الوسم: عبده حقي

  • الكتاب في يومه العالمي بين عطر الورق وسرعة البكسل.. بقلم // عبده حقي

    باعتبار وضعي ككاتب مغربي، وكائن لغويٌّ تشكّل وجدانه بين دفّات الكتب الورقية، وسُقيتُ من حبر المطابع كما تسقى الأرض بماء الغيمات … أجدني، اليوم، في زمن رقمي يعيد تشكيل الجُملة والمعنى، أطرح سؤالًا مؤرقًا في يومٍ نحتفل فيه بالكتاب الورقي: إلى أين تسير صناعة النشر؟ هل الورق يحتضر؟ وهل الرقمي سينقذ الكلمة من المآل الباهت في المستقبل القريب؟

    كنتُ، وما زلت، أفتتح صباحاتي الرائقة بفنجان قهوة على صوت انفتاح دفة الغلاف، وبملمس الصفحات الذي يذكّرني بشغاف الذاكرة. لكنني لا أستطيع أن أنكر أن الشاشة باتت تتسلل إلى لغتي، منذ عقدين من الزمن وتفرض إيقاعها السريع، وتجعل من القراءة تجربة عابرة لا تقيم طويلًا في وجدان القارئ. فالكتاب الرقمي، على الرغم من سهولة الوصول إليه، يعاني من نَفَسٍ قصير في أعين القرّاء، كما لو أنه وجبةٌ سريعة تفتقر إلى نكهة الطبخ البطيء الذي يُتقنه الورق.

    لقد شهدت أوروبا وأمريكا، في العقدين الأخيرين، انفجارًا حقيقيًا في سوق النشر الرقمي. ففي تقرير صادر عن جمعية الناشرين الأمريكيين عام 2023، بلغت عائدات الكتب الإلكترونية ما يقارب 1.1 مليار دولار، مقارنة بـ1.9 مليار دولار للكتب الورقية. أما في بريطانيا، فتمثل الكتب الرقمية حوالي 30٪ من إجمالي سوق الكتاب. ومع ذلك، ورغم هذه الأرقام الواعدة، لم تزل الهيئات الثقافية العربية تُعامل الكتاب الرقمي كما يُعامل الغريب في الوليمة، يُرحَّب به لفظًا ويُقصى فعلاً.

    لقد حضرتُ معرض الرباط الدولي للكتاب مرّات عديدة، وتجولت بين أجنحته كما يتجول نَسّاك المعابد بين صوامعهم. لكنني، في كل مرة، كنت ألاحظ الغياب الفادح للكتاب الرقمي، ليس فقط في أروقة العرض، بل في البرمجة الثقافية أيضًا. فلا ندوات تناقش تحولات النشر الرقمي، إلا نادرا جدا ولا منصات تحتفي بالمؤلفين الإلكترونيين، وكأنّ الكتاب الرقمي لا يُعَدّ من “أهل الكتاب”.

    لماذا هذا التهميش إذن؟ أهو خوف من المجهول؟ أم نوع من التقديس الأعمى للورق؟ في حين أن دور النشر الغربية تجاوزت هذا التردد منذ ربع قرن، وأنشأت منظومات متكاملة لتوزيع الكتب الرقمية وترويجها، بل وأوجدت منصّات تحقق أرباحًا ضخمة للمؤلفين المستقلين، مثل “أمازون كيندل للنشر المباشر”، التي تُتيح للكاتب نسبة أرباح قد تصل إلى 70٪ من سعر البيع.

    لقد تراجعت تجارة الكتاب الورقي في العالم العربي بنسبة مقلقة. في المغرب، على سبيل المثال، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد النسخ المطبوعة لمعظم الكتب لا يتجاوز الألف نسخة، تُباع منها بضع مئات فقط، وتنام البقية في المستودعات كما تنام الأساطير القديمة في كهوف مظلمة. لقد أصبحت المكتبات التجارية تبيع المصنفات التراثية للزينة أكثر مما تبيع الكتب، وأضحى الكتاب ترفًا في زمن الضروريات والكماليات.

    لكن هل يعني هذا أن الرقمي هو الخلاص؟ لا ليس ذلك بالطبع.

    إن الكتاب الإلكتروني يملك مميزات يصعب إنكارها: خفة في الحمل، سهولة في التوزيع، تكلفة منخفضة، وإمكانية التفاعل عبر الصوت والصورة والفيديو. لكنه، في المقابل، يفتقر إلى تلك الحميمية التي تربط القارئ بالورق، وتُشعره بأنه يعيش داخل الكتاب لا خارجه.

    كما أن الكتاب الرقمي لا يزال يواجه تحدياتٍ تتعلق بالقرصنة، وانخفاض القيمة الرمزية، وغياب التشريعات التي تحمي حقوق المؤلف في العديد من الدول العربية. أضف إلى ذلك أن غياب البنية التحتية الرقمية لدى معظم دور النشر المغربية جعل من عملية الانتقال إلى النشر الإلكتروني عملية بطيئة، وعشوائية في أحيان كثيرة.

    الجواب ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في بناء ثقافة رقمية متكاملة حيث يجب إنشاء منصات مغربية مستقلة تتيح للكتّاب نشر كتبهم وبيعها إلكترونيًا، وأن تواكب الدولة هذا التوجه عبر تحفيزات ضريبية، وبرامج تكوين، وحماية قانونية للحقوق الرقمية.

    كما ينبغي تعزيز التعاون مع شركات دولية متخصصة في ترويج الكتب الرقمية، وربطها بالمكتبات الجامعية والمدارس، حتى لا يبقى الكتاب الإلكتروني حبيس الهواتف الذكية فقط، بل شريكًا فعليًا في الفعل البيداغوجي والتربوي والمعرفي.

    في هذا اليوم العالمي للكتاب، لا أملك إجابة يقينية. لكنني، ككاتب مغربي، أؤمن بأن الكتاب ـ سواء وُلد من رحم الورق أو من رحم الشيفرة ـ سيبقى ابني الروحي، وصوتي العابر للزمن والمكان. ما نحتاجه ليس أن نختار بين الورقي والرقمي، بل أن نعيد التفكير في معنى “القراءة” في زمنٍ يضجّ بالصور، ونُعيد ترتيب علاقتنا بالمعرفة في عالمٍ بات فيه النسيان أسرع من الطباعة.

    لعل قصدية الكتاب، في النهاية، ليس شكله، بل أثره في من يقرأه.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أوهام الوطن البديل!!.. بقلم // عبده حقي

    أنا ابن هذا الوطن الجميل، أجمل بلد في العالم، أنتمي إلى ترابه وعراقته وثقافته، وأتنفس من هوائه الاجتماعي والتراثي وتقاليده الراسخة. لم أكتب هذا المقال دفاعًا عن طرف أو هجومًا على طرف آخر، ولا أنطلق من موقع سياسي أو أيديولوجي، بل من موقع مواطن مغربي يهمه مستقبل بلاده ويحرص على وعي مجتمعه الثقافي والسياسي.
     

    لقد نشأت على قيم التعدد والتسامح، التي عشتها وشاهدتها متجسدة في حينا، في مدينتنا العريقة مكناس أو مدينتها العصرية التي تسمى “حمرية”، حيث يتعايش المسلم واليهودي والمسيحي واللاديني، في انسجام إنساني وحضاري لا يشوبه طنين الخطابات بل الحياة نفسها بكل عفوية. وحين أتناول هذا الموضوع الحساس للغاية في هذه الظرفية السياسية العربية القلقة، لا أفعل ذلك لا بنية التبرير ولا بنية التخوين، بل بدافع الحاجة إلى غربلة الرأي العام من المغالطات، وإعادة النقاش إلى أرض الواقع ونقاء العقلانية، بعيدًا عن التهويل والتخويف.
     

    إنني لا أعارض من يعارضون التطبيع، ولا أؤيد من يصفقون له دون شروط. ما أرفضه بالأساس هو السقوط المدوي في الفانتازيا السياسية التي تستخدم أحيانًا لتضليل الرأي العام أو ابتزازه عاطفيًا ووجدانيا.
     

    إنه من حقنا جميعًا أن نناقش الخيارات الكبرى لوطننا المغرب، لكن من واجبنا أيضًا أن نفعل ذلك بشجاعة فكرية، لا بخطاب العدمية أو التخويف المجاني.
     

    منذ إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، عاد الجدل القديم-الجديد حول مسلسل التطبيع إلى الواجهة، حاملاً معه تداعيات واسعًة من الآراء والمواقف. وبينما تحاول فئة من السياسيين المغاربة النظر إلى هذه الخطوة من منظور استراتيجي يخدم المصالح العليا للبلاد، يروج البعض الآخر، من معارضي هذا التقارب، لخطاب يخلط بين التخوف المشروع والافتراء السياسي، ومن أكثر المزاعم غرابة وابتعادًا عن المنطق، الادعاء بأن دولة إسرائيل قد “تنتقل إلى المغرب” أو أنها تسعى من خلال تقاربها مع بلادنا لتحويل المملكة إلى “وطن بديل!!” في المستقبل البعيد وفق أجندة سياسية ذكية واختراقية بدهاء سياسي كبير…
     

    إن هذا الادعاء، الذي لا يستند إلى أي أساس تاريخي أو جيوسياسي أو قانوني، يكشف أكثر عن أوهام المؤامرة من كونه قراءة تحليلية واقعية.
     

    في هذا المقال، سنفند هذا الخطاب اعتمادًا على معطيات موضوعية، وسنوضح خلفياته الأيديولوجية ومآلاته على الوعي السياسي في المغرب والمنطقة العربية ككل.
     

    إن العلاقات المغربية-الإسرائيلية ليست وليدة لحظة اتفاق التطبيع، بل تعود جذورها إلى ما قبل استقلال المغرب. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت هناك قنوات تواصل واتصال بين الجالية اليهودية المغربية في الكيان الإسرائيلي والمملكة المغربية، في إطار إنساني وعائلي، قبل أن تتخذ لاحقًا أبعادًا سياسية واستراتيجية.

    وعند استئناف العلاقات بين البلدين عام 2020، كانت المصلحة الوطنية للمملكة المغربية واضحة فوق كل اعتبار: اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وتوسيع لفرص التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع دولة تملك نفوذًا دوليًا وشبكة ابتكارات واسعة.
     

    فهل من المنطقي أن تُجازف دولة ذات سيادة – المغرب – تمتد جذورها لأكثر من 12 قرنًا، بتاريخها العريق، لكي “تستقبل” دولة أخرى فوق أراضيها؟

    تقوم مغالطة “ترحيل إسرائيل إلى المغرب” على فكرة أن إسرائيل كدولة لن تبقى في مستعمرتها الجغرافية الحالية، على إثر أحداث حرب غزة الأخيرة وأنها تبحث عن “موقع بديل” غرب شمال إفريقيا.

    إن هذه الفرضية تفتقر إلى أي سند واقعي وعقلاني ومنطقي وتاريخي حيث إن إسرائيل دولة معترف بها دوليًا، ولها مؤسساتها وجيشها واقتصادها وتركيبة مجتمعها .

    إن فكرة “الترحيل” هاته لا تنتمي إلى منطق الدول الحديثة، بل هي صورة ساذجة مستوحاة من الروايات الدينية المتطرفة، لا من الوقائع السياسية.

    كما أن إسرائيل، رغم نزاعاتها الإقليمية مع جيرانها العرب، تملك استقرارًا داخليًا وأمنًا استراتيجيا متينًا، وهي ليست في وضع “قلق التأهب للهروب” كما يحاول بعض ترويج الخطاب المناهض للإيهام به.

    أخيرا إن المغرب ليس أرضًا مواتا سائبة، بل دولة ذات نظام ملكي عريق وشعب متماسك وحدود واضحة معترف بها دوليا تمتد من طنجة شمالا إلى مدينة الداخلة جنوب الصحراء المغربية، تحكمها مؤسسات ملكية ودستورية وقانونية ، ولا يمكن أن يُفرض عليها أي “احتلال سلمي أو حربي” كما يلمح البعض ضمنيًا وخصوصا المعارضين في الخارج وجمعيات مناهضي التطبيع والتيارات الإسلامية  في الداخل.

    إن المزاعم التي يروّج لها لفرضية “انتقال الإسرائيليين إلى المغرب” لا يمكن فصلها عن خطاب أيديولوجي عربي قومي قديم يعتبر أن “كل علاقة مع إسرائيل هي خيانة للقضية العربية الأولى”، ويعتمد على شيطنة الآخر بدل تفكيك الواقع بموضوعية ونقذ ذاتي رصين.

    كما أن هذا الخطاب، الذي ورثناه من ثقافة الحرب الباردة ومن أدبيات قومية راديكالية، لا يعترف بتغير موازين القوى العالمية ولا بالمصلحة الوطنية، ويرى في أي تقارب مغربي-إسرائيلي تهديدًا لهوية المغرب ذات الثوابت الراسخة منذ 12 قرنا، لا فرصة لتحديث أدوات السيادة الوطنية في عصر متغير في كل وقت وحين.

    كما أن هذا الخطاب لا يخلو من نزعة معاداة السامية المستترة، حيث يختزل اليهود -بمن فيهم اليهود المغاربة- في صورة العدو الأزلي، دون اعتبار لانتمائهم التاريخي الراسخ للمغرب كمكون من مكونات الهوية الوطنية.

    ينبغي إذن أن نفرّق بين التطبيع كقرار سياسي خاضع أساسا للمصالح الوطنية العاليا، وبين الهرولة أو التبعية للقوى العظمى. فما قام به المغرب هو استخدام ذكي للأدوات الدبلوماسية المتاحة لتحقيق مكاسب استراتيجية، على رأسها ملف الصحراء الغربية.

    ثم إن التطبيع لا يعني إغلاق باب التضامن مع أشقاءنا الفلسطينيين في غزة وفي غيرها من المناطق المستعمرة. إن الواقع أعقد من هذه الثنائيات. فالمغرب، بتاريخه وموقعه وعمقه، لا يمكنه أن يكون ساحة لحرب الآخرين بالوكالة، ولا ساحة لزرع الفتن الطائفية أو الأيديولوجية.

    ليس من مصلحة المغرب أن يبقى أسيرًا لمزاعم لا تمت للواقع بصلة. إن ادعاء أن إسرائيل قد “ترحل” إلى المغرب هو تخويف وترهيب وتهويل مجاني لا يخدم سوى صناعة التهييج والتجييش الشعبي وإشعال فتيل الفوضى داخل النسيج الاجتماعي المغربي . 

    فالمطلوب اليوم هو قراءة عقلانية للواقع، تعترف بتعدد المصالح وتشابك التحالفات، دون التفريط في الثوابت العقائدية والتاريخية للمملكة.

    إن المغرب، بحكمته التاريخية، قادر على أن يوازن بين علاقاته الدولية ومبادئه القومية، وأن يكون فاعلًا لا مفعولًا به. أما الذين ينشرون التخويف والأوهام على شكل “نبوءات سياسية”، فهم في الغالب يصرفون الأنظار عن قضايا حقيقية تتطلب نضالًا ومساءلة حقيقية، لا فوبيا خيال مرضي لعل أهمها الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب من طنجة إلى الداخلة والتعبئة اللامشروطة لصد استفزازات بعض الجيران الذين لا تأخذهم غفوة بسبب التقدم الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي الذي يعيشه المغرب من دون حاجته إلى ريع البترول أو الغاز ..إلخ

    الكاتب: عبده حقي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انكشاف النفاق السياسي للسلطات الجزائرية.. بقلم // عبده حقي

      مرة أخرى تقدم الجزائر نفسها كمدافع متحمس عن حقوق الإنسان من خلال التعبير عن “قلقها” إزاء الوضع الإنساني في فلسطين والصحراء المغربية. ومع ذلك، فإن هذا الموقف يخفي نفاقا صارخا من جانب السلطات الجزائرية، التي تستخدم القضايا الدولية لصرف الانتباه عن الانتهاكات المنهجية للحقوق الأساسية في بلدها.
      فقد أدان مؤخرا سفير الجزائر وممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة رشيد بلادهان، خلال الدورة 58 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، “الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان” في فلسطين والصحراء المغربية. ودعا إلى إرسال بعثة لتقصي الحقائق وإعداد تقرير مفصل لمجلس الأمن الدولي. إن هذا الإعلان، الذي قد يبدو نبيلاً للوهلة الأولى، يكشف قبل كل شيء عن تناقضات النظام الجزائري الذي يقمع بشدة أي معارضة على أراضيه.
      وبينما يدين القادة الجزائريون ما يسمى ب”الاحتلال المطول” و”الأزمات الإنسانية” في أماكن أخرى، فإنهم يتجاهلون الاعتداءات على الحريات الأساسية في دولتهم نفسها حيث يتعرض الناشطون السياسيون والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان للاعتقال والسجن بشكل منتظم بذرائع واهية. ويتم تكميم حرية الصحافة، وخنق أي صوت معارض من خلال المحاكمات التعسفية والأحكام الثقيلة. كما يمنع النظام ظهور مجتمع مدني مستقل ويجرم المعارضة تحت ستار مكافحة الإرهاب أو زعزعة استقرار الدولة.
      علاوة على ذلك، تعلن الجزائر التزامها بالتعددية وحقوق الإنسان من خلال تسليط الضوء على تقرير منتصف المدة المقدمة إلى المراجعة الدورية الشاملة واستضافة المقررين الخاصين للأمم المتحدة. لكن هذه الخطوات تظل ماكياج تجميلي بحت، وتهدف إلى تحسين صورة النظام دون إحداث إصلاحات حقيقية. كما تواصل الجزائر انتهاك حقوق التجمع وتكوين الجمعيات، حيث تحظر بشكل منهجي المظاهرات السلمية، وتعمل على حل المنظمات المستقلة التي تتجرأ على تحدي سلطتها.
      وتتجلى المفارقة بشكل أكثر وضوحا عندما نراقب السياسة الخارجية للجزائر. وبينما تقدم نفسها كمدافعة عن الشعب الصحراوي، فإنها ترفض الاعتراف بالتطلعات الديمقراطية للشعب الجزائري إذ يستغل الجيش والنخب الحاكمة قضية الصحراء المغربية كوسيلة جيوسياسية ضد المغرب، بدلا من السعي إلى حل عملي وسلمي للنزاع.
      ويهدف استغلال القضايا الخارجية في المقام الأول إلى تحويل الانتباه عن التحديات الداخلية والحفاظ على الخطاب القومي لترسيخ سلطتها.
      إن الخطاب الجزائري حول حقوق الإنسان في فلسطين والصحراء يشبه مناورة دبلوماسية تهدف إلى إخفاء التجاوزات الاستبدادية للنظام. وبعيداً عن كونها جهة فاعلة ذات مصداقية على الساحة الدولية، فإنها توضح بشكل مسرحي فن الازدواجية السياسية: إدانة الظلم في أماكن أخرى وإدامة القمع في الداخل.
    عبده حقي

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بين خيار الحكم الذاتي أو الاستقلال!؟ بقلم // عبده حقي

    تعيش الجزائر في الوقت الراهن في مفترق طرق سياسي غامض. فقد أثار الإعلان الأخير عن دولة القبائل المستقلة من قبل حركة تقرير المصير في منطقة القبائل التي يرأسها فرحات مهني يوم 20 أبريل من هذا العام مخاوف بشأن الوحدة الوطنية والتفكك المحتمل. وتتطلب هذه القضية المعقدة، والمتشابكة فضلا عن التدهور الاجتماعي والتاريخ الطويل من التوتر السياسي، دراسة تحليلية عميقة.

    منطقة القبائل، للتذكير هي منطقة جبلية في شمال الجزائر، وهي موطن لشعب القبائل الأمازيغي ذي التراث الثقافي المتميز. على مر التاريخ، قاوم شعب القبائل بشدة وبسالة الهيمنة الخارجية، من الحكم الروماني إلى الاستعمار الفرنسي. وقد غذت روح الاستقلال هذه التطلعات إلى الحكم الذاتي إن لم يكن الاستقلال التام . ومن الجدير بالذكر أنه بين عامي 902 و909 م، لعب شعب القبايل دورًا محوريًا في تأسيس الخلافة الفاطمية، مما أظهر نفوذهم التاريخي المجيد. ومع ذلك، مع الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، تم دمج منطقة القبائل قسراً في خارطة الجزائر المصطنعة والتي استحوذت على مساحات شاسعة من شرق المملكة المغربية .

    وقد استمر جمر الاستياء من الحكم المركزي الجزائري في الاشتعال. وفي عام 2001، أثار مقتل طالب في مدرسة ثانوية من منطقة القبائل أثناء احتجازه لدى الشرطة احتجاجات جماهيرية عرفت باسم “الربيع الأسود” والتي سلطت الضوء على مظالم التهميش الثقافي والإهمال الاقتصادي. لقد أدت هذه الفترة من الاضطرابات إلى ظهور حزب الماك، الذي دعا إلى حق منطقة القبائل في تقرير المصير، بدءًا من الحكم الذاتي الموسع داخل الجزائر وربما إلى الاستقلال التام في المستقبل.

    في 20 أبريل 2024، أعلنت حركة ماك “ولادة جديدة” لدولة القبائل، وهي خطوة قوبلت باحتفال محتشم في ظل القمع العسكري السائد. وقد نددت الحكومة الجزائرية بهذا الإعلان ووصفته بأنه غير شرعي، في حين عبر بعض الناشطين في منطقة القبائل عن شكوكهم ومخاوفهم حول المنهج الأحادي الذي تبنته حركة الماك. وإلى حدود كتابة هذه السطور لم يعترف المجتمع الدولي رسميًا بعد بدولة القبائل، ومن المرجح أن تتعامل معظم الدول بحذر شديد لتجنب زعزعة استقرار الجزائر المستعمرة الفرنسية السابقة والتي اقتطعها العثمانيون من الإمبراطورية المغربية التي كانت تمتد من مراكش غربا إلى طبرق في ليبيا شرقا وإلى تخوم موريتانيا جنوبا.

    لا يزال المشهد السياسي الجزائري خاضعا لسيطرة جبهة التحرير الوطني، الحزب الذي قاد الحرب ضد الاستعمار الفرنسي. ومع ذلك، فقد تضاءلت شرعية جبهة التحرير الوطني في السنوات الأخيرة بسبب اتهامات بالفساد وعدم الاستجابة للمخاوف الشعبية. ويتمتع الجيش، الذي يُنظر إليه على أنه ركيزة الاستقرار بالبلاد، بنفوذ كبير أيضًا. ومن الممكن أن يتعرض هذا التوازن الهش بين القوة المدنية والعسكرية لمزيد من التوتر بسبب قضية منطقة القبائل. 

    وهناك جوانب أخرى من التعقيد تتمثل في وجود جبهة البوليساريو داخل الأراضي الجزائرية، وهي حركة صنعتها صراعات حقبة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي وتسعى إلى استقلال الصحراء عن دفة الحكم المغربي. وقد دعمت الجزائر تاريخيا صنيعتها جبهة البوليساريو، حيث استضافت آلاف اللاجئين الصحراويين داخل حدودها، وحشدتهم في ظروف لا إنسانية في منطقة تندوف. إن هذه الديناميكية من شأنها أن تضيف بعدًا إقليميًا لقضية منطقة القبائل، مع ما يترتب على ذلك من آثار محتملة على البلدان المجاورة التي لها مصالح خاصة في صراع الصحراء المغربية.

    من جهة أخرى تواجه الجزائر العديد من التحديات الاجتماعية، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصادي والمشاركة السياسية المحدودة. وجميع هذه القضايا تساهم في خلق شعور بالعزلة الدولية، والتهميش والإقصاء بين الشباب، الذين قد يجدون خطاب حركة الماك منهجا ديموقراطيا ومفتوحا على آمال واعدة. لذلك تحتاج الحكومة الجزائرية بشكل عاجل إلى معالجة هذه المظالم الاجتماعية والاقتصادية لاستعادة شرعيتها وقمع التطلعات الانفصالية في كل من القبايل وتندوف.

    وإذا كانت الجزائر على ما يبدو في الظاهر ليست دكتاتورية كلاسيكية بزعيم واحد يتمتع بالسلطة الستالينية، إلا أن المخاوف موجودة بشأن الميول الاستبدادية المتزايدة للفيف العسكري الحاكم. إن حملات القمع ضد المعارضة والقيود المفروضة على حرية الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي تخلق بيئة لا تُسمع فيها المظالم المشروعة. إن التحول نحو قدر أكبر من الانفتاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان يمكن أن يساعد في معالجة الأسباب الجذرية للحركات الانفصالية.

    يتطلب إذن الوضع الحالي في الجزائر مقاربة شمولية ودقيقة. إن الحوار المفتوح بين زعماء منطقة القبائل والحكومة الجزائرية أمر بالغ الأهمية، يمكن أن تكون اللامركزية، التي تمنح لكل من منطقتي القبائل وتندوف قدرًا أكبر من الحكم الذاتي في الشؤون السياسية والاقتصادية المحلية، حلاً قابلاً للتطبيق.

    وفي نهاية المطاف، فإن إيجاد شكل أكثر شمولاً للحكم، حيث يشعر جميع الجزائريين، بما في ذلك منطقة القبائل وتندوف، بأنهم ممثلون، يشكل ضرورة أساسية لتحقيق الوحدة الوطنية والاستقرار. ويمكن للمجتمع الدولي أن يلعب دورا بناء من خلال المساهمة في المصالحة الوطنية وتشجيع الحوار وتعزيز حقوق الإنسان.  

    إن الضغط على الحكومة الجزائرية لمعالجة المطالب المشروعة داخل منطقة القبائل ومنطقة تندوف بل وفي جميع أنحاء البلاد أمر حيوي. ومع ذلك، فإن التدخل المباشر أو الانحياز إلى الحركات الانفصالية من المرجح أن يأتي بنتائج إيجابية لتصبح الجزائر تتكون من ثلاث دويلات تتمتع بالحكم الذاتي هي دولة الجزائر ودولة القبايل ودولة الشعب الصحراوي وعاصمتها تندوف.

    إن إعلان دولة القبائل يمثل تحديًا كبيرًا لحكام الجزائر. ورغم أن المستقبل القريب غير مؤكد، فإن التوصل إلى حل تفاوضي يحترم تطلعات منطقة القبائل ضمن جزائر موحدة يبدو هو النتيجة المرغوبة أكثر. ولن تتمكن الجزائر من تجاوز هذا الوضع المعقد وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لجميع مواطنيها إلا من خلال معالجة التجاوزات الاجتماعية والسياسية، وتعزيز هوية وطنية أكثر شمولاً، والسعي إلى حوار حقيقي.
      عبده حقي
      للإتصال بالكاتب

    [email protected]

     [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الذكاء الاصطناعي ومخاطره على المنظومة التعليمية.. بقلم / / عبده حقي

    من بين الطرق التي يمكن من خلالها استثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقييم التحصيل الدراسي إنشاء نماذج تعلم آلي متقدمة تستخدم بيانات سابقة لتساهم في تقدم الطالب في الدروس اللاحقة. ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم مهارات الطلاب في مختلف المجالات، مثل اللغة والرياضيات والعلوم والتاريخ، مما يوفر فرصا لتحسين تقييم الطلاب وتحليل أوجه القصور في مكتسباتهم.

    لكن، يجب الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل التقييم البشري بشكل كامل، بل يمكن استخدامه فقط كأداة لتعزيز وتحسين العملية البيداغوجية التقييمية. ويجب أن تكون هذه التقنيات شفافة ومنصفة، ولا ينبغي أن تتضمن أي تمييز أو تحيز بحق أي فئة من الطلاب على حساب فئة أخرى”

    يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل ناجع وإيجابي اتباع بعض المبادئ العامة ، مثل ضرورة ضمان الشفافية والعدالة بين جميع الفئات الطلابية ، وتحديد المسؤولية والحفاظ على الخصوصية والأمان، كما يجب أن يتم استخدامه في إطار الأخلاقيات والقوانين المعمول بها.

    لا يجب منع استثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي على التلاميذ والطلبة الجامعيين بشكل عام، ولكن يجب الاهتمام بتوجيه استخدامهم لهذه التقنيات بشكل صحيح وناجع وفقاً للأهداف البيداغوجية المرجوة والاحتياجات الفردية.

    كما يمكن استخدامها كذلك لتحليل البيانات واستنتاج التوقعات في مجالات مختلفة. ولكن، قد يكون هناك خطر في استخدامها لإيجاد الحلول السهلة والسريعة والتي لا تعتمد على المهارات والمعرفة الأساسية.

    علاوة على ذلك، يجب الانتباه الشديد لأن بعض التطبيقات التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تشتمل على محتوى غير مناسب للتلاميذ ، لذلك يجب مراقبة استخدامها وتوجيهها للاستخدام الآمن.

    من جهة أخرى يجب على الآباء و وأولياء التلاميذ استغلال فوائد الذكاء الاصطناعي في تجويد العملية التعليمية، وذلك من خلال استخدام التطبيقات التعليمية والمنصات الرقمية وغيرها من الأدوات التي تساعد على تعزيز المعرفة والمهارات.

    حماية خصوصية البيانات والمعلومات الشخصية للطلاب، وذلك من خلال استخدام منصات تعليمية آمنة وموثوقة والتركيز على تعلم المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل، مثل التفكير النقدي والإبداع والتعلم الذاتي، بجانب المهارات التقنية الأساسية.

    ومن الجدير بالذكر أنه يجب أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم مدروسة جيدًا ومخططة بعناية حتى لا تؤدي إلى تفاقم الفجوة الرقمية بين الطلاب وتقلل من اعتماد التلاميذ على قدراتهم وكفاءاتهم المعرفية وعلى المعلمين وتفقد الجانب الإنساني في العلاقة بينهما.

    باختصار هل نتفاءل أو نتشاءم بخصوص استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال التحصيل الدراسي والتعليمي في المستقبل ؟

    يقينا لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع بل يتوقف ذلك على الظروف المحيطة بالتطبيق الفعلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم في مختلف أسلاكه. فعلى الرغم من أن هذه التقنيات توفر فرصًا كبيرة لتحسين جودة التعليم وزيادة فعاليته، إلا أنه يجب التأكد من أن النتائج النهائية لا تؤثر بشكل سلبي على الطلاب أو المعلمين أو المجتمع بشكل عام.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الذكاء الاصطناعي والسرقات الفنية والأدبية

    ويتم تطبيق الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات مثل التحليل الضخم للبيانات (Big Data) والتحكم في العمليات الصناعية والألعاب الإلكترونية والروبوتات والرعاية الصحية والمعاملات المالية والتسويق والعديد من المجالات الأخرى.

    تعتمد تقنية الذكاء الاصطناعي على تطوير النماذج الرياضية والتي تقوم بالتعلم من البيانات والخبرة السابقة، وبالتالي يمكن للحواسيب الاصطناعية أن تتعلم وتتكيف مع تغييرات الظروف والبيئة المحيطة بها، مما يؤدي إلى تحسين أداء الحواسيب الاصطناعية وزيادة قدراتها في تنفيذ المهام المختلفة.

    يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات، بما في ذلك المجال الفني والأدبي. ومع ذلك، يثير هذا الاستخدام بعض المخاوف بشأن السرقات الفنية والأدبية.

    في الماضي، كانت السرقة الفنية والأدبية تتطلب الكثير من العمل اليدوي والابتكار الفردي، ولكن اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي القيام ببعض هذا العمل بشكل آلي وفعال. على سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل الكثير من الأعمال الأدبية والفنية الموجودة في قواعد البيانات، وتوليد محتوى جديد استنادًا إلى النماذج السابقة.

    من جانب آخر، يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يساعد في منع السرقة الفنية والأدبية، حيث يمكن استخدامه لإنشاء أدوات للرصد والكشف عن الانتهاكات والتعديات على حقوق الملكية الفكرية.

    ومع ذلك، يجب أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بحذر ووعي، لأنه يمكن استخدامه لأغراض غير قانونية أيضًا، مثل إنشاء محتوى مقلد أو مسروق. وبالتالي، يجب وضع قواعد أخلاقيات واضحة للاستخدام الصحيح للذكاء الاصطناعي في المجالات الفنية والأدبية، بما في ذلك حماية حقوق الملكية الفكرية والابتكار الفردي.


    يمكن للذكاء الاصطناعي كذلك أن يؤثر بشكل كبير على السرقات الفنية والأدبية. على سبيل المثال ، يمكن استخدام تقنيات التعلم الآلي والشبكات العصبية لإنشاء صور وفيديوهات واقعية تمامًا من دون الحاجة إلى أي مصدر للصور الأصلية، وبالتالي يمكن استخدام هذه التقنيات للسرقة الفنية.

    بالنسبة للأدب، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء نصوص وروايات جديدة تبدو وكأنها كتبت بواسطة كاتب بشري ، وهذا يمكن أن يؤدي إلى سرقة حقوق الملكية الأدبية. ومع ذلك، يمكن استخدام التكنولوجيا نفسها للكشف عن السرقات الأدبية، حيث يمكن استخدام برامج الكشف عن التشابه للبحث عن نصوص مشابهة وتحديد مدى الانتحال.

    بشكل عام، يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعي في السرقات الفنية والأدبية على أخلاقيات المستخدمين والمطورين لهذه التقنيات ، حيث يجب عليهم الالتزام بأعلى المعايير الأخلاقية والقانونية للتأكد من أن التقنيات لا تستخدم بطريقة غير مشروعة أو غير أخلاقية.

    أخيرا يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في السرقات الفنية والأدبية من خلال استخدام تقنيات التوليد الآلي للنصوص والصور والموسيقى والفيديوهات. فمثلاً يمكن للذكاء الاصطناعي توليد نصوص أدبية أو فنية جديدة باستخدام تقنيات النمذجة اللغوية العميقة والتعلم الآلي. كذلك يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد صور فنية أو تصميمات جديدة باستخدام تقنيات الجرافيكس الحاسوبية والتعلم العميق.

    ومع ذلك، يمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي للكشف عن السرقات الفنية والأدبية. فباستخدام تقنيات التعلم الآلي وتحليل النصوص والصور والفيديوهات، يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد مدى تشابه الأعمال الفنية والأدبية والكشف عن السرقات المحتملة.

    ومن المهم التأكد من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يتم بشكل قانوني وأخلاقي، حيث يجب احترام حقوق الملكية الفكرية للفنانين والمؤلفين، وعدم استخدام التقنيات الذكية للتلاعب أو التحايل على حقوق الآخرين.
    بقلم​ / / عبده حقي   للإتصال بالكاتب:

     [email protected]

     [email protected]

    إقرأ الخبر من مصدره