Étiquette : حروب

  • قراصنة جُدد

    جنازة ملكة بريطانيا تحولت إلى فرصة للقراصنة، لاستهداف الأمن المعلوماتي لشخصيات مرموقة في البلاد.

    ففي الوقت الذي كان فيه كبار المسؤولين الحكوميين، والعاملين بالقصر الملكي، منشغلين بالحداد والإعداد للجنازة التي تابعها مئات الملايين عبر العالم، كان القراصنة يشنون حملات منظمة لاستهداف هواتف كبار المسؤولين في الدولة، وهو ما انتبه إليه الأمن المعلوماتي مبكرا.

    تغير العالم، لكن العادات لم تتغير. ففي جنائز ملوك بريطانيا القدامى، خصوصا خلال الحرب الأهلية البريطانية، كانت جماعات القراصنة تستغل دائما الحدث لشن هجمات، أو محاولة الخروج من ظل التاج والانفصال عن المملكة العظمى. واليوم تم استبدال السفن والسيوف بالهواتف والحواسيب عالية الكفاءة، هذا كل ما في الأمر.

    الملكة إليزابيث الأولى، التي حكمت بريطانيا منذ سنة 1558 إلى وفاتها سنة 1603، كان عليها خوض حروب عظمى للإبقاء على التاج البريطاني. وبدل أن تبحث في آسيا عن حلفاء، توجهت إلى المغرب الذي كان يحكمه وقتها المنصور الذهبي، وعقدت معه صفقات مهمة، خصوصا في مجال استيراد المواد الأولية وعلى رأسها السكر، الذي أخذ منه البترول الأضواء.

    إذا كان المغرب وبريطانيا قد وقعا على بداية مشروع ضخم وغير مسبوق في المنطقة، لنقل الطاقة النظيفة عبر خط يمر تحت البحر، لتزويد ملايين المنازل في بريطانيا بالتيار الكهربائي، متجاوزين بذلك أزمة الطاقة التي تلوح في الأفق، فإن أقدم صفقة بين البلدين تعود إلى أيام إليزابيث الأولى، التي أسست أول شركة في القارة الإفريقية وكان مقرها في المغرب، وأهم فرع لها كان في مدينة الصويرة. ولا يزال أرشيف مكتبة لندن يحتفظ بشهادة توقيع إطلاق هذه الشركة. إذ إن الملكة إليزابيث الأولى أرسلت إلى المغرب وفدا من كبار رجال الأعمال الإنجليز، ومعهم رسالة من الملكة تعرض على المولى المنصور الذهبي إنشاء شركة «البربر»، لاستيراد المواد الأولية من المغرب.

    لكن ما وقع أن تجارا آخرين في بريطانيا احتجوا على اللجنة التي ذهبت إلى المغرب، وطلبوا أن يُمنحوا بدورهم حق تأسيس شركات هناك. لكن العقد الأولي للشركة كان ينص على احتكار أولئك التجار لاستيراد السكر وبعض المواد المستعملة في الصناعات، لسنوات معينة.

    وفي الوقت الذي كانت البواخر البريطانية تنقل الجيش لشن الحروب واستعمار آسيا وجنوب القارة الإفريقية وأستراليا أيضا، كانت السفن القادمة إلى المغرب لا تنقل سوى الدبلوماسيين والهدايا والاتفاقيات.

    أحيانا تجب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لفهم ما يقع. إذ إن بعض الأصوات النشاز شككت في قيمة مشروع نقل الطاقة عبر «كابلات» ضخمة تحت البحر، من المغرب إلى بريطانيا، وطرحت أسئلة عن سر اختيار المغرب وليس أي بلد آخر. لكن الجواب يستقر في الأرشيف المشترك بين البلدين، والعلاقات التي تعود إلى أزيد من خمسة قرون خلت.

    حتى في الجنائز، يوجد تاريخ مشترك بين البلدين. عندما توفي المولى الحسن الأول، كان أول من علم بوفاته هم الإنجليز. إذ من المعروف أن هذا السلطان العلوي الذي توفي سنة 1894، كان يوجد في جولة تفقدية خارج قصره، لكن حاشيته، خصوصا وزيره باحماد، أبقى على خبر الوفاة سرا إلى أن يصل الوفد إلى القصر الملكي، ويتم هناك إعلان الوفاة رسميا. لكن الإنجليز علموا بالخبر، بحكم العلاقات الوطيدة بين المغرب وبريطانيا وقتها، واحترموا عامل السرية ولم ينشروا الخبر عبر موظفي السلك الدبلوماسي، بل تم إرسال رسالة «تلغراف» عاجلة إلى لندن. وهكذا كان ذلك الخبر أول معلومة تصل من المغرب بسرعة إلى لندن. حتى أن الوفد الدبلوماسي الذي تم إرساله من القصر الملكي لتقديم العزاء، كان قد تحرك من هناك قبل أن يصل موكب السلطان إلى بوابة القصر. أي أن الناس في لندن علموا بوفاة السلطان الحسن الأول، قبل أن يعلم به سكان مدينة فاس الذين كانوا يفتخرون دائما بقربهم من القصر.

    إنه التاريخ يعيد نفسه، لكن بدل السيوف تُستعمل الهواتف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحروب الأوسع تدميرا

    عندما عرفت البشرية الحرب بصيغة نظامية، حينما كان يقف جنود قوتين أو بلدين أو حضارتين في مواجهة بعضهما البعض في بدايات نشأة فكرة الجيوش، كانت وقائع المعارك تتم بنزاهة، فالاشتباك بين المتحاربين يتم بشرف وكرامة، لأن السلاح المتمثل في السيف أو البلطة أو الرمح كان لصيقا بالمقاتل، خلال مجريات المعارك الافتتاحية لفكرة الحرب، والقاعدة هنا هي كلما كانت تكنولوجيا التسليح أقل تعقيدا، كانت وقائع الحرب أكثر شرفا.

    أجيال الحروب الحديثة صارت كئيبة وأكثر عنفا وأوسع تدميرا وأسوأ أخلاقا، ذات بنية قيم تتدهور بلا توقف، فالتكنولوجيا لم تعد مقتصرة على السلاح، لكنها اتسعت لتشمل أدوات أخرى لبث الرعب والأكاذيب لدى القوات المعادية والسكان، صحيح أن ضغطة زر يمكن أن تؤدي إلى انطلاق صاروخ باليستي يحمل رأسا نوويا يمكنه تدمير مدينة بالكامل، لكن وهذا هو الأخطر في ظل تبادل الردع المخيف للأسلحة النووية القادرة على إفناء الكوكب، وأخذت مجريات الحرب والعنف المسلح مسارات جديدة، خلخلت الإطار الاستراتيجي السائد منذ قرون لممارسة فعل الحرب.

    تبدى التغير الجوهري لفعل الحرب في ما صار يعرف أخيرا بالجيل الرابع، الذي تجاوز ملامح التحول النمطية والجوانب الإجرائية في قواعد ممارسة المعارك، وإذا كانت الدراسات العسكرية تتحدث عن أجيال لاحقة، إلا أنها رغم قدرات الرصد والتحليل لم تصل بعد إلى إمكانية تأسيس بنية متماسكة، كتلك التي حققها القوام المفاهيمي في بلورة طبيعة ما استحدثته حروب الجيل الرابع من اختلافات نوعية.

    يتصف الجيل الرابع للحرب بأنه يتأسس على صراعات أكثر تعقيدا لموروث فكرة الحرب، بتبني من يديرونها تكتيكات ذات اختلافات نوعية في مرونتها وأساليبها، حيث تمارسها الجماعات العابرة لمفهوم الدولة القومية، ضاربة بمقومات الروح الوطنية عرض الحائط، كما يمكن أن تمارسها أيضا الدول في صراعاتها، وتدار حروب الجيل الرابع عملياتيا بأنماط اشتباك ممعنة في اللامركزية، والتخلي نسبيا عن التسلسل الهرمي للقيادة التي يمكن أن تقتصر أحيانا على إعطاء توجيهات عامة.

    كما تنطلق حروب الجيل الرابع من ذهنية مغايرة تتشكل بنيويا بنسق يربط العلاقات التفاعلية للحرب بهجوم تتجاور فيه مع الأسلحة التقليدية أسلحة معنوية هدامة بالغة الشراسة، باستخدام كل أدوات ووسائل الميديا والدعاية الحديثة الأكثر تطورا، لشن هجمات كاسحة على ثقافة وإيديولوجية العدو باستغلال الاختلافات العرقية والدينية، بل والمذهبية داخل الدين الواحد لهدم الدولة من الداخل. ومن أساليب هذه الحرب أيضا تواصل الحرب النفسية من خلال تكثيف الشائعات، وزرع العملاء، وحشد الكتائب الإلكترونية التي تروج الأكاذيب والأخبار الزائفة، وتتصيد أوجه القصور التي لا تخلو حكومة منها، وإن بدرجات ومن العناصر الخطرة في الجانب غير العسكري السياسيين العملاء، الذين يلجؤون إلى أساليب التضليل والفتك الذهني.

    في حروب الجيل الرابع تقوم التنظيمات الإرهابية المؤدلجة بعمليات ترويع للسكان المدنيين، تصل إلى حد الإبادة الجماعية، ونشر الخراب في عموم الدولة، أو في مناطق جغرافية محددة، من خلال خلايا خفية مدربة، ومن أمثلتها تنظيم «القاعدة»، الذي نجحت الجهود الدولية في ضعضعته، وبصفة عامة تلجأ التنظيمات الإرهابية في حربها اللامتماثلة Asymmetric Warfare  إلى ضرب مصالح الدول الحيوية، من مرافق اقتصادية وخطوط مواصلات ومنشآت ذات قيمة رمزية، في محاولة لإضعاف هيبة الدول.

    حينما تلجأ الدول إلى استخدام أدوات الجيل الرابع، فإنها تشتبك إما بإدارة الصراع المباشر مع الخصم، أو عن طريق طرف ثالث مناوئ، وتعتمد بقوة أيضا على وسائل الإعلام المختلفة، والمعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، وكل سبل النفوذ والعمليات الاستخبارية وتقديم الدعم اللوجيستي، ولا يخلو الأمر من الإمداد بالسلاح والمال.

    قبل التطرق إلى الكيفية التي يمكن بها التصدي لحروب الجيل الرابع، تجدر الإشارة إلى أن استقرار الدول وصلابة بنيانها الاقتصادي والاجتماعي مقومات تشكل حائط صد قويا يحمي، بل يقطع الطريق على مثل هذا النوع من الحروب، ومثال لهذه الدول الولايات المتحدة ودول أوروبا وسنغافورة، والإمارات العربية المتحدة في إقليم الشرق الأوسط.

    عملياتيا في إدارة الصراع المباشر مع قوات أو عناصر الجيل الرابع، تتم المواجهة عن طريق تفتيت القوة الرئيسية، والعمل المستمر على تشتيت العناصر المتمردة وكشف تهافت عقيدتها ومصالحها الخاصة، لكن هذا لا ينفي أهمية أن تعمل الدول التي تتعرض لهذا النوع من الحروب، على تغليب سيادة القانون وشفافية القرارات والممارسات الحكومية، في إطار من التشاركية مع المواطنين، والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية والاحتياجات الأساسية، والتعزيز المستمر لوعي الجماهير في ظل كفاءة وفعالية الأداء الحكومي.

     

    نافذة:

    في حروب الجيل الرابع تقوم التنظيمات الإرهابية المؤدلجة بعمليات ترويع للسكان المدنيين تصل إلى حد الإبادة الجماعية ونشر الخراب في عموم الدولة

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الرياضة والمجتمع

    إنَّ الحديثَ عن الرياضة والمجتمع لَأَمْرٌ مُتَاحٌ للجميع، بِخِبْرَاتٍ متعدِّدة: إذ يمكن تجاذُب الحديث عن الشأن الرياضي، المليء بالمتعة، لساعات عديدة، بآليات تختلف حسب الثقافة الرياضية، والاجتماعية، وعتبات الممارسة، ودرجات الخِبرة في المشاهدة، أو حتى على سبيل الاقتحام. أمَّا أمْرُ الكتابة، في هذا الموضوع، وشأنُ تَدَارُسِهِ بنَفَسٍ، ومنهجيةٍ عِلْمِيَّيْن، وفي حقول معرفية مختلفة، فهو أَمْرٌ غيرُ متاحٍ للجميع، ومَنْدُوحَةٌ تتطلَّب التكوين، والممارسة في النقد البنَّاء، والقُدرة على طرْح البدائل، والمراوَحة بين التوثيق، والتحليل، والإبداع. هذا ما أَمْلَتْهُ عَلَيَّ نفسي، وأنا أقرأ مقالات صيغت باللغة العربية، في الكتاب الجماعي، المُعنْوَن: “الرياضة والمجتمع” لمجموعة من الفاعلين، المتخصِّصين في البحث في الرياضة عموما، وفي المجتمع، في علا قاته بالممارسة الرياضية.

    اختار المُؤَلِّفُون الخمسة المُراوَحَةَ بين مناظرات الماضي، ومدى تحقيقها على أرض الواقع، ووضعوا أنفسهم بين الدَّافِعِ والبحث، فكشفوا عن تحليل الكثير من المعطيات، ومن زوايا علمية مختلفة، ورصدوا عِلَلَ عدم تفعيل مجموعة من التوصيات، وطرحوا الكثير من البدائل، ولعل ما أسعفَهم بذلك، هو درايتُهُم في تخصصاتِهِمُ العلمية، المرتبطة بأنواع رياضية كثيرة، وقربُهم من مراكز القرار، كأنهم مُؤْتَمَنُونَ على مسار التوصيات، وعلى حدود تفعيلها.   في البداية، أَشْفَقْتُ على هؤلاء الكُتَّابِ من مَضَارِّ نُدْرَةِ القرَّاء المُعَرَّبِينَ حول هذا الموضوع، لكن، سرعان ما تَبَدَّدَ تَوَجُّسِي، بعد مُطالعة المقال الأوَّل، فَلُغَةُ الباحث منصف اليازغي رصينة، وحِسُّهُ النقدي يَقِظٌ للغاية، ويُدْلِي بِمَدَى غيرتِه على الرياضة. وبعدها، تَحَوَّلَ التَّوَجُّسُ إلى إعجاب، فقد تَعَرَّفْتُ كُتَّاباً ناذرين، في موضوع شائكٍ، ومفتوحٍ على مصاريعه للعموم، لم يُهْدِرُوا فيه الوقت، بل، أجادوا في قوانين كتابتِه، نحواً، وبلاغةً، وسرداً، وأسلوبيَّة، وأخباراً؛ كما استشعرتُ سيطرةً يَفرضُها تخصُّصُهم، في علوم الرياضة، والمجتمع، والجانب النفسي، والبدني، والإعلامي، واحتكاكهم بالساسة، وتتبُّعُهُم لِما يتلفَّظون به، وعوداً أو تصريحاتٍ، وما إلى ذلك…

    استُهِلَّ المُؤَلَّفُ بِإِشارةٍ ذكيَّةٍ إلى المناظرة الوطنية للرياضة، التي احتضنتها الصخيرات، شهر أكتوبر من سنة 2008، الموسومة برسالة ملكية جارحةٍ في حَقِّ التراخي في الإقلاع بالشأن الرياضي، فاضحةٍ مزالقَ تدبير هذا الشأن، ُمشَخِّصَةٍ داءَ تَرَدِّي الرياضة، مستشرفةٍ سُبُلَ الانبعاث، موجِّهةٍ إلى الطريق الصحيح… ثم، تلتها سِتُّ مناظراتٍ جهوية، شهدت تطاحناً في الآراء والمواقف، خلُصت إلى إعلان وزارة الشباب والرياضة عن تجميعها لأزيد من 120 توصية. أنجز بعدها مكتب الدراسات تشخيصا للرياضة الوطنية، وتبادل بعضُ الفاعلين الرياضيِّين التُّهَمَ بشأن من يعنيهِمُ المَلِكُ بكلمة: “إلاَّ مَنْ رَحِمَ ربِّي”. فكانت الحصيلة الإعلانَ عن مخططِ 2020 لنوال المتوكل، لِيُجْهَضَ بسبب التعديل الحكومي لسنة 2009، ثم مخططِ منصف بلخياط لسنة 2016، الذي لم يكن أفضلَ حالا من سابقه.

    أمَّا من خَلَّفَ الوزيريْن السابقيْن، فقد خلص إلى أنهما أساءَا تطبيق الرسالة الملكية، وأن هذه الأخيرة هي خارطة الطريق، دون أن يتحدث عن توصيات المناظرة، قبل أن تجرِفه، بعيداً، مياه ملعب الأمير مولاي عبد الله، في إطار فضيحة “الكَرَّاطَةْ”. فهل هذه الدوافع كافية لأن ينبري الإعلامي اللامع، منصف اليازغي على الإشراف على نشر كتاب جماعي، بعنوان: “الرياضة والمجتمع”؟

    المقال الأول: “السياسة الرياضية -مبادئ وتعريفات-” للباحث منصف اليازغي.

    إنَّ أوَّلَ ما أثار فضولي، وأنا أتصفَّح هوامش الكتاب، هو كلمة الإهداء، التي خَصَّ بها المُؤَلَّفُ الجماعي رجلاً مهتمّا بالبحث العلمي، وَصَفَتْهُ الكلمةُ على هذا النحو:

    “هذا المؤلَّف الجماعي إهداءٌ للأستاذ الفاضل، الدكتور محمد قعاش، على دوره الفعال والمؤثر، في دعم البحث العلمي بالمغرب، وترسيخ ثقافة التأليف الرياضي، وتكوين أجيال من الباحثين الشباب. مع متمنياتنا له بالشفاء ودوام الصحة”.

    وعليه، جعلتُ نُصْبَ عيني استنباطَ الدور الفعال لهذا الباحث الخدوم، من خلال ما ستكشفه لي مقالات الكتاب الجماعي، من معلومات رياضية، واجتماعية، ونفسية، وتدبيرية…

    استهل الباحث، منصف اليازغي، المؤَلَّفَ الجماعي بمقال بعنوان: السياسة والرياضة -مبادئ وتعريفات-“، فأشار إلى صعوبة تعريف مفهوم الرياضة، برغم كونها مُسْتَوْعَبَة لدى الجميع، لفظاً وظاهرةً، وهو ما أعجز المتخصِّصين عن تقديم تعريفٍ صحيحٍ ودالٍّ لها، وهو، أيضاً، ما فتح المجال لنعتها نعتا تلقائيا على هذا النحو: التربية البدنية، والألعاب الرياضية، والتمرينات البدنية، والتدريب البدني. لم يقف المؤَلِّف عند هذا النعت التِّلقائي، بل عمل على تدقيق مفهوم الرياضة، لغةً، واصطلاحاً، وسلوكا، وعلى مستوى التاريخ، والمجتمَع، مُراوحا بين تَقَلُّبِ المفهوم بين لغة الضاد ولغة موليير، ومُحِيلاً على العديد من الأبحاث الأكاديمية، التي أَوْلَتْ للرياضة اهتماما بالغا.

    خلص الباحث إلى إبراز القصد من كلمتَي “سياسة رياضية”، مبرزاً إمكانية التدخل السياسي للحكومات، في تدبير شؤون الرياضة، أو اقتِصار تسيير هذا القطاع على هيئات لا سلطةَ للحكومات عليها.

    المقال الثاني: “الإعداد النفسي للرياضيِّين المحترفين في البطولات الكبرى”.

    صاحب المقال: ذ. كريم بلقوش، أستاذ التعليم العالي، مساعد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، معهد علوم الرياضة، تخصص علم النفس الرياضي. أشار الأستاذ الكريم إلى اعتماد علم التدريب الرياضي، في مراحل الإعداد الرياضي، على أسس علمية تمكن من إنجاح مراحل الإعداد البدني، أو المهاراتي، أو النفسي، مع إيلاء المزيد من الاهتمام إلى الإعداد النفسي.

    أقَرَّ الأستاذ، بأنه يمكن للإعداد النفسي أن يرقى بالرياضيين إلى مراتب رياضية متقدمة، بالاعتماد على دراسة الشخصية الرياضية، وتحسين العمليات العقلية المعرفية، وتتبُّع الرياضي لخلق وضعيات مُثْلَى لكل لاعب كفردٍ، أو في علاقته برفاقه كفريق واحد، لتقديم أداء أَمْثَل. ثم، أشار صاحب المقال إلى تظاهُرات رياضية كأمثلة على ما طرحه، كالألعاب الأولمبية، وبطولات العالم القارية، والملتقيات الكبرى…

    دقق الأستاذ كريم بلقوش مفهوم علم النفس الرياضي، بالاعتماد على إحالات غربية، وبيَّن مدى تأثير المشاركة في الممارسات الرياضية على العوامل النفسية والبدنية. ثم أشار إلى صعوبة التعريف بالأخِصَّائي النفسي الرياضي، مُحِيلًا على تساؤل الدكتور جون سيلفا:

    “إن من ضمن الأسئلة والتحديات، التي تواجه ميدان علم النفس الرياضي الإجابة عن السؤال التالي: من هو الأخصاء النفسي الرياضي؟”

    ومشيرا إلى مختلف المنظمات والجمعيات الدولية، في علم النفس الرياضي. ليخلص إلى إدراج ثلاث وظائف لهاذا العلم، تتمثل في: الأخصائي النفسي الإكْلِينِيكِي، والأخصائي النفسي الرياضي التربوي، والأخصائي النفسي الرياضي الباحث. كما أَقَرَّ بِأَنَّه لكلٍّ تكوينُه، ووظائفُه…

    اتخذ الألعاب الأولمبية أنموذجا رياضيا، لتبسيط برنامج الإعداد النفسي.

    المقال الثالث: “توظيف فرنسا واليهود للرياضة خلال فترة الحماية بالمغرب (1912-1956)”. لصاحبيه: د. الحاج محمد الناسك، د. منصف اليزغي.

    د. الحاج محمد الناسك: إعلامي مغربي مقيم بقطر، باحث في التاريخ المعاصر، صاحب بحث جامعي بعنوان: “الحياة الثقافية والاجتماعية للطائفة اليهودية في عهد الحماية”.

    د. منصف اليازغي: باحث في السياسة الرياضية، عضو المركز المغربي للدراسات والأبحاث في المجال الرياضي، له إصدارت آخرُها: “السياسة الرياضية بالمغرب (1912-2012).

    ربط المقال تطور الرياضات الحديثة بما أفرزه النصف الثاني من ق19، إذ كانت الرياضة وليدة الثورة الصناعية البريطانية، ومنها انتشرت إلى باقي دول أوربا. وهو ما دفع العلوم الاجتماعية إلى الاهتمام بأنشطتها وتنظيماتها. وعليه، عرف المغرب، على حَدِّ قولِ المقال، الرياضةَ الحديثة في ظل الاستعمار الفرنسي، إذ تغيرت الأشياء، حسب رأيِ الباحث الفرنسي، روجي لوطورنو، فأصبح الشبابُ الهواةُ يتزايدون بدون انقطاع، في الكشفية، وكرة القدم، وكرة السلة، والسباحة، وألعاب القوى.

    أدرج المقال تعريف بْيَارْ كُوبِيرْتْرَانْ للرياضة، قال فيه:

    “الرياضة هي النشاط الطوعي، والمعتاد للتمرين العضلي المكثَّف، المعتمد على الرغبة في الارتقاء، ويمكن أن يصل إلى الأخطار”.

    وعلى ذِكْرِ الأخطار، لم أتمالك نفسي لأُدْلِي بِدَلْوِي، بكل حب واحترام، في هذا المقال، وأُذَكِّرَ بِإشارة قيِّمة تعود إلى ما قبل بيار كوبيرتران، بثلاثِ قرون وبضعِ سنين، وردت عند المؤرخ محمد الصُّغَيِّرْ الأفراني، ذكر فيها بعض الأخطار الناجمة عن ممارسة الرياضة، في مراكش، في مستهل ق17م، أي في حوالي 1606، بعد وفاة السلطان المنصور السعدي، واستيلاء الفقيه الثائر ابن أبي مَحَلِّي على قصر البديع، مستغلا انشغال الأخوة أبناء المنصور في حروب ضارية بينهم، إذ جاءه أقرباؤُه يهنؤُونه، ويُظْهِرُون له الفَرَحَ والسُّرورَ بِما صار إليه مِنَ المُلْكِ، فكان رَجُلٌ منهم ساكتاً لا يتكلَّم، فقال له ابنُ أبي مَحَلِّي: ما شَأْنُكَ لا تتكلَّم؟ وألَحَّ عليه. فقال الرجل: أنتَ اليومَ سلطانٌ، إنْ أمَّنْتَنِي أَتَكَلَّمُ بالْحَقِّ. فقال له: أَنْتَ آمِنٌ. فقال الرجل، وكان أَمْثَلَهُمْ طَريقَةً:

    -“إنَّ الكُرَةَ التي يُلْعَبُ بِها يَتْبَعُهَا المائةُ والمائتان، وأكثرُ وأقَلُّ من خَلْفِهَا، وبِكَثِيرٍ من الصِّياح، والضَّجيج والهَوْلِ، ويَنْكَسِرُ النَّاسُ، ويَنْجَرِحُونَ، وقد يموتُون، ولا يُبَالُون. فَإِذَا فَتَّشْتَ لم تَجِدْ إلاَّ الشَّراويطَ ملفوفةً فيها {أي، خِرَقاً بالِيَّةً ملفوفةً} فلمَّا سَمِعَ ابنُ أبي مَحَلِّي هذا المِثالَ وفَهِمَهُ بكى، وقال: رُمْنَا أنْ نُجْبِرَ الدِّينَ فَأَتْلَفْنَاهُ”.[1]

    هذا، وقد اكْتُشِفَ كِتابٌ من الحَجْمِ الصَّغير، لِمُؤَلِّفٍ مجهولٍ من مدينة تازة، يعود إلى (ق17م)، يحمل عنوان “مُخْتَصَرُ الأَفَاريدِ”، تطرَّق إلى نظام الرياضة البدنية، في التعليم المغربي القديم. ومن بين موضوعاته فَصْلٌ يتعلَّق بكُرة القدَم، إذ، قسَّم المُؤَلِّفُ قوانينَ اللُّعْبَةَ إلى مجموعة قوانين إِلْزَامِيَّة، وأخرى مُسْتَحْسَنَة، ثم إلى مَحْظُورَة.

    مِنْ بينِ القوانين الإِلْزَامِيَّة:

    – تنظيمُ اللاعبين، وتقسيمُهُم إلى فريقيْن متساويَّيْن في العدَد.

    – نظافةُ أرض الملعَب، وابتعادُها عنِ البِناء والشَّجَر.

    – تحديدُ ساحة اللعب، دون طُولٍ مُفرِطٍ.

    ومن القوانين المُسْتَحْسَنَة:

    – جلوسُ المتفرِّجين خارجَ رُقْعَةِ الملعَب.

    – التَّصفيقُ ضِدَّ مَنْ يرتكب مُخالَفَة.

    وفي هذا الصَّدَدِ يقول المؤرخ محمد المنوني:

    – “إنَّ التصفيق كان، آنذاك، يقومُ مَقَامَ الصَّفيرِ في الألعاب الحديثة”

    فيما يَروي الباحثُ المنوني بخصوص ما كان يُمْنَعُ على اللاعِبِين، من قَبيلِ:

    – قَذْف الكرة إلى الطرف الخارجي من الملعَب.

    – التقاء اللاعبيْن بالرِّجليْن، سَاقاً لِساقٍ.

    – استخدام الدَّفْعِ والوَكْزِ.

    – حَصْر اللاعب للكرة بِرِجْلِهِ، وضَرْبِه لِمُنَافِسِه بالرِّجْلِ الأخرى.

    – التَّلَفُّظ بخشونة الكلام، في رَدِّ اللاعبِ على مُنَافِسِه.[2]

    وفي نِطاق المصادر المتعلِّقَة بالرياضة البدنيَّة في المغرب، تحتفظ الخِزانَة العامَّة بالرِّباط، بمُؤَلَّفٍ آخرَ يتناول موضوعَ التربية البدنية، يَحْمِلُ اسم “سِرَاج طُلاَّب العلوم”. وهو عبارة عن منظومة رَجْزِيَّةٍ، كانت مِنْ نَظْمِ الشاعر العربي بن يحيى المْسَارِي، المتوفَّى في بدايَة (ق13هـ/أواخرق18م). ويتحدَّث فيه عن آداب الرياضة، التي كان الطلبَة يمارسُونَها في عطلة كل يوم خميس.

    لِنَعُدْ إلى المقال، ونعرج على قول لرولان بارت، استشهد به صاحبا المقال، يقول فيه:

    “الرياضة هي السلطة التي تحَوِّلُ كل شيء إلى ضِدِّهِ” وهو تعريف جاء في سياق حديث صاحبه عن رياضة الهُوكِي في كندا، إذ تَحَدَّى أهلُها قساوةَ البرد، وحولوا شتاءً ساكناً، وأرضاً متجمدةً، وحياةً معطَّلَةً إلى رياضة فيها مَرَحٌ، وقوةٌ، وحماسٌ، إنها الهُوكِي الرياضة الوطنية، والمعجزة المتجمِّدة التي يشارك فيها البلد بِرُمَّتِّه: الجماهير، الصحافة، والمذياع، والتلفاز، وكل وسائل التواصل…

    لم أمنع نفسي من طرح السؤال التالي، هل بالفِعل فُرِضَتِ الرياضة على المغرب من الخارج؟ مثلما يقول المقال؟ أم كان للمغاربة إسهام في الرياضة منذ الموحِّدين، أي منذ أن حَظِيَتِ الحاضرةُ مراكش، حوالي 890 سنة خَلَتْ،[3] بإنشاء الخليفة الموحدي، عبد المؤمن بن علي الكُومي، لِمَدَارسَ سبَق أن جَمَعَتْ بين الدِّراسة، والتمرين البدني، والإيواء[4]. إذ ذكر لنا العلاَّمَة الجليل، المرحوم سيدي محمَّد المنُّوني، مدرسة العِلْمِ بالجامع المُرْتَضى؛ ومدرسة الرحبة، ويُرجَّح أن تكون أصلاً أوَّلاً لمدرسة ابن يوسف؛ ثم مدرسة بقصبة مراكش.[5] أمَّا شروط الولوج لهذه المدارس، في أيام حكم الموحِّدين، فتمثَّلَتْ في تَوَفُّرِ المتعلِّمين على:

    – سِنِّ الصِّبَا، إذ، لم يَكُنْ يُقْبَلُ فيها إلاَّ الصِّبيان.

    – علامة النَّبَاهَة، وسُرْعة الفَهْمِ. ولذلك كان المستفيدُ من بين الأولاد النُّجَبَاء، الحُفَّاظ.

    – المعرفة ببعض مبادئ العلوم.

    كان تكوين الطَّلَبَة يستغرق ستة أشهر، وكانت البرامجُ مُوَزَّعَةً بين جانبيْن متكامليْن: الجانب المعرفي، وقاعِدَتُه الأساسُ حِفْظُ القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ومؤلَّفات ابن تومرت، وكتاب المُوَطَّإِ للإمام مالك؛ ثم جانب التَّدْرِيب البَدَنِي، والعسكري. ويُعَرِّفُنا النَّصُّ التَّالِي بِمَوَادِّ التدريب البدَني والعسكَرِي وبرامِجِهِما، إذ، يقول:

    – “وكان الخليفةُ الموحِّدي، وهو يقصد عبد المُؤمن بن علي الكومي، يُدْخِلُهُم كُلَّ يَوْمِ جمُعةٍ بعد الصَّلاة داخلَ القَصْرِ، فيجتمع الحفَّاظُ فيه، وهُمْ نَحْوُ ثلاثة آلاف، كأنَّهُم أبناءُ ليلةٍ، من المَصَامِدَةِ وغيرِهِم، قَصَدَ بِهِمْ سُرْعَةَ الحِفْظِ والتربيَّة على ما يُرِيدُه، فيَأْخُذُهُم يوماً بِتعليم الرُّكوب، ويوماً بالرَّمْيِ بالقَوْسِ، ويوماً بالعَوْمِ، ويوماً يأخُذُهُم بأن يُجَدِّفُوا على قَوَارِبَ وزَوَارِقَ”.[6]

    قد يُرَجَّحُ أنَّ تَعليمَ الطَّلبة ركوبَ الخيل كانَ يَتِمُّ في يومِ الإثنيْن؛ وأنَّ تعليمَهُمُ الرِّماية بالقوس كان يَتِمُّ في يومِ الثلاثاء؛ وأَنَّ تَعليمَهُم العَوْمَ، إمَّا في صهريج أَقْنَ،[7] أو في صِهْرِيجِ أكدال، كان يَتِمُّ في يومِ الأربعاء؛ فيما تَعْلِيمُهُمُ التَّجْدِيفَ على القَوارِبِ والزَّوارق، في الصِّهريجيْن المذكوريْن، ربَّما كان يَتِمُّ في يومِ الخميس، ليُخَصَّصَ يومُ الجمعة لسُرْعَة الحِفْظِ والتربية على ما يُرِيدُه الخليفة، مثلما جاء في النصِّ.

    ألاَ يُغْرِي هذا النصُّ بِطَرْحِ سؤالٍ يَكْشِفُ عن مَدَى معايَنَة أهل مراكش لطلبة الموحِّدين، وهم يُمارسُون مجموعة من الأنواع الرياضيَّة؟ ألاَ يُعْطِي تنظيمُ هذه المدارس الموحِّديَّة، الموازي بين التكوين العِلْمِي والبَدَنِي، انطباعاً مُفَادُه أنَّ أهلَ مراكش قدِ انْفَتَحُوا على أنواع رياضية مثل السِّباحة، والرِّماية، وركوب الخيْل، والتجديف بالقوارب والزَّوَارِقِ منذ 890 سنة خلَت؟ ألم يَكُنْ لانفتاحِ هذه المدارس على التربية البَدَنِيَّة إشعاعٌ، وتأثيرٌ في أوساط أهل مراكش؟ يكفي أنْ نَسْتَشْهِدَ بِبَيْتٍ شِعْرِيٍّ للشاعر ابْنِ حَبُوسٍ الفاسي، الذي أَبَى إلاَّ أن يَمْدَحَ فيه اهتمامَ الخليفة الموحدي، عبد المؤمن، بالتكوين الرياضي، إلى جانب التكوين العِلْمِي، لِنَسْتَشْعِرَ مَدى أهمية هذا الإشعاع، إذ، يقول:

    ومَدَارِساً تَسَعُ الرِّياضةَ لو رَأَى * * * سُقْـــرَاطُ سِيرَتَهَــــا لَذَمَّ الهَيْكَلاَ[8]

    لِنَعُدْ إلى مقال الأستاذيْن الباحثيْن، إذ أشار إلى أهداف السياسة الرياضية للاستعمارية، كصرف سلطات الحماية الشباب المغربي، في أوقات الفراغ، عن الاجتماعات والخُطَبِ السياسية. ثم فصل في ذِكْرِ توظيف الصهيونية للرياضة، في إطار ما أسماه اليهود: (رياضة العَضَل اليهودية) …

    المقال الرابع: “جواز تضمين عقد الأجير الأجنبي، شرط سرية الراتب”.

    انصب مقال ذ. محمد بن حساين، وهو أستاذ بجامعة عبد المالك السعدي الكلية المتعددة التخصصات، انصبَّ على دراسة عقد المدرب اِيرِيكْ غْرِيتِيسْ أنموذجا، مبيِّنا مدى خضوع الجامعة الملكية لكرة القدم، لنطاق تطبيق مدونة الشغل، التي نصَّت على:

    -“تسري أحكام هذا القانون على الأشخاص المرتبطين بعقد شغل، أياً كانت طرق تنفيذه، وطبيعة الأجر المقرر فيه، وكيفية أدائه، وأيا كان نوع المقاولة، التي يُنَفَّذُ العقد داخلها، وخاصة المقولات الصناعية والتجارية، والصناعة التقليدية، والاستغلاليات الفلاحية والغابوية …”

    ثم، بيَّن المقال مَزالق لم تحترِم فيها الجامعة الملكية لكرة القدم مدوَّنةَ الشغل، كضرورة حصول الأجير الأجنبي بالمغرب على رخصة من طرف وزارة التشغيل، تُسَلَّم له، على شكل تأشيرةٍ توضع على عقد الشغل.

    المقال الخامس: “الحق في الوصول إلى المعلومة في المجال الرياضي. لصاحبِه: د. منصف اليازغي.

    بعد أن أشار صاحب المقال إلى نَصِّ الدُّستور المغربي على هذا الحق، ذَكَّرَ بأنَّ المجال الرياضي لم يُسْتَثْنَ من بنود النصِّ، باعتباره مجالاً تدبيريا يعتمد الحَكامةَ، والشفافيةَ، في مجال الإعلام.

    ثم تساءل صاحب المقال عن مدى إتاحة المؤسسات الرياضية بالمغرب لمختلف المهتمين الحقَّ في ولوج المعلومة، والتواصل بواسطتها، ومدى وجود الشفافية من عدَمِه، في تدبير شؤون المؤسسات الرياضية.

    بهذا الطرح، حاول منصف اليازغي، بَسْطَ مقاربَة للحق في الوصول إلى المعلومة، مشيرا إلى بعض الاختلالات، ومحاولا التقرُّب من واقع المؤسسات، بمعطيات ميدانية، وإحصائية دقيقة. أما الدافعُ إلى ذلك، فهو تعرُّضُ وزارة الشباب والرياضة لانتقادات كثيرة.

    بيَّن المقالُ الإطار القانوني للحق في الحصول على المعلومة، من خلال مجموعة من المواد الخاصة بالنظام الأساس، للجامعة الملكية لكرة القدم، ثم عرَّج على وزارة الشباب والرياضة، ليقف على بعض مَزَالِقِها، كتقصيرِها في نشر إحصائيات تهم عدد المُرَخَّصِين. ثم أشار إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات، خلال مجموعة من السنوات.

    بعد ذلك، تحدَّث المقالُ عن اللجنة الأولمبية، في عهد رئيسها، حسني بن سليمان، ورؤساء جامعات أخرى، كالجِمباز، والتنس، والفروسية… عَرَضَ المقال مجموعة من وسائل الإيضاح، في شكل مبيانات، ومجموعة من الصور تهم محاضر الجموع العامة ببعض الجامعات، قبل أن ينتقل إلى مكونات الحركة الرياضية في الأندية المغربية لكرة القدم.

    خَتَمَ المقالُ عَرْضَهُ بعرض مجموعة من الصور، برز فيها الباحث الذي حَظِيَ بكلمات الإهداء في مستهل هذا المؤلَّف الجماعي، السيد الفاضل، الدكتور محمد قعاش، إذ برز، في الصور، بُرُوزَ الفعالية الرياضية، الجديرة بالاحترام والتقدير، وهو يسلم تذكارات لمن أحسنوا عَمَلُهُمْ في مجال الرياضة المغربية.

    ما يشبه الخلاصة:

    كأنِّي بصائغي هذه المقالات قد كتبوا بدافعِ مُكافحة النِّسيان، والضَّياع، والاندثار، والمَحْوِ. فقد مَرُّوا من “الدَّافِعِ (التوصيات)” إلى “المَاجَرى (مَدَى تفعيلِها من عَدَمِه)”، دون تثاقُلٍ، أو تَرَدُّدٍ؛ ذَكَّروا، وكأنَّ التَّذْكِيرَ دَيْنٌ عليهم، ورِعايةٌ من لَدُنْهُم لحقوق الرياضة، وحقوقِ الرياضِيِّين، وكأنَّهم أَوْفِيَّاءٌ لمقولة هِيرُودُوتْ:

    ـــ “أرَدْتُ أن أُنْقِدَ من النِّسيان أعمالَ الفُرْسِ، واليونان”.

    وبذلك، يكون كُتَّابُ مَقالاتِ هذا المؤلَّف الجماعي قد حاولوا رَفْع مستوى وَعْيِ الأجيال، المُقْبِلَةِ على ممارسة الرياضة، إذ يَحْمِلُ وِزْرَ الناشئة مُذَكِّرُوها.

    وجدتُ في مَقالات المُؤَلَّف حيِّزاً واسعاً من الحرية، إذ، كان صائغوها أحرَاراً، لأنهم موضوعيٌّون، وكانوا موضوعيِّين، لأنه أحْرَارٌ؛ فخرجتُ من هذه التجربة، لَوْ لَمْ أخرج بغيرها لَكَفَى الأمر، وفي مَقام الاستفادة مفادُها: أنه لدينا، في مجال الرياضة، الكثير من الفعاليات المُتَوَارِيَّة، الثمينة، المؤهَّلَة لأن تكون ضَالَّةَ البحث العِلمي في مجال الرياضة، يبحثون من أجل إعادة التاريخ إلى سِكَّتِهِ، بعيداً عن الفُقَّاعَةِ، والإشاعة.

    فما الأثَرُ الخالدُ في هذا المؤلَّف؟ ليس مُؤَلِّفُوهُ، في حَدِّ ذواتِهم، وإنما هو خالدةُ معنى المؤلَّف الجماعي: معنى التِزامهم بالإخلاص للرياضة، ودعوتهم إلى تقديرها حَقَّ قَدْرِها، وحَثِّهِم على الانضباط، ذلك هو بعض مدلول هذا المُؤَلَّفِ.

    وعليه، فالمُؤَلَّفُ، ذَا، قَيْدُ الدَّرْسِ لأصْحابه، النُّبَهَاءِ، وحَرِيٌّ بالمُدَارَسَةِ بعد القراءة، لأنَّه استثناءٌ في مَجاله، يَعْرِضُ الذِّكرى في طَبَقٍ من فِضَّةٍ، وأَنْ لَوْ خَطَّ كُلٌّ مِنَّا كتاباً، حول انشغاله، لكانتِ الذِّكرى حقيقةً، ولكَان التاريخُ مُصَالِحاً لِذَاتِه، ولَصَارَتِ الأرضُ أكبر من خَارِطَتِها، كما أَنْشَدَ، ذاتَ لِقَاءٍ، الشاعرُ الراحلُ؛ مَحْمُودْ دَرْوِيشْ.

    [1]– محمَّد الصُّغَيِّرْ الإفراني: “نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي” تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشادلي ص 305. موسوعة أعلام المغرب. محمَّد حِجِّي الجزء 4 صفحة 1210.

    [2] – انظر بحثا للأستاذ المرحوم محمد المنوني بعنوان “لَمَحاتٌ عن سَيْرِ الرياضة البدنية في التعليم المغربي القديم” مجلَّة دعوة الحَقِّ، العَدَد رقم 5و6 في 15/أكتوبر/1972.

     

    [3]– يتعلق الأمر بمدارس أُنْشِئَت من لدُن الخليفة الموحِّدي عبد المؤمن بن علي الكومي (1130م ـ 1163م).

    [4]– انظر محمد رابطة الدِّين: “مراكش زمن الموحدين” ج 2 ص 197.

    [5]– انظر: محمد المنوني “حضارة الموحِّدين” ص 203.

    [6]– انظر: محمد رابطة الدِّين “مراكش زمن الموحدين” ج 2 ص 197. وأيضاً مؤرخ مجهول: “الحلَلُ المُوشِيَّة في ذِكْرِ الأخبار المراكشية”. تحقيق عبد القادر زمامة، البيضاء 1979، ص 150ـ151.

    [7]– الذي سيتحوَّل اسمُه إلى المنارة.

    [8]– انظر: محمد رابطة الدِّين “مراكش زمن الموحدين” ج 2 ص 197. لعلَّ المقصودَ بالهيكل هنا، هيكلُ النبي سليمان.

    الكتاب: جماعي بعنوان “الرياضة والمجتمع”، المؤلِّفون: باحثون في الرياضة كتبوا بالعربية وآخرون بالفرنسية والإنجليزية،الطبعة الأولى: 2021، عدد الصفحات: 264، الحجم: متوسط، الناشر: مطبعة ألوان الريف-سلا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حروب لجنة تحكيم مهرجان الفيلم الوطني ولات مسلسل مكسيكي. زينون: السي بلال خرق مبدأ السرية باش جبد سميتي ومرميد: من حقي نوضح وتدوينتك جابت تفاصيل كان خاصها تبقى فاللجنة

    حروب لجنة تحكيم مهرجان الفيلم الوطني ولات مسلسل مكسيكي. زينون: السي بلال خرق مبدأ السرية باش جبد سميتي ومرميد: من حقي نوضح وتدوينتك جابت تفاصيل كان خاصها تبقى فاللجنة

    كود طنجة ///

    حرب كبيرة فالمشهد السينمائي المغربي. حرب تستحق تكون سيناريو لشي فيلم كاع. فيها التشويق والفرشة والضرب من التحت وباك صاحبي وندافع عليه حقاش درتيني فاللجنة وانصر اخاه السينمائي واخا ما فيدوش… 

    هاد الحرب بدات بعد الاعلان عن نتائج جوائز مهرجان طنجة السبت اللي فات الخاصة بالفيلم الطويل. فالحقيقة بدات قبل. شفنا اعضاء لجنة سربو خبيرات لصحابهم المخرجين على كيفاش غادية تكون فيه الجوائز. بعد ما خرجات بدات لمضاربة من التحت. 
    البارح خرج المخرج لحسن زينون تدوينة شرح فيها علاش انساحب هو وشي عضوة معاه من لجنة تحكيم الفيلم الطويل٬ ثم رد عليه عضو اللجنة نفسها الصحافي بلال مرميد. 

    هاد الصباح رد زينون بتدوينة فيها تهديد باللجوء الى القضاء واعتابر نشر اسمو من قبل بلال مرميد “مدان قضائيا”. السي زينون صدر الحكم قبل ما يحط الشكاية كاع. هادي خلى فيها

    زينون قال باللي تصريحو بخصوص مغادرة اللجنة كان واضح ومبدئي وباللي ما جبد حد وما كشف على حتى حاجة عندها علاقة بتفاصيل لجنة التحكيم٬ واكد باللي بلال مرميد “خرج السرية اللي كتفرضها الديوانطولوجي باش جبد تصويتو٬ بشكل خاطئ” واعتابر هاد الشي مدان قانونيا.

    بلال مرميد رد عليه فصفحتو وقال ان اللي دارو هو توضيح لتدوينتو واكد ان هاد الشي كيدخل فاطار تثمين نقاش بديناه وتمنى يبقى حاضر. بلال اكد باللي تدوينة زينون جابت تفاصيل كان خاصها تبقى خاصة باللجنة وعليه رد عليه. 

    وختم باللي الاختلاف لا يفسد للود قضية”

    هاد الصداع ناض على منح الجائزة الكبرى لفيلم “زنقة كونتاكت” لاسماعيل العراقي. فيلم ما عجبش اعضاء وناضت القربالة

    المشكلة انو كاين فساد كبير بزاف فيه تواطؤ بين شي وحدين فقطاع السينما. كاين تصايب خلى الفساد ينخر القطاع. شي عطي جوائز لشي. الدولة كتفرج واخا هي اكبر ممول لهاد الشي من خلال صندوق الدعم.

    كاينين مخرجين مبدعين هي نقطة الضو فهاد الفيلم المظلم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • «الأصالة والحداثة».. في بريطانيا

    حازم صاغية

    كثيرا ما انشغل الفكر السياسي العربي بما سماه «الأصالة والحداثة»، وبالتوفيق بينهما. قبل أيام شهدنا في بريطانيا، مع وفاة الملكة إليزابيث وتنصيب نجلها تشارلز ملكا، مهرجانا مدهشا لـ«الأصالة والحداثة»: تقاليد وعادات ومراسيم وأزياء وصيحات تعود إلى القرون الوسطى متعايشة مع التلفزيونات والتليفونات المحمولة والوجوه والأزياء غير التقليدية، والأهم، مع قيم الديمقراطية البرلمانية والمجتمع التعددي…

    «الحداثة» شعبية و«الأصالة» كذلك: أعداد الذين أحزنتهم الوفاة وأفرحهم التنصيب لم تكن بسيطة، ولم تكن هناك أجهزة أمن تأمرهم بأن يحزنوا ويفرحوا ويحتشدوا في الساحات العامة. في عداد هؤلاء كان أرستوقراطيون وأبناء طبقات وسطى ومتفرعون عن الطبقة العاملة. كانوا رجالا ونساء وذوي منازع جنسية شتى، وشملوا صغارا وكبارا، يمينيين ويساريين، بيضا وملونين…

    وبعيدا من الضجيج العربي بالمصطلح الفارغ، فإن «الأصالة» لا تعني في الحالة البريطانية إلا الرمز والاستمرارية. ذاك أن المجتمعات بحاجة إلى رموز تلتقي حولها، وقد تكون الرموز كثيرة وقد تتعدد مصادرها الاجتماعية وتتضارب دلالاتها السياسية. إنها تطلّب إنساني وطمأنة يحتاجها البشر، سيما في أزمنة عاصفة بالتحولات ومهدِّدة لكل يقين كزمننا الراهن. وفي بريطانيا، خيضت حروب واختفت الإمبراطورية «التي لا تغيب عنها الشمس»، لكنْ بقيت الملكية. وصار البلد جزءا من أوروبا، ثم لم يعد جزءا منها، وبقيت الملكية. وقد تستقل اسكتلندا عن المملكة المتحدة وقد لا تستقل، فيما يتراجع الدين وتتفسخ العائلة، بما فيها عائلة الملكة نفسها، وتبقى الملكيّة.

    والاستمرارية ليست مجرد تعبير عن «مصالح تخدمها الملكية». فلا «الهيمنة» ولا «الصناعة الثقافية»، أو «أجهزة الدولة الإيديولوجية» قادرة وحدها على فعل ذلك. إنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعي الشعب كله، وأن توالي صنعه جيلا بعد جيل، أي خداعه كله جيلا بعد جيل.

    أغلب الظن أن التماسك الوطني يتطلب الرمز والاستمرارية، كما يحض عليهما شيء من النقص الإنساني الذي يولد الخوف من المجهول. والتجربة البريطانية، ضدا على أفكار القطع الراديكالي، إنما تشهد لحقيقة أن الاستمرارية تخلق الطقوس كما الطقوس تخلق الاستمرارية، وأن الاجتماع الوطني بحاجة إلى تقاليد، أكانت «مخترعة»، أم لم تكن، تماما كما هو بحاجة إلى مؤسسات.

    في هذه «الحداثة»، لا يشعر القدامى و«الرجعيون» بأنهم مستبعَدون ومرذولون، لكنهم لا يستطيعون، في المقابل، وقف التقدم والتطور اللذين يراعيانهم ويأخذانهم بعين الاعتبار. فـ«الأصالة» هذه لا تعيش إلا في كنف «الحداثة» الديمقراطية، وفي ظل انتصارها، فتكون «أصالة» وديعة ومتواضعة ومؤنْسَنة وأحيانا فولكلورية… وهذا ما لا توفره «الأصالة» حين تكون قوية ومستفحلة ونضالية على الطريقة الإيرانية التي لا تتيح لـ«الحداثة» الديمقراطية أي مكان منظور.

    لهذا عاشت الملكية البريطانية مهجوسة باللهاث وراء الجديد ووراء معاصرة العصر. تكيّفْ وإلا اندثر… هذا ما كانه شعارها الضمني. في 1917، وصل الأمر بالعائلة المالكة لأن تغير اسمها من «كوبورغ غوثا» الألماني إلى وندسور. السبب أن البريطانيين أزعجهم أن يكون اسم حكامهم ألمانيا، فيما هم يقاتلون ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. جورج الخامس أُنزل إلى الشارع، وبدأ، للمرة الأولى في تاريخ الملكية، يختلط بالناس ويناقشهم في أمورهم الحياتية. قريباه وليم الثاني في ألمانيا ونقولا الثاني في روسيا خسرا عرشيهما مع الحرب الأولى وتداعياتها. هو، على عكسهما، بقي على عرشه. ابنه جورج السادس، والد إليزابيث، لم يغادر لندن في الحرب العالمية الثانية، رغم أن قصر باكنغهام نفسه تعرض للقصف شأنه شأن باقي العاصمة. في 2012، مثلت إليزابيث في فيلم قصير مع دانيال كريغ (جيمس بوند) عُرض في الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية. في ذاك الفيلم بدت وهي تهبط بالمظلة (باراشوت) لتحيي الجمهور.

    والأمر يبدو أحيانا فرجة، وهو ينطوي فعلا على كثير من عناصر الفرجة. في «الغارديان» رأى سايمون جنكينز في أدوار العائلة المالكة شيئا روبوتيا. لكن الثقافة السياسية البريطانية تقول ما هو أكثر من ذلك. فعلى عكس فرنسا، لم تتحول المَلكية والدين إلى حزبية تواجهها حزبية مناهضة للملكية. حصل هذا في أربعينيات القرن السابع عشر وحربه الأهلية، مع كرومويل والبيوريتانيين، ثم اكتُشف بالتجريب أنه غير مُجدٍ وأن كلفته الدموية هائلة. ومن تلك التجربة المُرة ولدت أفكار كل من توماس هوبز وجون لوك، اللذين استولى عليهما السؤال الحارق: كيف نتجنب الحرب الأهلية؟ فقدما عنه جوابين مختلفين. وبعد قرن، انشغل إدموند بيرك بطريقته بتجنب الثورة الفرنسية وتجنيب عنفها وآلامها. ومن آدم سميث إلى جون ستيوارت ميل، ثم جون ماينارد كينز، بقي نزع أسباب التطرف والعنف من المجتمع دافعا متمكنا من الثقافة السياسية لبريطانيا. وبدورها عبرت الأحزاب الكبرى عن هذا النزوع: فقد ضم «العمال» متطرفين يساريين كتوني بن وجيريمي كوربن، وضم «المحافظون» متطرفين يمينيين كإينوخ باوِل، فحال الحزبان دون ظهور القوى المتطرفة يمينا ويسارا، فيما جذبا الكثير من التطرف الأقصى إلى الوسط البرلماني واجماعاته.

    نافذة:

    التجربة البريطانية ضدا على أفكار القطع الراديكالي إنما تشهد لحقيقة أن الاستمرارية تخلق الطقوس كما الطقوس تخلق الاستمرارية وأن الاجتماع الوطني بحاجة إلى تقاليد

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تحقيق.. حراگة مغاربة بيد مافيا البلقان: تحويلات “التسليمة” بالملايين ومغامرات و”رصاص” حي لولوج أوروبا – وثائق وصور وفيديو

    تحقيق.. حراگة مغاربة بيد مافيا البلقان: تحويلات “التسليمة” بالملايين ومغامرات و”رصاص” حي لولوج أوروبا – وثائق وصور وفيديو

    هشام أعناجي ـ كود الرباط//

    مشيا على الأقدام ليلا ونهارا، تجاوز “م.حسني” (اسم مستعار) السياج الحدودي لبلغاريا، قادما من تركيا، وهو الذي اختار أن يحكي بشكل يومي لـ”كود” عن كل تفاصيل رحلة شاقة محاطة بالمخاطر، انطلقت من الدار البيضاء مرورا بتركيا نحو أوروبا، عبر الهجرة السرية في جبال دول البلقان .

    الرحلة بدأت في أواخر غشت 2022، بعد وصوله من تقسيم التركية إلى الحدود البلغارية عن طريق “خطاف” (مهرب بسيارة)، بحث “م.ح” رفقة 4 من رفاقه عن “ثقب” المرور في السياج الحدودي، ليتم الدخول عبرها نحو بلغاريا، هنا انطلقت رحلة “الجري” داخل الغابة لمدة 6 كلمتر.

    ويقول “م.ح” :”تمشينا 4 أيام داخل أدغال غابة بلغاريا، من بعد ولينا كنمشيو عادي حيث فاش كتغرق فالغابة كتولي تحس بالأمان، 4 ايام ديال تكرفيص فالجبالات والعطش نتا وزهرك، بحيث يلا ملقيتيش الما ممكن تسلم راسك للسلطات”.

    المال مقابل تجاوز السياج

    دفع “م.حسني”  5000 درهم من أجل عبور السياج الحدودي بين صربيا والمجر لكنه فشل في العبور بسبب تدخل الجيش المجري والاعتداء عليه رفقة آخرين بطريقة عنيفة. ليضطر في اليوم الموالي، بعد حادثة الاعتداء عليه، وبعد سماع تبادل إطلاق النار بين المهربين، إلى دفع أكثر من 40 ألف درهم كـ”رشوة” لعصابات التهريب من أجل الوصول في أمان إلى إحدى المدن النمساوية.


    وقبلها بعث “م.ح” أكثر من 15 ألف درهم إلى حساب بنكي في المغرب، لبلوغ عاصمة صربيا قادما من بلغاريا. حسب وثائق حصلت عليها “گود” (لا يمكن نشر الوثائق كاملة حفاظا على سلامة المصدر الذي كشف لنا تعرضه لتهديدات أثناء رحلته).

    فكرة الهجرة عبر دول بلقان.. قناعة الهاربين من الفقر والبطالة

    جاء اقتناع “م.حسني” بفكرة الهجرة عبر بوابة تركيا، بعدما نجح زملاؤه في الدراسة من تحقيق حلم الوصول إلى أوروبا عبر جبال دول البلقان.

    قادما من جنوب المغرب إلى وسط المملكة (الدار البيضاء)، دون أن يخبر أهله، رفع “م.ح” التحدي رفقة العشرات من فاقدي الأمل في وطنهم، وركبوا الطائرة المتوجهة نحو اسطنبول.

    الطائرة التي كانت مليئة بالشباب يوم 21 غشت 2022، القادمة من مطار الدار البيضاء إلى مطار اسطنبول، تتميز بكون أغلب الراكبين فيها اختاروا فرصة الهجرة السرية المحاطة بالمخاطر، على أن يستمتعوا بالسياحة في بلاد الأناضول.

    الرحلة التي لا يمكن وصفها إلا برحلة “الموت”، بحيث أن القوات الحدودية في جبال البلقان لم تكن رحيمة بالمهاجرين وقامت بالاعتداء عليهم بطرق وحشية، وصلت إلى حد “تكسيرهم” وسرقتهم، كما يوضح مصدرنا.

    هذه الفئة من المهاجرين لا يتحدث عنهم أحد، لا إعلام ولا جمعيات حقيقية، فئة ضحية “همجية” قوات قمع غربية لدول يقودها اليمين المتطرف (المجر مثلا).

    تمت أسباب كثيرة وراء اقتناع “م.ح” بالفكرة، لعل أبرزها، تداعيات الجائحة وتضرر القطاع السياحي وإفلاس الفنادق، حيث كان خريجا حديثا لإحدى المعاهد التابعة للدولة في تخصص الفندقة.

    الفقر وارتفاع نسب البطالة، وراء هذه الخطوة الجريئة، التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وهذا ما يؤكد أحد الفاعلين الحقوقيين المهتمين بشؤون الهجرة واللجوء، في حواره مع “كود” (أنظر أسفله).

    التسلمية أو “الموت”.. ابتزاز أم “قانون” الحريك

    نحث “الحراگة” مصطلحات خاصة بتجارة الهجرة السرية عبر دول البلقان، لعل أبرزها “التسليمة” و”التقطاع”.

    التسليمة هي مبلغ مالي يقدمه الحراگ إلى المهربين، قصد المرور من الحدود بسلاسة. وتمت أنواع من التسليمة.

    تسلمية “البوافرية” لا تتجاوز 5000 درهم، وأغلب المهاجرين لا ينجحون في المرور عن طريق هذا المبلغ، حيث يكتفي المهرب بتقطيع السياج دون تسليم السلالم للحراكة ودون توفير وسيلة نقل برية لهم، خصوصا أن السلالم هي الوسيلة الأكثر سلامة من أجل اجتياز السياج الحديدي.

    أما تسليمة “الحظ”، والتي تتراوح ما بين 20 ألف درهم إلى 40 ألف درهم، تسمح لك بولوج منطقة شينغن بسلاسة، دون حاجة إلى تقطيع الشباك الحدودي، ويتم تهريب الحراكة في منطقة حدودية يتم تأمينها من طرف “المهربين”.

    وفي الحدود، بين صربيا والمجر، يختار المهربين التضحية بـ”المجموعة” الضعيفة ماليا، وهي المجموعة التي تتكون من أشخاص لا يستطيعون تأدية “التسليمة” تتراوح ما بين 20 و40 ألف درهم.

    وتتم التضحية بمهاجرين، لكي يثيروا انتباه القوات المجرية، في منطقة معينة، في المقابل يقوم الآخرين بالمرور في منطقة أخرى بعيدة عن أنظار الجيش المجري الذي يكون معبأ لتوقيف المجموعة “الضعيفة”.

    تبادل إطلاق النار.. زرع الخوف وتهديد المهاجرين

    كان يوم سبت أسود في أواخر غشت (تعمدنا عدم ذكر اليوم حفاظا على المصدر)، حدث إطلاق نار بين المهربين، دون إصابات أو وفيات، بهدف  تخويف المهاجرين، واقناعهم بلغة “الرصاص” أن التسليمة هي الحل لولوج المجر.

    ولأجل ذلك، يتم التضحية بإحدى المجموعات التي غالبا ما تكون فئة “الراجلين” الذين لم يدفعوا سنتا واحد لتجاوز السياج المشبك، حيث يعمد أحد المهربين على استفزاز الحرس الحدودي المجري باطلاق عبارات من قبيل “فاك هانغاريا =المجر=”. قبل أن يتحول الأمر إلى خلافات مصطنعة بين “المهربين”، ويتحرك الحرس الحدودي الذي لم يكن رحيما بهؤلاء المهاجرين فيقوم بالاعتداء عليهم بطريقة وحشية تسببت في اصابة البعض بكسور واخرين بالغيبوبة.

    ويقول حراك آخر لـ”كود”:””قبل من هادشي خصني نفكرك بلي المهرب كيتمشا معنا 3 أيام تقريبا وسط بلغاريا فالغابات وكاتجي طوموبيل تدينا لصوفيا الثمن مابين 1500إلى 2000أورو ومن الأفضل يدينا تال الحدود مع صربيا  أو يدينا لسكن نرتاحو واليوم الثاني كيوصلنا الحدود صربيا على حسب الاتفاق مع و مع المهرب”.

    لكن بمجرد الوصول إلى الحدود الصربية المجرية، فهناك يقع المهاجرين بيد مافيا الهجرة، وتتحول المعاناة إلى تجارة مربحة بالنسبة لعدد من تجار الحدود.

    تفاصيل قصة الرحلة

    يحكي “م.ح” لـ”كود” :”أربعة أيام في جبال بلغاريا “اللعينة”، برد وجوع وعطش، قطعت الحدود الكرياج في الساعة الواحدة نهارا، جرينا كيلومترات، وبعدنا على الخط العسكري”.

    يضيف م.م” لـ”كود” :”بعد اربعة ايام مشينا في جبال بلغاريا، جات مرسيديس كلاس طلعنا بزربة..ثم جاء السائق دانا لقرب العاصمة صوفيا ولاحنا في الغابة ومن بعد صافطو لينا المهربين جوج تاكسيات فرقونا جوج فراقي تلاثة  ثلاثة وداونا للعاصمة”.

    يضيف “م.ح” بالقول :”الخطافة بلغاريين جاو داونا لدار في صوفيا هناك هدوء وسكوت صامت خوفا من يجيو بوليس، دار عامرة ب السوريين حنا خمسة المغاربة فقط نعسنا جوج ليلة فقط، فصباح بكري مع 6 دانا لخطاف حدا المطقة الحدودية مع صربيا اسمها dragoman”.

    وتابع :”وصلنا صوفيا نهار جمعة 5  غشت بالضبط وتمشينا 17 كلمتر تقريبا دخلنا صربيا مع الساعة الثانية ظهرا، بحيث تمشينا نهار وليل دون توقف”، مردفا :”وصلنا ل فيلاج فصربيا،  بلاصة سميتها pilot قطعت لكار ل نيش ب عشرين اورو وبعدها بالكار لبلغراد تلاقيت مع شاب صربي شرا لينا الماء كال لينا معنديش مشكل كانعاون الحراكة، وبتنا ف العاصمة ف جردة عامرة حراكة”.

    وتابع “م.ح” :”هنا ملي ضربنا ربعة ايام ف غابات بلغاريا جانا الخطاف وهزنا لحدا العاصمة صوفيا ولاحونا وطالبونا ف الواتساب باش نرسلو ليهم لفلوس وحنا رفضنا باش نرسلو لفلوس تا نوصلو لدار ف صوفيا ونباتو وندوشو ايلا بغاو لفلوس”، مضيفا :” هذا ما كان بعد ساعتين تواصلو معانا في الواتساب أمرونا بلبس لباس جديد ونقي ورمي كل ما هو قديم  لأن صوفيا معروفة بالزيارة والمراقبة الشديدة ، جاو جوج تاكسيات وتفارقنا”.

    وأردف :”من بعد وصلنا لمنطقة هورغوس لي قريبة من الحدود الصربية المجرية، عند التطواني ومن لا يعرفه، شخص طيب وكيوقف مع الحراكة”، مؤكدا أن هاد البلاصة فين كيطراو مشاكل للحراكة، وأن تما كيوقعو حروب وصراعات بين مافيا التهريب، إضافة إلى الاعتداءات الجسيمة لي كيديرها الحرس الحدودي المجري.

    قصة وصول “م.ح” إلى النمسا، قد مرت من هذه الأحداث كلها، بحيث مجرد الدخول إلى المجر، ودفع التسليمة، يقوم المهربين بتسليمك إلى “خطاف” ليوصلك إلى الحدود مع النمسا، وغالبا ما تكون هذه الحدود بدون حراسة.

    وصل “م.ح” النمسا في ظروف صحية صعبة، وسلم نفسه رفقة 4 آخرين إلى الشرطة النمساوية، الأخيرة عاملت المهاجرين بإنسانية وقامت بتوفير الفحص الطبي ووجبات أكل بعد أيام من الجوع والسفر.

    حصل “م.ح” على وثيقة من الأمن النمساوي، تؤكد تقديمه لطلب اللجوء، وتسمح له بالتجول في ربوع تراب هذه الدولة المتسامحة مع المهاجرين.

    لكن “م.ح” اختار المغامرة من جديد، والتوجه نحو ألمانيا عبر القطار. وهنا انتهت الحكاية.

    الهجرة عبر البلقان.. معطيات أوروبية قليلة

    كشفت آخر معطيات وكالة الحدود وخفر السواحل الأوروبية (فرونتكس) عن وصول 55310 حالة وصول غير نظامية إلى الاتحاد الأوروبي عبر طريق غرب البلقان في عام 2021 حتى 15 شتنبر.

    ويمثل الرقم زيادة بنسبة 138 في المائة مقارنة بنفس الفترة من عام 2020 و 387 في المائة مقارنة بعام 2019.

    وكان غالبية هؤلاء الأشخاص من أصول مغربية وسورية وأفغانية. وفقًا لعمال الإغاثة ، حيث أصبحت الطرق عبر البلقان البديل الوحيد القابل للتطبيق للأشخاص المتنقلين حيث قامت دول أعضاء مثل اليونان وإيطاليا بتحصين حدودها وأصبح طريق وسط البحر الأبيض المتوسط مميتًا بشكل متزايد.

    حقوقي لـ”كود”: أول مرة تعلن وفاة مغربي ولا تفاصيل عن الضحايا الآخرين..وهناك ممرات خطيرة في البلقان

    قال سعيد الطبل، رئيس لجنة الهجرة التابعة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في حوار مع “كود”، إن الاتفاقيات التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع كل من المغرب وتركيا، مجحفة جدا في حق هؤلاء المهاجرين، الذين يتم استغلالهم بطريقة بشعة في العمل.

    وأوضح الطبل لـ”كود” أن الهجرة عبر دول البلقان من أخطر المسارات نظرا لغياب معطيات حول هذه المسارات، وكذلك لوجود دول لا تقدم أي معطيات ولا تعترف بالانتهاكات الحقوقية للمهاجرين.

    وهذا نص الحوار مع الحقوقي سعيد طبل:

    1: ما هي العوامل التي ساهمت في تغيير وجهة المهاجرين المغاربة من الشواطئ بالشمال إلى دول البلقان ؟

    هناك عوامل كثيرة، أبرزها أن الممرات الثلاثة في شمال أفريقيا أصبحت من الصعب تجاوزها، مثلا في تونس هناك حراسة مشددة من طرف الإيطاليين. لدرجة أن عدد الوفيات في تزايد بهذا الممر.

    أما المغرب، هناك صعوبة كثيرا في ولوج الديار الاسبانية. حتى أن المسار تبدل من الشمال إلى الجنوب، وأصبحنا نسمع عن الهجرة من طرفاية والداخلة نحو جزر الكناري، وهادي خطيرة. وكاينا فرونتكس مشددة (حراسة أوروبية مشددة).

    الطريق الثالث، ديال ليبيا صعيب بزاف بسبب الحرب لي كاينا فهاد الدولة.

    عامل آخر، هو الحدود التركية اليونانية، لي ولات صعبة بسبب اشتداد الحراسة، والعلاقة بين البلدين لي متوترة. وبقا خيار الهجرة عبر دول البلقان، وللي فيها اقبال كبير من المهاجرين لي باغين يمشيو لأوربا.

    الخطر هنا كثير، ولكن أقل مقارنة مع الممرات لي ذكرنا سالفا، ثانيا مراكز الإيواء فديك المنطقة ممتلئة يعني كاينا امكانيات للوصول واستقبالهم في مراكز اللجوء والدخول اليها، وهادشي كيشرح وصول المغاربة لدوك الدول.

    2/ واش كاينا معطيات حول الأعداد ديال المهاجرين المغاربة؟

    هناك الآلاف من المهاجرين، الذين يلجأون لعدة مراكز استقبال في دول البلقان، من جنسيات مختلفة من افغانستان وباكستان وغيرها، العدد كاين.

    فـ2022، مات مغربي في إحدى مراكز اللاجئين في دول البلقان، مع العلم مهضر عليه حتى حد ولا اعلام. شروط صعبة ولكن الممرات توجد لولوج أوربا.

    3/ كثيرا ما نقرأ عن انتهاكات حقوقية في حدود بعض دول البلقان تجاه المهاجرين، هل هناك معطيات؟

    هناك نقص كبير في الحصول على المعطيات. ولكن يمكن القول بأنه من الصعب جدا أن تعترف عدد من دول البلقان بهذه الانتهاكات.

    المفوضية السامية للاجئين كتساعدهم فمراكز اللجوء ولكن باش تبعهم تا يدخلو لأوربا، صعيبة.

    لحدود اللحظة معندناش رقم ديال المغاربة، لأن الاغلبية مزالو كيمشي فالحدود التركية اليونانية بدل حدود البلقان.

    4/ حسب شهادات بعض المهاجرين، هناك ابتزاز لهم من طرف مافيا الحراكة؟.

    مافيا الاتجار بالبشر، موجودة. بل هناك مغاربة حركو لتما وحتى ولا الشغل الشاغل هو يوصلو تاهوما ناس اخرين، ولقاو راسهم خدامين فهاد المهنة.

    متوصلناش بشكايات حول هاد الشبكات. عندنا تقارير كثيرة حول الظروف الصعبة للمهاجرين ولكن الشكايات مكتوصلوش بها بخصوص مافيا الاتجار بالبشر.

    هناك ظروف انسانية خطيرة يعاني منها المهاجرين في دول البلقان، اضافة إلى صعوبات كبيرة في الحصول على طلبات اللجوء، فباستثناء الافغانيين والسوريين، اغلبية القادمين من شمال افريقيا ميكخدوش اللجوء خصوصا فصربيا وبعض الدول.

    ملي كتوقع الصعوبة، كتنشط مافيا التهريب بشكل أفضل، يعني كل ما عقد الاتحاد الاوربي من المساطر والتشديد في الحدود، تزداد صعوبات المهاجرين.

    كلما دارو الاوربيين سياسات امنية مشددة، كلما زادت انشطة مافيا التهريب في الحدود. وبذلك كيسهلو عمل مافيا الاتجار بالبشر لي كتستغل التزيار باش طلب دفعات مالية اضافية من الحراكة.

    5/ هل الاتفاقيات بين المغرب والاتحاد الأوربي تخدم حقوق المهاجرين؟

    الاتفاقيات الحالية بين الاتحاد الاوربي والمغرب وتركيا، كلها مجحفة بالنسبة للمحاولين للوصول إلى أوروبا.

    في نظر الاتحاد الأوروبي، هاد الاتفاقيات فصالحو بحيث بامكانو يعزل الناس لي بغا فسوق الشغل، مثلا ايطاليا بغات 100 الف عامل فالفلاحة، ويمكن يخلصهم الباطرون بثمن اقل وبطريقة ملتوية ويشغلو هاد المهاجرين في ظروف لا إنسانية.

    6/ هل الوضع يزداد أكثر تعقيدا أم هناك محاولات لتأمين وضعية المهاجرين في حدود البلقان؟

    جميع التقارير تؤكد أن استغلال البشر غايستمر والوفيات تزاد والناس تزيد تخاطر بحياتها من اجل الهجرة. لأن القوانين الحالية تسير فطريق الولاية المتحدة الامريكية. مادام العلاقة بين الشمال والجنوب غير متساوية، هادشي غايبقا.

    الخطير في منطقة البلقان مكايناش معطيات دقيقة، غير فسنة 2022 وصلنا لحالة وفاة واحدة، ومعندناش ارقام.

    7/ من المستفيد الأكبر من عملية الهجرة عبر دول البلقان؟ وهل من حلول عملية لهذه الظاهرة التي أصبحت تلقى بإقبال كبير من طرف الشباب المغربي؟

    المستفيد من الهجرة هي أوربا، وكذلك مافيا الاتجار بالبشر، والخاسر طبعا هو الدولة فين قرا هاد المهاجر وتكون، يعني صرفات عليه الدولة من صغر تا كبر ومشا وغامر بحياتو كاملة. لذلك خاص تكون تنمية وتحسين ظروف المواطنين داخل البلد. وخاص دبا نفضحو الانتهاكات لي كتوقع فدول البلقان تجاه المهاجرين.

    سياسة المغرب لمواجهة “الحريك”.. دعم أوروبي ضعيف مقارنة بمجهودات المملكة

    قررت أوروبا تقديم مساعدات مالية لا تقل عن 500 مليون يورو لدعم المغرب في مواجهة الهجرة غير الشرعية بعد الجهود التي بذلتها السلطات المغربية في كبح الظاهرة وتفكيك شبكات تهريب البشر في السنوات الأخيرة.

    ويغطي التمويل الجديد الفترة 2021 – 2027، وهو أعلى بنسبة 50 في المئة تقريبا من التمويل السابق البالغ 343 مليونا.

    لكن خالد الزروالي مدير الهجرة ومراقبة الحدود بوزارة الداخلية، صرح لوكالة “إيفي” بأن “قيمة المساعدات الأوروبية (500 مليون أورو) غير كافية”، مؤكدا “المغرب يصرف 427 مليون أورو سنويا على مجهودات محاربة الهجرة السرية”.

    وشدد الزروالي أن المغرب لا يستعمل ملف الهجرة كأداة سياسية، مؤكدا على أن المملكة تعتمد على الحكامة الانسانية في التعامل مع هذا الملف.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خطأ تونسي قاتل وازمة صامتة مع فرنسا.. قدر المغرب من الإمبراطورية إلى المملكة المطوقة

    • زينب مركز

     

    للأزمة الصامتة بين المغرب وفرنسا أكثر من وجه: عدم تبادل زيارات بين مسؤولي البلدين، رسائل مناسباتية جافة، تقارير استخباراتية تحريضية ضد المغرب، خفض عدد تأشيرات المغاربة إلى الحد الأقصى حتى شملت رجال أعمال، وما يصدر عن الدولة العميقة الفرنسية من سلوك تعتبر الرباط أن فيه الكثير من التشويش حتى قبل تهمة “بيغاسوس” التي لم ترد في تصريح أي مسؤول فرنسي.

     

    بعض أسباب هذه الأزمة كامنة في التقارب الإسباني المغربي، وفي قوة العلاقات التي أصبحت تجمع الرباط بواشنطن منذ اتفاقية أبراهام، وفي امتداد النفوذ المغربي في إفريقيا الذي كان خارج سيطرة ووصاية المستعمر القديم. فيما العداء الجزائري اتجاه المملكة يبدو اليوم كعقيدة بعد أن وصل الأمر إلى قطع العلاقة بين البلدين، وليست قضية الصحراء إلا ورقة يلعبها قادة الجزائر للإبقاء على حجر الحصى في الحذاء المغربي لإعاقته عن المشي قدما، وأضحت الساحة الدبلوماسية والإعلامية وكل الأنشطة مجالا للعب الجزائر ضد المصالح المغربية.

     

    ومنه ما حدث في تونس مؤخرا، والذي يجب أن يفهم في سياق محاصرة المغرب وإبقائه كجزيرة معزولة محاطة بالمشاكل، ما أن يفك لغما حتى تنفجر في وجهه ألغام أخرى، خاصة بعد النجاحات التي أحرزها المغرب في جل مواقع التأثير الاستراتيجي. فكيف تنفجر بين الفينة والأخرى هذه الأزمات في وجه المغرب ومع محيطه الإقليمي الذي يشوبه الكثير من الحذر القلق، من ألمانيا إلى إسبانيا وفرنسا ومن الجزائر إلى تونس؟

     

    في الوقت الذي كانت طائرة الرئيس الفرنسي ماكرون تستعد للإقلاع من مطار الهواري بومدين بالجزائر يوم 27 غشت بعد زيارة للجار الشرقي دامت ثلاثة أيام، كانت طائرة جزائرية تحط بمطار قرطاج بتونس، محملة بوفد دولة إفريقية أخرى بالإضافة إلى إبراهيم غالي، حيث استقبل الرئيس التونسي قيس سعيد زعيم جبهة البوليساريو بمناسبة قمة تيكاد8 في حادث غير مسبوق من دولة عربية، هل الأمر محض صدفة لتوازي الحدثين؟

     

    قد يكون كذلك، إلا في السياسة، فما قام به الرئيس التونسي قيس سعيد باستقباله زعيم جبهة البوليساريو خلق رجّة كبرى ليس فقط داخل المغرب بل حتى داخل النخبة التونسية، لأنه حدث غير مسبوق إلا ما اعتبر استثناء في بداية الثمانينات من طرف الراحل ياسر عرفات الذي كان رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية حين عانق زعيم الجبهة الراحل عبد العزيز المراكشي كرد فعل على استقبال الملك الراحل لشيمون بيريز، لكن لم يدم الخلاف طويلا ولم يكن له نفس الوقع. يحدث هذا في الوقت الذي أعلن آخر خطاب للملك أن المغرب سيجعل من قضية الصحراء منظارا يرى من خلاله مختلف شركائه، وميزانا يزن به طبيعة علاقاته مع أصدقائه، إذ لم يعد المجال ـ بحسب الرباط ـ يسمح بالتخندق في المحطة الرمادية في قضية الوحدة الترابية للمملكة. وهو ما يعني ببساطة أن المغرب قرر أن تكون الصحراء قضية وجود يمر عبر عيونها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي… وقد شكلت تونس اختبارا بعد الخطاب الملكي لهذه الاستراتيجية الجديدة، وقبلها كانت ألمانيا ثم إسبانيا.

     

    طلائع انحراف الرئيس قيس سعيد كانت ملامحها قد بدت من بعيد، لكن لم يحسن المسؤولون في المملكة التقاط الإشارة، أو لربما لم يريدوا الذهاب حتى أعمدة هرقل لكي لا يجعلوا النظام التونسي لقمة سائغة في بطن الجزائر، فتصبح أكثر تطرفا اتجاه المصالح المغربية كما يفسر ذلك مسؤول وازن لـ»الأيام». فمنذ توليه رئاسة تونس دشن قيس سعيد سلسلة من الزيارات المتبادلة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في فبراير 2020 ودجنبر 2021، بعدها حصل على قرض بقيمة 300 مليون دولار، وتمت إعادة فتح الحدود بعد كورونا بين تونس والجزائر ومنحت امتيازات تخل حتى بالسيادة التونسية لصالح السياح الجزائريين مما فجر غضب «التوانسة» أنفسهم، لكن أكبر انحراف تمثل في مجلس الأمن سنة 2021 حين امتنعت تونس عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن بشأن تمديد عمل المينورسو لمدة سنة إضافية وهو قرار جد غريب من دولة عربية.

     

    لكن لماذا انفجرت سلسلة متتالية من الأزمات الحادة بين المغرب وشركائه، بعضها صامت كما عليه الوضع بين المغرب وفرنسا، وبعضها تفجّر على نطاق واسع كما في الحالة التونسية الغريبة؟ وهل يؤول الوضع إلى ما صار عليه الأمر مع ألمانيا وإسبانيا؟ فيما العلاقة مع الجزائر تظل الاستثناء الذي لا يتكرر، ثم ما سبب توالي احتداد هذه الأزمات، ولماذا تلتقي جلها في قضية الصحراء؟ ولمَ تتخذ الرباط ردودا قوية غير مهادنة على ما تعتبره استفزازا أو إضرارا بمصالحها الاستراتيجية؟

     

    ليس هدفنا في هذا التحليل الوقوف على الآني والعابر في أزمة المغرب مع دول جلها تقيم في حزام محيطه الإقليمي، بقدر ما نحاول الذهاب إلى أبعد مدى لفهم الأزمات المتتالية المثارة مع المغرب ومختلف ردود الفعل الوطنية اتجاه هذه الأزمات، إيمانا منا بأن السياسة لا تصنع فقط بالقرارات العابرة والمواقف الآنية، بقدر ما تحرك خلفياتها عوامل معقدة، من ثقل التاريخ بجراحه وأمجاده، بانتصاراته وانكساراته، والجغرافيا التي تدفع نحو المغامرة والانفتاح أو تفرض الحيطة والحذر والانعزال، وأيضا بفعل اعتبارات نفسية واجتماعية وثقافية تتدخل في صنع السياسة في الداخل كما في الخارج، وتتحكم في الفعل وردود الفعل. هذا البعد هو الذي أعاد الاعتبار مؤخرا لتصور مؤرخ ومفكر وازن من حجم عبد الله العروي، الذي تحدث منذ ما يقارب العقدين عن نظرية «المغرب المطوق» بموقعه الجغرافي وثقل التاريخ الإمبراطوري للمملكة ومواقف الدول التي تحاول محاصرة المغرب، فيما يسعى المغاربة دوما، كشعب يقبل أن يحكم الغير بدل أن يحكمه الآخرون، إلى التحرر والاستقلال والانعتاق من أسر الجزيرة المحاصرة. إن الأمر يتعلق بمفكر لا يقف عند الآني والعابر، بل يهمه كمؤرخ القبض على ما يحرك الحدث الآني وإسقاطاته على الحاضر، أو كما عبر في أحد حواراته: «يصعب علي التدخل في هذا النقاش – أي الراهن السياسي – لسبب واحد لا علاقة له بشخصي، وهو أني لا أستطيع كمؤرخ وكمحلل أن أقف عند الظروف الراهنة أحكم على هذا ضد هذا، مع هذه السياسة أو ضد هذه السياسة. فلا بد أني أرى الجذور دائما عميقة ومتشعبة».

     

    والحق أننا عند بحثنا في نظرية المغرب المطوق التي قال بها العروي، وجدنا مفكرين أجانب تحدثوا عن المغرب «المنعزل» و»المحاصر» و»المغلق» بالطبيعة والجغرافية والعوائد الثقافية والاجتماعية لا السياسية فقط.

     

    على سبيل المثال لا الحصر، ألفونسو ذي لاسيرنا صاحب الكتاب الشهير «جنوبي طريفة المغرب وإسبانيا: سوء تفاهم تاريخي» والمؤرخ وعالم الجغرافيا إميل فييكس غوتيي في كتابه «ماضي شمال إفريقيا، القرون المظلمة»، بالإضافة إلى العديد من السرديات التي تركها رحالة غربيون زاروا المغرب، فما الذي يعنيه المفكر الكبير عبد الله العروي بأطروحة المغرب المطوق، وكيف نظر سابقوه في سياق ذات المنظور إلى المغرب المغلق طبيعيا المفتخر بماضيه الإمبراطوري، والذي يبدو اليوم مثل جزيرة معزولة تدفع المغاربة إلى روح التحدي والمقاومة؟

     

    العروي ونظرية الجزيرة المطوقة

     

    في عام 2005 كان المفكر المغربي عبد الله العروي ضيفا في برنامج «وجوه وقضايا» الذي كانت تعده وتقدمه الصحافية بديعة الراضي في القناة الأولى، وذلك على هامش صدور كتابيه «المغرب والحسن الثاني» والجزء الثالث من يومياته «خواطر الصباح» اللذين تميزا بسلاسة سردهما وأثارا جدلا واسعا بالمغرب.

     

    كان سؤال الصحافية حول المغرب وأزمة العراق في حرب الخليج الأولى، حيث كان جواب العروي: «أنا قلت ذلك في كتاباتي، ذكرت أنه خلال 1981، جاء عدد من المثقفين عند وزير الثقافة المغربي وكنت حاضرا وطلب مني أن أحكم على الوضع في العراق آنذاك، فرفضت إبداء رأيي وقلت بكل صراحة: «نحن مغاربة والمغرب بعيد عن الساحة، وهذا ليس سرا، هذا قلته وكررته ـ فلا يجب أن يطلب منا نحن المغاربة الذين نعيش على بعد 3000 أو 4000 كلم عن المشرق العربي، أن نشارك المشارقة في مشاكلهم، عاطفيا نشاركهم ولكن نحن بعيدون عنهم».

     

    وفي هذا السياق جاء طرح العروي حول «المغرب المطوق» في نهاية الحوار الذي قال فيه حرفيا: «أطلب أن نفكر في نقطة أساسية ويفكر فيها المفكرون المغاربة، فالمغرب جزيرة. انظري إلى خريطة المغرب، وسترين أن المغرب جزيرة ويجب أن نستخرج من ذلك كل النتائج، قدرنا هو أننا جزيرة ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة مطوقة». وحين سألته الصحافية: مطوقة بالبحرين أو بماذا؟! كان رده: «مطوقة بمشاكلنا».

     

    من هنا فكل الإضافات والتفسيرات التي أعطيت لطرح عبد الله العروي هي تأويلات ذاتية لفكرة «انظري إلى المغرب في الخريطة تجدينه جزيرة مطوقة.. مطوقة بمشاكلنا». إن السياق هو الذي يعطي معنى للأشياء، من هنا تأتي استعادة المغاربة لفكرة العروي وملؤها بما يستجيب لحاجيات اللحظة التاريخية التي نمر منها.

     

    كان الملك الراحل الحسن الثاني يؤمن بأن الموقع الجغرافي للمملكة نعمة ونقمة في نفس الآن، هناك بحر الظلمات من الغرب الذي بقدر ما يعتبر بوابة للحضارة ومركزا لثروة بحرية شاسعة، ظلت ثغوره مهددة بالغزو وبأطماع الدول الأجنبية، من هنا حروب التحرير والاسترداد وجعل استعادة الثغور أولوية قصوى في بيعة الأمة للسلطان المغربي، وهو ما يفسر كون كل السلالات الحاكمة كانت تقيم عواصمها بعيدا عن البحر مصدر كل الشرور بدل أن يكون مصدر انطلاق وانفتاح، ثم هناك في الشمال البحر الأبيض المتوسط الذي عبرت منه الحضارات الكبرى والإمبراطوريات العملاقة التي لم تكن تقيم طويلا بالمغرب، من الفنيقيين والوندال والبيزنطيين والرومان حتى فترات الاستعمار الجديد مع فرنسا وإسبانيا. ومنذ القرن 15 بعد سقوط الأندلس ونكبة الموريسكيين واحتلال إسبانيا كلا من سبتة ومليلية، ظل الأمر أشبه بمسمار إسباني في البيت المغربي يشد بخاصرة قضايا استراتيجية بين البلدين، وفي الجنوب كانت المملكة الشريفة تمتد حتى حدود نهر السينغال، وكان التجار المغاربة هم أول من أدخل الإسلام إلى أقصى مناطق القارة السمراء، من هنا ارتباط الكثير من الملل والنحل الإفريقية بالمذهب المالكي وبالطرائق الصوفية المغربية التي تحج إلى أضرحتها كل سنة في قلب المغرب، وبعد الاستعمار الإسباني تم وضع الكثير من ألغام الحدود في جنوب المملكة لا زالت تداعياتها قائمة حتى اليوم بالإضافة إلى الوضع الاستثنائي لمدينتي سبتة ومليلية والجزر القريبة منهما، وفي الشرق لم تكن النظرة دوما إلى المغرب نظرة طبيعية، حتى قبل الجزائر، من جهة لأن هذا البلد المجاور لبحر الظلمات، الذي يقع في آخر الدنيا كما كانت تقول بذلك الجغرافيا القديمة، ظل يسرق شمس المشرق ويحتجزها لمدة طويلة، لذلك سميت المملكة: المغرب الأقصى أو أقصى المغارب، ومع موجات توسع الإمبراطوريات العربية في المشرق في شمال إفريقيا، نجح المغرب في الحفاظ على استقلاله عن الدولة العباسية وما تلاها من ممالك كبرى حكمت العالم العربي والإسلامي بدون استثناء ووصلت حتى الحدود الشرقية للمغرب وآخرها الدولة العثمانية.

     

    ولعل هذا سبب عدم اعتراف المشرق بإبداع وتفوق المغاربة في الفن والفكر والإبداع، حتى رد عبد الله كنون بكتابه الشهير «النبوغ المغربي»، وحتى حدود نهاية القرن الماضي، كان مقرر دراسي يدرس في جامعة الأزهر يتحدث عن سكان مراكش أي المغرب الأقصى، بأن أهله من البربر أقرب إلى الغرب من الإسلام ويُصورهم كأنهم «أقوام بدائيين».

     

    هذا الوضع سيتجدد عمليا مع مرحلة الحماية، حيث تمت محاصرة المغرب كجزيرة معزولة: طنجة مدينة دولية، الشمال والجنوب مستعمر من طرف إسبانيا، والباقي بيد فرنسا التي خلقت وضعا استثنائيا في بلاد شنقيط لا زالت ألغامه تنفجر داخل المغرب في علاقتنا بموريتانيا التي لم ينجح الطرفان برغم رسائل الود في زرع الثقة بينهما والتصرف كجارين. وإضافة إلى ذلك، تم اقتطاع أجزاء من التراب الوطني بشرق المملكة وضمه إلى المقاطعة الفرنسية كما كان يسمي المستعمر الجزائر. ومظاهر ذلك تتجلى في سلوك الفرنسيين الذين يلعبون في المطبخ المغربي بملاعق طويلة مستعدين لمشاركة أكلتهم حتى مع آكلي اللحوم البشرية كلما تضررت مصالحهم. وما مغازلة الجزائر غير غيض من فيض من الآتي.

     

    المغرب المنعزل والمحاصر بين الحقيقة والأساطير

     

    يقول ألفونسو ذي لاسيرنا صاحب الكتاب الشهير: جنوبي طريفة المغرب وإسبانيا: سوء تفاهم تاريخي: «نحن إذن أمام مغرب معزول ومحمي من طرف طبيعة سواحله وجباله وصحاريه، أمام مغرب منسدٍّ خلف «أقفاله» البحرية والأرضية المتعددة، وإذا كان المغارب قد اعتبر قديما بمثابة ضاحية للإسلام، فيمكننا القول إن المغرب، داخل المغارب، كان ضاحية الضاحية». بالنسبة إلى الدبلوماسي والسفير الأسبق بالمغرب وهو يستعرض آراء سرديات كثيرة في إسبانيا وأوروبا عموما حول المغرب، هذه العزلة المفروضة من طرف الظروف الجغرافية جعلت من المغرب أحد أنأى البلدان بذاتها وأعرقها في حوض المتوسط، أشبه ما يكون بـ «تيبت الإسلام» (نسبة إلى التيبت الموجود في الهند). وقد كتب العالم الجغرافي الفرنسي المرموق، إميل فييكس غوتيي، في كتابه «ماضي شمال إفريقيا، القرون المظلمة»، (1952م)، قائلا إن «جزيرة المغارب» كانت «الركن المحافظ أكثر من غيره في المتوسط»، ونجد بالتأكيد في المغرب تجارب دينية وتقاليد ثقافية وحقائق سياسية واجتماعية وعادات وفولكورا وسُبلا من العيش اليومي لا نجدها بنفس السهولة في بلدان أخرى من العالم الإسلامي والعربي، وكأن هذه الأشياء بقيت محفوظة، غير ممسوسة، في ذلك الصندوق المغلق بإحكام الذي خصت به الجغرافيا المغرب، لذلك لاح لكثير من الناس، وإلى عهد قريب، وكأنه بلد أسطوري. وما زال هناك إسبان يحملون هذا الشعور، جاهلين واقع مغرب اليوم».

     

    بالنسبة لألفونسو ذي لاسيرنا «هذان العاملان، الذكرى الحربية والعلامات الأولى للضغط الأجنبي المعاصر، هما اللذان جعلا سكان المغرب ينعزلون. كان الساحل الأطلسي، حسب حساسيتهم وحدسهم، هو المكان الذي وجب التهرب منه، والابتعاد عنه، بدل أن يكون نافذة على الخارج أو قاعدة كبيرة لانطلاق المغرب نحو المحيط الأطلسي، فكان بالأحرى فضاء فارغا من حركة شعب يرى فيه الحافة المخيفة التي لن تأتي منها إلا الشرور والمصائب، أما الجزء الأهم من حياة البلد فظل يتم في مدن الداخل التاريخية الكبرى، مثل فاس ومراكش ومكناس…» لقد ترك لنا الرحالون الذين تجرأوا على التوغل في مغرب القرن الميلادي التاسع عشر أو الدبلوماسيون الذين كانوا يقيمون بصعوبة علاقة مع السلطان انطلاقا من طنجة، التي كانت باب المغرب المفتوح جزئيا على الخارج، شهادة عن هذا البلد المنغلق على ذاته، القليل التواصل، الذي كان فيه كل سفر مغامرة وكل طريق سبيلا محفوفا بالشكوك وحتى المخاطر، وكما قلنا آنفا، كانت طنجة بابا مواربا ومنه سعت أوربا إلى الدخول بالقوة إلى تلك المملكة القريبة والبعيدة في نفس الآن، كانت طنجة تشبه عاصمة دبلوماسية.

     

    خلال زمن أجدادنا غير البعيد، كانت إفريقيا تعميما أرضا شبه مجهولة بالنسبة إليهم، وكان المغرب، رغم نشاطنا العسكري والاستعماري فوق ترابه انطلاقا من 1860 م، مشمولا بهذا الجهل الإسباني، روايات أسفار تسطيحية، حكايات تنميطية عن العادات والتقاليد، مذكرات حرب، كلها رؤى سطحية وكأنها تروم تجاهل ما يوجد داخل ما كان قبالتنا، هذا كل ما كنا نعرفه عن المملكة العريقة الواقعة على بعد أميال قليلة من طريفة، وبشكل من الأشكال، ورغم التطور الأكيد والباهر الذي حصل في النصف الثاني من هذا القرن (العشرين)، لا زالت تسود عندنا رؤية ضعيفة عن البلد الجار، عن «جزيرة الغرب».

     

    بالفعل يبدو المغرب جزيرة مطوقة، في ظل محيط إقليمي صعب الجوار، ظلت الجزائر دوما تحاول خنق المغرب من الشرق والجنوب، وشكلت قضية الصحراء حصان طروادة بالنسبة إليها، لذلك خطفت الصحراويين من يد العقيد الراحل معمر القذافي، وظلت تبتز موريتانيا، وتزاحم المغرب في مالي، وتنشئ تحالفات في دول الساحل دون المغرب لعزله كليا عن إفريقيا، وفجأة التقت المصالح الفرنسية والجزائرية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الغاز مع موسم بارد في أوربا، حيث يحاول ماكرون تشديد الحصار على المغرب بعد أن تضررت المصالح الفرنسية بسبب القرب الكبير بين الرباط ومدريد واتجاه الجزائر نحو روما.

     

    الجزيرة المطوقة والرافضون للحصار

     

    الموقع الجغرافي للمغرب المطوق طبيعيا جعله «جارا مقلقا» كما يحمل ذلك عنوان كتاب إسباني حول المغرب، بالنسبة لجل جيرانه، يضاف إلى ذلك ثقل تاريخ الإيالة الشريفة، التي بنت إمبراطورية كبرى من المرابطين حتى الدولة العلوية، تضم الأندلس وتحكم الجزائر حتى حدود مصر في بعض المحطات التاريخية، وإلى نهر السينغال جنوبا. لقد فرض حصار الجغرافيا التمدد في التاريخ خارج حدود المملكة، لذلك ستظل مقولة طارق بن زياد – إذا صحت خطبته الشهيرة – وهو يعبر الأندلس: «أيها الناس، أين المفرُّ؟! البحر من ورائكم والعدوُّ أمامكم، فليس لكم والله! إلاَّ الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضْيَعُ من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلتُم عدوَّكم بجيشه وأسلحته، وأقواتُه موفورة، وأنتم لا وَزَرَ لكم غير سيوفكم، ولا أقوات لكم إلاَّ ما تستخلصونه من أيدى أعدائكم، وإن امتدَّت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تُنجزوا لكم أمرًا، ذهبت ريحكم»، ستظل مقولة طارق بن زياد متحكمة في روح أهالي المغرب الأقصى، «قاتلوا أو موتوا» كما قال. فهذا ما يحرك المغاربة عبر التاريخ، إما للتحرر من ربقة الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى، وإما وهم يحولون فك الطوق عن جزيرتهم المحاصرة ببحرين وأعداء الجوار و كل أنواع الأطماع الخارجية، هذا هو المعنى الأبعد – في تقديرنا، لحديث عبد الله العروي عن كون المغرب جزيرة مطوقة وعلى المغاربة أن يتصرفوا كسكان جزيرة.

     

    لكن إذا كان الموقع الجغرافي يجعل المغرب يبدو مثل جزيرة مطوقة، فإن تاريخه التليد الضارب في التاريخ والممالك الإمبراطورية التي حكمت أرضه وامتدت إلى حدوده الخارجية في محيطه الإقليمي، والغارات وحروب الاسترداد، كل ذلك جعل أهاليه يشعرون بنوع من الاعتداد والافتخار بالنفس، بكونهم هم من يجب أن يحكموا الآخرين، ولا يقبلون أن يحكمهم الغير، وهو ما يترجم في لغة خصوم المملكة إلى نفس توسعي واستعماري، فمن هنا نبع بعد التحدي ورفض عزل المغرب سياسيا وإستراتيجيا حتى وإن حكم الموقع الجغرافي بذلك. لذلك فإن كل استراتيجيات السياسة الخارجية للملك محمد السادس تحكمت فيها عوامل محاولة رفض عزل المغرب عن محيطه الإقليمي، بعودته إلى منظمة الاتحاد الإفريقي، وخطته في التوغل بعيدا في إفريقيا حتى في الدول الأنجلوساكسونية التي لا روابط ثقافية وتاريخية كانت لها مع المملكة، وتنويع شركائه في أبعد نقطة من الأرض، من روسيا إلى الصين والهند واليابان، ومواجهة أشبه بالمغامرة أو المخاطرة السياسية مع مدريد كسب رهانها، وحتى التطبيع مع إسرائيل تحكم فيه بعد رفض الطوق والحصار الذي تضربه عليه الجغرافيا وخصومه في محيطه الإقليمي، وما يحدث اليوم من رفض سلوك قيس سعيد في استضافة زعيم جبهة بوليساريو، ومن غضب صامت من فرنسا، حيث تطالب الرباط ساكن الإليزيه بالوضوح اللازم في قضية الصحراء المغربية، وبرغم الإشارة التي أطلقها ماكرون بعد زيارته إلى الجزائر، فإن بين البلدين أكثر من مجرد غضب عاشقين كما سبق أن صور الأمر دبلوماسي فرنسي وازن.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هذا الابتزازُ الفرنسي

    محمد أحمد بنّيس

    ربما ليس مبالغةً القول إن العلاقات المغربية الفرنسية تمر في أسوأ مراحلها منذ تولي الملك محمد السادس الحكم قبل 23 سنة. وعلى الرغم من عدم وجود ما يدلّ على ذلك رسميا، سواء من الرباط أو باريس، إلا أن تواتر بعض المؤشّرات يوحي بأن هناك أزمة غير معلنة بين البلدين، جديدها أخيراً الاستقبال الذي حظي به وفد من جبهة بوليساريو الانفصالية، في مقر الجمعية الوطنية، من النائب عن الحزب الشيوعي الفرنسي، جون بول لوكوك، في خطوة تحمل أكثر من دلالة في توقيتها، بحكم أنها تأتي بعد أقل من شهر على زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الجزائر، وتندرج، كذلك، في سياق سعي فرنسا إلى إعادة جدولة أولوياتها في جنوب المتوسط بما يخدم مصالحها.

    معروف أنّ الحزب الشيوعي الفرنسي لم يُكنّ الودّ، يوماً، للنظام المغربي، وما قام به النائب بولوك، لا يخرج عن الخط العام للحزب ومواقفه التقليدية في أكثر من شأنٍ يخصّ المغرب. لكن يصعب تصديق أنّ استقبال وفد من جبهة بوليساريو في مقر مؤسسة سيادية، مثل الجمعية الوطنية، قد تم من دون علم من يهمهم الأمر في باريس، لأنّ الأمر يتعلق بنزاع إقليمي تتعارض بشأنه مصالح القوى الإقليمية والدولية. ومن ثَمَّ، يبدو هذا الاستقبال ورقة ضغط أخرى تُلوّح بها فرنسا في مواجهة مغربٍ أكثر ارتهانا لحساباته التي بات يتصدّرها ملف الصحراء، وبالأخص بعد الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، والانفراج الذي شهدته علاقاته مع ألمانيا وإسبانيا.

    قد لا يكتسي استقبالُ وفد عن بوليساريو في مقر البرلمان الفرنسي، في نظر بعضهم، أهمية كبيرة، بالنظر إلى طبيعة السياسة الخارجية الفرنسية التي يمثل فيها الرئيس حلقة محورية، علاوة على أن ذلك لا يعبر عن موقف رسمي، سواء من الإليزيه أو الحكومة أو الجمعية الوطنية، بيد أن ذلك كله لا يقلل مما ينطوي عليه انفتاح بعض مكونات الطبقة السياسية الفرنسية على الأطروحة الانفصالية من خطورةٍ يمكن أن تؤثر، مستقبلاً، على الموقف الرسمي لفرنسا، ليس فقط باعتبارها شريكاً اقتصادياً للمغرب وحليفاً سياسياً له، بل أيضاً باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن.

    كان محرجاً لفرنسا التغييرُ الدي حصل في إعلان مدريد دعمها مقترح الحكم الذاتي في الصحراء، فقد وجدت نفسها ضمن معادلة جديدة في المنطقة. وأمام اشتداد ضراوة حروب الغاز نتيجة الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وانسحابها العسكري من مالي، وتراجع نفوذها في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وبروز صراع محاور في جنوب المتوسط، أمام ذلك كله بدأت تفقد بعض أوراقها في التأثير على سياسات الدول التي تعدها حليفة لها، وفي مقدمتها المغرب. وهنا يبرز سؤال مركزي في علاقة المغرب بفرنسا: هل يتبنّى المغرب خطاباً تصعيدياً إزاء فرنسا، على غرار ما حدث مع ألمانيا وإسبانيا، خصوصاً بعد خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ”ثورة الملك والشعب”، حين قال: ”إنّ ملف الصحراء هو النظّارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم. وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”؟ يُستبعد ذلك بالنظر إلى الطبيعة المركبة للعلاقات المغربية والفرنسية، واتساع شبكة النفوذ الفرنسي في المغرب، في قطاعات حيوية كالأعمال والثقافة والإعلام. هذا إضافة إلى أنّ الزيارة، التي يُرتقب أن يقوم بها الرئيس ماكرون إلى المغرب نهاية الشهر المقبل (أكتوبر) قد تكون مدخلاً نحو تفاهماتٍ جديدة بين البلدين، من غير المستبعد أن يكون ملف الصحراء ضمنها؛ تفاهمات تتجاوز المجالات التقليدية للتعاون والشراكة بين البلدين نحو بلورة موقف فرنسي أكثر وضوحاً بشأن نزاع الصحراء. أما إذا فشلت الزيارة ولم تحقق ما يتطلع إليه البلدان، فإنّ ذلك، سيُفضي، لا محالة، إلى توسيع الفجوة بينهما، ما قد يُنذر بتزايد التوتر في علاقاتهما.

    شاعر وكاتب مغربي

    إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • ”المغاربية” تناقش مطالبة سيناتور أمريكي بفرض عقوبات على نظام العسكر.. ومعارض جزائري: “أين هي العين الحمرا؟”

    خصصت قناة ”المغاربية” يوم أمس السبت، حلقة خاصة من برنامج” في العمق” لموضوع “الرسالة التي بعثها السيناتور الأمريكي ماركو روبيو لوزير الخارجية الأمريكية بلينكن، والذي ينبهه فيها لخطورة ما تقوم به السلطات الجزائرية التي تقتني المزيد من الأسلحة الروسية”، إلى جانب مناقشة “الزيارة التي خصت بها السفيرة الأمريكية لدى الجزائر رئيس أركان الجيش الجزائري”، حيث استضافت (القناة) كلا من الكاتب والضابط السابق في الجيش أنور مالك المحامي والخبير في القانون الدولي سفيان شويطر والمحلل السياسي سيف الإسلام بنعطية.

    وعلاقة بالرسالة التي بعثها السيناتور الأمريكي لوزير الخارجية الأمريكية، أفاد سفيان شويطر ضمن حديثه، أن “هناك مصادر أمريكية تعتبر أن رمطان لعمامرة واللواء شنقريحة من الشخصيات المؤيدة للنفوذ الروسي، لذلك قامت الجزائر بصرف أموال ضخمة لشراء المزيد من الأسلحة من روسيا رغم أن هناك أسواقا أخرى مفتوحة في وجه الجزائر”، مشيرا إلى أنه “لا ينبغي دائما صرف المشاكل الداخلية التي يواجهها النظام على الغير باعتباره هو المسؤول عن ذلك”.

    زيارة ليست صدفة

    واعتبر شويطر، أنه “من حق الجزائر باعتبارها ذات سيادة أن تتعاون مع أي دولة لأن الأمر يتعلق بالسيادة، لكن هذا الأمر ينطبق كذلك على المغرب الذي له الحق أن يتعامل مع أي دولة عضو في الأمم المتحدة بما فيها دولة الاحتلال، فهذا حقهم وليس لنا حق في محاسبة الدول في سياستها”، مبرزا في هذا السياق أن “الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكية بلينكن ليست بصدفة، لأنه بعدها بساعات تم إطلاق سراح 60 سجين رأي، وذلك لأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تطالب بإجراءات ملموسة”.

    وفي هذا الإطار، أكد شويطر أن “النظام الجزائري يظن أن روسيا تبيع له أحدث التقنيات التي وصلت إليها الأسلحة لكن الأمر غير ذلك، وخير مثال على ذلك الصواريخ التي مدّتها الولايات المتحدة الأمريكية لأوكرانيا قامت بتدمير الدبابات الروسية، فالترويج لموضوع أن الجزائر تحصّلت على أسلحة متطورة هو مجرد تسويق للكلام فقط، لأن تلك الأسلحة أثبتت عدم فعاليتها في الحرب الأوكرانية”، متسائلا “كيف أن الجزائر تعتمد على روسيا التي هي بدورها بدأت تلجأ إلى دول أخرى من أجل إمدادها بالأسلحة؟”، مضيفا أن “الحرب التي خاضتها روسيا ضد أوكرانيا أبانت أنها ليست قوة عظمى وأنها من الناحية السياسية والعسكرية فاشلة”.

    وبحسب المتحدث، فإن “الأحداث التي توالت من الولايات المتحدة الأمريكية والتي بدأت بالموقف الأمريكي في الأمم المتحدة حول وضعية حقوق الإنسان في الجزائر، ومن ثم لقاء السفيرة مع قائد العمليات للجيش الجزائري وثم مباشرة مطالبة أحد أعضاء مجلس الشيوخ بتنفيذ العقوبات على النظام الجزائري بسبب التعاون العسكري الروسي، كلها تدل على غضب أمريكي تجاه الجزائر لا نعرف كيف سيتطور مستقبلا”.

    علاقات حميمية بين الجيش الجزائري والروسي

    وأما الضابط الجزائري السابق، أنور مالك، فاشار إلى أنه “من يعرف المؤسسة العسكرية من الداخل يدرك يقينا أن العلاقات ما بين الجيش الجزائري والجيش الروسي قد تجاوزت علاقات الأشقاء ووصلت إلى علاقة في منتهى الحميمية”، مبرزا أن “جل السلاح الجزائري تم شراؤه من روسيا وتم تكديسه لدرجة أن الميزانية التي تخصص لهذا المجال يتم إنفاقها كلها حتى ولو لم يكن هناك داع لذلك، والسبب في ذلك هي قضايا الفساد وأموال تذهب إلى حسابات شخصية، ناهيك عن وجود أسلحة وصواريخ مكدسة تستعمل في المناورات من أجل التخلي عنها وأخرى تتجه إلى جبهة البوليساريو من أجل استعمالها في صراعها مع المغرب”.

    كما أبرز ذات المتحدث أن “العلاقات بين الجيش الروسي والجزائري أصبحت تثير القلق الأمريكي خاصة بعد غزو بوتين لأوكرانيا، كما أنه منذ إعلان ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء والأمور تطبخ في الدولة العميقة الأمريكية حول الضغط على الجزائر، لأن واشنطن على يقين أن البوليساريو هي الجزائر ، ولذلك فمن المتوقع أن تتجه الأمور نحو مثل هذه الرسائل للضغط عليها”.

    فساد العسكر الجزائري وتدهور وضع حقوق الإنسان بالبلاد

    وعلاقة بذات الموضوع سلط مالك الضوء على فساد العسكر الجزائري، مضيفا: “لست ضد تسليح الجيش لكن ضد الفساد المعشش في المؤسسة العسكرية، والمعضلة الكبرى أنه لا تتم محاسبة الجيش على مهماته وصفقات التسلح التي يبرمها مع روسيا غير النافعة، في حين أن الشعب لا يجد حتى ما يأكله”، لافتا إلى أن “هذا كله بسبب أن النظام القائم كله فاسد، بحيث أن البرلمان الذي يعتبر فاسدا بدوره لا يستطيع أن يحاسب حتى وزيرا فما بالك بأن يقوم بمحاسبة جنرال”.

    وفيما يهم اللقاء الذي جمع السفيرة الأمريكية بقائد أركان الجيش، السعيد شنقريحة، أورد ذات المتحدث أن “هذا اللقاء في الحقيقة هو غريب من حيث الشكل، لأن هذا المنصب لا يخول له حتى الاجتماع مع مدراء الإدارات في الجيش الوطني الشعبي وفي المؤسسة العسكرية، فما بالك أن يلتقي مع سفير دولة أجنبية، والأكثر من ذلك أن اللقاء حدث في قيادة الأركان”، مستطردا: “أما من حيث الموضوع بغض النظر عن الملفات التي تم تناولها، فإن هذا الأمر يؤكد أن أمريكا على دراية بأن الحاكم الفعلي للبلاد هو سعيد شنقريحة لذلك ذهبت مباشرة إليه”.

    ولفت المتحدث، إلى أن “ملف حقوق الإنسان في الجزائر صار أسودا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن الجزائر أصبحت ثكنة عسكرية تقوم بإدانة واعتقال كل من يدلي برأيه على مواقع التواصل الاجتماعي”، مردفا أن “الواقع الحقوقي بالجزائر بائس جدا وذلك بإجماع منظمة حقوق الإنسان”.

    أزمة اقتصادية في الجزائر مقابل تخصيص مبالغ مالية ضخمة لشراء الأسلحة

    وضمن ذات الحلقة من البرنامج المذكور لقناة ”المغاربية”، انتقد سيف الإسلام بنعطية عدم إدانة الجزائر للحرب الروسية الأوكرانية واصطفاف الموقف الجزائري بالقرب من الموقف الروسي، معتبرا أنها “من الأخطاء التي قد ندفع ثمنها في المستقبل”.

    وأورد ذات المتحدث أن “ميزانية الدفاع الجزائرية تتراوح ما بين 10 و15 مليار دولار تختلف من سنة إلى أخرى، وهي نفس ميزانية تونس التي يعيش فيها 12 مليون شخص، كما تشكل ضعف ميزانية الدفاع بالمغرب التي تتراوح ما بين 5 و6 ملايير دولار، وبالتالي نحن لسنا في سباق تسلح مع المغرب ولذلك يجب إعادة النظر في هذه القضية وفي هذا الرقم، خاصة وأن مبلغ 7 ملايير دولار الذي جاء في رسالة السيناتور الأمريكي هو رقم كبير في سنة تعاني فيها الجزائر اقتصاديا كما تعاني من أزمات اجتماعية.

    وأضاف: ”نحتاج أن نستثمر هذه الملايير في قطاعات منتجة، إلا أننا نلاحظ مؤخرا أن القانون العضوي المتعلق بالبرلمان لا يسمح بمناقشة ميزانية الدفاع، ففي نهاية المطاف القضية تتعلق بنظام حكم مبني على هذه العقلية: “لا أحد يسائل أحدا ولا مؤسسات للرقابة”، ولذلك يجب أن نوازن بين ضرورة أن يكون هناك جيش قوي واقتصاد قوي وأن تكون هناك رقابة فعلية تمس حتى المؤسسة العسكرية، وبتدقيق واضح بعيدا على قضية ربط ميزانية الدفاع بالأمن القومي”.

    حكم العسكر للجزائر

    من جهة أخرى، قال بنعطية إن “واقعنا أننا نعيش في دولة لا تلعب المؤسسة العسكرية فيها دورها الدستوري الواضح بل نستطيع أن نقول إنها هي الدولة، وهذا المنطق أصبح هو السائد داخل المؤسسة، واليوم نلاحظ أن قائد الأركان يلقي خطابا سياسيا ويبعث برقيات تهنئة للاعبين في كرة القدم، كما يتحدث في الاقتصاد وهذا أمر غير طبيعي، فلهذا يجب تغيير منظومة الحكم والذهاب إلى نظام ديمقراطي مدني، وأن تكون هناك قيادة مدنية تبحث على استقرار المجتمعات وليس الدخول في حروب عبثية”.

    وبشأن اللقاء بين السفيرة الأمريكية والسعيد شنقريحة، أوضح المتحدث، أنه “من الجانب الدبلوماسي هذا اللقاء لا يصح، لأن شنقريحة رئيس الأركان ومتعلق بالجانب العملياتي ولا علاقة له بالجانب السياسي، وكان من المفروض أن يتم هذا اللقاء بحضور كل من وزير الخارجية ورئيس الجمهورية لأنه هو وزير الدفاع”.

    وتابع: ”لكننا نعلم أن وزارة الخارجية لا تعلم أي شيء على القضايا المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، التي تبقى سرية للغاية، وبالتالي نعتقد أن يكون تبون هو من رمى بالكرة للطرف العسكري وهو من طلب من السفيرة التحدث مع المؤسسة العسكرية في هذا الأمر لأنه يخص موضوعا سياسيا وتقنيا، كما أنه لا يريد ضغوطا أمريكية على شخصه وهو مقبل على الترشح لعهدة ثانية”.

    وتعلقيا منه على دعوة نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي ماركو روبيو، لفرض عقوبات على مشتريات الجزائر من الأسلحة الروسية”، تساءل المعارض الجزائري أمير بوخرص الملقب بـ “أمير ديزاد” قائلا في تدوينة على موقع ”فيسبوك”: “أين هي “العين الحمراء”؟ أم أنها ذبلت أمام هذه الدعوة؟”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حينما ينتحل الإبتزاز جلباب المعارضة المهمل

    عمر إسرى

    بين تلابيب الشبكة العنكبوتية يختلط الحابل بالنابل، يتدافع الصدق مع الكذب، يتعايش العقل مع الخرافة مرغما، تخندق التفاهة كل شيء مفيد في زاويا ضيقة، يتزاحم المتطفلون، يتنابز المبتزون، يهرول الفاشلون، ويصرخ المجرمون ملء حناجرهم، كل واحد يسعى لإقناعك أن ثرثرته اليومية سبيل وحيد لامتلاك الحقيقة. في الجانب الآخر على جزر صغيرة، يقف المقاومون خائرو القوى، مصرون على صمودهم، ثلة منهم تقاتل من أجل التنوير، توقد شموعا في قلب الظلماء، وطوابير تلعن الظلام دون أن تعي بأن التغيير لا يأتي بالشعارات المفعمة بالأدرينالين. وسط هذه الغابة جزر من الضياء، توقظ في الناس أملا في غد أفضل. وأنت تخوض غمار هذا الفضاء الموحش، فنجاعة أسلحتك فقط جديرة بتحديد مصيرك، دون بوصلة معرفة وعلم، دون قدرة على التمحيص والتفكيك والفرز، دون ذكاء اجتماعي وحدس رباني، فحظوظ أن تنهش أنياب الإشاعة والتفاهة عقلك، تبقى مرتفعة، إن لم تقضم التماسيح الشريرة قيمك وتمرغ طمأنينتك في الوحل دون رحمة. على هذه الضفة غير الآمنة، تنكسر الحقيقة الهشة على صخور بحر غارق في الرداءة.

    وسط هذه الفوضى، يحاول بعض الغيورين على الأوطان والأمم، ممارسة معارضة بناءة تدفع بعجلة التاريخ إلى الأمام، لصالح تحسين أوضاع الناس وتقليص الفوارق فيما بينهم. فيما يتحرش البعض الآخر على “شرف المعارضة“، تدفعه نزواته المكبوتة لاغتصابها، وبعد ذلك يستغل جسدها المستباح لتصفية الحسابات، لممارسة الابتزاز، لتعبئة الغوغاء لخوض حروب توقظها شرور النفوس وأهوائها، هنا يصبح الدمار هدفا والسب انتصارا. مع تواري بعض الأصوات العادلة، و انتحار ما تبقى من صدى المسؤولية، مع اضمحلال المعارضة بشكلها المؤسساتي، تيسر الأمر لانتعاش “معارضات” خارج السياق، بعيدا عن أي منظومات فكرية صلبة، “معارضات” يمكن أن تكون مفيدة كلما تأطرت ونضج أصحابها، لكنها في الكثير من الأحيان، تختزل في “صرخات” مريبة تتقمص هذه “المهمة” الشاغرة دون استئذان، أرتال تتسلح بخيوط العنكبوت داخل فضاء الأنترنيت، مستغلة “رغبة طبيعية” في سماع الصوت الآخر الغائب، و انتشار جائحة الأمية، أمية غير المتعلمين وخريجي الجامعات معا، تغذي سيادة النشاز.

    يختبؤون أحيانا في جلباب “المعارضة” الرث المهمل، ويتقمصون في أحايين أخرى قلم وصوت “الإعلام” المستباح. قد يضعون قناع “المظلوم” الذي يدافع عن حقوقه المهضومة، من حق من ظلم أن يستغيث، أن يناضل بلا هوادة، أن يلتمس الإنصاف، أن يطالب بعقاب الظالم، وله أن يطرق باب العدالة لجبر ضرره، و هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. الغاية لدى بعضهم مختلفة عما يعلنون، لكن ألسنتهم تفضح ما يسرون، فلتذهب “المعارضة” إلى الجحيم، و ليغرق “الإعلام” في أوحاله، لتندحر القيم، وليحترق العالم، ما يهم هو تفريغ الغضب عبر ردود أفعال زائلة، من أجل رغبة دفينة في الإنتقام، أو نيل أجور بطعم الخيانة، شعارهم الخالد: أنا و من بعدي الطوفان، فالغاية بمنطقهم تبرر الوسيلة ولو كانت موغلة في الظلم و البهتان، لقد تعلموا جيدا كيف تستعمل التماسيح نحيبها لتنقض على الفرائس.

    معارضةبين الإٍرهاب والابتزاز

    معكم “المعتقل السياسي… شخصيا“، والفارغات رؤوسهن شوامخ، يخاطبكم من وراء البحار، بلحية مبعثرة كما أفكاره، بملامح متهجمة، و نظرات تنم عن ميول متطرف، بلغة ركيكة، يسب، يهدد، يقذف، ينهر… يقوم بكل ما يحلو له، يحق له ذلك، فالفضاء بدون حسيب أو رقيب. كان يحلم “ببندقية” و “ساطور” ينهش بهما لحم البشر، كان الحلم كبيرا رهيبا، ضحى من أجله كثيرا، قطع آلاف الكيلومترات من أجل تداريب بطعم الموت، أقبل على المطارات، حلق فوق الدول، اخترق الجبال والوديان، ليرتوي من عين طالما كان متيقنا أنها الخلاص الوحيد للعالم، خلاص لا بأس أن يمر فوق أنهار من الدماء، وأكوام من جثت الأبرياء. هناك تتلمذ على يد “شيوخه“، كان الدرس مريرا، كيف تزرع الرعب، كيف تقتل كافرا، فتيتم أطفالا، وتغنم نساء، كيف تنحر مرتدا، كيف تفجر أحشاءك دون رحمة وسط الزحام…، كيف تزرع الفتنة، لبناء دولة الإرهاب؟.

     اعتقل الرجل وهو في ساحة التدريب، وبعدما قضى وترا من سجون باكستان، سلم للدولة الأوروبية التي يحمل جنسيتها، لكنها رفضت أن تدنس قدماه أرضها، عدد المسلحين الذين انتظروه ذلك اليوم في المطار، يخبرك عن خطورة الرسالة الآتية من إسلام آباد. طرد بدون رحمة، ليقضي سبع سنوات في سجون المغرب. حتى وهو خلف القضبان، كادت نزعته الإرهابية أن تعصف بحراس السجن في الكثير من المناسبات. حينما غادر السجن، بعد فشل الخطة الأولى، جاء دور الخطة الثانية، استباحة استقرار الوطن عن بعد. بوجه متهجم ينم عن يأس قاتل و عن رغبة في الانتقام ممن أفشل مشاريعه الإرهابية وهي في مهدها، كان يطل من نوافذ العنكبوت (الشبكة العنكبوتية)، ليحرض على تحويل الشوارع إلى ساحة وغى، فمن لم يستطع فليفجر نفسه في وجه الكفار وكل من تواطأ معهم، لا شريعة الله، بل شريعته هو، شريعة القتل والدمار. بعد مرور سبع سنوات، عاد أدراجه إلى الدولة التي رفضته سابقا، قبل أن يصير مأجورا لدى مخابراتها، توسوس له بما تشاء، فصار في الخطة الثالثة معتقلا سياسيا، صحافيا و معارضا…

    تلك قصة رجل حلم بالمساهمة في تدمير العالم، ولأن الرياح مشت بما لا تشتهي السفن، شاهد أحلامه الجهنمية تتلاشى أمام عينيه، حينما وضعت الأغلال في يديه، لا حول له ولا قوة، تقمص “المعارضة السياسية” المستباحة، لم يجد جلبابا أفضل من هذا ليتنكر فيه من جديد، كما حاول في الماضي الاختباء وراء جماعة “صوفية“، لقد صار لسانه يقوم بما فشلت يداه في تنفيذه. متى كان الإٍرهاب رأيا؟ والسب تعبيرا؟ و التحريض حرية؟ والابتزاز معارضة؟. ولأن الرجل يكرر دوما أسطوانة الاعتقال السياسي، فما هي الأفكار السياسية التي اعتقل من أجلها؟ ما هو اصطفافه الإيديولوجي؟ وما هو مشروعه الفكري؟ هل كان ماركسيا أو ليبراليا أو قوميا أو غير ذلك؟، ما التصورات والأفكار التي من أجلها اعتقل، وإلى أي حد كانت ستفيد الشعب والوطن، فليقل لنا، وحينها نناقشه.

    في دولة أخرى ملاكم لا يتوقف عن السب والتهديد، يدعي بدوره شرف المعارضة، لكنه لا يقول لنا شيئا عن انتمائه السياسي أو الإيديولوجي أو فقط أفكاره ومواقفه وتاريخه النضالي، لا يعرض علينا تحليلا ملموسا لاختلالات يعارضها، ولا يعطينا أية فكرة عن البدائل التي يطرحها. يخبرنا فقط أنه بعد حصوله على لقب عالمي في رياضة مغمورة، ناضل من أجل منصب بوزارة الشباب والرياضة، جعل هذا المنصب أمام عينيه هدفا لا رجعة فيه، اعتبره أمرا مستحقا ولو بدون دبلومات أو حتى ألقاب عالمية حقيقية. يحكي لنا كيف كان يترصد مواكب الملك من أجل المنصب، و حينما تأخر المنصب، بدأ يبتز المؤسسات من الخارج، قبل أن يتحول بقدرة قادر إلى “معتقل سياسي“، المشكاة التي ظل يعلق عليها ابتزازه المتواصل ظلما وعدوانا. توقف عن السب حينما انتابه أمل في الحصول على ثروة، أظهرته الكاميرا وهو يطلب مبلغا رهيبا، 5 ملايير سنتيم، ارتبك الرجل، فوعد مخاطبه أن يكون أفضل سفير لوطنه، وأن يسمي ناديه الرياضي باسم الملك، حصل على “العربون” مبتسما منتشيا مع زوجته، ولأنه لم يحصل على بقية المبلغ على حساب ثروة الشعب، صار مدافعا عن الشعب، ومن حين لآخر يسب الشعب ممارسا وصايته الركيكة على الجميع، ولا يتوانى في وصف كل من لا يساير تهافته ب“العياشة“. كلامه كله قذف وتهجم وتنابز بالألقاب، يتمنى الموت لمن يخالفه، و ينتشي بمرض الملوك والأمراء، من أجل منصب لا يستحقه، ثم بعدها لنيل مبلغ ضخم يكفي لبناء عشرة مراكز صحية بقرانا المكلومة، هذا هو الرجل الذي لا يتوقف عن تسمية نفسه معارضا ومعتقلا سياسيا، من المؤكد أنه لو حصل على ثلث المبلغ الذي طلبه، لصمت إلى الأبد.

    هذان ليسا سوى نموذجين لمن يتقمص “معارضات” ابتزازية مغرضة لا تنفع الشعب والوطن في شيء، بقدر ما تسعى لزرع الشكوك و قتل الأمل، انتقاما من عدم الحصول على مكاسب انتهازية، إذا لم تأت بالتسول، ربما تأتي بالسب. ولو أردنا سرد نماذج أخرى حتما لن ننتهي، من نجل إمبراطور الصحافة الصفراء في عهد ادريس البصري، إلى ذاك الذي دفعه خطأ مهني بسيط إلى الارتماء في حضن عسكر المرادية رب نعمة “العصابة اليائسة“، و عدد كبير من التافهين و المتسكعين الذين لا يتوقفون عن بث السموم في شرايين الأنترنيت، من خارج الوطن، استغلوا غياب المعارضة البناءة للركوب على الأوضاع الاجتماعية و مستوى الوعي الهش لقضاء مآربهم الدنيئة.

    نموذج لكائنات تحاول إيهام من لا يعرفها بلعب أدوار معينة، أدوار تتجاوز قدراتها، تعوزها المعرفة والقواعد، فوجدت فضاءات الأنترنيت سوقا عشوائيا مترعا أمام كل من هب ودب، فلم تتوانى في تسويق سلعها الفاسدة في “رحبته” بسهولة، ولأن التفاهة والركاكة صارت البضاعة الأكثر طلبا، فقد تمكن الكثير منها من مراكمة أموال “الأدسنس” بفضل ملايين المشاهدات. هنا يتحول الإبتزاز وتصفية الحسابات الشخصية و نشر الأحقاد والكراهية، إلى “معارضة مزعومة“، هنا يسمح للتكفيريين بمناقشة الديمقراطية، و للمبتزين برفع شعار العدالة، و للفاسدين بالمطالبة بالتوزيع العادل الثروة، ولخونة الوطن ووحدته بالحديث عن الوفاء. كيفما كان أصلهم وفصلهم، فحرية التعبير مكفولة للجميع، إلا أن هذه الحرية لا يجب بأي حال من الأحوال أن تتحول إلى غابة تستباح فيها الأعراض وتنهش فيها اللحوم بدون حسيب أو رقيب.

    تقهقر المعارضةالطبيعة تأبى الفراغ

    للحفاظ على أصالة وعمق المفاهيم التي تؤطر السلوك النضالي، تعالوا نقترب شيئا ما من فلسفة المعارضة السياسية. لا شك أنه لا ديمقراطية بدون معارضة تراقب أداء من يدبر الشأن العام، تضغط، تنتقد و تقترح البدائل لتصحيح وتقويم أداء السلطات الثلاث. الأمر هنا يتعلق بتنظيمات وجماعات بشرية منظمة وأفراد بخلفية فكرية، يتبنون معارضة القوى والأحزاب والحكومات السائدة، عبر مختلف الوسائل السلمية لتغيير الوضع نحو مايعتبرونه أفضل مما هو قائم. ممارسة المعارضة ليس عملا اعتباطيا، هناك شروط و معايير، على رأسها أن تكون أهدافها وطنية بعيدة عن الطائفية، ألا تنتصر لمصالح دول أو منظمات أجنبية على حساب الوطن، ألا تتبنى العنف والتطرف والإرهاب والسب والقذف كوسيلة لتغيير أو نقد الوضع القائم، أن تمارس النقد البناء وتمتلك رؤية واضحة وبدائل واقعية للتدبير الذي يتم انتقاده، إنها تشترط الإلمام بتفاصيل السياسات والقرارات التي تتم معارضتها، ووضوح المشاريع الفكرية والسياسية البديلة التي تعرضها، مبتعدة عن النقد الجارح وإثارة النعرات الدينية والعرقية وتغليب الأهداف الشخصية الإنتهازية.

    إن المعارضة تناقش الأفكار والبرامج والمشاريع، تنتقدها و تعرض بدائل عنها، لا تناقش الجوانب الشخصية والحميمية أبدا للمشرفين على تدبير الشأن العام، اللهم إن ارتبطت بما يهدد مصالح الشعب والوطن أو بخرق يتحرش باستقرار الدولة، فالمعارضة تتم من داخل نسق العقد الاجتماعي والسياسي، لذلك فربط المسؤولية بالمحاسبة لا يتضمن بأي وجه كان الحياة الحميمية و الخاصة. 

    ذات يوم، صرح رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل: “لو لم تكن هناك معارضة لخلقناها“، وهذه المقولة تؤكد الأهمية المفصلية للمعارضة في توطيد الاستقرار والدفع بعجلة التطور الديمقراطي، فالحكومة القوية تحتاج إلى معارضة قوية تراقب عملها وتلعب دور الوساطة لامتصاص غضب الجماهير، من خلال المساهمة في ترجمة تطلعاتها من داخل المؤسسات، تفاديا لتطور الأمور في اتجاه يهدد الاستقرار. الحكومة والمعارضة يجب أن تكونا ككفتي الميزان بحيث لا ترجح كثيرا كفة على أخرى. إن التداول على السلطة يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية، يعزز استقرار النظام السياسي، ويحول دون دفع القوى السياسية لرفع شعاراتها خارج الأدوات الديمقراطية والسلم المدني. إن تبلور معارضة ديمقراطية وطنية مؤسساتية في الداخل، أفضل من تشكل معارضة يتم تصنيعها في الخارج، قد تستخدم كوسيلة لتدمير الوطن لصالح أجندات أجنبية. إلا أن ضعف المعارضة قد يؤدي لانتعاش معارضات من خارج الأحزاب والتنظيمات المدنية، قد تلجأ بعضها لأساليب فجة خارج إطار القانون، كما قد تحجب “معارضات” الشارع و وسائط التواصل الاجتماعي المعارضة المؤسساتية، لتنفرد بحمل المطالب الشعبية وتفريغ شحنة الغضب الشعبي تجاه أية إجراءات حكومية غير مناسبة.

    في المغرب، في الوقت الراهن، يلاحظ أن المعارضة المؤسساتية تعاني من وهن كبير في مقابل قوة “عددية” “بجرعة سياسية ضعيفة” للأغلبية، قوة شكلية تهددها هشاشة المعارضة أكثر من أي شيء آخر، لأن غياب هذه الأخيرة يجعل الحكومة تواجه شريحة واسعة من المواطنين وجها لوجه، شريحة استلمت مشعل المعارضة في غياب صوت يمثلها داخل المؤسسات، كما تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء للمعارضة  المؤطرة و غير المؤطرة، وفي بعض الأحيان بلمسة فجة و مدمرة. وحتى نكون منصفين، فالإقبال غير المسبوق على استهلاك شعارات المعارضة المغرضة التي لا يهمها الشعب ولا الوطن، لا يرتبط فقط بتقهقر المعارضة، وإنما بشكل أكبر، بفقدان الأحزاب معارضة وأغلبية لثقة أغلبية المواطنين، حتى كفر الناس بالسياسة، وصاروا يضعون البيض كله في سلة واحدة، بعدما تناوب الجميع على تدبير الشأن العام بدون فائدة كبيرة، دون أن ننسى الريع الذي صار ملتصقا في الوعي الجماعي بالسياسيين. ولأن من طبيعة الإنسان أن يتطلع لسماع الصوت الآخر، الرأي الآخر، أن يجد من يترجم إكراهاته و يوصل تطلعاته إلى المؤسسات لترجمتها إلى إجراءات ملموسة، أن يطمئن بوجود من يعبر عن آلامه ويدافع عن مطالبه، يتم اللجوء إلى نسج معارضات بديلة، قد تكون مؤطرة وبناءة، و قد تكون عشوائية وهدامة، وقد يستغلها بعض المأجورين المجندين من جهات أجنبية لنشر الفتنة و الإشاعات. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تفرز في الكثير من الأحيان معارضات مسؤولة، فردية وجماعية، بمثابة قيمة مضافة تعمل على مراقبة المؤسسات و اقتراح البدائل، والدفاع عن الفئات المتضررة ضد بعض القرارات التي تستهدف الحرية والعدالة والاجتماعية والمساواة، لكن الرهان على هذه الوسائل لتعويض المعارضة المؤسساتية غير ممكن، رغم أهميتها المتصاعدة في عصرنا.

    نتفق على أن تلك الأصوات النشاز التي تنتحل الصفات وتختبئ وراء “المعارضة” لقضاء مآربها، ستظل موجودة في جميع الأوقات، سيكون هناك دوما أشخاص يعرضون أنفسهم في أسواق النخاسة للعمل لصالح الأعداء، سيكون هناك سب وقذف و سيطلق الكلام على عواهنه، لكن إصلاحا حزبيا جذريا يمس الفكر والممارسة والسلوك السياسي، و يهدف إلى استرجاع الثقة المفقودة، إصلاح يؤدي إلى ظهور الأحزاب بحلة وعمق جديدين، أحزاب تقوم بتأطير المواطنين عوض التقوقع حول المقاربات الانتخابوية، تنظيمات تنتج الأفكار وتمتلك الشجاعة الكافية لممارسة دور المعارضة كما الأغلبية بصدق وشفافية و مسؤولية، كل هذا من شأنه نزع أي قيمة عن شعارات المهرولين و سب المبتزين، عن كل معارضة رديئة، وأفكار هشة، وادعاءات مغرضة. لكن كل هذا لن يكفي لتغيير الوضع سوى إذا وازته إصلاحات تمس العقليات والقيم و المعرفة، من خلال إصلاح التعليم والإعلام و تأهيل المجتمع المدني في اتجاه توعية المواطنين وترسيخ القيم النبيلة، قيم تمغربيت والنزاهة و الشفافية، في عقول الناشئة، بالإضافة إلى تنمية الحس النقدي لدها.

    إقرأ الخبر من مصدره