الأحداث بقلم محمد اعويفية
الربيع العربي لم يكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ الشعوب العربية، بل كان زلزالا سياسيا واجتماعيا هز وجدان أجيال بأكملها. جيل الألفية، والقليل ممن سبقه، خرجوا إلى الشوارع حاملين شعارات الإصلاح والعدالة الاجتماعية، فيما كان جيل Z يومها طفلا أو مراهقا يراقب من بعيد، من خلف شاشات الهواتف. لم يفهم آنذاك التفاصيل كلها، لكنه حفظ إيقاع الحشود وهديرها، صدى الهتافات التي صدحت بها الحناجر، ورائحة الغد الأفضل الوردية التي ملأت الساحات، وقبلها العقول.
كبر جيل Z، ومعه كبرت الأسئلة: لماذا تعثرت الثورات؟ لماذا خذل الحلم وأجهض؟ ومن ركب على الحدث وكان وراء وأده؟ لقد ورث هذا الجيل ذاكرة مثقلة بالتناقضات؛ أملا مشرقا فاتنا اصطدم بواقع قاس: دمار وحروب أهلية في بعض البلدان، وعودة أنظمة الاستبداد في أخرى، وتراجع الحريات ونكوصها في البعض الثالث منها. لكنه أيضا ورث شعلة لا تنطفئ، شعلة تقول إن التغيير نحو حياة كريمة بخدمات اجتماعية أفضل ممكن، وأن الأمل سيظل قائما، وأن طريق الديمقراطية ليس وهما بل مسار طويل.
هذا الجيل لم يختر الشارع كساحة وحيدة لإيصال صوته؛ فهو ابن الفضاء الرقمي، يصوغ احتجاجه في تغريدة، يوثق الظلم الواقع بالصورة من أي مكان في العالم، ويحول الألم إلى موسيقى ورسوم ساخرة تنتشر بسرعة الضوء. إنه جيل لا يصرخ فقط، بل يبتكر طرقا جديدة ليظل صوته مسموعا.
جيل Z ليس جيلا ساذجا، بل أكثر نفعية ووعيا من أي جيل سبقه. يعرف أن التغيير لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالعنف وتخريب ممتلكات الناس والدولة، بل بالفكر، وبالصبر على بناء بدائل جديدة واقعية وملموسة. شبكاته الرقمية لم تعد مجرد متنفس، بل أصبحت أداة لتوثيق الحقيقة، تكشف التضليل وتفضحه، وتصوغ سردية جماعية موحدة لا يمكن محوها.
إنه جيل يرفض الاستسلام لليأس، متمسك بثوابت الدولة، يرى فيها ضمان وحدته وتماسكه، كما أنه يرفض إعادة إنتاج الفوضى. لقد تعلم من الربيع العربي أن المطالبة بالحقوق لا تبنى بالعنف والدمار والتخريب، بل بالوعي، بالحوار، وبالتشبث بالعدالة والكرامة كحق للجميع.
يبقى السؤال معلقا كما كان قبل عقد: هل من مستجيب ليد هذا الجيل الممدودة التي تحمل باقة ورد؟
فلربما يكون جيل Z جيل الانتظار، وربما جيل العطاء من أجل بناء غد مزهر، لكن المؤكد أنه جيل الذاكرة والوعي الجديد؛ ذاكرة لا تدفن، ووعي يرفض أن يتكرر ما وقع من استغلال بشع لثورة 20 فبراير من قبل من ساهم بشكل رئيسي ومباشر في ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، خصوصا الاجتماعية، بتحرير الأسعار والإجهاز على كل الصناديق والمكتسبات .
جيل الذكاء هذا يصر على أن الحلم المؤجل في حياة كريمة بتعليم وصحة لائقين باق لا يموت، وسيصير لا محالة حقيقة وواقعا، وأبدا لن يسمح لأي تاجر دين أو مرتزق سياسة أو فوضوي مخرب بالركوب عليه مرة أخرى لتعكير طهر وصفاء نواياه ومراميه النبيلة.
هيئة التحرير4 أكتوبر، 2025
إقرأ الخبر من مصدره