ذلك الكرسي يجلس عليه شخص يحمل ملفًا بلا أوراق، أو أوراقًا بلا معنى، أو لا يحمل شيئًا سوى نظرات مُترددة تتساءل: “هل أبتسم؟ هل أنا فعلاً في الصورة؟ هل أنا موظف؟ هل أنا موجود؟”؛ ولأنه لا يريد أن يُظهر جهله بالموقف فإنه يُطبّق أرقى تقنيات البقاء الإداري: يتظاهر بالفهم؛ لا أحد يعلم اسمه، لكنه يظهر في كل الصور، كأنّه “شاهد” في محكمة الحداثة الشكلانية.

    هو لا يوقّع على شيء، لكنه يحرص على وضع نظاراته في جيب سترته كما يفعل الكبار، يبدّل موضع قدميه بانضباط تام، كأن كل إيماءة جزء من بروتوكول دولي صارم؛ ولو اقتربت من ملفه لا تجد فيه سوى وثيقة قديمة منتهية الصلاحية، أو مذكرة داخلية لا تخصه، لكنه يعرف أن الظهور نصف البقاء، وأن حركة الرأس المدروسة تُغني أحيانًا عن ألف وثيقة؛ هو متخصص في فن التموقع، ذلك الفن الذي لا يُدرّس في الجامعات، بل يُكتسب عبر التسلل الصامت إلى هامش الصورة. وفي خلفية الصورة يدرك المصوّر المحترف أن هذا الكائن الجانبي ضرورة جمالية: هو من يُحدث التوازن البَصَري، يمنح المشهد بعدًا بيروقراطيًا يُرضي الذوق الإداري العام؛ وجوده مثل الفاصلة في الجملة الطويلة، لا تغيّر المعنى لكنها تُريح العين. لكن العجيب من كل ذلك أن هذا الموظف، بعد عشرين عامًا، سيعتمد تلك الصور بوصفها دليلاً على مسيرته المهنية، سيعرضها على أبنائه كأثر من زمن الظهور، وسيُقنع نفسه أن قربه من السلطة كان له مغزى، وأنه في لحظة ما لعلّه ابتسم الابتسامة الصحيحة إلى الكاميرا الصحيحة؛ وكأنَّ الحداثة الشكلانية، وقد استدعته يومًا شاهدًا، قررت أن تُبقيه إلى الأبد في أرشيفها، كبرهان حي على أن المجهول قد يصير جزءًا من المشهد، بمجرد أن يتقن فنّ الجلوس بدون أن يطرح أيّ سؤال.

    حينما تُغيّر الكاميرا لغة الجسد

    بمجرد أن تدخل العدسة القاعة تتحوّل لغة الجسد إلى مسرحية صامتة بامتياز. من كان يصرخ يُهدّئ نبرته فجأة، ومن كان يشرب القهوة كأنه في استراحة مطعم شعبي يُخفي الكأس كأنها دليل إدانة؛ حتى من كان نائمًا نصف نومة إدارية مقدّسة يستيقظ تلقائيًا، ويأخذ هيئة “المفكّر الذي يُدبّر أمر أمة”. الكاميرا تُربّي أكثر من قوانين الوظيفة العمومية، إنها العين التي تحكم، والعدسة التي تُجمّل؛ وهي حين تشتغل تُعيد ترتيب ما يجب أن يُحدث، تُجبر الواقفين على الوقوف بشكل عمودي أكثر؛ تُولد فجأة كيمياء جماعية من التصنّع، يُصبح فيها الجميع أكثر حضورًا مما هم عليه فعلاً، وكأن الانتماء للمشهد يمر من بوابة اللقطة المُتقنة، لا من صميم الفعل أو صدق الانشغال.

    إنها لحظة إعادة تعريف الذات في ثوانٍ: يتحوّل الموظف العادي إلى شخصية اعتبارية، وتتحوّل العبثية اليومية إلى مناسبة تاريخية. كل تفصيل، من ربطات العنق إلى الحواجب المرفوعة، يُعاد إنتاجه بوصفه تمثيلًا للجدية الوطنية. ثم، بعد مغادرة المصوّر تعود الحياة إلى عشوائيتها المُحببة: صوت الهاتف المزعج، وجلسات تذمر. لكن شيئًا ما يبقى معلقًا في الهواء… إحساس غامض بأن الصورة أهم من الواقع.

    والأخطر أن هذه الصور ستغدو بعد حين وثائق إدارية تُعتمد كدليل مشاركة، ستُدرج في التقارير السنوية، وتُعرض على الزوار، وتُطبع في الكُتيبات الرسمية. هكذا تصنع الكاميرا وهْمَ الإنجاز: تجعل من حضور عابر مناسبة دائمة، وتمنح للمسرح الإداري صفة الأثر.

    لكن، ألا يحقّ لنا أن نتساءل: ما عدد العقول التي تعمل فعلًا حين تشتغل الكاميرا؟ وهل يُعتبر “تعديل ربطة العنق” قرارًا إستراتيجيًا؟ من أين يأتي هذا الحماس الفوتوغرافي المفاجئ؟ ولماذا تتحوّل نظرات الحضور إلى تأملات وجودية لا نراها في بقية أيام الأسبوع؟ وهل الابتسامة البروتوكولية تُحسب ضمن ساعات العمل؟ ثم من يجرؤ أصلًا على فرك عينه أو تعديل جوربه في لحظة تاريخية كهذه؟ ألسنا في حضرة العدالة البصرية، حيث كل حركة تُحسب، وكل وقفة تُؤوّل، وكل نظرة قد تترقى في أرشيف الوزارة؟.

    اليدُ المرتَبكَة

    هذه اليد المرتبكة ليست مجرد عضو، إنها مرآة داخلية للفوضى الذهنية. اليد التي لا تجد لها موضعًا هي يد تُعبّر عن ضياع أوسع: في الهوية، في الدور، في التمثيل. وربما لهذا السبب تُصبح الصور الرسمية مضحكة أكثر مما هي ملهمة، فبينما يصرّ العنوان الصحفي على أن “الوفد يمضي بثقة” تهمس اليد المرتبكة بالحقيقة: “نحن لا نعرف حتى أين نضع أطرافنا”.

    المدهش ألاّ أحد يُفكر في تدريب اليدين، مع أن البروتوكول يدرب على كل شيء: طريقة الجلوس، نبرة الخطاب، توقيت الابتسامة. اليد تُترك وحيدة، تخوض معركتها أمام الكاميرا بلا دليل ولا مرشد؛ وحدها تقرر، تخون أو تنجو، تُعبّر أو تُربك. وهكذا، تتحوّل الصورة من لحظة تمثيل رسمي إلى درس مفتوح في الفلسفة الحركية: كيف نبدو واثقين حين نكون خائفين؟ كيف نقنع الناس أننا نمسك زمام الأمور، بينما لا نعرف ما نفعل بأيدينا؟.

    ولأن الصورة تُنشر فإن اليد المرتبكة تُصبح مادة للتأويلات: يكتب أحدهم في تعليق على “فيسبوك” ساخرا: ” شوفو اليد اللي كتقول: خرجوني من هنا!”، بينما يرد آخر بمكر: “اليد ديال واحد ماقاريش المذكرة، وكيتمنا الوزير ما يسولوش!”…وهكذا، تتحول اليد من جزء بيولوجي إلى نص سياسي، ومن ارتباك شخصي إلى دليل عام على هشاشة التمثيل في مؤسسات تُجيد الظهور أكثر مما تُجيد التدبير.

    التّرتيبُ الصّفّي للهَيْبَة

    لا شيء يُترك في الصور البروتوكولية للصّدفة حتى ترتيب الوقوف: الوزير في الوسط، بالطبع، لا لأنه المركز المعرفي أو الأخلاقي، وإنما لأنه “المحور اللُّوجسْتي للعَدسة”؛ إلى يمينه المدير صاحب الصوت الجهوري والحضور الباهت، وإلى يساره مستشارة تُجيد التظاهر بالاهتمام، وتدير رأسها نحو الوزير بزاوية 43 درجة، وهي الزاوية المثالية للظهور بمظهر “الإنصات”. أما البقية فهم ديكور بشري ضروري لتوازن اللقطة.

    المشكلة لا تكمن في الصورة، بل في الطقوس التي تسبقها وتليها. قبل الالتقاط بدقائق تسود حالة استنفار شاملة: يُنفخ الهواء في الصّدور، تُرفع الذّقون برصَانة شبه عسكرية. أحدهم يسأل: “هل أنا على اليمين بما يكفي؟” وآخر يتساءل: “هل يدي اليمنى أعلى من اليسرى؟” إنه هندسة رمزية للهيبة، تُمارس بلا مرآة داخلية. وما إن تومض الفلاشات حتى يدخل الجميع في سبات بصري: شللٌ مؤقت اسمه “الهيبة اللَّحْظية”.

    وبعد الصورة ينتهي كل شيء كما بدأ: يسقط الذقن من عليائه، ترتخي الكتفان، ويعود المدير إلى نبرة النّواح المعتادة. يتنفس الجميع بارتياح وكأنهم خرجوا من جلسة تعذيب فوتوغرافي. الوزير نفسه قد لا يتذكر الحدث أصلًا، لكنه سيطلب نسخة عالية الجودة “مع إطار أنيق”، لتُعلّق لاحقًا في قاعة الاجتماعات.

    ثم يأتي السؤال الأهمّ: ما وظيفة هذه الصور؟ أرشيف؟ تذكارات؟ تمائم إدارية؟ أليست أقرب إلى “بصمات حضور” في سجل الطقوس الوطنية؟ وهل يمكن أن يفتح موظف بسيط تحقيقًا لأنه ظهر في الظل؟ أليس من المفترض أن يكون “اللا-ظهور” شكلًا من أشكال الاحتجاج البصري؟ أم إن الصورة، في نهاية المطاف، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن توازن الزَّيْف؟.

    وزير في الصورة: مَن يبتسم أخيرًا؟

    الوزير، حين يدخل إطارَ الصورة لا يعود إنسانًا، يتحوّل إلى كائن بروتوكوليّ مَهيب، تُصبح قامته أكثر انتصابًا، ونظرته أكثر تركيزًا، وابتسامته نصف دافئة ونصف باردة تمامًا كما يجب أن تكون الدبلوماسية الناجحة؛يقف في المنتصف غالبًا، لأن المنتصف يُشبه السلطة: لا يميل لأحد، لكنه يُراقب الجميع. وبجانبه يقف المدير العام، الذي لا يعلم إن كان يجب أن يضع يديه أمامه، خلفه، أم في جيبه، ثم يتذكر أن الجيب يُعتبر خيانة للوقار الإداري.

    وفي الاجتماعات ينظر الوزير نحو الوثيقة وعيناه على الكاميرا، بينما يتظاهر المدير العامّ بتدوين ملاحظات، لكنه في الحقيقة يرسم دائرة حول كلمة “ميزانية”. بينما يهمس المصور: “من فضلكم… نظرة جدّية… نعم، تمامًا… معالي الوزير، لو سمحتم، الرأس قليلًا إلى اليمين… ممتاز… الآن ابتسموا!”، ثم تُنشر الصورة في الصفحة الرسمية للوزارة، مع تعليق من طراز: “في إطار تعزيز النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، انعقد اجتماع رفيع المستوى لتدارس سبل تفعيل مقاربة تشاركية مستدامة متعددة الأبعاد…”. ولا أحد يعلم ماذا جرى في الاجتماع، ولا إلى أيّ بُعد ذهبت المقاربة، لكن الصورة كانت واضحة: الوزير موجود، والمدير منتبه، والابتسامة مُبرمجة بدقة رُوبُوتية.

    هل رأيت من قبل كيف يُمسك الوزيرُ المقصَّ لقصّ شريط التدشين؟ المقص مطلي بالذهب، الشريط أحمر، والحضور مكوّن من موظفين مدفوعي الأجر لتصفيقٍ محسوب، ثم تُؤخذ الصورة؛ ويُعاد الشريط لاحقًا ليُقصّ من جديد في افتتاحٍ آخر، لأن العبرة ليست في المشروع، وإنما في ” لقطة الافتتاح”. أجل، الصورة البروتوكولية لا تكذب… لكنها أيضًا لا تقول الحقيقة؛

    هي نسخة محسّنة من الواقع، كما يريد الوزير أن يراه، وكما يُحب المدير العامّ أن يُنشر في التقرير السّنوي. وبين الفلاش والفلاش تُمارسُ السلطة هوايتها القديمة: الإيحاء بأنها تُفكّر، دون أن تكون مضطرة لفعل ذلك حقًا.

    المدير الذي عاشَ اللَّحظة أكثر من اللازم

    في كل مؤسسة يوجد مدير يُحب الكاميرا أكثر مما يحب عمله، يرتدي بذلة جديدة كلما شمّ رائحة عدسة، يمشي أمام الوزير وكأنه المترجم الفوري لنواياه، ويُحني رأسه في الصور كأنّه يُلخّص المسافة بين الحلم والتقارير السنوية. هذا المدير لا يرى في الصورة تذكارًا، لكنه يعتبرها بالمقابل “إستراتيجية تواصل”، يرفقها لاحقًا مع طلب الترقية، ويُعلّق نسخة منها فوق مكتبه، ويُرسلها في رسائل “واتساب” لعائلته مع تعليق: “ها أنا مع الكبار… قريبًا أكون واحدًا منهم!”؛ لكنه لا يعلم أن كل “كبير” في الصورة يُفكّر في كيفية التخلّص من “المتسلّقين الودودين”.

    هذا المدير لا يُخطئ في زوايا الوقوف، يعرف تمامًا أين تقف الهالة، وأين تذوب الكاريزما، هو لا يبتسم كثيرًا، بل يمنح الكاميرا تعبيرًا مركبًا: نصف جدية، ربع دهشة، وربع “أنا جاهز للمناصب العليا”. وإذا حدث وابتعد المصور قليلًا تجده يتحرك معه تلقائيًا، كأن بينهما عقدًا غير مكتوب: “صوّرني، إذًا أنا موجود”. إنه النموذج الإداري الجديد: مدير لا يقرأ التقارير، لكنه يُجيد قراءة الضَّوْء.

    وبين الزملاء يتحوّل حضوره في الصورة إلى ظاهرة تفسيرية: أحدهم يهمس “ها هو مرة أخرى في الصف الأمامي”، وآخر يضحك “كم بذلة يمتلك هذا الرجل؟”، بينما الموظف الصامت في الخلف يدوّن سرا: “في المؤسسة، كلما زادت الصور، قلّ العمل”. لكن المدير لا يلتفت، هو مشغول بحساب زاوية الإضاءة الأمثل، وشدّ البطن، وتثبيت الكتفين، كأنه في مهمة دبلوماسية، لا في إدارة عمومية تعاني من نقص الأقلام. والأطرف من كل هذا أن المدير يتوهّم أن الصورة ستصنع له مسارًا، كما تصنع المجلات أبطال الموضة. لكن الكاميرا، على عكس ما يعتقد، لا تمنح الشرعية، هي فقط تمنح فرصةً للناس أن يروا الوَهْم بوضوح أكبر؛ وحتى وإن نجح يومًا في الترقية، فسيظل محاصرًا بالسؤال البصري القاسي: هل حصل على المنصب بالكفاءة، أم بجودة طباعته الفوتوغرافية؟ وهل هو حقًا مع الكبار… أم فقط أقرب إلى العَدَسة؟.

    الدليل المختصر للمسؤول في حضرة الكاميرا

    عزيزي المسؤول، إن كنت مقبلاً على التقاط صورة بروتوكولية، لا تقلقْ، إليكَ هذا الدليل المختصر لتنجو من العدسة دون أن تُصاب بالحقيقة:

    ابتسم نصف ابتسامة، النصف الأول يُعبّر عن الانفتاح، والنصف الثاني عن الصرامة. دع الناس يتساءلون: “هل هو وَدُود… أم يُفكر في إقالة أحد؟”.

    لا تنظر مباشرة في العدسة، انظر قليلاً فوقها، لتوحي بأنك تفكر في المستقبل. المستقبل، في النهاية، لا يُرى بالعين المجرّدة.

    اضبط ربطة العنق لإنها إيماءة السلطة، لا علاقة لها بالملابس.

    لا تقرأ الوثيقة أمامك. انظر إليها كأنها تحتوي أسرار الدولة، بينما هي في الحقيقة قائمة الحُضور.

    اجعلْ يديك مرئيتين، الناس تريد أن ترى اليد التي تدير الأمور… حتى لو لم تكن تُدير شيئًا.

    إن ضحك أحدهم لا تلحق به. الضحك الجماعي في الصورة يُفسد الإخراج، ويجعل الاجتماع يبدو إنسانيًا أكثر مما يجب.

    تذكّر: ليس المهم ماذا قلت، بل كيف بدَوْت وأنت لا تقول شيئًا.

    وفي الأخير، حين تنتهي من الصورة، لا تنسَ أن تسأل المصوّر السؤال الرسمي الوحيد:

    ” بغيتْ غير نعرفْ… خْرجتْ زْوينْ؟”.

    لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Leïla Benali, l’ingénieure discrète de la souveraineté énergétique marocaine

    Silencieuse, méthodique et résolument tournée vers l’avenir, Leïla Benali, ministre de la Transition énergétique et du Développement durable, incarne une nouvelle génération de décideurs publics au Maroc. Technocrate venue de l’international, elle dirige l’un des chantiers les plus stratégiques du pays : assurer une transition énergétique durable, équilibrée et souveraine.

    Ingénieure de formation, économiste de l’énergie, diplômée de Sciences Po Paris et passée par les grandes structures mondiales comme Saudi Aramco et APICORP, Leïla Benali n’est pas issue du monde politique partisan. Sa nomination en 2021 traduit une volonté claire d’injecter rigueur scientifique et vision stratégique dans un secteur longtemps prisonnier de la dépendance aux énergies fossiles.

    Sous sa conduite, le Maroc a franchi un seuil symbolique : plus de 44 % de la capacité électrique installée provient désormais des énergies renouvelables. Elle a accéléré les projets liés à…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Dacia Spring 2025 : l’électrique la plus accessible du Maroc fait peau neuve

    Dacia dévoile la nouvelle génération de sa Spring, la citadine électrique la plus vendue au Maroc en 2024. Revue en profondeur, la Spring 2025 affiche un design plus affirmé, des équipements enrichis et conserve un tarif ultra-compétitif à partir de 204.000 DH. La nouvelle Spring vise à consolider la position de Dacia sur le marché […]

    L’article Dacia Spring 2025 : l’électrique la plus accessible du Maroc fait peau neuve est apparu en premier sur Media7.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Renault Boreal : le SUV stratégique pour la conquête des marchés mondiaux

    Renault dévoile le Boreal, un SUV compact conçu spécifiquement pour les marchés hors Europe, avec un lancement prévu fin 2025 au Brésil, suivi d’un déploiement en 2026 dans la région MENA, en Turquie et en Amérique latine. Ce modèle symbolise un virage stratégique pour le constructeur français, qui vise à doubler la valeur générée par […]

    L’article Renault Boreal : le SUV stratégique pour la conquête des marchés mondiaux est apparu en premier sur Media7.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تفاعلا مع نص لعالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي السوسيولوجيا في عصر الأنثروبوسين: برنامج قوي أم برنامج ضعيف؟

    جمال فزة

    في السياق

    تفاعلا مع الشعار العام للمنتدى العالمي للسوسيولوجيا “معرفة العدالة في عصر الأنثروبوسين”، كتب د. عبد الصمد الديالمي نصا بعنوان “المكانة المحورية للسوسيولوجيا في عصر الأنثروبوسين”. وعوضا عن مباشرة الموضوع بتمهيد تأطيري أو إشكالي، آثر د. عبد الصمد الديالمي أن يعرج على موقفه الثابت من المنتدى العالمي للسوسيولوجيا، الذي تنظمه الجمعية الدولية لعلم الاجتماع قائلا: “لم أشارك في هذا المنتدى، ولم أفكر قط، في يوم من الأيام، أن أشارك فيه؛ نظرا لمشاركة الإسرائيليين. وبصفتي جامعيا، أعتبر المشاركة في هذا المنتدى بمثابة تواطؤ مع الإبادة التي تمارسها إسرائيل في غزة لدواع استعمارية وإمبريالية، وتواطؤ، أيضا، مع الجرائم العنصرية والاستعمارية التي تقترفها إسرائيل في الضفة الغربية. وعليه، لم أكن لأسامح نفسي، وأجالس إسرائيليين صهاينة، ثم أحاضر إلى جانبهم في موضوع ما فتئوا ينتهكونه منذ عام 1948”

    أود أن أشير، في البداية، إلى الارتباك الذي طبع جل المواقف الداعية إلى مقاطعة المنتدى، سواء كانت من وحي امتزاج الدين بالسياسة، أو كانت بوحي من اختلاط العلم بالإيديولوجيا؛ ففي كل الأحوال، لم نفلح في التمييز فيها بين الشكل والمضمون، وظل الغموض واللبس يعتوران المواقف، وتزاحمت العبارات داخل الثغر الواحد مترنحة بين شجب الحضور في ذاته، والاعتراض البعدي على فحوى الملخصات والمداخلات.

    أما عبد الصمد الديالمي، الذي فضل أن يتحدث في الموضوع بصفته جامعيا، فقد جاء موقفه على قدر من الوضوح جلي، لا يختلط على المتلقي بما يمكن أن يشوش على صفائه ونقائه. لقد عبر عبد الصمد الديالمي عن مقاطعته للجمعية الدولية أصلا؛ نظرا لمشاركة الإسرائيليين فيها. وَلَإِنْ اعترض على مشاركة الإسرائيليين، فليس انقيادا عاطفيا لحالة وجدانية عامة تشكلت في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر سنة 2023، حيث عاثت إسرائيل دمارا في العمران وتقتيلا في الأطفال، بل لأن إسرائيل، بحسب ما جاء على لسان د. عبد الصمد الديالمي، ما انفكت تنتهك العدالة في عصر الأنثروبوسين منذ عام 1948.

    وإذا التمس السائل إطارا إبستيمولوجيا أو سوسيولوجيا لموقف كهذا، فسيجده في ذيل النص الذي قدمه عبد الصمد الديالمي في الموضوع؛ حيث جاء على لسانه ما يلي: “لا مجال للتفكير في الأنثروبوسين دون أن نطرح السؤال حول العدالة: العدالة الإيكولوجية، والعدالة الإبستيمية، والعدالة الاجتماعية. وفي نهاية الأمر، إن التفكير في العدالة، في زمن الأنثروبوسين، يقضي بالتفكير مع الجنوب، وبه ومن خلاله. إن السوسيولوجيا المنغمسة في الواقع منفتحة على العالم، وتساهم فيه بقوة حينما تكون متعددة ومتضامنة؛ أي ملتزمة”.

    بعد هذا التقديم الموجز لموقف د. عبد الصمد الديالمي والإطار الشارح له، يقفز إلى الذهن سؤال يبدو أنه لا يحتمل التريث أو الإرجاء: ما كل هذا التعاظم في الكلام؟ وأي راديكالية هذه؟ ومن يقول هذا الكلام؟ وكيف يصير العالِم أكثر راديكالية؛ فيزايد على الفلسطينيين أنفسهم، الذين يُعتبرون عضوا رسميا في الجمعية الدولية لعلم الاجتماع لما يربو على العقد من الزمن؟ !!!

    لقد كنت وما أزال مهتما بكل ما يكتبه د. عبد الصمد الديالمي، ومتابعا لخرجاته الإعلامية أيضا، ولم أعثر، في يوم من الأيام، على أي اهتمام لهذا العالِم، الذي صادف ميلاده عام “النكبة”، بالقضية الفلسطينية، أو انتماء إلى منظمة تدعم القضية الفلسطينية، وتسهر على مد يد المساعدة للفلسطينيين والتخفيف من معاناتهم، ولم أقرأ له أو أسمع له حديثا عن سوسيولوجيا البيئة، أو كلاما عن الأنثروبوسين.

    وفي الوقت الذي كنا -نحن طلابا ونقابيين وجمعويين -نتعرض لمضايقات من طرف أجهزة الدولة بسبب مناصرتنا للقضية الفلسطينية، خصوصا بعد الخطاب المعروف للراحل الملك الحسن الثاني رحمه الله، كان الأستاذ عبد الصمد الديالمي، حينئذ، يلتمس منا أن نعالج الأمور بهدوء وبعيدا عن لغة الالتزام النضالي؛ لأن السوسيولوجيا على حد تعبيره ـ هو نفسه ـ علم بارد. فمتى بدأ عبد الصمد الديالمي يهتم بسوسيولوجيا ملتزمة ومتضامنة مع الشعوب، لاسيما وأن الظلم، برأيه، قد بدأ منذ العام 1948؟

    فيما يخص القضايا المتعلقة بالأنثروبوسين والمخاطر التي تحذق بالبيئة، أود أن أذكر بأنني قد أشرفت، شخصيا، على تنظيم ندوة دولية في الموضوع أياما قبل إعلان الحجر الصحي بسبب انتشار فيروس كورونا، بمعية زملاء طبعا، وكان من مخرجاتها كتابٌ يجمع بين دفتيه 255 صفحة من الحجم الكبير، يحمل عنوان: “البيئة والتنمية المستديمة: أدوار جديدة، وآفاق واعدة للعلوم الاجتماعية”، قمت بتنسيق محتوياته إلى جانب الزميل محمد الدرويش بعد إعلان استكتاب مفتوح طبعا لجميع المهتمين. ومن الواضح، من خلال عنوان الكتاب، أن النقاش الإبستيمولوجي كان حاضرا بقوة، وأن الأمر لم ينحصر في إعلان مواقف ثابتة. غير أن د. عبد الصمد الديالمي كان، وقتئذ، على ما يبدو، شاردا لم يكلف نفسه لا المشاركة، ولا حتى الكتابة في الموضوع على هامش الحدث كما فعل الآن.

    وفضلا عن هذا، نظمت أكاديمية المغرب مناظرة العلوم الإنسانية والاجتماعية، رهانات وآفاق بتاريخ 7-8 فبراير 2024 واحتل فيها الأنثروبوسين محور اهتمام العديد من الباحثين والعلماء، لكن دون أن أجد للأستاذ عبد الصمد الديالمي أثرا؛ فمرة أخرى، متى بدأت هذه السوسيولوجيا الملتزمة بقضايا الشعوب والبيئة تثير اهتمام د. عبد الصمد الديالمي، الذي يعلم حق العلم أن إسرائيل لا تنتهك حقوق الفلسطينيين فحسب، بل تنتهك العدالة البشرية في زمن الأنثروبوسين منذ عام 1948 !!!

    إن الجميع يعرف جيدا ما يثير اهتمام د. عبد الصمد الديالمي، ولا يمكن لأي شخص، برأيي، أن يزايد عليه في موضوع تخصصه، بل إنه، فيما أجري معه من حوارات عمومية، كان يمتلك من الجرأة ما يجعل موضوع تخصصه وحياته يمتزجان؛ وهذا يحسب له لا عليه. غير أن السوسيولوجيا التي أنتجها أبعد ما تكون عن القضية الفلسطينية، أو عن إشكالية البيئة، أو الإيكولوجيا، بل هي سوسيولوجيا دوركايمية باردة لا علاقة لها بما يعتمل من قضايا ساخنة على الساحتين الوطنية والدولية، اللهم إذا اعتبرنا مبحث الجنسانية ساخنا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولعمري إني أعد سوسيولوجيا عبد الصمد الديالمي في موضوع الجنسانية والصحة الإنجابية من أكثر السوسيولوجيات توفيقا فيما يخص الحياد والمسافة العقلية كما تصورها وتطلبها إيميل دوركايم، خصوصا والجميع يعلم مدى حساسية الموضوع، والصعوبة التي يطرحها موضوع الجنسانية على مستوى الموضعة l’objectivation.

    لقد كنا-نحن الطلبة المتعلقون بأستاذهم عبد الصمد الديالمي-نثور في وجه كل من يستعمل كلمات مثل “البغاء” أو “الدعارة”، ونطلب منهم، بحكمة العلماء التي تعلمناها على يد أستاذنا، الممزوجة بقدر من الترفع والتعالي، بأن يستعيضوا عنها بعبارة باردة تصف أكثر مما تحكم؛ ألا وهي “العمل الجنسي”. لذلك أجدني على حال من الاستغراب شديد، وقد أخذ مني الفضول مأخذا لمعرفة الدوافع الحقيقية الكامنة خلف كل هذه الراديكالية غير المفهومة، وهذا الالتزام غير المعهود، الذي انتهك حرمة سوسيولوجيا كمية باردة عنوانها البارز: الابتعاد عن أحكام القيمة والالتزام باحترام المسافة العقلية.

    أي مكانة محورية للسوسيولوجيا في عصر الأنثروبوسين؟

    يعبر د. الديالمي بلغة تقريرية سعيدة ومنشرحة عن محورية المقاربة السوسيولوجية فيما يثيره عصر الأنثروبوسين من مشاكل وقضايا عالقة. هذا بينما تعتبر البيئة، اليوم، إلى جانب مواضيع أخرى طبعا، من المواضيع التي تضع المقاربة السوسيولوجية على المحك، بل وتشكك في وجاهة مصادراتها الأساسية ومقدماتها الإبستيمولوجية. لذلك، وعلى خلاف ما يبعثه أسلوب د. الديالمي من طمئنينة في نفوس السوسيولوجيين بشأن المكانة التي تستأثر بها السوسيولوجيا في عصر الأنثروبوسين، أرى أَنَّ عَلَى هذا العلم الفتي-قياسا إلى باقي العلوم-إذا ما توخى أن يحافظ على مكانته المحورية بين العلوم، أن ينسلخ عن مقدماته الأساسية، ويعيد بناء براهينه، ويشحذ مفاهيم جديدة، ويعمل على إعداد أدوات جديدة لجمع المعطيات وتحليلها. قُصر الكلام، يتعين على السوسيولوجيا، في مواجهتها للمشكلات التي تطرحها البيئة في عصر الأنثروبوسين، أن تعيد تعريف ذاتها من جديد.

    إن ضرورة التدخل السوسيولوجي وفائدته في مواجهة المشاكل والصعوبات التي يطرحها عصر الأنثروبوسين تجدان مسوغاتهما، برأي د. الديالمي، في ازدواجية الآثار التي يخلفها هذا العصر على حياة المجتمعات؛ فهي لا تنحصر في الجوانب المادية الفيزيائية، بل تطال أيضا الجوانب المعنوية (الطريقة التي تفكر بها المجتمعات نفسها). ولعمري لو كان التمييز في آثار الظواهر بين ما يطال منها الجوانب المادية لحياة المجتمعات البشرية وما يطال منها الحياة المعنوية، هو ما يَبُتُّ في ضرورة السوسيولوجيا وفائدتها، لكان أفلاطون أو أرسطو أول سوسيولوجي على الإطلاق.

    لكن د. الديالمي لا يتوقف عند هذا المعيار العام (وجود آثار مادية ومعنوية على حياة المجتمعات) لتقدير ضرورة التدخل السوسيولوجي وفائدته في عصر الأنثروبوسين، بل يعتبر أول مساهمة للسوسيولوجيا في هذا المجال هي تفكيك مقولة “البشرية” من خلال نقد فكرة وجود بشرية متجانسة مسؤولة عن الأزمة البيئية. وقد اهتدى د. الديالمي إلى هذا الموقف بفضل الاستعانة بأطروحات كل من “أندرياس مالم” و”جيسون مور” (Andreas Malm et Jason Moor) اللذين يعترضان على عمومية مصطلح الأنثروبوسين ويكشفان المنطق البشع للرأسمالية الصناعية، الذي يضعنا أمام تفاوتات صارخة تحدث في العمق خلخلة على مستوى الدورات الإيكولوجية.

    يعني د. الديالمي بتفكيك مقولة “البشرية” إقحام مقولات السوسيولوجيا الكلاسيكية ومتغيراتها في تحليل المخاطر المحدقة بالبيئة؛ من قبيل علاقات السلطة، والتفاوتات الاجتماعية؛ حيث إن عصر الأنثروبوسين لا يضع الجميع، في مواجهة المخاطر، على قدم المساواة، بل تتفاوت هذه المخاطر بحسب الطبقة الاجتماعية والنوع والعرق والموقع الجغرافي.

    لنفترض الآن أن هذا الأمر هو ما يحدد أهمية المقاربة السوسيولوجية في عصر الأنثروبوسين، ولنفترض أيضا أن هذا الموقف وجيه لا يخاصم الصواب، فعن أي تجديد إبستيمولوجي، وعن أي تحديات إبستيمية في عصر الأنثروبوسين يتحدث د. الديالمي؟ هل في تفتيت موضوع المخاطر البيئية في عصر الأنثروبوسين إلى أبعاده الاجتماعية انطلاقا من المقولات السوسيولوجية المعهودة مثل الطبقة، والنوع، والعرق، والموقع الجغرافي، ورهانات السلطة أي جدة إبستيمولوجية أو تحد إبستيمولوجي؟

    على كل حال، إذا كان الكشف عن التفاوتات الاجتماعية والجغرافية في التعرض للمخاطر هو ما يميز المقاربة السوسيولوجية، ويمنحها المكانة المحورية التي تستأثر بها في زمن الأنثروبوسين، فليس في الأمر أي جدة على مستوى التأطير والتحليل، اللهم أن التفاوت في التعرض للمخاطر التي تهددنا، قد يكون أحيانا، أو قل في كثير من الأحيان، لحساب وفائدة الطبقات الفقيرة والمجالات الجغرافية الهامشية. ولقد لاحظنا، خلال انتشار فيروس كورونا، كيف أن المدن الكبرى، المتميزة بكثافة سكانية عالية، وتقطنها طبقة برجوازية صغيرة ومتوسطة، هي التي كانت أكثر عُرضة للمخاطر بالمقارنة مع المداشر الهامشية والفقيرة، التي كانت تستجيب، بطبيعتها، لشروط السلامة والوقاية من خطر الإصابة بالفيروس وقتذاك، وفي مقدمتها شرط التباعد. ولعل هذا ما يفسر الإقبال المتزايد لأفراد الطبقة المتوسطة على اقتناء مسكن في أحواز المدينة بعيدا عن المركز الحضري المختنق؛ وذلك بمجرد أن وضعت المعركة مع الفيروس أوزارها.

    سوسيولوجيا البيئة، برنامج قوي

    في إطار سوسيولوجيا العلوم ما بعد الوضعية، يميز ديفيد بلور بين البرنامج القوي والبرنامج الضعيف. ونظرا للتعقيدات البالغة التي تحيط بهذا التمييز، وما أثاره، بحسب مؤسسيه ديفيد بلور وباري بارنز (David Bloor et Bary Barnes)، من سوء فهم لدى عدد من السوسيولوجيين، وبخاصة برونو لاتور (Bruno Latour)، سوف أنآى بنفسي عن نقاش قد يفتح من الأقواس التوضيحية ما لا يحتمله المقام الذي نحن بصدده، لكن دون أن أخل بشروط الصحة حينما يكون التبسيط مطلبا حيويا.

    إن ما يذهب إليه د. الديالمي من تفتيت لإشكالية البيئة في عصر الأنثروبوسين إلى أبعادها الاجتماعية، وجعلها، بلغة الإحصاء، متغيرا تابعا يسمح لنا بتفسيره بفضل الاستعانة بمتغيرات مستقلة أو تفسيرية، يجعل من سوسيولوجيا البيئة برنامجا ضعيفا يشهد على اجتياح السوسيولوجيا لقطاع جديد، وضمه لمناطق نفوذها، وتهذيبه بفضل مقولاتها ونماذجها التحليلية الجاهزة؛ وفي هذه الحالة لا وجاهة لأي حديث عن أي تجديد إبستيمي. هذا بينما تدعونا التهديدات البيئية في زمن الأنثروبوسين إلى إعادة صوغ منطلقاتنا وأطرنا المعرفية حتى تكسب من الملاءمة والدقة ما يشفع لها بمواجهة هذه التهديدات.

    يتحول متغير البيئة في هذا السياق من متغير تابع يتم تفسيره بمتغيرات مستقلة تعبر عن مختلف أبعاد الحياة الاجتماعية، إلى متغير مستقل تفسيري يسمح لنا بفهم الاتجاهات الجديدة للاجتماع البشري انطلاقا من التحديات التي تضعها المسألة البيئية أمام جميع المجتمعات. وعليه، فمن حق سوسيولوجيا البيئة، التي نضعها ضمن قائمة البرامج القوية، أن تبرز، ما لإشكالية البيئة من سلطة فعلية على تشكيل العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها، ومن ثمة إعادة تعريف المجتمع نفسه، وليس العكس.

    نوه د. الديالمي بغياب التجانس الذي قد نتوسمه في مصطلح “البشرية”، لكنه لم يتوقف عند العودة القوية لمفهوم “الجنس البشري” أو “النوع البشري” (l’espèce humaine) في عصر الأنثروبوسين، كما لم ينتبه إلى أن المنظرين في هذا المجال يوثرون استعمال المجتمعات بالجمع بدل المجتمع بالمفرد، على اعتبار أنها تجارب وحالات خاصة تجسد، على نحو عَرْضِي (transversal) مصيرا واحدا ومشتركا.

    صحيح أن توزيع المخاطر على مكونات المجتمع لا يخضع لمقومات العدالة، لكن المخاطر البيئية، على كل حال، لا تستثني مجتمعا دون آخر، والتغيرات المناخية أو الاحتباس الحراري لا ينتقي المجتمعات الفقيرة دون المجتمعات الغنية، بل يضع النوع البشري برمته في مواجهة الخطر، ويهدده بالانقراض. ولقد أعلن جان بابتيست لامارك (Jean-Baptiste Lamarck)، في قول مأثور يصعد إلى عام 1820 أن “الإنسان، بأنانيته التي تغشيه عن مصالحه، وبتفضيله التمتع بكل ما في حوزته، دونما اكتراث للمستقبل ولبني جنسه، إنما يقضي على شروط بقائه واستمراره، ويساهم في تدمير نوعه”.

    إن عدم انتباه د. الديالمي إلى العودة القوية لمفهوم “النوع البشري”، وتركيزه على مقولات من قبيل الطبقة والموقع الجغرافي، يعكس مدى تخلف سوسيولوجيا عبد الصمد الديالمي عن مواكبة الإشكالات التي يطرحها عصرنا الحالي، وهي إشكالات تتعدى الأزمات البنيوية للمجتمع الصناعي، والأزمة المعممة للمؤسسات داخل الأنظمة الديمقراطية، لتطال الأسس المعرفية والفلسفية التي نهضت عليها الحداثة الغربية نفسها. ود. الديالمي يتجاهل هذا الأمر حينما يستدعي أولريش بك (Ulrich Beck) ومفهوم “مجتمع المخاطرة” ليستند إليه في دعم ما يذهب إليه من محورية السوسيولوجيا في عصر الأنثروبوسين. إنه لا يبالي بالقيمة الكشفية لمقولات مثل “شامل” أو “إجمالي” (global)، و”كوسموبوليتي” التي يعج بها قاموس أولريش بك، والتي تنتهي به إلى تحول ميتودولوجي عام من “وطنية ميتودولوجية” le nationalisme méthodologique إلى كوسموبوليتية منهجية؛ حيث إن التهديدات البيئية (التسابق نحو امتلاك الطاقة النووية، التلوث، التغير المناخي) لا تستثني مجتمعا دون آخر، ولا قومية دون أخرى، بل هي من إنتاج ديناميات الحداثة نفسها، والتي تفرض نفسها على جميع المجتمعات بدون استثناء.

    غير إن د. الديالمي يصر على عدم فك الارتباط بين الحداثة والصناعة حينما يقول إن “التهديدات البيئية تنتجها ديناميات الحداثة الصناعية الغربية نفسها” غافلا عن أهم شيء في أطروحة أولريش بك؛ وهو أن المجتمع الصناعي طور من أطوار الحداثة الغربية، ومجتمع المخاطرة طور آخر. وبينما ينتج المجتمع الصناعي البؤس، ينتج مجتمع المخاطرة المخاطر. ولعل الخاصية الأساسية والجوهرية التي يتسم بها المجتمع الحديث اليوم، من حيث هو حصيلة تاريخية وثمرة لنضج فكرة الحداثة، برأي أولريش بك، هي التحول الكبير من مجتمع البؤس (la societe de la misère) إلى مجتمع المخاطرة (la societe des risques).

    لقد تمحور مجتمع البؤس حول استغلال الإنسان للإنسان ودارت رحاه حول تيمة الشغل؛ فكانت الجماعات البشرية التي يتشكل منها هذا المجتمع تتوزع على طبقات متصارعة تتفاوت في القوة والنفوذ، لكنها تحتكم، على المستوى الأخلاقي العام، لفكرة العدالة الاجتماعية. وعمدة المشاكل، في هذا المجتمع، هي البحث عن شروط عادلة في الحصول على شغل، واقتسام رغد العيش بتكافؤ، إلى حد ما، بين مختلف طبقات المجتمع.

    أما في مجتمع المخاطرة، فالأمر يختلف على نحو جذري؛ لأن مشكلة المشروعية الأخلاقية ستطرح بحدة: فبينما يمكن تبرير التفاوت في الاستفادة من الثروة بمبرر الاستحقاق، يصعب، بل يستحيل تبرير التفاوت الاجتماعي في التعرض للخطر بنفس المبرر؛ وهذا يعني حدوث صدع عميق في المشروعية. فهل من حقنا أن نقول بأن هذه الفئة الاجتماعية أولى بالموت من تلك، أو المسنين أولى به من الشباب؟ وهل من حقنا أن نقرر في مصير البشرية كما تقرر خلايا الجسم في مصيرها حينما تأكل جزءا منها لكي يستمر الجزء الآخر في الحياة (l’autophagie)؟

    يبدو، إذن، أن حدة المشكلة الأخلاقية في مجتمع المخاطر تضع مشروعية المجتمع الحديث على المحك، بل إنها تقوض أركانه الفلسفية، وتعيد الحضارة البشرية، التي قادها الغرب منذ القرن السابع عشر، إلى نقطة الصفر.

    سوسيولوجيا البيئة والتحديات الإبستيمولوجية الفعلية

    يجد المشتغل بقضايا البيئة في عصر الأنثروبوسين نفسه أمام فلسفة جديدة؛ أي نظرة جديدة للكون، تستمد مشروعيتها من مبادئ ومسلمات النزعة الإيكولوجية. ولا يبدو أن هذا المنظور الجديد بإمكانه أن يحتل الصدارة دون أن يحدث قطائع مع التصورات الكلاسيكية، التي لم تعد تتمتع بكامل بداهتها وراهنيتها، ودون أن يحكم على عدد من القضايا، التي كانت تبدو مستقلة ومحورية، وفي طليعتها “الإنسان” نفسه، بالاندماج داخل رؤية إجمالية وكلية للعالم؛ حيث الطبيعة هي المبدأ الموجه للوجود برمته.

    عن أي علاقات اجتماعية مستقلة يمكن الحديث في زمن الأنثروبوسين؟ وعن أي تفاوت طبقي، أو هيمنة اجتماعية؟ ما هي طبيعة العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تعالجها سوسيولوجيا البيئة، إذا علمنا أن البيئة في الأصل ليست بشرية، ومن ثمة ليست اجتماعية؟

    يبدو لي أن الجدة على المستوى الإبستيمولوجي تبدأ من النقطة الآتية: تدرس سوسيولوجيا البيئة المبادلات التي تقيمها المجتمعات مع وسطها الطبيعي؛ ولذلك، فإن الرهانات والتحديات التي تطرحها لا يمكن التعبير عنها بلغة “التغير الاجتماعي” فحسب، بل بلغة إبستيمولوجية جديدة تأخذ في عين الاعتبار التقاء “المنظور السوسيولوجي” بالمسألة الطبيعية (la question naturelle).

    يمكن التأريخ لهذا اللقاء بصدور “المقال-البيان” لكل من دونلاب وكاتون (Dunlap et Catton) سنة 1978، حيث الأهمية القصوى في تظافر البعدين الثقافي والإبستيمولوجي وتلاحمهما. يتعلق الأمر، في هذا البيان، بشكل من أشكال المطالبة بتخليص السوسيولوجيا الكلاسيكية من براثن النزعة الإثنو-مركزية التي تطوقها، وتمكين السوسيولوجيا من استيعاب طرق جديدة للنظر تلوح في الأفق، وتطل علينا طلائعها من خلال المواقف والآراء والذهنيات الجديدة التي تَتَقَحَّمُ المجتمعات البشرية قادمة إليها من عالم البيئة، وفي مقدمة هذه المواقف ما يمكن أن نطلق عليه “الحداثة التفكرية” (la modernité réflexive).

    يمكن أن نضع “مجتمع المخاطرة” لأولريش بك ومختلف الشروحات التي قدمت له، وأيضا مختلف الأعمال التي أنجزها غيدنز في بريطانيا، وبرونو لاتور في فرنسا، في قائمة أطروحات “الحداثة التفكرية” (la modernité réflexive). ولعل القاسم المشترك بين كل الأطروحات، التي تدخل في هذه الخانة، هو المكانة المحورية التي تحظى بها الرهانات البيئية في التعريف بصيرورة الحداثة.

    بالنسبة لهؤلاء العلماء والباحثين، تضعنا المشاكل والرهانات البيئية، وبناؤها اجتماعيا، أمام حقبة جديدة وغير مسبوقة من التطور الاجتماعي عبر التاريخ؛ حيث تُخلي النزعة الصناعية (l’industrialisme) مكانها للنزعة التفكرية (la réflexivité)، أو قل بالأحرى، للإدماج المستمر والدائم للنتائج المتوقعة للفعل البشري داخل الفعل الحاضر؛ وذلك من خلال تعميم المخاطر الرئيسية.

    سوف يكون على البشرية أن تواجه تحديات مجتمع جديد. وحتى ترفع هذه التحديات، سوف يكون عليها لزاما أن تتسلح بأدوات نظرية جديدة، وأن تنشئ مؤسسات اجتماعية جديدة تعنى بمواجهة المخاطر المعممة؛ ذلك أن المؤسسات القديمة، كما المفاهيم القديمة، لم يعد في وسعها مواجهة تعقيدات الوضعية الحالية.

    لا شك إن اهتمام العلوم الاجتماعية بموضوع البيئة، في زمن الأنثروبوسين، يمنح لهذه العلوم نَفَساً جديداً (un second souffle)، آفاقا جديدة للمساءلة والاستشكال؛ حيث إن اتصالها بموضوع البيئة، وبراديكم البيئوية يضعها في نقطة تقاطع مع العلوم الطبيعية. ولعل هذه الطبيعة المزدوجة للمقاربة والمنظور، هي ما يفرض على العلوم الاجتماعية أن تقوم بثورة إبستيمولوجية على مستويات أربعة على الأقل:

     بناء الموضوع البيئي بوصفه موضوعا جديدا للبحث والتقصي، وحقلا إشكاليا جديدا لمساءلة الطبيعة المُحَوَّلَة اجتماعيا، ثم رصد انعكاسات هذه الطبيعة على المجتمع والعمليات الاجتماعية.

     تحديد نقاط الالتقاء مع العلوم الطبيعية، وفتح ورش معرفي ونظري لا يدعو إلى الإفادة من تداخل التخصصات فحسب، بل إلى ممارسة نقدية إبستيمولوجية للحدود الصارمة التي أقامها العلم الحديث بين مختلف العلوم من جهة، وفروعها من جهة أخرى.

     إعادة النظر في تاريخ تشكل العلوم الاجتماعية؛ بما هو تاريخ انفصالات وقطائع بين الطبيعة والثقافة من جهة، وبين الثقافة والمجتمع من جهة أخرى.

     مراجعة في العمق لبراديكم “الواقعة الاجتماعية”، الذي لا يقبل أي تفسير للاجتماعي إلا بالاجتماعي.

    خلاصة

    يبدو أن المسألة البيئية تضع العلوم الاجتماعية أمام ورش إبستيمولوجي وميتودولوجي واعد؛ يتعلق الأمر بمحو معمم للحدود بين الاجتماعي والطبيعي، من شأنه أن يضع العلوم المعنية بالمشاكل التي تقع على التخوم بين البيئة والمجتمع أمام الحاجة الملحة لإعادة تعريف المواضيع التي تعالجها والحدود التي تفصل بعضها عن بعض. إن علوم الحياة والأرض والعلوم الاجتماعية مدعوة، اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة صوغ أسلوبها، وإعادة بناء مناهجها، في مساءلة الطبيعة والمجتمع، على قاعدة متفق حولها وبطريقة مندمجة. ولعل ما ينتظرنا، على هذا المستوى، يتعدى مجرد القيام بإصلاحات سطحية، ليتصل بطموح أكبر يتمثل في القيام بثورة كوبيرنيكية، يتحول، على إثرها، مركز المعرفة الاجتماعية من المسألة الاجتماعية (la question sociale) إلى المسألة البيئية (la question environnementale). بهذا المعنى، تكون المسألة البيئية مصفوفة المرور (la matrice de passage) لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وتعريف المجتمع، وليس العكس.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يشدد مسطرة معادلة الشواهد العليا الأوربية الصادرة عن مؤسسات تعليمية خاصة

    زنقة 20. الرباط

    أفادت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بصدور قرارات عامة جديدة تهم معادلة مجموعة من الشهادات المحصل عليها بالخارج، وذلك في إطار تبسيط مسطرة معادلة الشهادات المسلمة من مؤسسات التعليم العالي الأجنبية.

    وذكر بلاغ للوزارة، اليوم الخميس، أنه “ترصيدا لمساعي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الرامية إلى تبسيط وتسريع مسطرة معادلة الشهادات المسلمة من مؤسسات التعليم العالي الأجنبية، صدرت بالجريدة الرسمية عدد 7422 مؤرخ في 17 يوليوز 2025، قرارات السيد الوزير تحت أرقام 1687.25 و1688.25 و1689.25 و1690.25 و1691.25، مؤرخة في فاتح يوليوز 2025، تهم معادلة شهادات الإجازة والماستر والدكتوراه وكذا شهادات مهندس، المحصل عليها بكل من مملكة إسبانيا، ومملكة بلجيكا، والمملكة المتحدة، وجمهورية ألمانيا الاتحادية، والجمهورية الفرنسية”.

    وأوضح المصدر ذاته أن شهادات الإجازة والماستر والدكتوراه المسلمة من الجامعات العمومية بالبلدان سالفة الذكر تعادل مثيلاتها المسلمة من الجامعات المغربية، شريطة أن تكون الشهادات المعنية شهادات وطنية “Des diplômes étatiques”، ومحضرة بصفة منتظمة، مبرزا أنه يتعين لإثبات استيفاء هذا الشرط الإدلاء بوثيقة رسمية تثبت الإقامة أثناء الدراسة بالبلد المعني.

    وأضاف أنه بخصوص الشهادات المحصل عليها في التخصصات الهندسية تعادل الشهادات المخولة لحمل لقب “مهندس” المسلمة من مؤسسات التعليم العالي العام بالبلدان المذكورة أعلاه، دبلوم “مهندس دولة” المسلم من الجامعات المغربية.

    وأكد، في هذا الصدد، ضرورة مراعاة أن تكون هذه الشهادات شهادات عمومية “Diplômes étatiques”، ومحضرة بكيفية منتظمة، مبينا أنه يتعين لإثبات استيفاء هذا الشرط الإدلاء بوثيقة رسمية تثبت الإقامة أثناء الدراسة بالبلد المعني، وأن لا تقل مدة الدراسة اللازمة للحصول عليها عن 5 سنوات بعد الحصول على شهادة الباكالوريا في الشعب العلمية أو التقنية أو ما يعادلها.

    وبناء، عليه، تسجل الوزارة، تعادل الشهادات المسلمة من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العمومية بالدول سالفة الذكر، والمستوفية للشروط أعلاه، مثيلاتها المسلمة من الجامعات العمومية المغربية، وذلك في نفس التخصصات. وأشارت إلى أنه سبق للوزارة أن أصدرت قرارات عامة تهم شهادات ودبلومات محصل عليها من بعض الدول، كما أنها تكثف مجهوداتها قصد إعداد قرارات عامة تتعلق بالشهادات المسلمة من دول أخرى.

    وأشار البلاغ إلى أن الوزارة تهيب بالمرتفقات والمرتفقين المعنيين الاطلاع على قرارات المعادلة المشار إليها أعلاه قصد التثبت من استيفاء شهاداتهم للشروط المطلوبة، وذلك عبر الجريدة الرسمية عدد 7422 المؤرخة في 17 يوليوز 2025 سالفة الذكر، أو عبر الرابط الإلكتروني https://www.enssup.gov.ma/en/publications/ categories/equivalence

    إقرأ الخبر من مصدره

  • Au-delà de l’accoutumé

    Lhoussain BOUKHARTA
    Allongé sur mon canapé, en cette journée exceptionnellement chaude et ensoleillée, je laissais mon esprit vagabonder. Il était 10h00, un matin pas comme les autres. Dès les premières heures de la nuit, à 00h30 précisément, les camarades de classe de ma fille échangeaient fébrilement les résultats de l’examen régional du baccalauréat marocain (Bac1).
    Toutes les demi-heures, je l’interrogeais : « Y a-t-il des nouvelles, ma petite ? »
    Elle me répondait inlassablement : « Je n’arrive pas à accéder au site officiel MASSAR. »
    Je n’avais d’autre choix, dans cette situation mêlée d’émotion et d’impatience, que de lui faire confiance. Mon esprit s’est alors mis à turbiner, s’ouvrant comme un nuage tentaculaire. Je construisais mentalement un algorithme complexe, à boucles conditionnelles et répétitives, espérant toucher enfin le point de convergence de mes aspirations.
    Rien d’étonnant, finalement. Je suis un père engagé, militant pour le…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بـ20 درهماً للسنة.. مبادرة تتيح للبيضاويين الاطلاع على عشرات الكتب

    في مبادرة ثقافية فريدة من نوعها بمدينة الدار البيضاء تروم التشجيع على القراءة، أحدثت مجموعة “لوماتان” الإعلامية كشكاً للقراءة بقلب حديقة “أنفا بارك”، وسط مدينة الدار البيضاء، حيث يمكن للبيضاويين الاستفادة من مجموعة متنوعة من الكتب وقراءتها في ضمن فضاء مريح، بانخراط لا تتجاوز قيمته 20 درهما سنوياً.

    ويتعلق الأمر بالكشك التابع لـ”بوك كلوب” (Book club) أو “نادي الكتب”؛ المتواجد ضمن فضاء “أنفا بارك” بالقرب من القطب المالي لمدينة الدار البيضاء، والمقابل لفضاء أخضر مفتوح في وجه العموم، وكذلك في وجه منخرطي النادي، الذي يستفيدون أيضاً من أرائك مُريحة للاستمتاع بقراءة الكتب المعروضة في الكشك.

    الكتب مُتنوعة المجالات، بين الرواية والشعر والفلسفة والفكر والعلوم الإنسانية… بمختلف اللغات، وخصوصاً العربية والفرنسية والإنجليزية. كما يفتح الكشك أبوابه في وجه مرتادي حديقة “أنفا بارك” بدءً من الساعة التاسعة صباحاً وإلى غاية السابعة من مساء كل يوم.

    وللانخراط في النادي، يكفي ملء استمارة على الموقع الرسمي على شبكة الأنترنت، ثم التوجه إلى مكان تواجد الكشك لأداء واجب الانخراط المحدد في 20 درهماً سنوياً، للحصول على “بطاقة العضو”، التي تخول الاستفادة من الكتب لمدة سنة كاملة.

    ولا يقتصر الأمر على قراءة الكتب المتوفرة بالكشك ضمن فضاء أخضر مريح للأعصاب ومحفز على القراءة، ذلك أن الانخراط يتيح وفقاً للمنظمين المشاركة في فعاليات ثقافية يتم تنظيمها مرة واحدة كل شهرين من قبل نادي الكتب.

    ويؤكد المسؤولون عن النادي أن الأخير “انبثق من رغبة مجموعة لو ماتان في تعزيز القراءة والثقافة، وهو فعالية أدبية وثقافية تُقام كل شهرين، ترحب بالنساء والرجال من مختلف مجالات الأدب والفنون والثقافة”.

    وتُنظّم الفعاليات باللغتين العربية والفرنسية، وتهدف إلى توفير مساحة مفتوحة وودية للنقاش بين الضيوف والجمهور المهتم بالقراءة والثقافة، كما يتم نقلها والسماح بمشاهدتها لاحقا على موقع النادي لمن تعذر عليه المشاركة في الزمن الفعلي.

    لكل فعالية يختار نادي كتاب “لو ماتان” شخصيات بارزة في المشهد الثقافي، يمثلون مختلف الأجناس الأدبية، كما يفتح المجال أمام المؤلفين الشباب لتعريفهم بجمهور أوسع.

    وبالفعل، سبق للنادي أن استضاف شخصيات مهمة في مجال الثقافة والكتابة بالمغرب؛ على غرار عبد الحق نجيب، خلال شهر يونيو الماضي، لتقديم كتابه “أزمة القيم” (la crise des valeurs) الذي يعد آخر إصداراته.

    كما أشرف على عدة ملتقيات ثقافية على هامش الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، استضافت شخصيات ثقافية مغربية بالمهجر على غرار نجاة فالو بلقاسم والطاهر بنجلون وفؤاد العروي.

    إقرأ الخبر من مصدره